ليست مجرد تجربة (12)

وهابي لطيف !
     طَرَقَت الباب مستأذنةً الدخول، دخلت واستأذنت مرة أخرى للجلوس على أحد المقاعد الثلاثة المقابلة لمكتبي. حملها أحد الكراسي، وقام الآخر بدور حارس الباب، حيث من عادتي أن أستخدمه لإمساك الباب مفتوحاً عند لقائي بالطالبات، أما الثالث فكان خالياً دون وظيفة، فهل كان هو الشيطان؟! الله أعلم!
     حاولت جاهداً أن أطرح بصري على الأوراق الممددة أمامي، فقد كانت صاحبة جمال صارخ! وقلت صارخ لأن جمالها كان يلفت النظر بشكل ملفت للنظر! فكانت نتائج محاولاتي هذه… النتائج غير معلنة! لحظة.. لا يعني أني فشلت!
     أتذكر وأنا أكتب عن هذه الفتاة تلك المفارقة، عندما علَّقَت صورتي الانتخابية على صدرها، كما فعل كثيرون غيرها، بعد حوالي سنة من هذه الزيارة المفاجئة التي تركت في نفسي الكثير، ولأنها متحررة أكثر من غيرها (Free كما نقول) فقد كانت فتحة الصدر كبيرة نسبياً بكل ما في النسبية من تجاوز! وكانت صورتي محشورة هناك محتلة أغلى مساحة إعلانية، لضمانها أكبر عدد من النظرات التي تسقط عليها في اليوم الدراسي، ببراءة وبدون براءة، رغم صغر حجمها! أذكر كيف عَلَّقَ الكثير من أصدقائي ضامنين لي النجاح! هي أيضاً لم تسلم من التعليق حيث وقف أستاذاً في الفصل وسألها أمام الطلبة مستغرباً: كيف يمكن؟! مشيراً إلى معادلة "ميتافيزيقية" معقدة تقف أمامه، استعصى عليه، وعلى كثير غيره فهمها.
     قالت لي بعبارة مملوءة بالاستغراب والصراحة، وكأنها تعترف بجهل عظيم:
         لم أتصور يوماً أن تكون هكذا أنت !
فسألتها باستغراب مصطنع لأني عرفت في نفسي ما ترمي إليه:
         نعم؟! ماذا تقصدين؟!
         تذكر أول يوم رأيتنا فيه ؟
         كان ثاني أيام فترة الحذف والإضافة.
         نعم، تغيبت أنت في اليوم الأول، كنت مع صديقتي في مساعدة الطلبة في صباح ذاك اليوم، فسألنا عن رئيس اللجنة الخدماتية الذي سوف نعمل معه، فأخبرونا بأنك مريض، ولما قدمت في اليوم الثاني، ودخلت الصالة، قالوا لنا وهم ويشيرون إليك: هذا هو رئيس لجنتكم. ولأكن صريحةً معك، أول ما رأيناك قلنا أنا وصديقتي: (بل! هذا رئيس لجنتنا؟! كيف سنتعامل معه؟!) تصورتك شخصاً آخر تماماً، لم أكن أتصور أن تعاملنا بهذا الاحترام، وتتحدث بهذا الأسلوب، وتضحك بهذه الأريحية !!
     فكادت عيني تقطر فرحاً، فقد حققت ولو جزءاً بسيطاً من هدف دخولي لميدان العمل الطلابي، وسألتها ماذا كنتي تتوقعين إذاً؟ ألست إنساناً يضحك ويمزح؟ فأجابت مبررة:
         أنتهم الوهابيون أناس متشددون، أنتم تكرهوننا، هذا ما أعرفه عنكم!
         وكيف عرفتِ ذلك؟
         كلام الناس، والبريد الالكتروني، تصلني صور إعدامكم للأبرياء في أفغانستان (أو إيران لا أذكر!).
         وهل تصدقين كل ما يخبرك به البريد الالكتروني؟ هذه مشكلتنا، نتعرض ليل نهار لتضليل إعلامي لا يدركه كلنا، ومن يدركه قد لا يدركه كله.
     كلام كثير وتصورات خاطئة، أغلبها موروثة أو من مصادر غير موثوقة كالبريد الالكتروني وغيره. فبدأ حوار قصير، حيث اقتصرت الزيارة لهذه المصارحة. أجمل شيء يمكن أن تفعله، هو تحطيم ما "عشش" من أفكار مغلوطة في عقول الناس، والأجمل أن يكون تحطيمك لها بالأفعال لا بالأقوال، حتى وإن اقتصر فعلك على ابتسامة.
     الله أعلم منذ متى وهي تحمل هذه الصورة عني وعن أمثالي قبل أن تعرفني عن قرب، والله أعلم من سيقتلعها لو لم يفعل طالب في الجامعة، والله أعلم بآثارها المستقبلية لو ظلت هذه الأفكار مكانها حينما تتخرج وتخالط الناس في العمل، أو حينما تصبح مسئولة، أو أماً ومربية، أو أو..
     أذكر هنا قصة أخرى، أيضاً تبين دور العمل الطلابي في تغيير انطباعات وأفكار كثير من الطلبة. طلبت إحدى الطالبات من الأخ مطر، رئيس المجلس، مساعدتها في مشكلة تواجهها، فأشار عليها بمراجعتي وعرض المشكلة علي، فردت عليه مستنكرة إمكانية مساعدتي لها: (لا أظن بأن الحربان سيساعدني، فهو سني متشدد وأنا شيعية!) فطمأنها مبيناً لها أن ظنها ليس في محله، والحمد لله تبين لها ذلك أيضاً بعد أن وفقني الله في مساعدتها، ولم تكن مساعدتي سوى سماعي لشكواها! ولا أنسَ مكالمتها الهاتفية التي أغرقتني فيها بعبارات الشكر والثناء، والدعوات بالتوفيق والسداد!
     للعمل الطلابي دور كبير في تغيير قناعات، وتصحيح مفاهيم، ورسم صورة واضحة كما نريد أن نرسمها نحن، لا كما يريد غيرنا، أولئك الذين يبرعون في تأجيج مختلف أنواع الطائفية – فالطائفيات كثيرة- في وقت، وفي إخماد نارها في وقت آخر. لو لم يكن في العمل الطلابي سوى هذه الحسنة، لكانت تكفيني أن أعشق هذا المجال.
 

