لا شيء من الإثارة هنا

يقولون بأن الرجال مسؤولون عن صنع الإثارة، يهمسون للانتباه أن التفت. والإثارة تأتي بصور لا حصر لها..

لكن لا شيء منها هنا يا سيدتي.

شعرٌ متقصف إذا ما طال، بعض الخطوط البيضاء تتحرش به مؤخراً. كرشٌ ليس بالعظيم هيبةً، ولا بالغائب رشاقة. عينٌ فيها انحرافٌ بسيط، وفكرٌ انحرافه ليس بأبسط. حديثٌ مُملٌ خالٍ من الحكايا والقصص، لا تجارب ولا ذكريات، أنتِ على موعدٍ مع صمتٍ طويل وكلماتٍ قصيرة إذا ما قررتِ دعوتي لكأسِ نبيذ، بالإضافة إلى اعتذارٍ عن شربه! أمارس الرياضة بصورة متقطعة، أجري مسافاتٍ طويلة لكني أجهل الرقص، فلا تعرف يدي مصافحة خصركِ، ولا رجلي متابعة ساقاكِ، إذا ما مددتِ يدك دعوة. أسافر، لكني لست بارعاً في السفر، أجلس في نفس الزوايا، وأنشغل بكتاب، أو أتشغال بتصفح بعض المواقع. ليس هنا ما يثير الانتباه، أو يدعو للالتفات.

زاوية لا تُرجع الصوت صدىً، ومُتكأٌ أكثر من عادي.

آه نسيت.. الابتسامة، هل رأيتِ أكثر منها اصفراراً؟!

طواسين الغزالي

سيئة جداً، ليس فيها أدب ولا جماليات، فيما عدا الحفر في بعض العبارات والجمل. لا تنقل القارئ إلى أي من الروحانيات تلك التي تدعيها الصوفية، وإذا كان الكاتب أراد أن ينشر سيرة الغزالي من خلال روايته هذه، فيا لها من سيرة غير جديرة بالاحتفاء في رأيي، ولا تشجع القارئ أن يستزيد البحث فيها!

المقدمة التي أسماها الكاتب “بيان أدبي”، كافية لأن تدفعك لرمي الرواية في أقرب زبالة لما فيها من جرأة وغرور. أستغرب كيف يكتبها من يدعي “صنعة الأدب”! لولا التزامي بمجموعة قراءة لما واصلت قراءة ما بعد هذه المقدمة.

لا أنصح بتضييع الوقت في قراءتها.

التقييم: 1/5

إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيران.. يجب أن نعرف ماذا في سوريا ولبنان

IRAN-UNREST

مقال غير منشور للكاتب البحريني إبراهيم بوصندل

loc-m-1بهذه العبارة كان الممثل “حسني البرزان” يبدأ مقاله الذي لم يكمله قط حتى انتهت حلقات المسلسل، بل وحياته المهنية والحقيقية أيضا.

فكان ”حسني البرزان” ما أن يبدأ في كتابه المقال، ويبدأ بالعبارة الشهيرة “إذا أردنا ان نعرف ماذا في إيطاليا؛ يجب أن نعرف ماذا في البرازيل،، أما إذا أردنا أن نعرف ماذا في البرازيل.. فيجب أن نعرف ماذا في إيطاليا”؛ وما ان يبدأ حتى تنزل عليه مصيبة أو داهية أو مفاجأة ويكون سببها في الغالب غوار.

اليوم يمكن استعارة هذه العبارة لتفسير الكثير من الأحداث، فعلى سبيل المثال يمكن كما قال عبدالعزيز الذكير في جريدة الرياض: ” إذا أردت أن تعرف ما يجري في العراق.. أو في.. أو في.. عليك أن تعرف ماذا في واشنطن أو ماذا قال السناتور الفلاني ..”.

وعلى هذا المقياس وبشكل أوضح يمكن القول وبكل ثقة: إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيران، يجب أن نعرف ماذا في سوريا، وأيضا ماذا في لبنان، وماذا في العراق، وماذا في اليمن، وماذا في البحرين والكويت والسعودية، وماذا في مصر، وماذا في أفريقيا، وماذا في ماليزيا والقائمة تطول.

لقد اهتمت إيران بما يجري في كل تلكم الدول وغيرها، وتدخلت في شؤونها، وحرضت بعض أبنائها، وأمدت بعضهم بالمال والسلاح والعتاد والدعم الإعلامي والسياسي، حتى أنها لم تعد تملك لا المال ولا الوقت الكافي للاهتمام بالإيرانيين أنفسهم، وبالشعب الذي تحكمه هي، لانشغالها في الشعوب التي يحكمها غيرها.

ربما اعتمدت إيران على ثنائية الدين والمذهب والحرس الثوري، حيث يتم تخدير الشعب بالدين وولاية الفقيه من جهة، ومن لم يتخدر، يتولى أمره الحرس الثوري بمعرفته.

