ليست مجرد تجربة (10)

أزمة التسجيل !

   خلال فترة العطلة الصيفية، ربطت نفسي بعقد عمل مؤقت لمدة ستة أشهر مع مصرف الشامل، ومن يعمل في مجال البنوك والمصارف، يعلم كيف العمل في قسم العمليات ( Operation) في هذه المؤسسات، حيث كنت أعمل، يقتل الوقت قتلاً، ويجهز على ما يملك الإنسان من طاقة إجهازاً! فأصبحت بين خيارين، إما أن أعمل، وأكمل دراستي مساءاً، خاصة وأن نسبة فرصة التثبيت في العمل كانت 100% تقريباً، وإما أن تنتهي فترة العطلة الصيفية، وأنهي عملي قبل انتهاء مدة العقد بثلاثة شهور وأرجع للدراسية الصباحية في الجامعة.

   لذلك، ضغطا علي، الكواري ومطر، كثيراً لترك اللجنة الخدماتية للزميل صادق الشعباني، خوفاً من فشلي فيها، فقد كانت ثقتهم في طالب جديد على العمل الطلابي متضعضعة، ومن ناحية أخرى، لأنهم وجدوا أن فرصة ترك الدراسة الصباحية والعمل في المصرف كبيرة جداً، وهذا يعني أنهم لن يروني في الجامعة أبداً، سوى وقت الاجتماعات الاعتيادية، ورغّبوني لأنزل عند رغبتهم بمنصب الأمين المالي، وما دور الأمين المالي في هيئة لا تملك التصرف أبداً في ميزانيتها؟!

مع نهاية العطلة الصيفية، نظّمت دائرة شئون الموظفين بالمصرف رحلة لجزرحوار، وفي طريق العودة، على القارب الأبيض، ومع راحة النفس وسط الأفق المغمور في ماء البحر من كل جهة، اتخذت قرار ترك المصرف الذي عملت فيه لمدة ثلاثة أشهر، ولم أطق أن أستمر أكثر لطبيعة عملي فيه! لم يكن طموحي يوماً أن أصرف الساعات الطوال والجهد الكبير، في النظر والتدقيق في الأرقام، وتحويل الحسابات، والتأكد من صحة المبالغ، وغيرها من أعمال مضنية تؤدّى بعيداً عن إعمال الفكر ومقابلة الناس. أليس هذا الكلام غريب أن يصدر من طالب محاسبة!

   يوم العودة من الرحلة كان اليوم الأول من أيام فترة الحذف والإضافة للفصل الأول من العام الدراسي 04-2005 ، وكثر السؤال عن رئيس لجنة الخدمات في أول امتحان له، وكان يغطي مطر على صاحبه المستمتع في رحلته، برده على السائلين: (إنه مريض!).

   فترة الحذف والإضافة من أكثر الفترات التي يحتك فيها أعضاء المجلس بأعداد كبيرة من الطلبة، وذلك لأن فيه تكثر المشاكل، وبعبارة أدق، تبرز المشاكل أكثر من أي فترة أخرى، فحري على المجلس أن يكون متواجداً لمساعدة الطلبة، والسعي لحل المشاكل التي قد تصادفهم خلال عملية تسجيل المواد. تتولى لجنة الخدمات مهمة تنظيم عمل المجلس خلال هذه الفترة.

   في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، أيقظني اتصال: (وينك الحربان؟). وكان صوتي المرعب يكفي للإجابة على سؤاله. أضاف المتصل: (ألحق، هناك مشكلة كبيرة جداً في التسجيل، لقد تم حذف المواد من جداول الطلبة!). هرعت لتأدية الطقوس "الحمامية" الصباحية، المفروضة عليّ من جسدي، النحيف ذلك الوقت! ولبست ثيابي وطرت إلى الجامعة.

   قبل وصولي إلى هناك تلقيت اتصالاً من أحد أنشط أعضاء المجلس، يخبرني فيه عن نيته لتنظيم اعتصاماً أمام مكتب رئيسة الجامعة، احتجاجاً على ما جرى (حذف المواد المدرجة في جداول الطلبة) وما سببه ذلك من أزمة وإرباك، فطلبت منه أن يكف عن هذه الفكرة، إلى أن أصل للجامعة وننظر في الأمر. ذهبت للصالة الرياضية، حيث مكان التسجيل في فترة الحذف والإضافة. أحد الأعضاء أشار علي من بعيد، دون أن ألحظ، وقال مخاطباً طالبتين: (هذا هو رئيس لجنتكم)، زهرة وفاطمة، تطوعتا في العمل في اللجنة من اليوم الأول، وانصدمتا من رئيس اللجنة، بالأحرى من شكل رئيس اللجنة! أخذت معي مطر والكواري وذهبنا إلى مكتب عميد القبول والتسجيل، الدكتور عيسى الخياط.

   شرح لنا الخياط أسباب الأزمة، وكيف أنه اضطر لاتخاذ قرار حذف المواد من جداول الطلبة، بعد أن أصبح هناك نقصاً غير متوقعاً في عدد الأكاديميين! حتى يتمكن بعدها من إعادة إضافة المواد للطلبة، مع ضمان حصول كل طالب على أربع مواد على الأقل، وهو ما يجب أن توفره الجامعة لكل طالب في الفصل الواحد. بعدها عقدنا اجتماعاً عاجلاً لجميع أعضاء المجلس، وأخبرتهم بأنه لا شك عندنا في تقصير إدارة الجامعة، على الأقل في متابعة موضوع الكادر الأكاديمي من الأساس، ومهما كانت الأعذار فالجامعة لديها من الجهاز الإداري والتنظيمي، ما ينبؤها بالأزمة قبل حدوثها، المفروض! وسألت الأعضاء: (هل تودون أن نتفرغ للطلبة ومشاكلهم ونحاول قدر الإمكان التخفيف من تبعات هذه الأزمة، أم نتفرغ لمقارعة الجامعة وفضح سوء إدارتها في هذا الظرف؟). وكان الإجماع دون نقاش على الخيار الأول. وهكذا طار الاعتصام المقترح من قبل صاحبنا في أدراج الريح، طبعاً بقناعته التامة!

   وبدأت تجربة مفيدة وممتعة في نفس الوقت مع عميد القبول والتسجيل. كيف تعامل المجلس الطلابي مع إدارة الجامعة المتمثلة في هذا العميد الفاضل خلال هذه الأزمة؟
كان العميد يتواصل مع أربعة من الأعضاء، رئيس المجلس، عبدالعزيز مطر، ونايف الكواري، وصاحب فكرة الاعتصام، وأنا. أما مطر والكواري فقد تجنبا الدخول في نقاش حقيقي مع الدكتور طيلة تلك الفترة، خوفاً من توتر علاقتمها معه، فقد كانوا يأملون في الحصول على مقترحات ومشاريع منه يضيفونها في نهاية دورة المجلس إلى سجل انجازاتهما، ويؤسفني أن أقول بأنهما خرجا من المولد بلا حمص! رغم الوعود والأماني التي حصلوا عليها.

   أما صاحبنا الآخر، الذي كان سيقود اعتصاماً في الصباح، فقد وكّلَ نفسه بالليل محامياً عن الإجراء الذي اتخذته إدارة الجامعة، وقام يبرر ويعلل فعلتها في المنتديات الالكترونية، بتوجيه من الدكتور، وهما يدخنان "الشيشة" في أحد المقاهي! يتوجب علي أن أسجل هنا اعترافاً بدهاء هذا العميد الذي استطاع أن يُسكت هذا المشتعل غضباً وحماسةً، ويجعله في جيبه -كما يقولون- بهذه السرعة!

   أما أنا فقد كنت إذا قال العميد: (لقد تم تسجيل أربعة مواد لهذا العدد من الطلبة)، أباشره بالسؤال: (وماذا عن الباقي؟)، فلحظ العميد حاجتي للترويض أكثر من غيري، خاصة بعد أن صرحت في إحدى الصحف (سيعقد مجلس الطلبة لقاءاً صحفياً حول الأزمة بعد انتهاء فترة الحذف والإضافة مباشرة، وسيقف على أسبابها وآثارها). قامت القيامة ولم تقعد عند العميد، رغم أنه لا يتحمل كثير من أسباب هذه الأزمة، ولكنه كان حريصاُ كل الحرص لإخماد أي تحرك يضخم من تبعات ما حصل، حاله حال أي إداري في أي مؤسسة، حكومية خاصة.
 
   وبدأت سيل اتصالات العميد لكبح جماح هذا المندفع. دون مبالغة كانت الاتصالات تصل في بعض الأيام إلى عشر اتصالات. وهروباً من المواجهة، أو أي محاولة للتخفيف من الموقف، تعمدت عدم الرد على العميد. فلجأ العميد لرئيس المجلس، وضغط عليه ليقنعني بالعدول عن هذه الفكرة المجنونة في نظره! وكنت أطمئن رئيس المجلس بأن اللقاء الصحفي لن ينعقد، ولكن لا بد أن نتقن لعب الأدوار! أظن هكذا تزداد مكانة ممثلو الطلبة عند الإداريين!

   ومنذ ذلك الحين، ولا أدري إلى أي حين، وصورة الشاب المتهور المندفع الذي لا يزن الأمور قبل أن يقدم عليها، هي المرسومة في ذهن العميد عني، ولا أدري من الذي رسمها، هو أم أنا؟! ولكني لا زلت مقتنعاً بأنه كان يقوم بما يجب أن يقوم به، وكذلك أنا.