جارٌ مزعج

لا يرعى جاري المزعج حرمة الجار، كل يوم تقريباً من أيام السنة لا يهدأ ولا يرتاح لنا بال، فمكبرات الصوت الذي يستخدمها تخترق أبسط حقوق الجار، في تعدي سافر لكل أخلاقيات الجيرة دون أدنى حياء. حتى النوافذ والله لا تمنع ازعاجه الآثم، حتى يصعب عليَّ أحياناً أن أركز في ما أقرأ، فضلاً عن التلذذ بنوم هادئ.
عدد من القرّاء الذين تعاطفوا معي حتى هذه الكلمة، سيسحب تعاطفه، ويحسب الأمر إثارةً طائفيةً إذا ما علم أن الجار، لا الأول ولا الثاني، ولا السابع ولا حتى الخمسين الذي أتحدث عنه هنا، ما هو إلا مأتم من المآتم في المنطقة !
إذا أذَّن المؤذن، سبق الأذان دعاء بطول الأذان، وختمه بدعاء لا يقصر عنه طولاً! مع ذلك نقول، لا بأس هذا أذان، نشترك فيه جميعاً، ولا بد من إعلانه بمكبرات الصوت. أما أن يستمر الأمر كذلك في كل محاضرة، وكل خطبة، وكل نياحة، وكل دعاء، ويا لها من أدعية طويلة، وفي الليل وفي النهار، فهذا ما لا يُحتمل.
لا أدري، هل استخدام مكبرات الصوت، ووضع إحداها في آخر بيت من البيوت المحيطة بالمأتم موجهة لبيوت الطائفة الأخرى، هل الغرض من ذلك دعوة أبناء الطائفة الأخرى لاعتناق أفكار وأساطير من يصرخ خلف الميكروفون؟! أم أن الأمر عملاً استفزازياً لا غير؟! فإن كان دعوة، ولا أظنه كذلك أبداً، فلا أعتقد بأن الدعوة بهذا الأسلوب المتخلف تصل طريقها إلى القلوب. ما دامت الدعوة تستخدم الإزعاج والفوضى وسيلة، فلن يقنع هذا ذاك بأن جبريل عليه السلام خان الرسالة، ولن يقنع ذاك هذا بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يفشل في تربية أصحابه رضي الله عنهم! فكونوا أكثر حكمة يا جماعة، وابتعدوا عن أذى الناس، ليزداد محبو الحسين رضي الله عنه، ألا تتفقون معي ؟!
اتصلت بمركز الشرطة، وبعد أن طلبت الضابط سألته: أنا كمواطن أليس من حقي أن أنعم بحياة هادئة؟ أجابني: طبعاً هذا من حقك. فقلت: ما رأيك أن تزورني في البيت لتستمع لهذه الفوضى وهذا الازعاج الذي يؤذينا كل يوم. أعتذر الضابط عن تقديم أي مساعدة بعد أن علم أن مصدر هذا الازعاج مأتم، منوهاً لحساسية القضية! ومقترحاً في الوقت نفسه مراجعة إدارة الأوقاف!
كم نتمنى من النواب الكرام، وهم أول المعنيون بهذا الأمر، كون أكثرهم متدينون وعلى علم بهذه المعضلة، سن قانون يمنع استخدام مكبرات الصوت في المساجد والمآتم باستثناء الأذان لا غير، لا غير، هل لنا ذلك؟ ومن أراد أن يحشو رؤوس متبعيه، والكلام للجميع دون استثناء، فله ذلك داخل مسجده، أو مأتمه، أو مجلسه. وإذا كان هناك قانوناً في الأمر، فلماذا لا يُطبق، أم أن الدولة لا تملك من القوة والصرامة التي توفر من خلالها أبسط حقوق المواطن، أن يعيش في هدوء وهو في كنف بيته ؟!
دعوة لشرب "استكانة" شاي بالنعاع، مني لكل مسؤول مرهف الحس يريد أن يتأكد من، أو أن يشعر بهذا الازعاج، البيت بمجمع 240 في منطقة عراد، حياكم الله.
 

التأمين الصحي.. من قال أنه ضرورة ملحة ؟!

عندما تنشر جريدة ‘الوطن’ ندوةً خاصة عن التأمين الصحي، وتصدّره برأي (التأمين الصحي ضرورة ملحة) هل أنا بحاجة لتفسير دلالة ذلك ؟
لا أعلم شيئاً عن حاجتنا لضرورة وضع تشريع يلزم الشركات أن تتكفل بالتأمين على عمالها الأجانب، ولكني مدرك تماماً خطورة هذه المصيبة إذا ما شملت المواطنين، وتخلت الدولة عن توفير الرعاية الصحية لهم، ليقعوا ضحايا لشركات التأمين. الأمر الذي تصفه ‘الوطن’، أو وُصِفَ في ندوتها بالضرورة الملحة.. نقطة تطوير شاملة.. ميزة للمواطن.. !
عَرَّفَ الأستاذ جمال فخرو، وهو أحد المشاركين في الندوة، التأمين الصحي بقوله: "فهو يعني أن المواطن أو الشخص المنتفع لديه حرية اختيار الجهة التي ستوفر له الخدمات الصحية" !!
لست خبيراً لأُخطئ تعريف الأستاذ فخرو، ولكن في نفس الوقت أظن بأن أحداً لن يخطأ في تعريف التأمين الصحي من الناحية العملية إذا ما قال: هي عملية نقل قرار العلاج والمباشرة في تنفيذه من الطبيب الحريص على توفير الصحة لمراجعه، إلى المدير التنفيذي في شركة التأمين الحريص كل الحرص على إرضاء مجلس إدارة شركته بالاستمرار في مضاعفة الأرباح !
أخواني أخواتي، أرجو قراءة التعريف مرة أخرى لندرك خطورة ما نتحدث عنه هنا.
إذا كانت الحكومة تدرس تغيير النظام الصحي، فإننا نناشد ممثلونا في مجلس النواب لقبر هذه الفكرة في مهدها. عندما نرفض هذا التغيير، لا نطلب من المتنفذين أن يتكفلوا بتحمل أعباء ومصاريف نظامنا الحالي، فالمال المخصص له هو مال عام، وسنتبرع بكمال الرفاهية المنتظرة، وسنقول لا نريد زيادة في الرواتب أكثر من أخواننا في الدول الشقيقة، ولكننا في الوقت نفسه لا نريد تغيير نظامنا الصحي! لا شيء يعدل الصحة والعافية مهما ضاق العيش بالمواطن. هل يوافقني أحد هنا ؟!
في لقاءٍ جمعنا مع عدد من الشباب السياسيين في الولايات المتحدة، نصفهم جمهوريين، والنصف الآخر ديمقراطيين، كان ردي ساخراً على تبجح أحدهم حول حديثه عن الديمقراطية في الولايات المتحدة: "صحيح أن نظامكم أكثر ديمقراطية من نظامنا –غير آسف طبعاً فإني كافر بالديمقراطية أساساً- ولكننا حينما نذهب للمستشفى لا يسألنا موظف الاستقبال عن بطاقة التأمين، ولا يموت لدينا أحد لأنه غير قادر على الحصول على العلاج أو الدواء المناسب". كنت أقول ذلك وأشياء أخرى، والفخر يملأني، فالحمد لله، وأما بنعمة ربك فحدِّث.
يبدو أن الخاسر الأكبر بلا شك في تطبيق نظام، عفواً مصيبة التأمين الصحي، هن الحسناوات وغير الحسناوات، لابسات المعطف الأبيض الهادئ، حيث سيفقدن لقبهن المشهور "ملائكة الرحمة" وسيكون من نصيب موظفو الخطوط الأمامية في شركات التأمين، حيث الموافقة المبدئية على العلاج في المستقبل، وعلى صرف الدواء أيضاً !
كنت قد دعوت في مقال سابق، وها أنا أكرر دعوتي لمشاهدة فيلم SICKO للمبدع مايكل موور، الذي يتحدث عن مساوئ النظام الصحي في الولايات المتحدة، أوجه دعوة خاصة للنواب والمخلصين من أبناء هذا الوطن لمشاهدة الفيلم، ليدركوا آثار النظام الصحي الموعود، الذي غدا "ضرورة ملحة" !