يقول حسن نصر الله وأنقل بالحرف من خطابه: “نحن وعالمكشوف ويمكن هيك شي بالعالم كله ما فيه .. إنه واحد يطلع علنا وشفاف وصادق،، وبيقول للعالم كله، نحن يا خيي على راس السطح، موازنة حزب الله ومعاشاتو ومصاريفو وأكلو وشربو وسلاحو وصواريخو من الجمهورية الإسلامية في إيران، تمام .. ما حدا إلو علاقة بهذا الموضوع”!!

طبعا لا يهتم نصر الله بموازنات الشعب الإيراني، ولا بمعاشاتو ومصاريفه وأكله وشربه، مدام كل ذلك متوفر للحزب الذي هو فرع لإيران، فليذهب الشعب الإيراني إلى الجحيم.

وأما قوله: “ما حدا إلو علاقة بالموضوع” فهو خطأ أيضا، لأن الشعب الإيراني الذي خرج في الشوارع له كل العلاقة بالموضوع، فأكلك وشربك ومصاريفك ومعاشاتك يا نصر الله إنما هي مخصومة من معاشات الشعب الإيراني ومن أكله وشربه ومعاشاته، فللشعب الإيراني كل العلاقة بالموضوع، ولكن حسابه ليس معك وإنما مع من أخذ أمواله وصرفها لك ولغيرك.

ثم يضيف حسن قائلا بتهكم وهو يبتسم: “طالما بإيران فيه فلوس (يضحك) يعني إحنا في عندنا فلوس! بدكم شفافية أكثر من هيك! ومالنا المقرر يصل إلينا، وليس عن طريق المصارف، وكما وصلت إلينا صواريخنا التي نهدد بها إسرائيل (كما زعم)؛ يصل إلينا مالنا، ولا يستطيع أي قانون!! أن يمنع وصول هذا المال إلينا!. هلأ في ناس بيعترضوا يعترضوا،، هذا البحر ما شاء الله، البحر الأبيض المتوسط اشربوا منو”

ثم وبعد شكر الجمهورية الإيرانية على الدعم الذي استمر لسنوات ولا يزال، يعقد نصر الله مقارنة بين حزبه وبين منتقديه ولعله يقصد لبنان بأكمله فيقول: “ولذلك لا … انتوا ما عم تدفعوا معاشات.. حنا عم ندفع، انتو موقفين الموازنات.. حنا عم ندفع موازنات، انتو اللي بعدكو ما دفعتوا أعباء انتخابات 2009، نحنا خالصين من الانتخابات البلدية، نحنا ما عندنا مشكلة..”.

إلى آخر الخطاب الذي يحتاج فعلا إلى تحليل وتعليل بل إلى وقفات للمحاسبة.

طبعا المحاسبة لا تجري من المجتمع الدولي، ولا حتى من داخل لبنان فحسب ولا من الدول الإقليمية أو المعنية؛ وإنما المحاسبة لما يجري في لبنان وفي سوريا وفي اليمن الخ .. تجري حاليا مع صاحب القرار ومع المعطي قبل الآخذ.

الشعب الإيراني لم يستجب لكلامك ويشرب من البحر الأبيض المتوسط، وإنما قرر أن يجعل من يدفع لك المصاريف والأكل والشرب،، يشرب من الكأس المر التي ذاقتها كثير من شعوب المنطقة بسببك وبسبب مصاريفك ومعاشاتك وأكلك وشربك.

لهذا نختم بما بدأنا به لضيق المساحة،، فإذا أردنا أن نعلم ماذا يجري في إيران؛ يجب أن نعلم ماذا يجري في سوريا ولبنان.

6 يناير 2018م

كتابتك مادة أولية.. 

20180109_122501-01

اليوم، انت فقط أكتب، تكلم..

وهناك عدد لا بأس به سيلتقطون قولك، يحللونه ويفسرونه وأحياناً يأولونه، ويرسمون سطوراً من خيالاتهم ليحشروا أمراضهم بينها، ثم ينسبونها لك.

أرجوك اكتب شيئاً.. فمهنة البعض تعتمد على ما تصرح به، كلماتك مادة أولية، تتوقف صناعة كاملة حال غيابها! 

 

في الجمهور و”الجماهيرية”..

“هذا الأحمر شاقني.. يا ناس دلوني عليه.. “

من المشاهد المحفورة عميقاً في ذاكرتي، حماس التشجيع مع رابطة “الذيب الأحمر”، خصوصاً عندما يلعب الفريق مع أحد الأندية المنافسة، الرفاع الغربي أو الأهلي مثلاً، كان حصولي على علم أحمر قبل دخولي المدرجات من أحد قادة الرابطة، بمثابة حضور مضاعف بالنسبة لي، وكان التصفيق والهتاف خلف المايسترو “بوثنوه” متعة استثنائية وتأكيد ولاء محرقاوي أصيل، حتى أني كنت أُفضل “الكراش” الأحمر مع ساندويش الجبن الذي أنتظر في صفٍ غير منتظم طويل لشرائه من الكافتيريا خلال الاستراحة بين الشوطين، وإذا نفد الأحمر أقبل بالأسود مُرغماً. وإذا ما أسعدنا الأحمر بفوز، فإن حماسنا يطير بنا عالياً، يحط بنا على دوار “الكازينو” في المدينة العريقة، منتظرين لاعبين الفريق لنفرح ونُغني بهم وبفوزهم.