 

 

National Democratic Institute – NDI

   أولى الاجتماعات الرسمية، في أول محطات الرحلة، واشنطن دي سي، التقينا بثلاث نساء ورجل، عرضوا لنا خدماتهم النبيلة المشكورة، الساعية لحرث تربة الشرق الأوسط، تلك التربة القفرة القاحلة، التي لا تستوعب بذور الاصلاح والتطوير إلا بعد عمليات الحرث الشاقة، ولهؤلاء من مقرهم المتواضع في واشطن دي سي، وبمساعدة فروعهم في بعض الدول العربية، لهم من عملية الحرث هذه حظٌ ونصيب.

     من هناك، يرسمون الخطط ويضعون الخطوات العملية، لأجل من؟ لأجلي وأجلك أيها القارئ الكريم، إنهم يجدون ويجتهدون لحياة أفضل، لي ولكَ ولكِ، حياة العدل والمساواة، حياة الحرية والكرامة، حياة في ظل حكم رشيد!

     ولكننا نحن المتخلفون، لا أدري لماذا نعتبر هذه الخدمات الجلليلة المجانية تدخلاً في شئوننا الخاصة! أرأيتم أناساً جائعون، لا يعرفون كيف يزرعون، فضلاً عن أن يحرثون، وفي هذا الوضع المأساوي المزري، مساعدة الغير يرفضون!

     بعد دقائق من بداية الاجتماع، دخل الأستاذ فوزي جوليد، وجلس مستمعاً قريباً من الباب، آه.. جهز سؤالي الآن: (تعتبر بعض الدول جهودكم تدخلاً في شئونها الداخلية الخاصة، ومثال على ذلك ما حصل للأستاذ فوزي جوليد في البحرين، فقد كان وجوده غير مرغوب فيه.. أتمنى أن يبين لنا ما حصل له هناك). لم أسمع تعليقاُ من جوليد، وسمعت من إحداهن إقرار بصحة وجود هذه النظرة لدى بعض الدول. سألت عن جوليد قبل مغادرة المبنى. عنده اجتماع مع امرأة سعودية. السعودية، حيث الأرض الأكثر وعورة. من المؤكد أنهم يعملون في حرثها، من المؤكد أنهم يجتهدون أكثر من غيرهم! أعانكم الله يا الشعب السعودي! عليهم وعلى غيرهم!

     نكتة "دسمه" قالتها إحدى الثلاث، وهي العربية الوحيدة بينهم، مغربية، قالت: (نحن لا نأتي بأجندة، لا نفرض شيئاً على الناس، مجرد نساعد الناس على تنظيم أنفسهم، وكيف يمارسون السياسة…) يا لها من "مجرد" بريئة! لم نضحك كعادتنا بعد سماع النكت، ربما لأن النكتة قديمة قِدَم "آخر كم؟؟.. كم آخر؟؟". بالمناسبة، تعتبر الولايات المتحدة المغرب مثالاُ تطلب من الدول العربية الاحتذاء به، ومن يعرف أن مستشاري الملك المغربي يهود، لا يستغرب هذه المعلومة.

    مداخلة أخيرة، سعيت كما أسعى دائماً لتكون من نصيبي: (أنتم تُعلمون الناس الديمقراطية، و"حماس" أنتخبت بكل ديمقراطية، والآن أصبحت "حماس" حركة إرهابية! لذا أقترح أن تكون هناك منظمة NRI، National Respect Institute ، نسعى من خلالها لتعليم الأمريكيين أن يحترموا خيار الشعوب الأخرى!).

     سادت ثواني من الصمت، ثم قالت واحدة من الموظفات، منسقة مكتب المعهد في البحرين مستقبلاً، نحن نعمل بالوزارة الخارجية الأمريكية، وعندما تصنف حكومتنا إحدى الجماعات أو المنظمات على أنها إرهابية، فلا يمكننا نحن تغيير ذلك، وبالتالي لا يمكن أن نتعامل حتى معهم. شعرت بأن التعليق صدر فقط ليكسر ثواني الصمت التي سادت قبل قليل، لا غير.

     تعرض مصطفى الدباغ في كتابه (إمبراطورية تطفو على سطح الإرهاب) للأعمال الإنسانية هذه، التي تقوم بها الولايات المتحدة، باستخدام وسائل وأذرع عدة، ما معهدنا هذا إلا واحد منها: "وطالما أننا شرعنا في مناقشة برنامج محاور الاصلاحات الأمريكي وأولها محور التغيير أو الإصلاح السياسي بفرض الديمقراطية فلا بأس من الاستطراد لنجد كما رأينا في تفنيد زبيغنيو بريجنسكي لفرض الديمقراطية وزج المسلمين قسراً وبالإكراه في مدرسة الديمقراطية الأمريكية أن هناك الكثير من الآراء المضادة لما فيها آراء المسؤولين حيث انتقد وزير الخارجية المصري أحمد ماهر تصريحات رايس وغيرها حول (بناء الديمقراطية) وأن أمريكا قوة محررة للدول الإسلامية غير الديمقراطية وقال: (إننا لسنا بحاجة إلى دروس من أحد) … وهذه الرؤية العربية هي رؤية غربية منصفة كذلك عبر عنها كبار المفكرين ففي لوس انجيلوس تايمز كتبت ايرا ريفييكن تقول: (من الخطأ الفادح جداً أن نحاول فرض قيم ثقافتنا الغربية وحشرها حشراً في العقول ووجدان الآخرين، ذلك أن ردة الفعل ستكون دامية ومأساوية)".

     ولكن، هل بإمكاننا أن نعتبر مكاتب صغيرة هناك وهناك في الوطن العربي، المتصلة بهذا المقر المتواضع بواشنطن دي سي، آلية فرض للثقافة السياسية؟! لا أظن، إلا إذا تخيلت الضغوطات التي تمارس على الحكومات العربية، والتي تتم هندستها في مكاتب كهذه.

     ثمة نقطة ملحة تقفز إلى الذهن، كلنا متفقون على ضرورة التغيير السياسي في بلداننا العربية، لماذا إذاً هذه النظرة للمساعدات الخارجية؟ وهل نتوقع من المضطهدين، الذين يعيشون أوضاعاً مأساوية في بعض –بعض!- الدول العربية، غير الترحيب بهذه التدخلات والمبادرات؟ سؤال أخير، هل كلنا متفقون أساساً على ضرورة التغيير؟! هل أنا شخصياً واحد من المتفقين؟!

    أهم معلومة للمستثمرين الكبار قبل أن يستثمروا ثرواتهم في شركة ما، هي معرفة أعضاء مجلس إدارة تلك الشركة كما بينت إحدى الدراسات، ومعرفة مؤهلاتهم وكفاءتهم وخبراتهم، وفكرهم الاقتصادي إن صح التعبير، أعتقد أن الأمر لا يختلف أبداً بالنسبة للمنظمات السياسية، لذا أجد من المناسب أن أنقل هنا شيئاً مما ورد في كتاب (الجبروت والجبار) لمادلين أولبرايت، رئيسة مجلس إدارة معهدنا (NDI)، وزيرة خارجية الولايات المتحدة 97-2001م، في عهد كلنتون، تقول:

    "عندما غادرت الحكومة في سنة 2001، عدت إلى التدريس الجامعي، عشقي القديم. وفي جامعة جورج تاون، أعلّم مقرراً واحداً في الفصل يتقلّب بين طلبة الدراسات العليا والطلبة غير المتخرجين. وفي بداية كل مقرر، أوضح لطلابي الغاية الرئيسية للسياسة الخارجية هي إقناع البلدان الأخرى بأن تفعل ما نريد –عدنا لنكتة الأجندة-. ولهذه الغاية، يوجد لدى الرئيس أو وزير الخارجية أدوات تتراوح بين القوة العسكرية الصريحة والعمل التفاوضي الشاق جيئة وذهاباً والاستخدام البسيط للمحاجة المنطقية. ويتكون فن سياسة الحكم من إيجاد المزيج الذي يعطي أفضل النتائج. ويتطلب ذلك بدوره فهماً واضحاً لأكثر ما يهمّ من نحاول التأثير عليهم. ويترجم ذلك بالنسبة لرجال الأعمال إلى "معرفة الزبون". ويعني في الشؤون العالمية، التعلم عن البلدان والثقافات الخارجية، ولا يمكن القيام بذلك فيما تلفّ المشاعر الدينية العالم بدون أخذ المعتقدات والدوافع الدينية في الحسبان".

     وفي معرض حديثها عن القضية الفلسطينية: "ونقبل المقولة بأننا لم نطلب الكثير من العرب، الذين لديهم مدن مقدسة أخرى وكثير من الأرض، بإفساح متّسع لشعب إسرائيل الصغير في المكان الوحيد الذي كان لديهم وطن حقيقي فيه".

     إذا كان الأثرياء يعدلون عن الاستثمار في شركة ما بسبب اختلاف وجهات نظرهم مع أعضاء مجلس إدارة تلك الشركة، فإنهم سيجدون ستين شركة أخرى بإمكانهم الاستثمار فيها. فماذا يفعل المطحونون هنا وهناك في وطننا العربي إذا لم تعجبهم مجالس إدارة المنظمات السياسية الخارجية، وهم في أشد الحاجة للتغيير؟! خاصة في ظل ضعف المنظمات الأخرى، الإسلامية منها خاصة (انظر: أزمة سياسية إسلامية).