يوم في المرور..

نعم؟ هذه إحضارية وصلتنا البيت لمراجعة مكتبكم. يلقي نظرة. اذهب لفلان تجد مكتبه في تلك الزاوية. عند باب المكتب الآخر، بعد نقاش عقيم مع الموظف خرج اثنان. قال الأول ‘الحسن مو دون الحسين’! وقال الثاني ‘القوانين يجب أن تمشي على الجميع.. مو على ناس وناس’!. نعم؟ هذه إحضارية وصلتنا البيت وبعد مراجعة المكتب حولوني عليك. تفضل اجلس. المكتب مزدحم بالأعمال ويبدو أن الإنتظار طويلاً هنا أمراً طبيعياً. وصلنا خطاباً من فلان وعليه تعليق المدير ‘حسب الإجراءات’ وبعد مراجعة سجل مالك السيارة تبين لنا أن عليه مخالفات كثيرة جداً وبالتالي لا يمكن أن نحول ملكيتها (إلا) إذا أمرنا الشيخ فنحن (حاضرين). يصل الخطاب مرة ثانية في يده حامله. تم التوقيع وانتهى الأمر! (على الأقل مو جدام المراجعين المساكين). بعد ثلث ساعة تقريباً. اذهب للمبنى الثاني، الطابق الثاني، لفلان الفلاني. ممكن رقم مكتبه؟ تفضل. اتصلت دون جدوى. لا بد من الذهاب إذاً. ركبت السيارة وانطلقت للمبنى الآخر. نعم؟ هذه إحضارية وصلتنا البيت وقد حولوني عليك. السيارة لمن؟ الوالدة. من يستخدمها؟ كل من في البيت تقريبا! من استخدمها في التاريخ الفلاني على الشارع العلاني؟ ربما أختي، عفواً ما المخالفة؟ قطع إشارة حمراء، هذه الإحضارية تشير إلى أنك يجب أن تذهب للمدير نفسه في المبنى الآخر في الطابق الثالث! أخذت الورقة. ركبت السيارة وانطلقت قافلاً للمبنى الآخر. نعم؟ هذه إحضارية وصلتنا البيت وقد حولوني عليك. تفضل اجلس. بعد 10 دقائق يراجع السكرتير صاحب المكتب. يخرج السكرتير ويجلس على مكتبه. بعد خمس دقائق من جلوسه، وكأن انتظار المراجع طقساً لا بد منه قبل أن يحصل على الرد! اذهب لمكتب فلان، في المبنى الآخر، في الطابق الثاني. بالمناسبة، هو نفس المكتب قبل الأخير! أخذت الورقة وركبت السيارة وانطلقت للمبنى الآخر. نعم؟ أرجعوني إليك! غريب، لحظة، سيدي هذه احضارية أرجعوها لنا. الضابط: لحظة. يدخل السكرتير وسيده المكتب ويرجع السكرتير دون سيده: هل من الممكن أن تراجعنا أختك غداً صباحاً، يجب أن تحضر هي بنفسها، لن تفعل شيئاً سوى توقيع على محضر. إن شاء الله! أخذت الورقة. ركبت السيارة وانطلقت خارجاً من مبنى إدارة المرور! ويعطيكم ألف عافية يا إدارة المرور!

عارية كمارلين مونرو !

    
    في الحلقة الأخيرة من برنامج (المصير) الذي بثته قناة الجزيرة مؤخراً، والذي يبحث ويناقش مصير هذه الرقعة الواسعة من الأرض التي نعيش عليها، يسمونها الشرق الأوسط، كان اللقاء مع الدكتور الكويتي عبدالله النفيسي، الذي قال كلاماً في غاية الموضوعية، وأنقل هنا شيئاً منه، وكلي أمل في ذاكرتي أن لاتخون كلمة بإسقاطها أو تغييرها تغييراً يخل بالمعنى. مما قاله الدكتور: "الأنظمة الخليجية لا حول لها ولا قوة.. قرار السلم والحرب ليس بيدها.. مكشوفة.. مكشوفة عسكرياً، مكشوفة سياسياً، مكشوفة اقتصادياً.." وأنا أجد كلمة عارية أبلغ في الوصف من كلمة مكشوفة، وهذا النوع من الانكشاف الذي نعيشه مصحوب بكثير من الخزي والعار، فبالتالي تكون الكلمة الأبلغ (عارية كعري مارلين مونرو)! إلا أن عري مارلين مغري جداً، بينما عري أنظمتنا قبيح من كل وجه!
     ومما حذر منه النفيسي في المقابلة: "ما أخشاه.. هو اتفاق أمريكي إيراني.. بعدين يتغدون بنا"، وقال كلاماً كثيراً ينبغي أن نقف أمامه. التحليل الذي أورده النفيسي ليس بالجديد، رغم استغراب مقدم البرنامج منه، ففي تعليقهما على تقرير بيكر هاملتون، يقول كل من الدكتور محمد بن جاسم الغتم والدكتور محمد نعمان جلال، في كتاب (نظرة استراتيجية على مملكة البحرين والمنطقة العربية في إطار دولي): "لا شك في احتمال عودة التعاون الأمريكي الإيراني كما هي مطروحة من خلال التحليل السابق تثير أكثر من جرس إنذار أمام القيادات السياسية والنظم السياسية العربية وبخاصة في دول الخليج لعدة اعتبارات –وهي باختصار-: 1- الوجود الكبير للجاليات الإيرانية في دول الخليج. 2- إيران مرجعية دينية وسياسية لأغلب الشيعة. 3- تاريخ العلاقات الودية والتحالف الأمريكي الإيراني".
     ويقول المؤلفان، بعبارة يائسة كيأس عبارات المحللين الاستراتيجيين في الوطن العربي، وليعذراني على هذا الحكم الذي صدر من محكمة ثقتي! : "ومن ثم، فإنه من الضروري أن تبلور القيادة في دول الخليج بوجه خاص والمنطقة العربية بوجه عام سياسات بديلة تحسباً لتغير المواقف الأمريكية، ولضمان مصالحها وأمنها واستقرارها على المدى البعيد". أي سياسات وأي بطيخ أيها الدكتورين الفاضلين. إذا لا زال هناك من يطبل بإنجازات مجلس التعاون! ويحتفل بتطور العلاقات مع الدول الشقيقة! فلا تسألان عن سياسات وخطط. وإذا كانت العملة الخليجية الواحدة لم ترَ النور حتى اليوم! فلا تسألان عن سياسات وخطط. وإذا فشلنا في توحيد الجهد العسكري وبناء جيش واحد يحمي دول الخليج إلى هذا اليوم، الذي يشيب فيه الشبان، فلا تسألان عن سياسات وخطط. السياسات التي يحترم الناس، وبعبارة أصرح القيادات، واضعوها، وتتحول إلى برامج أعمال، وتُشكل لها الأجهزة التنفيذية الضخمة، هناك ليست هنا. علم السياسات والخطط ليست لنا نحن. نحن نتقن، وبامتياز، علم الانبطاح، لا غير. فمن يركع أكثر يكسب أكثر من المصالح العظيمة، في نظرنا، التافهة في نظرهم، وإنما تتقبل ماما أمريكا من الراكعين!
     أورد النفيسي أيضاً في لقاءه تساؤلاً، كثيراً ما جال في ذهني منذ فترة طويلة، حيث قال: "من سيمنع الولايات المتحدة من احتلال الشريط النفطي (من العراق حتى عمان) إذا ما أرادت؟ بناءاً على خطة عرضت على الكونجرس، وموجودة في مكتبته". الحقيقة ليس هذا التساؤل بالضبط الذي شغلني، إنما آخر مشابه: (من سيمنع الكيان الصهيوني من تدمير المسجد الأقصى إذا أقدم على ذلك؟!) من غير ماما أمريكا؟ فإلى مزيد من الركوع، ومزيد من الانبطاح.
 

