وهابي لطيف !
طَرَقَت الباب مستأذنةً الدخول، دخلت واستأذنت مرة أخرى للجلوس على أحد المقاعد الثلاثة المقابلة لمكتبي. حملها أحد الكراسي، وقام الآخر بدور حارس الباب، حيث من عادتي أن أستخدمه لإمساك الباب مفتوحاً عند لقائي بالطالبات، أما الثالث فكان خالياً دون وظيفة، فهل كان هو الشيطان؟! الله أعلم!
حاولت جاهداً أن أطرح بصري على الأوراق الممددة أمامي، فقد كانت صاحبة جمال صارخ! وقلت صارخ لأن جمالها كان يلفت النظر بشكل ملفت للنظر! فكانت نتائج محاولاتي هذه… النتائج غير معلنة! لحظة.. لا يعني أني فشلت!
أتذكر وأنا أكتب عن هذه الفتاة تلك المفارقة، عندما علَّقَت صورتي الانتخابية على صدرها، كما فعل كثيرون غيرها، بعد حوالي سنة من هذه الزيارة المفاجئة التي تركت في نفسي الكثير، ولأنها متحررة أكثر من غيرها (Free كما نقول) فقد كانت فتحة الصدر كبيرة نسبياً بكل ما في النسبية من تجاوز! وكانت صورتي محشورة هناك محتلة أغلى مساحة إعلانية، لضمانها أكبر عدد من النظرات التي تسقط عليها في اليوم الدراسي، ببراءة وبدون براءة، رغم صغر حجمها! أذكر كيف عَلَّقَ الكثير من أصدقائي ضامنين لي النجاح! هي أيضاً لم تسلم من التعليق حيث وقف أستاذاً في الفصل وسألها أمام الطلبة مستغرباً: كيف يمكن؟! مشيراً إلى معادلة "ميتافيزيقية" معقدة تقف أمامه، استعصى عليه، وعلى كثير غيره فهمها.
قالت لي بعبارة مملوءة بالاستغراب والصراحة، وكأنها تعترف بجهل عظيم:
– لم أتصور يوماً أن تكون هكذا أنت !
فسألتها باستغراب مصطنع لأني عرفت في نفسي ما ترمي إليه:
– نعم؟! ماذا تقصدين؟!
– تذكر أول يوم رأيتنا فيه ؟
– كان ثاني أيام فترة الحذف والإضافة.
– نعم، تغيبت أنت في اليوم الأول، كنت مع صديقتي في مساعدة الطلبة في صباح ذاك اليوم، فسألنا عن رئيس اللجنة الخدماتية الذي سوف نعمل معه، فأخبرونا بأنك مريض، ولما قدمت في اليوم الثاني، ودخلت الصالة، قالوا لنا وهم ويشيرون إليك: هذا هو رئيس لجنتكم. ولأكن صريحةً معك، أول ما رأيناك قلنا أنا وصديقتي: (بل! هذا رئيس لجنتنا؟! كيف سنتعامل معه؟!) تصورتك شخصاً آخر تماماً، لم أكن أتصور أن تعاملنا بهذا الاحترام، وتتحدث بهذا الأسلوب، وتضحك بهذه الأريحية !!
فكادت عيني تقطر فرحاً، فقد حققت ولو جزءاً بسيطاً من هدف دخولي لميدان العمل الطلابي، وسألتها ماذا كنتي تتوقعين إذاً؟ ألست إنساناً يضحك ويمزح؟ فأجابت مبررة:
– أنتهم الوهابيون أناس متشددون، أنتم تكرهوننا، هذا ما أعرفه عنكم!
– وكيف عرفتِ ذلك؟
– كلام الناس، والبريد الالكتروني، تصلني صور إعدامكم للأبرياء في أفغانستان (أو إيران لا أذكر!).
– وهل تصدقين كل ما يخبرك به البريد الالكتروني؟ هذه مشكلتنا، نتعرض ليل نهار لتضليل إعلامي لا يدركه كلنا، ومن يدركه قد لا يدركه كله.
كلام كثير وتصورات خاطئة، أغلبها موروثة أو من مصادر غير موثوقة كالبريد الالكتروني وغيره. فبدأ حوار قصير، حيث اقتصرت الزيارة لهذه المصارحة. أجمل شيء يمكن أن تفعله، هو تحطيم ما "عشش" من أفكار مغلوطة في عقول الناس، والأجمل أن يكون تحطيمك لها بالأفعال لا بالأقوال، حتى وإن اقتصر فعلك على ابتسامة.
الله أعلم منذ متى وهي تحمل هذه الصورة عني وعن أمثالي قبل أن تعرفني عن قرب، والله أعلم من سيقتلعها لو لم يفعل طالب في الجامعة، والله أعلم بآثارها المستقبلية لو ظلت هذه الأفكار مكانها حينما تتخرج وتخالط الناس في العمل، أو حينما تصبح مسئولة، أو أماً ومربية، أو أو..
أذكر هنا قصة أخرى، أيضاً تبين دور العمل الطلابي في تغيير انطباعات وأفكار كثير من الطلبة. طلبت إحدى الطالبات من الأخ مطر، رئيس المجلس، مساعدتها في مشكلة تواجهها، فأشار عليها بمراجعتي وعرض المشكلة علي، فردت عليه مستنكرة إمكانية مساعدتي لها: (لا أظن بأن الحربان سيساعدني، فهو سني متشدد وأنا شيعية!) فطمأنها مبيناً لها أن ظنها ليس في محله، والحمد لله تبين لها ذلك أيضاً بعد أن وفقني الله في مساعدتها، ولم تكن مساعدتي سوى سماعي لشكواها! ولا أنسَ مكالمتها الهاتفية التي أغرقتني فيها بعبارات الشكر والثناء، والدعوات بالتوفيق والسداد!
للعمل الطلابي دور كبير في تغيير قناعات، وتصحيح مفاهيم، ورسم صورة واضحة كما نريد أن نرسمها نحن، لا كما يريد غيرنا، أولئك الذين يبرعون في تأجيج مختلف أنواع الطائفية – فالطائفيات كثيرة- في وقت، وفي إخماد نارها في وقت آخر. لو لم يكن في العمل الطلابي سوى هذه الحسنة، لكانت تكفيني أن أعشق هذا المجال.