قدم أستاذي العزيز يوسف اليوسف عرضاً طيباً لكتاب (الجبروت والجبار)، يمكنكم الإطلاع عليه من هنــا

هل من ثقة في جهود الطلبة ؟؟

   
   من أهم عوامل نجاح ملتقى إدارة الأعمال الثاني الذي نظمه مجلس الطلبة في مارس الماضي، هي الحرية التي منحت للجنة المنظمة في عملها، فقد رفضتُ حينها، وكنت رئيساً للجنة المنظمة، أن تضع الجامعة لجنة "فوق" لجنتنا لتنظيم الملتقى! لأني كنت مدرك ما تعنيه كلمة "فوق" لدنيا من كل معاني التعطيل، والبيرواقراطية المقيتة، والخلاف في وجهات النظر على أتفه الأمور، ورفع الضغط وما إلى آخره.
     
وشرطت حينها، وبرجاء، رئيسة الجامعة، الدكتورة مريم بنت حسن آل خليفة، أن تمنحنا الحرية في التنظيم وعدم التدخل لا في صغائر الأمور ولا في كبيرها، بعد أن قدمت مقترح الفعالية، بأسماء المتحدثين المقترحين. ولأن الرئيسة تثق في عطاء الطلبة ومقدرتهم على التنظيم، منحتني الثقة بكل ترحيب، فترجم الطلبة هذه الثقة بنجاح باهر في تنظيم الفعالية التي شارك فيها ما يزيد عن سبعمائة مشارك من داخل وخارج البحرين.

تبذل جمعية كلية تقنية المعلومات هذه الأيام جهوداً جبارة استعداداً لملتقى (تقنية الملعومات.. الفرص والمستقبل)، الذي سيقام بإذن الله في الفترة 22-24 أكتوبر، وللأسف دخل التنظيم متاهة "التنسيق" مع عمادة شئون الطلبة بوضع لجنة "فوق" اللجنة المنظمة، فبدأت اللجنة "الفوقيه" بعمل واجبها في تسهيل إجراءات التنظيم مع الطلبة، الذين بذلوا كثيراً من الجهد والوقت حتى هذا اليوم، فكانت أول التسهيلات: تأخير طباعة الاعلانات المبدئية للملتقى، بسبب عدم احتواءها على عبارة "عمادة شئون الطلبة"! وكأن شعار الجامعة، حيث العمادة جزء منها، وشعار الجمعية التي تعتبر تحت العمادة، لا يكفيان! وجوب إضافة "عمادة شئون الطلبة" دائماً وعدم الاكتفاء بالشعارات، من وجهة نظري عقدة إدارية، تحتاج لمن يعالجها نفسياً.


وتستمر اللجنة الموقرة في دعم هذا النشاط الواعد والقائمين عليه، فبعد جهد جبار من رئيس اللجنة المنظمة، الطالب عثمان الخان، ورفاقه، تم تدشين الموقع الالكتروني للملتقى، وظهر الموقع بصورة تعكس دقة التنظيم وجماله، تسلم الخان رسالة من رئيسة اللجنة "الفوقيه" جاء فيها: (… تبين بأنكم دشنتم موقع الكتروني للجمعية غير رسمي بغرض نشر معلومات عن الملتقى، لذا نرجو إغلاق الموقع فوراً والتقدم بطلب رسمي لفتح الموقع بحسب نظم الجامعة)! هكذا دون أدنى تقدير للجهد المبذول في تصميم الموقع، ودون أدنى مراعاة لما تتركه هذه التعليمات من أثر سيء في همة المنظمين ومعنوياتهم! على الأقل لتكن الرسالة: (نظراً لقرب فترة انعقاد الملتقى، ونظراً للحاجة إلى التعريف بالملتقى والإعلان عنه، نرجو منكم إدراة الموقع الالكتروني مع مراعاة التالي: وصفوا شروطكم…).

    أمر آخر نرجو التنبه له، عندما تشكل لجنة مؤقتة، ونلزم الطلبة بالتعامل معها في تنظيم فعالية ما، يجب أن تمتلك هذه اللجنة من الصلاحيات ما يمكّنها من اتخاذ القرار في كل ما يتعلق بالفعالية المزمع إقامتها، لا أن ترجئ الطلبة في كل صغيرة وكبيرة، وتعطلهم حتى تحصل هذه اللجنة على الرأي من لجنة أخرى، ربما أعضاءها العميدة فقط! وأيضاً هذه الأخيرة قد تلجئ للجنة أكبر، ربما أعضاءها رئيس الجامعة فقط!

    أرجوكم لا تعطلون الطلبة، وكونوا لهم عوناً في رفع اسم جامعتنا، وتعاملوا معهم معاملة الموظف الذي وُضِعَ لتسهيل عمل الطلبة في تنظيمهم للفعاليات، لا معاملة المراقب المحاسب، الذي لا يهمه إقامة الفعالية ونجاحها، فضلاً عن تشجيع وتكريم القائمين عليها، بقدر ما يهمه التدخل في كل صغيرة وكبيرة، أو إضافة هذه العبارة وحذف تلك من الإعلانات! 

    إنها الثقة في الطلبة وجهودهم، السر الذي يكشف ما لديهم من إبداع، ويستثمر ما يملكون من طاقة، وكلي ثقة في رئيس الجامعة الدكتور إبراهيم جناحي ليلتفت لهذا الأمر المهم جداً، فلديه طاقة هائلة متمثلة في الطلبة، يستطيع استغلالها من خلال العمل الطلابي لما يخدمهم ويخدم وطنهم أيما استغلال!

 

الموقع الالكتروني لملتقى (تقنية المعلومات.. الفرص والمستقبل):

 
 
مع تمنياتي للقائمين على هذا الملتقى كل التوفيق والنجاح،

ويعطيكم ألف عافية

أمريكا شيكا بيكا

    في الفترة 25 أغسطس – 15 سبتمبر شاركت في برنامج "القيادة الطلابية والمسئولية المجتمعية" المنظم برعاية الوزارة الخارجية الأمريكية، وهو برنامج يتم اختيار المشاركين فيه من خلال سفارات الولايات المتحدة في عدد من الدول العربية، على أن يكونوا شباباً ناشطين، قادة إن صح التعبير. يهدف البرنامج إلى تعريف قادة الشباب العربي لطبيعة الأنشطة الطلابية والشبابية في أمريكا، ودورها في الشراكة المجتمعية، وأثرها في المشاركة السياسية.

تم اختياري للمشاركة في هذا البرنامج عندما كنت رئيساً لمجلس طلبة جامعة البحرين، أي حوالي قبل عامين من وقت البرنامج. هذا مجرد توضيح لمن قال أنه تم ترشيحي للمشاركة من قبل جمعية علمانية!

شارك في هذا البرنامج ثلاثة عشر شاباً وشابة. من الخليج، فقط جاسم من الكويت ،والسيد عدنان وأنا من البحرين. نعم شاركت مع الأخ السيد عدنان في هذا البرنامج، أعلم بأن أسمي لم يُذكر معه في الأخبار، الرسمية وغير الرسمية، التي نشرت في بعض الصحف المحلية، والتي نشرت أكثر من مرة. لا أعلم ما السبب! لا يهم!
بعد عودتي من الولايات المتحدة الأمريكية، قابلني معظم الأصدقاء بعد السؤال التقليدي: (شلونك؟ شمسوي؟) بسؤالهم: (شلون أمريكا؟)، فأجيب على السؤال الثاني: (أمريكا شيكا بيكا)! والرد كما هو واضح ليس بإجابة بقدر ما هو اعتذار عن الإجابة بأسلوب مهذب! إذ كيف لي أن أختصر إجابة سؤال عن رحلة استغرقت ثلاثة أسابيع، في زيارة لخمسة ولايات، وعدة لقاءات وفعاليات في كل ولاية، كاختصاري لجواب السؤال الأول بقولي: (الحمد لله)؟!

لذا، قررت أن أكتب هنا سلسلة قصيرة من المقالات، أتطرق خلالها لشيء من يوميات ومواقف هذه الرحلة الممتعة، فانتظروني..

ليست مجرد تجربة (9)