ليست مجرد تجربة (11)

أول مكتب !
     كانت فترة، وأزمة التسجيل اختباراً عملياً لمدة أسبوع تقريباً، استطعت من خلالها تقييم أداء أخواني وأخواتي أعضاء المجلس، بعيداً عن الشعارات والبرامج، التي أمطرتنا حملاتهم الانتخابية بها في فترة الانتخابات. كما تشكَّلت في هذه الفترة نواة فريق عملي الخاص، بعد مباشرة كل من "زهرة" و"فاطمة" العمل في اللجنة منذ أول أيام فترة الحذف والإضافة، وانضمت إليهما لاحقاً الأخت "شيماء".
     لم أضع خطةً، ولا تصوراً واضحاً لعمل اللجنة، فقد كنت حديث عهدٍ بالعمل الجماعي، فكيف بإدارته؟! وما زاد الأمر تعقيداً، بالنسبة لي خاصة كرئيس لأهم لجنة، هو غياب آلية واضحة لعمل المجلس، فلا لائحة داخلية، ولا لائحة لجان، ولا تصور واضح في كيفية التعامل مع مشاكل الطلبة إذا ما وصلت للمجلس، والمهمة التي تعد الأبرز من مهام اللجنة، باختصار، كان المجلس، ولا زال، حتى وقت كتابة هذه الأسطر، هيئة طلابية تختلف طريقة عملها باختلاف الأعضاء، وليس هيئة لها نظامها المحدد تسير عليه، يلتزم به الأعضاء مهما تغيرت وجوههم. ومن هنا يتضح سبب تباين أداء المجلس بين دورة وأخرى.
     وقد قَدَّمت عضوة المجلس آنذاك، الطالبة "أمل فريد" لائحة داخلية مقترحة، مرفقة مع لائحة عمل لجان أيضاً، إلا أن أعضاء المجلس لم يقروها! وأنا من أولئك الذين عرقلوا سير هذه اللوائح المقترحة، بناءاً على جهلي في العمل النقابي حينها، وعلى رغبة رئيس المجلس الذي كان يرى في وضع هذه الأنظمة واللوائح تقييداً للعمل! ولعلي كفَّرت عن هذه الخطيئة في دورة المجلس التالية، أي بعد سنة، بوضع لوائح داخلية كأول عمل قمت به بعدما أصبحت رئيساً للمجلس. والمفارقة أني كنت فخور جداً بهذا الإنجاز!
     بعد فترة من العمل تعرفت على عدد كبير من موظفي الجامعة، وعرفت مسؤولية كل منهم، وبنيت معهم علاقة بعيدة كل البعد عن كل ما هو رسمي، وكان لذلك الأثر الكبير في تيسير أي عمل أقوم به، وفي التغلب على كثير من الصعوبات التي واجهتها لاحقاً. وبذلك أصبح لدي، وربما قبل غيري من الأعضاء، علم من أين تُطلب المطالب، وأين أجد جوابي على أي سؤال، ومن هو الموظف المناسب لهذه القضية، أو الموظفة المناسبة لتلك المسألة. فاستغليت هذا الأمر أيما استغلال!
     وقتها، بعد مرور أكثر من سنتين على ولادة المجلس، لم يكن للمجلس مقر بالجامعة في الصخير، إنما كان مقره الوحيد في فرع الجامعة بمدينة عيسى، المكون من قاعة للاجتماعات، وغرفتان، واحدة للرئيس والثانية لأمين السر. فبذلت قصارى جهدي لأحصل على مكتب في الصخير أستطيع من خلاله تفعيل عمل اللجنة. فحصلت على مكتب، وكان أول مكتب خاص للجنة من لجان المجلس في الصخير منذ نشأة هذه الهيئة الطلابية. وتناوب بعض الأعضاء لاحقا في الاستئذان لاستخدامه. نفس السعي جاء بعد ذلك لتزويد المكتب بجهاز كمبيوتر، وطابعة، وهاتف، يحمل رقماً، حسدني عليه مدير دائرة الأنشطة الطلابية، مستغرباً كيف حصلت على رقم متناسق لم يستطع هو أن يحصل على مثله رغم طلبه!
     وبعد أن زاد قليلاً حجم العمل، ولضيق المكتب، سعيت للحصول على مكتب ثاني، ليكون المكتب الأول للأخوات العاملات في اللجنة، أما الثاني المجاور للأول فأصبح خاص بي! ولا زلت أذكر كيف كان يسلم علي جاري الأستاذ باحترام جم، يحسبني أستاذاً مثله! ربما حقيبة الكمبيوتر المحمول التي كنت أحملها دوماً، إضافة لكبر سن شكلي، هما السببان الرئيسان لهذا الحسبان الخاطئ، الذي لم يتفرد به هذا الأستاذ الفاضل، بل شاركه فيه العديد من الطلبة والأساتذة!