رئيس لجنة الخدمات الطلابية
بعد أن أصبحت عضواً بالمجلس بالتزكية، كان جل اهتمامي في تلك الانتخابات أن يفوز مرشح كلية الحقوق، صديقي نايف الكواري، حيث كانت هذه الكلية، ولا زالت، الأشد وطيساً في الانتخابات! وذلك بسبب الاصطفاف الطائفي في الكلية، والذي جعل من "الطالب أولاً"، المحسوبة على جمعية إسلامية شيعية -جمعية الوفاق- أن تتحالف دائماً مع القوائم الأخرى، التي تصفها هي بالعلمانية والشيوعية، فقط لأنها تنتمي لنفس الطائفة!
وتسطيراً لتلك المرحلة من الحراك الطلابي، من المهم أن أشير إلى مقاطعة "منتدى الجامعيين" التابع لجمعية الإصلاح لهذه الانتخابات، قاطعوا الترشيح ولكنهم لم يقاطعوا التصويت، أي لم تكن هناك تلك الاجتماعات التي عهدناها في الانتخابات الأولى، والتي تغيرت نوعاً ما في الانتخابات الثانية، وفي الحقيقة لا أعرف سبب ذلك، أهي المشاكل التي حصلت في انتخابات المجلس السابق؟ أم أنهم لم يجدوا من ضمن صفوفهم الكوادر المؤهلة، كما صرح أحدهم؟ أم لأسباب أخرى؟ لا أدري، ولكني أستغرب السبب الثاني وأستبعده.
كنت أنتظر النتائج في مسبح (جامعة الخليج العربي) المتواجد داخل جامعتنا، وكان، صديقي فوزان خليفة، عضو المجلس السابق، يعطيني النتائج أولاً بأول من خلال الهاتف، فاز نايف الكواري، ووصل من وصل، وخسر من خسر. وكان من ضمن الفائزين أيضاً، القيادي البارز في "الطالب أولاً"، الزميل صادق الشعباني، وهو ناشط طلابي فاعل جداً.
من الطبيعي أن نتشاغل الآن بموضوع توزيع المناصب. في هذه الأثناء تشكل تكتل صغير في حجمه وسأترك للقراء أن يحكموا إن كان كبيراً في تأثيره أم لا. كان التكتل يضم ثلاثة من أعضاء المجلس وهم: الأخ نايف الكواري وقد وصل للمجلس بعد فوزه في انتخابات كلية الحقوق كما أسلفنا، والأخ عبدالعزيز مطر وكان ناشطاً طلابياً قديماً، ترأس جمعية كلية التربية لمدة ثلاث سنوات متتالية، فكان عضواً في المجلس في دورتيه السابقتين الأولى والثانية أيضاً -تنص اللائحة الأساسية لمجلس الطلبة أن يكون رئيس الجمعية الطلابية عضواً في المجلس-، وكنت أنا ثالث الثلاثة، كان الثالث أصغرهم رغم ما شاء البعض أن يسميه "كبيرهم"، ويكملها البعض الآخر "الذي علمهم السحر"!
أبدى الأخ عبدالعزيز رغبته في ترشيح نفسه لرئاسة المجلس بطريقة لبقة وذكية جداً، فهو لم يصرح برغبته وإنما تركنا نصل بأنفسنا لهذا القرار عن قناعة، فلم يكن أحدٌ منا نحن الثلاثة يملك الخبرة والمعرفة بطبيعة العمل الطلابي كما كان يملكها عبدالعزيز، فكان اتفاقنا عليه محسوماً منذ البداية تقريباً، ولم ألتفت لنصيحة -إن جاز لي تسميتها بذلك- وجهت لي تدعوني بأن لا أدع الفرصة له لرئاسة المجلس وأن أرشح نفسي لهذا المنصب، قلت للأخ الناصح: تعلم أن هذا المكان لا يناسبني الآن، وإخفاقي فيه تعتبر وصمة عار سأحملها طول عمري، وسيحملها المتدينون في نظر كثير من الناس.
لم يكن تغيير واقع العمل الطلابي والاستفادة منه بقدر الإمكان هو ما يشغلني في تلك الفترة، بل احتل المرتبة الأولى في قائمة اهتماماتي تغييراً آخر، وهو تغيير النظرة الدونية التي يرى بها بعض الطلبة والناس للمتدينين. كنت أود أن أقول من خلال المشاركة في العمل الطلابي تحت مظلة المجلس بأن الطلبة المتدينون قادرون على خدمة أخوانهم الطلبة بأفضل وجه، وعلى التميز في تنظيم الأنشطة والفعاليات، وعلى الانخراط بفاعلية في المجتمع الطلابي، لا تمنعهم من ذلك "اللحية" ولا "الثوب القصير". لذلك كنت أريد أن أعمل في نشاط يقربني أكثر وأكثر من الطلبة، لهذا السبب وحده أصررت على تولي رئاسة لجنة الخدمات، وهي اللجنة التي من الممكن أن نطلق عليها حينها "العمود الفقري للمجلس"، فهي المعنية بمتابعة مرافق الجامعة من مواقف للسيارات، واستراحات، ومطاعم، وغيرها. والأهم من ذلك، هي المعنية أيضاً بمتابعة شكاوي الطلبة التي تصل للمجلس، وهي المسئولة عن تنظيم عمل أعضاء المجلس في فترة الحذف والإضافة، وإذا كان هناك من عمل لا يمكن تصنيفه ضمن مهام أي لجنة من لجان المجلس، يستطيع رئيس اللجنة الخدماتية، بطريقته، أن يصنفه ضمن مهام لجنته. هل كل رئيس لجنة خدماتية كان يحاول جر بساط أغلب المسئوليات من تحت لجان المجلس كما كنت أفعل؟ الله أعلم.
وبدأت أمتع وأكثر سلسلة اجتماعات إثارة مرت علي تلك الفترة، كنا نجتمع كل ليلة تقريباً في قهوة شعبية بمدينة عيسى "قهوة رامز"، نرسم الخطط ونتخذ القرارات ونكتب نص المسرحيات التي سنمثلها أو سيمثلها أحدنا في اليوم التالي، بمعنى آخر تخطيط متواضع يتبعه تنفيذ. كان القرار يخرج من مطبخ نتولى نحن الطباخون الثلاثة –مطر والكواري وأنا- أمره. ومن تلك الاجتماعات عرفت الكثير والكثير جداً عن التكتلات الطلابية ومدى ارتباطها بتوجهات وتوجيهات الجمعيات والأحزاب التي تنتمي لها، كان هذا الموضوع بالذات أمراً جديداً ومثيراً بالنسبة لي. صحيح أنني كنت محسوباً على جمعية الأصالة، الجمعية السياسية التي تتخذ من السلفية توجه ومنهج، إلا أن اتصالي بأعضاء الجمعية، كان ولا زال، ليس قوياً، ولم يحصل قط أن ألزمت نفسي، أو ألزمني أحد، بما يسمى لدى الأحزاب اليوم بـ"قرار الجماعة"، بل كنت مستقلاً في كل قرار اتخذته كاستقلالي في كل خطوة خطوتها، وكذلك سأظل بإذن الله. والسلفيين في البحرين عموماً كانوا حينها أقل الناس استثماراً لميدان العمل الطلابي، لأسباب أهمها قلة عددهم وحداثة دعوتهم في البحرين.
بسبب علاقاته مع مختلف التيارات الطلابية، وبسبب خبرته في العمل الطلابي، وربما أيضاً بسبب سنه الذي يكبرنا بقليل، تولى عبدالعزيز قيادة سلسلة اجتماعات مطولة أخرى مع قيادات التيارات الطلابية التي كان لها أعضاء ممثلين بالمجلس، للخروج بصيغة متفق عليها لتشكيلة المجلس، تشكيلة تعكس تنوع التيارات الطلابية في المجتمع الجامعي. ولا شك أن الجامعة تعتبر صورة طبق الأصل للمجتمع البحريني، ولكنها مصغرة، ففيها كل التوجهات والتيارات الموجودة في المجتمع البحريني الصغير المكتظ بأعداد تياراته!
توصل عزيز إلى صيغة متفق عليها من قبل الجميع، ما عدا منصب الرئاسة الذي رغب هو في توليه، فممثل كلية إدارة الأعمال، الأخ حمد الزيرة، الذي تطرقت لذكره سابقاً، كان يطمع في شغل نفس المنصب. فتم توزيع جميع المناصب الإدارة في الاجتماع الأول للمجلس دون اللجوء للتصويت ما عدا منصب الرئيس، حيث تنافس مطر وحمد عليه، وفاز مطر بالتصويت، وصار حمد نائباً له.
ولا يفوتني هنا أن أشكر مطر فقد كان لا يتخذ قراراً إلا بعد الرجوع لي وللأخ نايف، ومن ثم يتفاوض مع الآخرين بناءً على ما نتفق نحن الثلاثة عليه، ولعل هذا هو سر توفيق الله لنا في تلك التجربة، فقد كنا ثلاثة أعضاء من أصل عشرين إلا أننا حكمنا المجلس بطريقتنا التي لم يدركها الأعضاء والمراقبون إلا بعد فترة ليست بالقصيرة من عمر المجلس.
كان مطر ينقل لي نتيجة مفاوضاته أولاً بأول، وكان يخبرني بكل خطوة ينوي القيام بها، يخبرني بكل شيء، وبالتفصيل الممل. هذا ما كنت أظنه في بداية الأمر! ولكن وبالرغم من تفصيله في سرد الأحداث، إلا أن التضارب في أقواله أحياناً كشف بعض التحركات والاتفاقات الملتوية التي لم أكن لأوافق عليها لو أنها عرضت علي قبل أن تُبرم، فصارحته: (لماذا لم تخبرني؟) فقال: (عزيزي أحمد أنت إنسان نظيف –لا شك أن هذا ظنه بي، ولا يعني بطبيعة الحال أنها الحقيقة- وهذه لعبة قذرة، ولا بد من لف ودوران وشيء من "العيارة" لنصل إلى المطلوب، ولعلمي بأنك لن توافق على أموراً كهذه رأيت عدم إطلاعك عليها)! أستطيع أن أقول بأنه كان يخفي عني أساليبه فقط، أما الأهداف فكانت محل اتفاق.
ولكن للأسف، هكذا يصور البعض السياسة بأنها لعبة قذرة سيتوسخ المتدينون لا محالة إذا ما مارسوها، فهم يظنون أن النجاح السياسي لا بد فيه شيء من "عيارة" ولف ودوران وربما أيضاً شيء من تغيير في المبادئ والثوابت، فلا مبادئ ولا ثوابت أصلاً في السياسة، كما يخبرنا اليوم لسان حال كثير من الناس، إنما هي مصالح أينما كانت كانوا. هذه وجهة نظر البعض البعيدة عن سيرة السياسي الأحذق والأذكى محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يتلوث بما يزعمونه من ضرورات اللعبة. أتدرون لماذا غدت "العيارة" ضرورة من ضرورات العمل السياسي عند البعض؟ لأنهم أخفقوا في الضرورات الحقيقية التي تحتاج إلى حكمة وعلم وجهد حقيقي وصبر.
بعد أن تم تشكيل المجلس، دخلنا كما تدخل المجالس المنتخبة عادة في فترة استراحة مطولة، لا أدري إن كان ذلك على حساب خدمة الطلبة أم لا، ولكننا لم نكن بدعة من المجالس لكي نبدأ في العمل الجاد الدءوب بعد التشكيل مباشرة! ربما لأن الفترة حينها كانت فترة العطلة الصيفية، ولا أذكر أننا فعلنا شيئاً سوى التحرك لتأجيل امتحانات منتصف الفصل يوم واحد، بسبب انقطاع الكهرباء ليلة ذلك اليوم، وأذكر أنه سمي بالأثنين الأسود!