هكذا تورد المطالب يا أشكناني

إبراهيم أشكناني، طالب بكلية إدارة الأعمال في جامعة البحرين، عُرِفَ بتحركه غير المتزن، في صفحات الجرائد، وفي اللقاءات الرسمية التي تجمع الطلبة مع إدارة الجامعة، من أجل الحصول على مكتسبات الطلابية، إن جاز لنا تسميتها بذلك. وكثيراً ما ضحك عليه الطلبة خلال مداخلاته وأسئلته الغريبة في اللقاءات، أو تلك الواردة في رسائله الموجهة لإدارة الجامعة، منها على سبيل المثال: طلب "توضيح مهام وواجبات الدكتور وما له من حقوق أثناء أداء المحاضرة بشكل مُفصل سوى أكان على صعيد المقرر أم الطلبة ، كما أيضاً يوجد عندنا تساؤل حول هذه النقطة هل من واجب الدكاترة شرح المقرر؟" !
     يقود أشكناني اليوم تحركاً آخر من نوعه، فيه من الحكمة والنضج الشيء الكثير، ويحتاج لشيء قليل من إعادة صياغة الأسلوب. فقد ترك أشكناني "مناطحة" إدارة الجامعة، وتوجه إلى مجلس الطلبة برسائله المحتوية على مطالباته واقتراحاته، طالباً من المجلس التحرك عليها مع إدارة الجامعة. وشكل لجنة من الطلبة لصياغة ومتابعة سير هذه المقترحات والمطالب مع المجلس، كنوع من الرقابة، والمحاسبة، على أداء الأعضاء الذين اختارهم الطلبة كممثلين لهم.
     جميل جداً أن تشكل لجنة من قبل الطلبة المهتمين بالشأن الطلابي -لا يستغرب القارئ من العبارة الأخير، فالحقيقة أن ليس كل الطلبة مهتمين بشأنهم!- للوقوف مع مجلس الطلبة وتزويده بالمقترحات العملية التي من شأنها أن تطور المسيرة التعليمية في حياة الطالب. لذلك أتمنى من القيادات الطلابية، خاصةً أولئك الذين لا تتعب حناجرهم من انتقاد صلاحيات المجلس، تحويل الطاقة التي تصرف في الكلام إلى فعل على أرض الواقع، وتبني هذه الفكرة، والسعي لإنجاحها، فهي من أبرز الخطوات العملية المطورة لمجلسهم، و الداعمة له. تعبنا ونحن نقول، قوة المجلس من قوة التفاف الطلبة حوله. فهل نعي ذلك ونتحرك في الممكن؟
     شيء مهم أخير، أرجو من الأخ أشكناني وأصحابه وضع ضوابط لعمل هذه اللجنة، لكي لا تخرج عن أهدافها في المستقبل وتسعى لتلعب دور المجلس بدلاً من أن تكون داعمة له! كما أدعوه للابتعاد عن أي أسلوب فيه نَفَس المحاسبة والتوبيخ، أو فرض الرأي على أعضاء المجلس، فعملية مراقبة ممثلي الناس ومحاسبتهم لم تنضج بعد خارج الجامعة على مستوى المجلس النيابي فضلاً عن داخل الجامعة على مستوى مجلس الطلبة، فلضمان نجاح هذه اللجنة الوليدة، لا بد من الابتعاد عن الأساليب التي من شأنها أن تضع حاجزاً بينها وبين أعضاء المجلس، والتذكير دوماً بأن هذه اللجنة وجدت لدعم المجلس، لا لمحاربته ومصارعة أعضاءه.
     إذا ما نجحت هذه اللجنة، فهل تُكرّس في الطلبة ثقافة المتابعة الجادة، والمحاسبة المتحضرة، لممثلي الناس في مجتمعنا الصغير بمختلف ألوانهم؟! أملي كبير في ذلك. وهذا سر اعجابي بهذا التحرك. تمنياتي لأشكناني وأعضاء لجنته، ولمجلس الطلبة، بالتوفيق والنجاح.

ويتحدثون عن محاربة الفسـاد !