SICKO

        قد لا تصدقون، بعد دقائق من انتهاء المشهد الرائع- أعني روعة التصوير والإخراج- الذي يروي أحداث قصف بيرل هاربر من قبل اليابانيين، في عملية انتحارية رهيبة، اتصل بي صديقي، وأنا داخل صالة العرض بالسينما، يقول بصوت الدهشة والاستغراب :(أحمد جفت "شصار"؟!)، بصوت منخفض قلت: (علي أنا في السينما، "شصاير"؟!)، فقال: (تم إسقاط برجين في الولايات المتحدة بواسطة طائرتان دخلتا فيهما!)، استغراب ودهشة ممزوجين بشيء من الـ..، لا يهم! وقلت: (علي، الأميركيين يُقصفون هنا أيضاً، في الفيلم!). كانت تلك آخر زيارة لي إلى السينما، 11 سبتمبر 2001، فيلم بيرل هاربر.
     في الحقيقة لا أعلم ما هو الشعور الذي سينتابني اليوم إذا تكرر نفس الحدث، بعد أن عشنا، وبكل ذل، تبعات تلك الهجمات!
     بعد عمر أحسبه طويلاً، دخلت السينما مرة أخرى، ففي صباح يوم أمس وقعت عيناي على إعلان عرض فيلم SICKO، الفيلم الوثائقي الذي يفضح فيه المبدع مايكل موور مساوئ وظلم النظام الصحي الأميركي، ولأني أجد نفسي مهتماً بعض الشيء، في هذه الفترة بالذات، لمعرفة المزيد عن المجتمع الأميركي، ولأني معجب جداً بعمل هذا الرجل، بغض النظر عن الانتقادات التي يواجهها –بعضها بطبيعة الحال في محلها-، كان من الأهمية بمكان بالنسبة لي أن أشاهد هذا الفيلم، فسارعت بالاتصال بالسينما لحجز مقعد، ففيلم حصد مخرجه على جائزة الأوسكار، وأثار ضجة كبيرة، واليوم أول أيام لعرضه، لا شك أن المقاعد ممتازة الموقع سيتم حجزها.
     بعد محاولات مضنية، لم يجب أحد على الهاتف، فقررت الذهاب قبل فترة عرض الفيلم بمدة كافية، وصلت إلى شباك التذاكر في تمام الساعة الثامنة والنصف مساءاً، ويبدأ عرض الفيلم بعد ثلاث ساعات ونصف، أي في تمام الساعة الثانية عشرة، وعند شراء التذكرة، لي ولصديقي الذي دعوته لمشاهدة الفيلم، وفي النظر للمقاعد الفارغة لاختيار اثنين متلاصقين، تبين أننا الوحيدان حتى الآن في قاعة العرض! كنت سأسأل بائع التذاكر: (أعلم أن سؤالي غبي، ولكن أعذرني فمنذ زمن طويل لم أدخل السينما، هل الفيلم مترجم؟!) ولكن فطانتي "ذكائي" منعتني من إلقاء نفسي في إحراج سخيف! وقالت لي: (أكيد مترجم يا أحمد! وهذا سؤال؟!).
     دخلنا الفيلم، وبعد دقائق، أخذت راحتي وكأني جالس في البيت، وضعت غترتي وعقالي على مقعد فارغ أمامي، في الحقيقة كانت كل المقاعد فارغة! فقط اثنان حضروا عرض الفيلم، الأول صديقي، والآخر أنا. سألت صديقي: (هل تظن أن الوضع سيكون كما هو في فيلم "عمر وسلمى" ؟)، وتساءلت، هل هذا له علاقة بوعي الناس واهتمامهم؟!
     لم أتحدث عن الفيلم إلى الآن، وهو موضوع المقال أساساً! لأني أريدكم فعلاً أن تشاهدوه بأنفسكم، وتعلموا أكثر عن هذا النظام الديمقراطي الرائع الراقي، الذي يحكم الولايات المتحدة، وكيف تديره مصالح الشركات الكبرى، وإن كان ذلك على حساب حياة المواطنين الأبرياء! ولا تنسوا بعدها أن تحمدوا الله على النعمة التي نعيشها نحن المتخلفون في العالم الثالث!
     حفظ الله عالمنا الثالث، ونظام عالمنا الثالث، وفساد عالمنا الثالث، على الأقل وفّرَ لنا عناية صحية تحفظ أرواحنا بإذن الله لم توفرها أعظم دولة من دول العالم الأول لمواطنيها!
نظرة خاطفة:
     قرأت في جريدة الوسط قبل يومين، في مقابلة مع الأستاذ حسن مشيمع، أن تأشيرة دخوله للولايات المتحدة قد تم إلغاءها، فأقول له: قدّم طلب الحصول على التأشيرة مرة أخرى، وأسأل الله أن تُوَفق في الحصول عليها دون إلغاء لاحق، وكلي أمل في أن تذهب إلى هناك وتقف مع المعارضة الأميركية لتعديل نظامهم الصحي، الذي يموت بسببه الكثير من الضحايا، ستفعل خيراً عظيماً لو نجحت، ولن ينساك الشعب الأميركي يوماً! فإن مصيبتهم هذه وحدها، والله أكبر من كثير من مصائبنا التي تسعى لحلها هناك بكل وطنية!

          لا أدري كيف يشك الواحد، مجرد شك، في أن الولايات المتحدة ستهتم بحياة الناس، وديمقراطية نظامهم، أكثر من اهتمامها الرديء جداً بشعبها؟! جنون وحماقة، بكل ما في الكلمتين من معنى، ولكي لا أحرق موضوع مقال آخر، فلن أطيل عند هذه النقطة، سأتوقف هنا. ولكن، ولكي لا يتهمني الأستاذ وأنصاره بالتهمة المعتادة، فها أنا أحلف (والله إني لستُ بوقاً حكومياً).

قانون التنصت الأميركي.. إجراءات احتياطية

في ديسمبر 2005 قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن الرئيس الأمريكي جورج بوش سمح لعملاء أجهزة الأمن بالتجسس على أفراد في الولايات المتحدة دون الحصول على موافقة من المحكمة، وذلك بعد هجمات 11 سبتمبر. وكان القانون الأميركي حينها يتطلب عادة موافقة محكمة سرية، تعرف باسم محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية، قبل قيام الأجهزة الأمنية بعمليات مراقبة على الأراضي الأمريكية.
وبعد يوم أقر الرئيس الأميركي ما نشرته الجريدة، وفي دفاعه عن التنصت داخل الولايات المتحدة قال بوش: "لا بد أن تفهموا وآمل أن يفهم الشعب الأمريكي أن هناك عدواً يود مهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو عدو خطير جداً."
يقول مايكل موور في كتابه (أيها المتأنق.. ماذا حل ببلادي): "لمَ بلغت حكومتنا هذا الحد السخيف لتقنعنا بأننا في خطر؟ والجواب ليس سوى رغبة أكيدة منهم بحكم العالم، بدءاً بالسيطرة علينا، ومن ثم، حملنا على تأييد جهودهم للهيمنة على بقية الكوكب… فهم يعلمون أن الأمريكيين الحقيقيين لا يرغبون بالسيطرة على أحد، لذا عليهم إقناعنا بعكس ذلك من خلال الذعر" ويضيف، رابطاً سياسة التخويف بموضوع التنصت: "ولضمان استمرارية الحرب اللامتناهية ، يحتاجون إلى هلعٍ لا متناهٍ، هلع لا يمكن نشره بشكل لا محدود إلا من خلال تجريدنا من حقوقنا المدنية الأساسية" يقصد موور التجريد من الخصوصية.
قبل أيام قليلة، وافق الكونجرس الأميركي، بمجلسيه، النواب والشيوخ على مشروع قانون للتنصت كان الرئيس بوش قد تقدَّم به ويسمح للحكومة بالتنصت على الأجانب الذين يجرون اتصالات عبر الولايات المتحدة. وسيسمح القانون الجديد للإدارة الأمريكية بالتنصت على الاتصالات التي تجرى عبر أمريكا سواء الهاتفية أو اتصالات الانترنت للأجانب المشتبهين دون موافقة مسبقة من القضاء.
من المسلم به لدى عموم الناس أن المخابرات الدولية، وحتى المحلية، بإمكانها التنصت على مكالماتنا الهاتفية، ورسائلنا الالكترونية، ولكن الجديد في الموضوع، أن هناك، في السابق، من يقف حائطاً منيعاً أمام التمادي في مثل هذه العمليات لانتهاكها لخصوصية الأفراد، والتدخل في حياتهم الشخصية، فاشترطوا ضوابط، كالرجوع إلى القضاء، أما اليوم، ففي دولة الحقوق والحريات الشخصية، وبعد نجاح سياسة التخويف، يوافق الأميركيون، أغلبهم على الأقل، على إجراء هذه العمليات، دون ضوابط محددة سوى "الاشتباه"، بعبارة أخرى، بشكل عشوائي ومفرط، مضحين بخصوصيتهم! وفي عالمنا الرقمي، لدرجة لا يمكن تصورها.
ما يهمني في الموضوع، هو أني سأسافر بإذن الله بعد أيام قليلة إلى الولايات المتحدة، وبعد الموافقة على القانون -وكأن الأمر كان مختلفاً في السابق!- فمن المحتمل أن يتم التنصت على مكالماتي الهاتفية البريئة، أو التجسس على رسائلي الالكترونية اللطيفة. فأطلب من جميع الأخوة والأخوات، وبرجاء حار: لا ترسلوا لي خلال هذه الفترة "إيميلاً دعوياً"، أو نصاً قرآنياً أو نبوياً يتعلق من قريب أو بعيد بالجهاد، أو الولاء والبراء، والأفضل أن لا ترسلوا لي أي نص! ولا أريد أن أرى تلك الصور التي تنتشر بكثرة "بالإيميل" لضحايا حرب السلام التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان أو العراق، أولئك القوم الذين لم يرتضوا الحرية والديمقراطية، والعدل والسلام العالميين، وما ذنبي أنا أنهم لم يرتضوها لترسلوا صورهم لي؟! وأيضاً لا أريد أن أستقبل صور أبناء القتلى بدموعهم، أو صور زوجاتهم وهن يبكين فراق أزواجهن، فهؤلاء ليسوا سوى أطفال وزوجات لإرهابيين، يا لتعاسة قدرهم!
ولا يتفاجئ من أعرفه إذا أرسل لي شيئاً من ذلك، أو من هذا القبيل، أن يتلقى ردي: WHO ARE YOU ؟؟!!
قبل أن أنسى، هناك محظور آخر، "عطوني" إجازة عن سماع الأناشيد، خاصة "الحماسية"، تدرون.. لإبعاد الشبهة، أرسلوا لي أغاني، نعم أغاني، لا تستغربون، فالموسيقى ليست بحرام وبتنا نستخدمها –دون خجل طبعاً- في أناشيدنا، وليس هناك دليل على عورة صوت المرأة، فلا بأس أيضاً أن تكون الأغاني لمطربات!
ورجاء آخر، "لحد يطلع فيها"، ويفكر في مزحة ثقيلة، ويرسل لي معلومات وبيانات وأوامر وصور وخرائط باستخدام Google Earth، ويختمها بـ (نلتقي في الجنة)، ترى ما فيني شدّة!! وكما تعلمون، في هذه الأمور، لا قانون يحمي في دولة القانون، ولا حقوق ولا هم يحزنون، ويا ليت من إلى أبوابهم يحجون، باسم المعارضة الوطنية يطبلون، ليتهم يدركون، أنهم إلى شريعة الغاب يذهبون!
في الحقيقة، قائمة الممنوعات تطول، ولكن حسبي ما ذكرت، وأنتم أعلم بالباقي. وسأكون شاكر للذكي، الذي يود إبعاد الشبهة عن أخيه قدر الإمكان، فيرسل لي رسائل تأييد للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وعبارات منددة بالمقاومة العراقية، وأخرى مبجلة برسول الحرية، و"حركة حلوة" أن يرفق مع الرسالة صورة لجنود أميركيين في العراق مكتوب عليها (You Most Welcome)، من يفعلها له "صوغة" خاصة!
أخيراً، لأتفادى الفضائح الأخلاقية، التي قد تُستخدم من قبل جهات، بعد أن تحصل عليها الأخيرة من الـ CIA، بعد 25 سنة، من يدري؟! عن شاب كان يدّعي التدين! فسأكون مضطراً لكتابة (I Love USA) بدلاً من (I Love U) !! فأرجو ممن يهمهم الأمر التنبه لذلك!!
 