قصة قصيرة.. ليست حقيقية تماماً !
      فتح أحمد صحيفة الديرة، اطّلع على عناوينها الرئيسية، وقف عند العنوان التالي (برلمانيون عرب ضد الفساد في البحرين.. المؤتمر البرلماني العربي الثالث لمكافحة الفساد)، بعد قراءة الأسطر الأولى من الخبر، جرّته ذاكرته بقوة، فغابت عيناه عن الخبر، وتذكر تفاصيل يومه ذاك..
*****
          هل التقرير جاهز يا أحمد.
          نعم جاهز، كما طلب طويل العمر.
          يخرج المستشار القانوني، تدخل أنت بعده على طول، ولكن أرجو أن تستعرض التقرير مع طويل العمر بسرعة، فجدول أعماله مليء جداً اليوم.
          أبشر.
خرج من مكتب خالد رجل عريض المنكبين، يلبس بدلة فاخرة، وفي يده حقيبة، بقيت السيجارة أن تشغل فاه ليكون أفضل وصف: محامي كبير! صاح التلفون، جاء صوت خالد المرعب المصحوب بالكحات الخفيفة:
          عبدالله، أحمد وصل.
          نعم طال عمرك، هو أمامي.
          معه التقرير؟
          نعم طال عمرك.
          أدخله.
دخل أحمد المكتب، بعد أن مشّط لحيته، وأعاد "تنسيف" غترته، وطار في سماء الغرفة حتى حطُّ على أنف خالد وقال:
          صباح الخير يا طويل العمر.
          صباح النور أهلاً أحمد، كيف حالك.
          الحمد لله تمام، أسأل عنكم يا طويل العمر.
          نحن الحمد لله بصحة وعافية كما ترى، لنستعرض التقرير.
قطع صياح التلفون الحوار، ضغط خالد على الجهاز، وجاء صوت السكرتير:
          طال عمرك وزير التصنيع والمجمعات يقول أن الأمر طارئ.
          طيب..
جاء صوت الوزير، وأحمد جالس بكل سكينة وهدوء ووقار، في مكتب هذا المسئول المتواضع:
          طال عمرك، متى ستكف جماعة "عراقة" عن هذه اللعبة ؟!
          ما عليك يا بوعلي، اتصال شخصي مني، قبل الجلسة الموعودة تنسف كل تخطيط، كالعادة !
          يبدو أن الأمر هذه المرة ليس بهذه السهولة يا طويل العمر.
          لا عليك سأقوم بمناوراتي المعقدة، التي لا تتجاوز الاتصال !
          خير إن شاء الله، شكراً يا طويل العمر. تآمرني بشيء ؟
          لا تتصل بي في هذا الموضوع مرة ثانية رجاءاً، فإنه لم يغب عن بالي أبداً.
          إن شاء الله طال عمرك.
          مع السلامة.
          مع السلامة.
يضغط خالد على الزر مغلقاً الهاتف، يضحك ويقول لأحمد:
          يتصل بي لإيقاف جماعة "عراقة" عن المضي في قضية الميناء، ألم يفكر هذا المسكين كيف لجماعة "عراقة" أن تقدُم أصلاً على هذه المسألة، بهذه القوة، قبل أن تحصل على الضوء الأخضر؟ يا له من مغفل! ها ها ها.
          أتعني يا طويل العمر أنك…
          لا عليك يا أحمد، لا عليك. بالمناسبة أود أن أسألك سؤالاً، فأنت أفهم مني، على ما يبدو في أمور الدين.
          لا أظن يا طويل العمر، ولكن لا بأس، أسأل.
          أسمعت عن توقيف حملات الحج المخالفة ؟
          نعم سمعت.
          ما رأيك في إيقافها ؟
          يا طويل العمر، هناك لجنة عليا لشؤون الحج، وهناك إجراءات، ويجب أن تطبق هذه الإجراءات على الجميع.
          على الجميع يا أحمد ؟
          نعم يا طويل العمر، القانون يجب أن يمشي على الجميع، يقول عليه الصلاة والسلام: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
          عليه الصلاة والسلام، عليه الصلاة والسلام، هل هذا الحديث مشهور يعرفه الجميع.
          أشهر من النار على العلم يا طويل العمر.
          يعني ما نسميهم نحن في هذا المكتب بـ "الإسلاميين" يعرفونه ؟ ربما ؟
          بل أكيد يا طويل العمر.
          غريب!
          ما الغريب يا طويل العمر؟!
          لو تعلم يا أحمد من كان مكانك منذ يومين، وهو يرجو ويتوسل ويناجي ! طالباً إيقاف تطبيق القانون، برفع قرار التوقيف عن حملة من الحملات تدعى "الفصول".
          من يا طويل العمر؟!
          لا عليك من يكون، ولكن أظنهم من الناس الذين ينبغي أن يكونوا عارفين بالحديث الذي تلوته أنت منذ قليل، كما تظن أنت.
          إن كنت تقصد بمن تسمونهم في هذا المكتب بإسلاميين، فأنا لا أظن، أنا أؤكد يا طويل العمر أنهم يعرفون هذا الحديث ودلالته. أهااا تذكرت الآن، تذكرت يا طويل العمر.
          ماذا تذكرت؟
          تذكرت خطبة شيخنا "الفضيل"، من المؤكد أنه كان يقصد هؤلاء الذين كانوا مكاني منذ يومين.
          ماذا قال شيخكم "الفضيل" في هذا الشأن ؟
          قال يا طويل العمر: "’نواب سعوا للوساطة لدى المسؤولين لرفع المنع عن إحدى حملات الحج رغم علمهم بالتجاوز الكبير الذي ارتكبته هذه الحملة”. وقال: ”إن اللجنة العليا لشؤون الحج قد اتخذت إجراءاتها المشكورة ضد تسع حملات خالفت الشروط المتفق عليها والتي تحفظ لضيوف الرحمن حقهم في أداء الفريضة، ولكن الطمع والجشع والفساد لدى بعض هذه الحملات يجعلها تتجاوز أدنى أصول اللياقة.. ولقد علمت أن نائباً أو عدداً من النواب سعوا للوساطة لدى المسؤولين لرفع المنع عن هذه الحملة وهم يعلمون علم اليقين أن تلك الحملة متجاوزة”. وقال: أنه إن صح هذا فإنها طامة ما بعدها طامة أن يتوسط نائب لمن ثبتت مخالفته وصدر بحقه جزاء من الجهة المسؤولة، ورغم ذلك يذهب ويستجدي بكبار المسؤولين.. هذا الأمر لا ينبغي السكوت عليه أو التغاضي عنه. وتوجه بحديثه إلى النائب قائلاً: ”بأي حق تشفع لمن ثبت جرمه ووقع ضرره على ضيوف الرحمن؟ كان من الأولى وهو واجبك أن تقف ضد فساد هذه الحملات وهذه الحملة على وجه الخصوص بعد ما ثبت عليها ما ثبت لا أن تطلب الشفاعة لها؟ وأي ثقة ستبقى بعد أن وقف إلى جانب الفساد ليحميه وينصره؟”. داعياً في الوقت نفسه ”هذا النائب وأمثاله بالتنحي وتقديم استقالته فهو خير له وأنفع، كما آمل من المسؤولين أن يوصدوا الباب في وجهه ووجه أمثاله ممن يعينون المفسدين على فسادهم وبخاصة بعد أن أطلق قادة البلاد حفظهم الله تعالى تصريحاتهم بمحاربة الفساد دون محاباة أو مداراة  لكائن من كان”.
          هذا ماقاله شيخكم؟!
          كما نقلته إحدى الصحف المحلية في اليوم الثاني تماماً يا طويل العمر.
رن الهاتف، ضغط خالد على الزر، جاء صوت السكرتير:
          أمر طارئ يا طويل العمر، طويل العمر يريد مقابلتك فوراً !
          طيب.
نهض من على كرسيه الوافر المريح، ومد يده لأحمد وقال:
          أنا آسف يا أحمد، كما ترى، الأمر طارئ !
          لا تتأسف يا طويل العمر، الله يوفقك لكل خير، وسلامي الحار لطويل العمر.
          نناقش التقرير غداً في نفس الوقت.
          بإذن الله.
*****
      فتح أحمدعينيه، ورجع للصحيفة، وهو ينظر لبعض الوجوه، ابتسم وقال:
          ويتحدثون عن محاربة الفساد !

لقــاء..

بعد معاقرة كؤوس جميع أصناف اللوعة، هزمها أخيراً سلطان النوم، كما يهزم أعتى الطغاة بكل هدوء، عبرت أعتاب دنيا الأحلام، حتى استقرّت في لا مكانٍ هناك، حيث لا تستطيع رؤية ما حولها. جلست ودوران شريط الذكرى يقطع قلبها الحزين، وجعلت من كفيها الناعمين وسادةً، ارتمى عليها وجهها بكل ثقله وطرواته، فاحتضن كفاها وجنتيها الورديتين، الرطبتين بفعل أنهر الدموع التي جرت على سطحيهما الرقيقين، قبل أن تخسر نزالها مع سلطان النوم.
شعرت أنها في غرفة مغمورة بالظلمة ورائحة الغبار. رأت طيف نورٍ يأتي من بعيد. تجمدت مكانها تترقبه. وقلبها الممتلئ خوفاً لم يكف عن خفقانه السريع، حتى استقرَّ النورُ رَجُلاً منتصباً أمامها، فقالت بصوت خافت لا تكاد هي أن تمسعه:
          من أنت ؟!
بلجهةٍ مصريةٍ رد:
          مساء الخير!
ما إن سمعت صوته، انفجرت ينابيع الدموع، وعادت الأنهارُ تجري، حتى كادت تذيب خدودها المشبعة بالحمرة، وقاطعته:
          حبيبي!! خالي!! حبيبي!!
انقضَّت عليه لتضمّه، فطافت ذراعيها طيفه البارد، وارتطما في صدرها، وكادت أن تسقط أرضاً لولا أنها اصطدمت بجدار ترابي خشن لم تحس بوجوده، شعّ بريق ابتسامة من وجهه وقال:
          ليس الآن يا صغيرتي.. ليس الآن.. امسحي دموعك واجلسي هنا.
بحثت عن ما تمسح به زلال عينيها، لكنها لم تعثر على بقعة في جسمها سلمت من البلل لتمسح بها، لم يكُن هناك سدٌ يوقف نهر دموعها الجاري، قالت بحزنٍ عميق:
          ألا أستطيع رؤية وجهك؟ أريد أن أُرجع كل ذرة من تفاصيله إلى ذاكرتي التعيسة، فقد بدأت أنسى وجهك شيئاً فشيئاً!
          ستنظرين إليّ قريباً مهما طال بك العمر. قبل كل شيء، هل تصنعي لي معروفاً يا صغيرتي؟
          أصنع لك معروفاً؟! معروفاً واحداً! روحي تنتظر إشارة منك لتفتديك.
          حفظ الله روحك، طلبي صغير جداً، هل تعدينني أن تنفيذه؟
          ولو كان على هلاكي، آمر يا خالي، آمر، فكم قصَّرت في حقك أنا.
          أرجوكِ أرجوكِ، كفي عن سكب الدموع، كم تعذبني هذه الدموع.
          فقدك موجع يا خالي العزيز، موجع.
          آلمني حزنكم البالغ لفقدي، حزنك أنتِ بالذات.
          أوتشعر بحزني؟! أوتحس بلوعتي؟!
          نعم يا حبيبتي، نعم أشعر. لو تعلمين راحتي لكان مكان حزنك هذا فرحاً. هل تنفذ صغيرتي الحلوة رغبتي أم لا؟
          الآن فقط أشعر بأنني أستطيع أن أكف عن البكاء.
في محاولة منه ليعيد بنت أخته لطبيعتها المرحة الشقية، التي اعتاد أن يراها بها، قال:
          لقد كبرتِ يا صغيرتي، وأصبحتِ فتاة يافعة، وزاد جمالكِ جمالاً.
لم يمنع هول الموقف ابتسامتها الخجولة من أن ترتسم على ثغرها الصغير المكتنز، وبنجاح الفتيات الذكيات، باشرت في انقاذ نفسها من هذا المطب المحرج وسألته:
          هل أستطيع أن أظل معك هنا؟
          لن تستغرق زيارتك أكثر من 3 دقائق.
          3دقائق فقط؟! لا! أريد أكثر، أريد أكثر، أريد أن أُغرق أذني بكلماتك الحلوة، أريد أن أرهق جسدي بمداعبتك، أريد أن أخدمك في بيتك الدامس الموحش هذا.
          دامس وموحش؟! ها ها ها.. صغيرتي الحبيبة، أتعلمين، لو خُيّرت أن أرجع إلى قصور الدنيا ما رجعت، فكيف بسرير ختمت عليه تفاصيل بدني من طول المرض؟!
          أفهم من كلامك أنك مرتاح هنا؟!
          حبيبتي، لقد كنت في دار الشقاء والتعب، وبيت الهم والنكد، وحياة الشقاء والضجر، وقد زادني مرضي تعباً وهماً وحزناً، أما وقد رحلت عنها، فنزلت في ضيافة وكرم أرحم الراحمين، فأكرم نزلي، وغسلني بالماء والثلج والبرد، وآنسني عملي الصالح حتى لا أكاد أحس بالملل.
رأت ذراعه النور تتحرك، لتكشف بإضاءتها شيئاً من زوايا الظلام، حتى امتدت إلى قارورة، رفعها إلى بريق ثغره، وسمعت صوت الذي يشربه وهو يمر من خلال حنجرته، فقالت والدهشة تعتريها:
          ماذا تشرب يا خالي؟!
          أشرب خمراً.
          خمر؟!
          نعم خمر، هذا قليل من كثير مما يصلني من دار السرور، ليتني أستطيع أن أسقيك منه قليلاً.
          ألا يمكنك أن تسقيني منه قليلاً؟
          ها ها ها، كما عهدتك صغيرتي الحلوة، تودين لو تجربين كل شيء. عندما كنتِ صغيرة، أذكر أني أنقذت لسانك الوردي ومعدتك الطرية من كوبٍ حليبٍ حار، حاولتي سرقته من على الطاولة في غفلة من أمك. حدثيني عنك، عن والديك وإخوانك، عن دراستك، عن مغامراتك التي لا تنتهي مع صديقاتك.
          لماذا نضيع الدقيقية والنصف المتبقية في الحديث عن أخباري؟! أنا المتشوقة لسماع أخبارك.
          منذ متى يهتم الأحياء بأخبار الموتى؟! أخباري كما ترين، أنتظر في هذا المكان، كما تنتظرين أنتِ في مكانٍ آخر.
          تنتظر؟! أنتظر؟! ماذا ننتظر أنا وأنت؟!
          ننتظر أن نحيا الحياة، الحياة يا صغيرتي ليست هي التي تعيشينها هناك، وليست هذه التي أعيشها أنا هنا، إنها أخرى, كلانا ينتظرها، الفرق أنني أنتظرها هنا في هدوء وراحة وسكينة، أما أنتي فلم تكملي بعد نصيبك من الدنيا، بكل ما في هذا النصيب من تعب وكدر!
تابع ولكن بلهجة مصرية هذه المرة، الأسلوب الذي اعتاد أن يداعبها به في الحديث:
          إزاااي؟! حتؤولي لي أخبارك ولا إيه؟!
ضحكت حتى دفنت عينيها التي زادها غسيل الدموع لمعاناً تحت أهدابها من جهة، وخديها من جهة أخرى، وقالت:
          آأولك أيه ولا أيه يا خالي في دئيئه وحده؟! كول الي أعرفوه إني بحبك كتير ومشتائة لك كتير كتير كتير.
          أنا كمان بحبك يا شئيه.
اقترب منها، وزرع على خدها قبلة، أحست ببرودها هذه المرة، وقال:
          حان وقت الرحيل يا صغيرتي.
          آه لو كنت أستطيع التحكم في نواميس الحياة! تحمل بنفسك يا خالي.
          لا شيء هنا أتحمل بنفسي منه، أنتي من يجب أن تتحمل بنفسها.
وبنبرة جادة، وهي الوحيدة من نوعها في هذا اللقاء السريع، أضاف:
          إياكِ إياكِ من إهدار الدموع، وإكثار الحزن، تذكري أن ذلك يعذبني كثيراً، هل يسرُّك أن تعذبي خالك الذي تحبينه؟
          بالطبع لا.
          إذن أرجوك لا تفعلي.
          أعدك أني سأبذل كل ما أملك من جهد للتحكم في عواطفي.
          الأمر لا يحتاج لكثير جهد، فقط تذكري كلما هاجت عواطفك أن ذلك يعذبني كثيراً.
          إن شاء الله سأفعل.
          إلى اللقاء، في دار السرور بإذن الله.
          إلى اللقاء خالي العزيز.
استيقظت من نومها، شعرت بخيال امرأة، لم تستطع أن تميزها فوراً، عرفت أن المرأة التي تقف بجانب سريرها هي أمها عندما قالت لها: (نمتي كثيراً اليوم يا ابنتي الصغيرة، هيا استعدي للانطلاق إلى الجامعة).
رفعت يديها وقالت: اللهم اغفر له وارحمه، وقامت من سريرها مبتسمة ابتسامة من أحسنت الظن بربها..