_______________
العبارات الإخبارية كلها من موقع BBC العربية

قطّوا عقائدكم وراء ظهوركم.. وأبشروا بالتنمية !!

لا أدري لماذا يغيض الكاتبة الأستاذة سوسن الشاعر ذلك الجدل الدائر حول تصريحات النائب الديري غير المسئولة؟! ولماذا هذا التسفيه الغريب المتعالي لأفكار الناس وما يحملون من عقائد؟!
انتقدت الكاتبة في مقال لها نشر في جريدة الوطن يوم الأثنين، 6 أغسطس 2007، كل من شغل نفسه بقضية تصريحات الديري حول وصفه لأئمة الحرمين الشريفين بالنواصب، أقول قضية وهي فعلاً كذلك، ويا ليتها اكتفت بهذا الانتقاد، فقد اعتدنا، في الآونة الأخير، على تسفيهها لاهتمامات الناس وأفكارهم بغرور بارد، فقط لأنها لا توافق هواها، ولكنها أضافت، في حصر عجيب: "لا شيء غير أننا لا نملك رأس كبير نلتف حوله سواء كان هذا الرأس إنساناً له كريزما القيادة الشعبية الكبيرة تتفق عليه القواعد الجماهيرية ينشغل بها وتنشغل به، يحركها ويبث الحماس فيها ويتبنى معها قضاياها الكبرى، أو كان هذا الرأس مشروعاً تنموياً نلتف حوله كما يحدث في دبي" ولا يخفى ما في هذا الكلام من التقليل من شأن رؤوس لها مكانتها، اعترفت بمنجزاتها المنظمات العالمية، لا ينبغي التقليل من شأنها بهذه البساطة.
ثم هل الاهتمام بالمسائل الفكرية والعقائدية، وكثرة اللغط حولها، ليومين أو ثلاثة، أو أسبوع بالكثير، كما هو الحال عندنا، هو السبب الرئيسي وراء تخلفنا، كما تصور الكاتبة؟! وهل إذا نسوا الناس أو تناسوا عقائدهم، ووضعوا بعيداً كل ما يدينون الله به، أو ما يدينون الهوى به، ولو إلى حين، سنشهد تلك الطفرة التنموية الهائلة، كالتي تشهدها دبي؟!
ها هو المجتمع الأميركي، انشغل كثيراً في مسائل فكرية، ليست لها علاقة، لا من قريب ولا من بعيد، لا بالاقتصاد ولا بالسياسة، ولا بأي مجال من مجالات التنمية، ولم يكن ذلك عائقاً للتطور التكنولوجي، أو التقدم الاقتصادي، أو التمكن السياسي.
على سبيل المثال، انشغل عدد كبير من أفراد ومؤسسات وقيادات المجتمع الأميركي، وانشغلت آلاته الإعلامية الضخمة، في فترة من الفترات (2004-2005)، بالصراع الدائر بين فريقين ملئوا الدنيا ضجيجاً، الأول مناصر "نظرية التطور" التي وضعها داروين، والآخر مناصر "فكرة التصميم الذكي"، وقد تطور الخلاف حتى وصل إلى المؤسسات التعليمية، ومن ثم إلى القضاء. ولكم أن تتخيلوا انشغال وسائل الإعلام الأميركية بهذه القضية حينها، فهل وقفت الدنيا، وتوقفت مشاريع "الأنفاق والجسور والقطارات"، والطائرات والأقمار الصناعية والصناعات الثقيلة، وغيرها؟؟ هل تعطلت مسيرة التنمية في أميركا إلى أن يُغلق الموضوع، ويسد باب النقاش والحوار فيه، ويرفع الاختلاف؟؟ ذلك الاختلاف الذي لا يزال قائماً، وهو واحد من اختلافات فكرية كثيرة، ينشغل بها الناس بين الحين والآخر.
اعتادت الكاتبة على توزيع الإشارات والتنبيهات، لأي شيء له صلة بدين الناس، مختومة بتحذيرات لطيفة حول ما ستؤول إليه الأمور إذا لم يتبع المجتمع نصائحها! أُقدر حرصها على تطوير البلاد، ولكن أين كلامها هذا من جعجعة أصحاب الفكر المستنير، مثقفو المجتمع ومفكروه، الذين لم نقرأ لهم يوماً ما يفيد أصحاب القرار، أو المجتمع، حول طرق تطوير الاقتصاد، أو رؤيتهم حول إصلاح سوق العمل، أو تحليلهم لنتائج أداء القطاع الخاص، أو العام، أو أفكارهم لتطوير قطاع من القطاعات، بل لا يملكون سوى التحذير من "الطالبانية" و"الرجعية" و"الظلامية"؟! وأين كلامها هذا من الذين أشغلونا ليل نهار، بثقافة وأدب، لا يفهمها سواهم، لا تزيدنا علماً، ولا تبني تنمية؟!
في الحقيقة، ورغم اختلافي مع الكاتبة في الكثير من المواطن، إلا أني معجب ببعض مقالاتها، لما تملك من دقة في تحديد مواطن الخلل، خاصة في العمل النيابي، حتى بعض تلك التي تنتقد الإسلاميين فيها، ولكني عجبت في الآونة الأخيرة من المبالغة في تحقير أفكار الناس وعقائدهم، فإذا كانت الكاتبة لا تملك عقيدة، ترضى وتغضب لأجلها، فكثير من الناس، بل أغلبهم، يملكون، ومن العيب التسفيه بها بهذه الصورة الفجة.
ختاماً، أنصح الكاتبة بأن ترأف بقلبها الذي يتقطع حسرةً وألماً لما يحمله المجتمع، ربما بأسره، من فكر وعقيدة، وتخلف!

العراق.. منطق الانسحاب

العراق.. منطق الانسحاب
8 حجج توجب على الولايات المتحدة الانسحاب الفوري من العراق
 
   على غرار (فيتنام.. منطق الانسحاب) لمؤلفه المؤرخ الأميركي "هوارد زن"، مناهض الحرب، وصاحب الكتاب المشهور (تاريخ الولايات المتحدة) الذي انتشر انتشاراً واسعاً، أصدر الكاتب "أنتوني آرنوف" العام الماضي (العراق.. منطق الانسحاب).
 
   يحتوي الكتاب على سبعة فصول، إضافة لمقدمة ومقال في نهاية الكتاب بعنوان (وماذا بعد؟ حول الاستثنائية الأميركية) بقلم زن، وفي النهاية ملحق: إعلان اسطنبول – إعلان محكمي الضمير، المحكمة العالمية حول العراق.
 
   ألخص لكم في الفقرات التالية أهم فصل من فصول الكتاب، والذي عنونه المؤلف بعنوان الكتاب "منطق الانسحاب"، حيث قدم فيه الحجج التي توجب على الولايات المتحدة أن تنسحب فوراً من العراق. والسبب الذي دفعني لهذا التلخيص ونشره هو الفكرة التي يحملها عدد ليس قليل من الناس التي تقول أن الانسحاب الأميركي من العراق أمراً خاطئاً في هذه المرحلة. لا أملك الجرأة في تصحيح وتخطئة هذا الرأي أو ذاك، فلست أهلاً للإفتاء في هذه المسائل العظيمة، ولكني في الحقيقة أؤمن بوجهة نظر الكاتب، وبشدة! بل ربما أستغرب ممن لا يؤمن بها، وبشدة أيضاً!
 
يقول هوارد زن في تقديمه للكتاب:
   "بعد سنتين من التصعيد الأميركي في فيتنام، في ربيع عام 1967، ألفت كتاباً بعنوان (فيتنام: منطق الانسحاب). وكان أول كتاب عن الحرب، الذي حث على رحيل فوري من جنوب شرق آسيا، وسمعت في ذلك الوقت الحجج نفسها ضد الانسحاب، والتي نسمعها الآن، ولم تسحب الولايات المتحدة جنودها طوال ست سنوات لاحقة، وفي تلك السنوات، قتل ما لا يقل عن مليون فيتنامي آخر وربما 30 ألف جندي أميركي."
 
   ومما سطره أيضاً في مقدمته القصيرة، هذا السؤال الاستنكاري: "هل أدى احتلالنا لمدة خمسين سنة للفلبين أو احتلالنا الطويل لهاييتي (1915 – 1934) وجمهورية الدومينيكان (1916 – 1924) أو تدخلاتنا العسكرية في جنوب شرق آسيا ومنطقة الكاريبي، طوال القرن العشرين، إلى تحقيق الديمقراطية في تلك الأماكن؟".
 
   استعرض الكاتب في بداية الفصل السادس "منطق الانسحاب" بعض نتائج استطلاعات الرأي التي قامت بها عدد من وسائل الإعلام الأميركية، والتي تبين بعض المؤشرات المهمة منها: معظم الأميركيين يشكون في صدق بوش ونزاهته، ولا يوافقون العمل الذي يقوم به كرئيس، كما يعتقد نصف الأميركيين تقريباً أن الغزو كان غلطة.
 
   ولكنه يبدي أسفه مستغرباً "نحن نواجه الوضع الغريب لكثير من الناس الذين يحتشدون ضد حرب غير عادلة لكنهم يؤيدون على مضض، الاحتلال العسكري الناجم عنها".
 
ثم أورد ثمانية أسباب توجب –حسب رأيه- على الولايات المتحدة أن تنسحب على الفور:
 
1- ليس للجيش الأميركي أي حق في وجوده في العراق في المقام الأول
   دحض الكاتب -كما فعل كثيرون غيره- التبريرات التي أطلقها دعاة الحرب لتبرير جرمهم: أسلحة دمار شامل، صدام يشكل تهديداً وشيكاً، دعم الإرهاب والإرهابيين. ونقل تصريحاً لرولف ايكوس، المدير التنفيذي التابع للأم المتحدة لعمليات التفتيش عن الأسلحة من 1991-1997م قال فيه: (يمكنني القول إننا قضينا بشكل أساس على قدرات العراق في جميع المجالات). ونقل أيضاً تصريحاً مهماً آخر لنائب الرئيس ديك تشيني للـ CNN صدر في آذار 2001: (لا أعتقد أن لصدام حسين تهديد عسكري مهم في هذه الأيام).
 
2-   الولايات المتحدة لا تجلب الديمقراطية للعراق
   بعد كذبة أسلحة الدمار الشامل جاءت الولايات المتحدة بكذبة جديدة، أنهم يجلبون الديمقراطية للشعب العراقي. ولكن الأسباب الحقيقية وراء الاحتلال حسب رأيه يمكن أن ألخصها في سببين رئيسيين، الأول: "السيطرة على النفط وخطوط أنابيب النفط وطرق شحن النفط بالسفن". وذلك للتضييق على المنافسين، وأبرزهماالعملاقين الاقتصاديين الصاعدين، الهند والصين. كما ذكرت وثيقة حكومة بوش: "إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة"، في أيلول 2002 فإن أميركا لن تسمح بظهور أي منافس محتمل، في سعيها إلى الإبقاء على الفجوة الكبيرة بينها وبين القوى الأخرى". أما السبب الثاني فيكمن في "استغلال الطرق كنقطة انطلاق من أجل تدخلات أخرى لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط".
 
   ويقول الكاتب بعد أن فند حجة جلب الديمقراطية للعراق: "من المهم إثارة نقطة أكبر، فالديمقراطية لا يمكن إقامتها على يد قوى خارجية تحت تهديد السلاح. ولا يمكن أن تأتي الديمقراطية الحقيقية إلا عن طريق كفاح الشعب من أجل التحكم بحياته وظروفه، من خلال حركات ديمقراطية بطبيعتها. وحين تواجه الحكومة الأميركية مثل هذه الحركات, مثل الانتفاضة العراقية عام 1991، فإنها فضلت بثبات أن تراها وقد سحقت بدلاً من أن تراها تنجح".
  
   فأميركا لا تقف مع الشعوب التي تناضل فعلاً للحصول على حياة أفضل، بل تفضل "عبارتها المجازية (الاستقرار) حتى وإن كانت تعني مساندة قوى دينية أصولية رجعية أو أنظمة قمعية".
 
3-   الولايات المتحدة لا تجعل العالم أكثر أمناً باحتلال العراق
سأوجز تفسير المؤلف لهذه الحقيقة في ثلاث نقاط:
الأولى: تشجيع دول أخرى للعمل بنفس المنطق، "فبعد 11 سبتمبر، وصفت هند منافستها النووية، باكستان بأنها بؤرة إرهاب. واغتالت إسرائيل العديد من الفلسطينيين، وقصفت سوريا وهددت بضرب إيران. وقد قال يوري لانداو، وزير الأمن العام الإسرائيلي: (إنك لا تتفاوض مع الإرهاب، بل تجتثه، وهذا ببساطة هو مبدأ بوش الذي نأخذ به)".
 
الثانية: دفع بعض الدول نحو التسلح النووي، وذلك لتطوير رادع للقوة الأميركية.
 
الثالثة: ازدياد سخط وغضب كثير من الناس ضد أميركا وحلفائها، والنتيجة الحتمية تعرضها للهجمات الإرهابية، مثل "هجمات مدريد 11 آذار 2004، وهجمات لندن 7 تموز 2005".
 
4-   الولايات المتحدة لا تمنع الحرب الأهلية في العراق
   وهذه الحجة الأكثر انتشاراً في أوساط من عارض الحرب ولكنه الآن يعارض فكرة انسحاب القوات الأميركية من العراق، "يقول مراسل مخضرم في الشرق الأوسط، وهو وبرت فيسك، فإن القوى الاستعمارية استخدمت منذ فترة طويلة المبرر بأنها لا تستطيع أن تنسحب حتى لا يسقط المواطنون المحليون في حرب أهلية، (ففي عام 1920 حذر رئيس الوزراء البريطاني دافيد لويد جورج من حرب أهلية في العراق إذا رحل الجيش البريطاني، مثلما يهدد الأميركيون العراقيين حالياً بوقوع حرب أهلية إذا وقعوا)".
 
يمكنني أن أقسم كلام المؤلف حول هذه الحقيقة إلى ثلاثة نقاط:
الأولى: سياسة فرق تسد، "فواشنطن لا تمنع نشوب حرب أهلية، ففي الحقيقية، فإن سلطات الاحتلال تضرب الأكراد بالعرب، والشيعة بالسنة، وفصيلاً ضد فصيل آخر للتأثير على سمة الحكومة المستقبلية، بإتباع سياسة "فرق تسد". ويقتبس من مقالة لكاتب العمود الشهير، توماس فريدمان: (علينا أن نسلح الشيعة والأكراد ونترك السنة العراقيين يقبضون على الريح).
 
الثانية: الدستور العراقي، نقل المؤلف قول فيليس بنس: (فمشروع الدستور يشجع ليس فقط الفدرالية كهيكل حكم وطني، بل تصوراً مفرطاً للفدرالية، والتي ليست كل الصلاحيات فيه بيد الحكومة المركزية، بل تنتقل بشكل تلقائي إلى السلطات الإقليمية، مما يهيئ المجال أمام تقسيم محتمل للعراق وفق خطوط عرقية ودينية).
 
   يقول المؤلف: وليس من قبيل الصدفة أن السنة هم الخاسرون في هذا الترتيب، وهنا يقول بينس: (سوف تدير الحكومة الفدرالية النفط والغاز من الحقول الحالية، مع توزيع العائدات بإنصاف بما يتفق مع التوزيع السكاني في كل أنحاء البلاد، لكن الضمانة تشير فقط على حقول النفط المستخدمة فقط؛ تاركة الاستغلال المستقبلي لثلثي الاحتياطات المعروفة في العراق.. وذلك يعني أن التنقيب والاستغلال في المستقبل لثروة العراق النفطية سيظلان بيد السلطات الإقليمية، التي يوجد لديها النفط – الشمال الذي يسيطر عليه الأكراد، والجنوب الذي يسيطر عليه الشيعة، مما يضمن مستقبل فقر لسكان بغداد ووسط العراق السنيين والعلمانيين والمختلطي النسب، ويهيئ الساحة أمام مستقبل صراع عرقي وديني).
 