خالد ومناصرة العلمانية

قصة قصرة
نظر خالد بعين عقله، البعيدة عن تعصب الهوى (الذي يسميه كثير من الناس الدين في أيامنا هذه)، والبعيدة عن عاطفة القلب، إلى المرشحين في منطقته، ولم يرَ أفضل وأنسب مرشح ليكون نائباً في البرلمان من وليد، وهو رجل متحدث، له خبرة في العمل السياسي، وقوي في مجال عمله، القانون والمحاماة. فوقف معه غير آبه برأي كثير من أصحابه، الذين رأوا في ذلك مخالفة شرعية صريحة، كون وليد مرشحاً غير إسلامياً !
*****
جلس عمر مع خالد في المقهى العنابي، يدردشان في مواضيع لا نهاية لها، ومنها موضوع الانتخابات. عن موقف خالد من انتخاب "غير الإسلامي" قال عمر، سكرتير نهيان معلقاً:
          نهيان يرى أن اختيارك صحيح سياسياً، ولكن المشكلة أنه لا يجوز شرعاً !
رد خالد مستغرباً من هذا المنطق:
          لم يقنعني هذا الكلام !
عاد خالد إلى بيته، واستلقى على السرير يفكر في وجهة نظر نهيان، قائد من قواد الدعوة السلفية في البلاد، وقال في نفسه: (ليت ابن تيميمة أتبَعَ كتابه "درء تعارض العقل والنقل" بكتاب "درء تعارض المصالح الوطنية والأحكام الشرعية") !!
بصوت خافت، قرأ أذكار النوم، واستسلم للميتة الصغرى مكبل العينين..
*****
طلب حسين من خالد جلسةً عابرة، ليستوضح منه بعض المواقف التي صدرت منه مؤخراً. اصطحب خالد صديقه طفيل ليرافقه. بعد السلام والتحية، افتتح خالد:
          تفضل أخي حسين، أسأل..
          لماذا وقفت مع غير الإسلامي وليد في الانتخابات النيابية، وتركت الإسلامي منصور، هل فقط لأن منصور غير سلفي، أو لأنه ينتمي لجمعية قد لا تعجبك ؟؟
          يجب أن تعلم أولاً يا عزيزي حسين أني لا أملك هذه النظرة الضيقة، فلم أزكي المرشح السلفي عندما سألني صديقي الذي يسكن في منطقته عن أي المرشحين يختار. ولم أكن لأقتنع أبداً بإبراهيم، الشيخ السلفي هو الآخر، ليكون مرشحاً في منطقتي !
          إذاً لماذا وقفت مع العلماني وتركت الإسلامي ؟؟!!
باهتمام بالغ، وانفعال معتدل، اقترب خالد من حسين، مستنداً على يديه المنتصبتين على الطاولة، وقال:
          دعني أسألك
          تفضل..
          كم إسلامي في المجلس حالياً ؟
تدخل طفيل بعد أن أستغرق حسين قليلا في العد:
          كلهم (الأربعون) إلا إثنان، ولنقل إلا ثلاثة على أسوأ تقدير.
أتبع خالد سؤاله بسؤال آخر:
          وماذا يستطيع أن يفعل علماني وحيد، أمام 37 إسلامي ؟!
قبل أن يجيب حسين على سؤاله، واصل خالد:
          ولكن في نفس الوقت دعني أسألك أيضاً، كم قانوني لدينا في المجلس؟ المكان الذي ينبغي أن يكثر فيه أهل القانون. وكم متحدث داخل المجلس مثل هذا العلماني يستطيع مواجهة أولئك الذين يخلطون الحق بالباطل؟ ثم تعال قل لي، إذا كان أصحابنا لا يستطيعون أن يقولوا في مواطن كثير كلمة "لا"، ألا ترغب أن يقولها رجل "بايعها" وفي نفس الوقت غير محسوب على جماعتك؟! وألم تسأل نفسك مرة: إذا ما أرادت الحكومة أن تُفشل المجلس، وهي قادرة على ذلك، من سيلوم الناس؟ ومن الذي سيفقدون الثقة فيه؟ سيلومون الإسلاميين، وسيفقدون الثقة في الإسلاميين، ولا أحد غيرهم، أما إن كان هناك غيرهم في المجلس ألا تعتقد أن الإسلاميين لن يتحملوا كل مسئولية الفشل؟ ولن يفقدوا كل الثقة؟ تلك الثقة التي يحرص عليها بعض الإسلاميين أيما حرص لا ليدعوا الناس إلى صحيح معتقد أو سليم منهج، إنما لليوم المشهود، يوم التصويت!
سأل حسين:
          وما كان يدريك أن العلمانيين الآخرين، جماعة (رعد)، لا يصلون للمجلس، وبالتالي يزداد عدد العلمانيين على عدد الإسلاميين ؟
          من المستحيل أن يصل واحد منهم.
          وكيف تضمن ذلك ؟!
          أنسيت يا صديقي حسين الصناديق العامة ؟
          أنت تشكك في صحة الانتخابات ونزاهتها ؟!
ابتسم خالد، والتفت إلى صديقه طفيل الذي بادله نفس الابتسامة..
*****
      يتصفح خالد مع صديقه طفيل كتاباً، ويقرأ لابن تيمية (فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدّم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضرراً فيها؛ فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أميناً، كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف؛ مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يُغزى مع القوي الفاجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)).
      يعلق خالد بأسلوبه الساخر المعتاد:
          أتعلم يا طفيل، أظن أن زمان ابن تيمية خلا من أهل العلم والحكمة، الممتلئ منهم زماننا، لذلك تجرأ ابن تيمية أن يقف على هذا الرأي، ويقف ضد الصالحين الأمناء، كما يرى الأمر اليوم كثير من أصحابنا بلسان الحال، حتى وإن اختلف لسان المقال الذي يصرحون به !!
يضحك طفيل بصوت مرتفع، يضيف خالد:
          صحيح أن الفجور يختلف عن العلمنة، ولا يمكن أن ننزل كلام ابن تيمية في مقارنتنا هذه، ولكن ابن تيمية يتكلم عن جهاد، أتعلم ما الجهاد يا طفيل؟! ونحن لا نرتضي لنائب لا حول له ولا قوة، إلا أن يكون صالحاً أميناً حتى وإن لم يكن قوياً! في مجلس لا حول له ولا قوة! وفوق ذلك، كل المجلس "إسلاميين"، أيضاً هؤلاء لاحول لهم ولا قوة! ومن دون بالله لا حول ولا قوة! ألا يمكننا أن نستفيد من قوة العلماني، بل الكافر أيضاً، في موطن لا يستطيع أن يضر فيه الإسلام أو المسلمين بوجود الأغلبية الإسلامية داخل المجلس ؟!!!
يستمر طفيل ضاحكاً حتى تدمع عيناه من الضحك..
*****
      وصف المتطرفون خالد بـمناصر العلمانية والعلمانيين. وقال عنه المعتدلون: نسأل الله أن لا تتمكن الشبه (جمع شبهة) من قلبه. أما العاقلون قالوا: إنها كبوة جواد !!
      يتصل بخالد شيخ معروف بمواقفه وعطاءه في العمل الدعوي والخيري والسياسي، ويقول له: اختيارك كان في مكانه. في ظل الوضع الحالي وليد كان الأنسب، ولكن يا ليت أصحابنا يفقهون !
      فرح خالد كثيراً، فقد زاده الشيخ فوق رضاه عن نفسه رضاً.
انتهت القصة.
 
ملاحظة: ما ورد في القصة من آرء لا تعبر بالضرورة عن رأي الكاتب !