الثالثة: دعم الأصولية الإسلامية، فقد أحضرت الولايات المتحدة الأحزاب الأصولية التي كانت مهمشة في السابق مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي تدعمه إيران، إلى الحكومة العراقية.
 
5-   الولايات المتحدة لا تواجه الإرهاب ببقائها في العراق
   أشارت وكالة الاستخبارات الدفاعية إلى أن صدام حسين كان "حذراً من الثورات الحركات الثورية الإسلامية"، وأن من غير المعتمد أن تقوم بغداد "بتوفير المساعدة لحركة لا تستطيع السيطرة عليها". كما أن القاعدة لم تظهر في العراق للمرة الأولى إلى بعد الغزو.
  
 يضيف المؤلف: "الأمر الأكثر إنتشاراً هو الفكرة بأن على الولايات المتحدة أن تبقى في العراق حتى تنهزم المقاومة للاحتلال، لكن الاحتلال نفسه هو مصدر المقاومة". ونقل تعليقات علنية لجنرالات أميركيين يديرون الحرب: (إن ال149 ألف جندي أميركي في العراق هم جزء من المشكلة بشكل متزايد.. وقال الجنرالات إن وجود القوات الأميركية كان يذكي التمرد).
 
6-   الولايات المتحدة لا تكرم الذين ماتوا بمواصلة الصراع
   بعد أن أطلق بوش اعترافاً علنياً نادراً بعدد الجنود الذين قتلوا في العراق وأفغانستان قال: (إننا ندين لهم بشيء، سوف نكمل المهمة التي ضحوا بأرواحهم من أجلها، وسوف نكرم تضحياتهم بمواصلة الحرب ضد الإرهابيين). ردّت شيهان،التي فقد ابنها في حرب العراق، والتي حظيت باهتمام وسائل الإعلام لملاحقتها لبوش وحمل يافطات تدعو لسحب القوات الأميركية من العراق: (لماذا يجب علي أن أرى أمّاً أخرى تمر في تجربتي أن ابني ميت؟ إنني لا أريد منه أن يستخدم موت ابني أو تضحية أسرتي لمواصلة القتال). وقالت أيضاً: (إن ابني ضحية حرب وليس بطلاً.. فأين النبل إزاء ما فعله؟ دخول وغزو بلد لا يشكل أي تهديد للولايات المتحدة – إن هذا ليس نبلاً).
 
7-   الولايات المتحدة لا تبني العراق
   إن المتعهدين الموجودين الآن في العراق ليسوا لمساعدة الشعب العراقي بل لمساعدة أنفسهم، يعتمدون على علاقاتهم الوثيقة مع السياسيين المتنفذين لتأمين عقود وأرباح من ما يسميه براتاب تشاتاري "خدعة إعادة البناء". والحقيقة أن هاليبرتون، بكتل، والشركات الأخرى في العراق تنهب الأكثر مما تعيد بناءه، وقد اضطر العراقيون إلى دفع أسعار خيالية لاستيراد النفط، مما أفاد شركات مثل فرع هاليبرتون، كيلوغ، براون آند روث، بينما ينبغي على العراقيين العاديين أن يصطفوا في طوابير تستمر في بعض الأحيان أياماً لشراء البنزين.
 
8-   الولايات المتحدة لا تفي بالتزامها للشعب العراقي إزاء الأذى والمعاناة اللذين تسببت بهما
"إن الذين يدعون إلى انسحاب فوري لا يدافعون عن موقف عزلة، وعن التملص ببساطة من أي التزام للشعب العراقي، فهل تحمل الحكومة الأميركية أي التزام للشعب العراقي؟ نعم بشكل أكيد، وهو التزام إزاء الجرائم التي دعمتها واشنطن لسنوات، حين كان صدام حسين حليفاً وإزاء تسليح كلا الطرفين ومساندته في حرب إيران-العراق الشرسة، وإزاء الدمار الذي سببته حرب الخليج عام 1991، واستخدام ذخيرة اليورانيوم المنضب والقنابل العنقودية والفوسفور الأبيض، والعقوبات المدمرة والإذلال والقتل، اللذين نجما عن غزو 2003، والضرر الكبير الذي سببه الاحتلال منذ ذلك الحين".
  
   ثم يقدم الكاتب رؤيته في الطريقة التي يجب على الولايات المتحدة أن تعين فيها العراق، كإنهاء الاحتلال الاقتصادي، وإلغاء جميع الديون التي خلفها النظام السابق، والتي لم يتم إعفاء الكثير منها، وغيرها من تدابير، وفي نفس الوقت يؤكد "لكن الخطوة الأولى للوفاء بهذا الالتزام هي الانسحاب على الفور."

الأخــلاق

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيً).

موضوع الأخلاق، هذا الموضوع المهضوم حقه، إن وقعت عليه عين السياسي، أدارها وبسرعة إلى موضوع آخر، موضوع ينقل المستجدات المحلية والإقليمية والدولية، مع شيء من التحليل وإبداء الرأي، فمكارم الأخلاق معروفة بالنسبة له، أكل على دروسها الدهر وشرب، ولا حاجة للتذكير بمواعظ الجدة أو الوالدين أو أستاذ المدرسة. آه لو يعلم كم هي بحاجة إلى الأخلاق تلك التي يمارسها "السياسة".

ولا أظن الحال يختلف مع الاقتصادي، فعنوانه و"طلة" سريعة على سطوره، وغياب رسم "الأرقام" واتجاه "الأسهم" في مواضيع كهذا الموضوع، كفيلة بأن تدفعه لشطبه من قائمة اهتماماته، وإلقاءه في مهملات ذهنه، وليته يعلم هو الآخر بارتباط الأخلاق بإضعاف الدخل، وتدمير الموارد –بالرشوة مثلاً-، وقلة الإنتاج وانحرافه، وغيرها من قضايا اقتصادية مهمة.

والمؤسف حقاً، أن هذا الموضوع لا يحظ بالاهتمام الذي يستحقه حتى عند بعض طلبة العلم الشرعي، فإن تحدث به شيخٌ عندهم، صار الشيخ ضعيفاً، بعبارة أوضح، ليس متبحراً قوياً! فالقوة عند هؤلاء البعض أن يستعرض الشيخ، في كل درس، العقيدة في أسماء الله وصفاته، ويذكر أقوال الفرق الضالة ويرد عليها، أو أن لا يفتأ مجلسه من ذكر الجماعات ومخالفتها "للمنهج" والتشهير بأفرادها. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إنا بعثت لأتمم صالح الأخلاق)! فهل يعي هؤلاء حقاً عظيم دلالة هذا الاستثناء الوارد في الحديث؟!

ولكن ولله الحمد، هناك من يهتم بهذا الموضوع كثيراً، يا الله كم تأنس بأخلاقهم، وكم يرتاح قلبك بصحبتهم، يستقبلونك دوماً بالابتسامة والسؤال، ويحدثونك بأطيب المقال، ويذكرونك بكل خير، ولكن للأسف، ليس ذلك إلا ما دمت توافقهم في كل شيء دون استثناء، ما عدا المسائل الشرعية، ففيها وحدها يتسع المجال للاختلاف، فلا داعي لتكدير الائتلاف، فكل مسألة لها قول آخر! ربما نحتاج أن نضيف قبل النصوص التي تأمرنا بمكارم الأخلاق عبارة بسيطة تقول: "هذه الأخلاق يجب أن نتعامل بها مع كل مسلم، سواء كان في حزبنا، عفواً مجموعتنا أم لا، وسواء اتفق معنا في مواقفنا السياسية أم لا".

هُضِمَ حق "الأخلاق" كثيراً، فلم تحظ بالاهتمام الكافي، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه، من انتشار مخيف مزعج لأخلاق سيئة قبيحة، وتساهل غير مبرر في مواجهتها، وما أظن سبب ذلك إلا لجهلنا المركب بآثارها المدمرة، التي تهدم المجتمع شيئاً فشيئاُ، حتى يغدو مجتمعاً سيئاً غير صالح، يمقت الإنسان العيش فيه!

هل أنا بحاجة لنقل أمثلة من مساوئ الأخلاق المنتشرة وبكثرة، لأثبت صحة مواجهتنا فعلاً لأزمة أخلاقية؟ سجلوا معي: غيبة ونميمة وكذب، لعن وسب وقذف، تبرج وتفسخ، سرقة وغش، خيانة ونفاق، عقوق وقطيعة، وغيرها كثير، وأسوأها تلك القلبية منها، كالحقد والحسد والكِبر وسوء ظن، وغيرها، وهذه الأخيرة، مرعبٌ جداً تصور حقيقة انتشارها ومعرفة حقيقة آثارها.

يجب أن ننهي جميعاً عدم الشعور بالمسئولية تجاه هذه الأزمة الأخلاقية التي نعيشها اليوم، وأن نبذل أكبر قدر من الجهد لنشر محاسن الأخلاق، والحد من سيئها، في كل الميادين، وأن نولي هذا الأمر اهتماماً بالغاً. وعلى الآباء أن يراقبوا جيداً أخلاق أبناءهم، وأن يربوهم على مكارم الأخلاق من صدق ورحمة وفضيلة وأدب وغيرها، ويحذروهم من مساوئها، فإنه "ينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوّده أبوه". ولا أنس من تُسلط عليهم الأضواء، قادة المجتمع وساستهم، فليتذكروا دوماً كم ممارسة السياسة بحاجة إلى الأخلاق.