ذات ليلة، بعد عودتنا من إحدى المباريات، سألت أبي ذاك السؤال الذي ظل حاضراً لمدة طويلة: كيف للآخرين أن يشجعوا نادياً غير المحرق؟! كيف لهم أن يشجعوا نادي الأهلي مثلاً؟! وكان سؤالي المليء بالدهشة حقيقي جداً، وتبرير تشجيع فريق غير المحرق أشبه بالخيال. السؤال لا زال حاضراً، ولكن غابت الدهشة بعد أن كبرت قليلاً.

خلال المرحلة الابتدائية، انضم أقرب أصدقائي إلى فريق نادي البحرين لكرة الطاولة، اختاره المدرب الصيني مع آخرين بعد جولة تفقدية على عدد من الفصول لمعرفة من يرغب بممارسة اللعبة والالتزام بالحصص التدريبية. ذهبت لنادي البحرين بنفسي محاولاً الالتحاق بالفريق، وقد كان لي ذلك مع بداية العطلة الصيفية في ذلك العام، واستمريت في لعب كرة الطاولة بعدها سنوات عديدة، حققت فيها عدد من البطولات وكنت ضمن فريق المنتخب البحريني، ومثلت بلادي في مشاركات خليجية وعربية، أما صديقي ذاك، فلم يستمر مع اللعبة أكثر من أشهر قليلة. هناك غابت دهشة سؤالي القديم، وعرفت ماذا وكيف يكون أن تشجع فريقاً آخر غير المحرق، فقد كان المحرق مُنافساً لفريقنا على المراكز الأولى. بل وصل بي “الوعي التشجيعي” إلى حالة تفكيكية، فكنت مثلاً أشجع فريق نادي البحرين في كرة الطاولة وكرة اليد، ولكن في المقابل أشجع نادي المحرق في كرة القدم!

لم أنظر إلى الأمر بأنه خيانة للنادي الذي أنتمي إليه، ولم يكن لدي أي صراع داخلي أو استغراب حول الأمر، ولم أكره مشجعي نادي المحرق الذين كانوا يتمنون هزيمتنا في كرة الطاولة، وكنت أصفق معهم في مباريات كرة القدم!

الرياضة ليست لعبة واحدة، واللعبة ليست كل النادي، والنادي ليس كل شيء، واللاعبين يتنقلون من نادي إلى آخر، بل حتى الإداريون كانوا ولا زالوا يتنقلون من نادي إلى آخر، والأندية تتنافس لا تتصارع، والجمهور وحدهم من يظلون في نفس الجهة يهتفون ويصرخون، وبما أن هناك جمهور فهناك تعصب ولا شك، قل أو كَثُر، تعصب يحاول أن يُقحم كل شيء في منافسة ما في لعبة ما ستنتهي خلال سويعات! كل هذه المعاني عشتها وتطورت في وجداني، ساعدتني لاحقاً على فهم كثير من الأمور ذات العلاقة، من قريب أو بعيد.

مزحة ميلان كونديرا

Author Milan Kundera Photo by Catherine Hélie.

الرواية الأولى للروائي الفرنسي من أصول تشيكية ميلان كونديرا، وأول رواية أقرأها له. سُحرت بكثير من العبارات والمعاني، وبقدرته الجريئة على الغوص في خبايا النفس البشرية ودهاليزها.

هذه بعض الاقتباسات التي توقفت عندها:

  • الإفراط في الأخلاق أهم من نقصها كما هي الحال اليوم.

  • لم يكن وعيي ببؤسي الشخصي يصالحني إطلاقاً مع بؤس أمثالي. فلا شيء يثير اشمئزازي مثل تآخي الناس بدافع رؤية كل واحد منهم لدناءته الشخصية في دناءة الآخر. ليس لدي ما أفعله بهذا التآخي البائس.
  • والكراهية تصدر ضوءاً حاداً للغاية يُفقد الأشياء أشكالها. لذلك بدا لي قائدي، بكامل البساطة، مثل جُرَذٍ حقود وماكر.
  • الغناء أو تقاليد الاحتفال الشعبي هما نفقٌ تحت التاريخ، فيه تم إنقاذ جزء مهم مما دمَّرته فوقه، منذ زمن طويل، الحروب والثروات والمدنية. نفقٌ أرى عبره بعيداً إلى الوراء.
  • كل الوضعيات الأساسية في الحياة لا تكون إلا مرة واحدة. إنها لا تعود. وكي كيون الإنسانُ إنساناً، لا بد أن يكون واعياً تماماً بهذه اللاعودة. أن لا يغشّ، وأن لا يتظاهر بأنه لا يعرف شيئاً. الإنسانُ الحديث يغش. يجهدُ في التحايل على كل اللحظات التي بلا عودة، وفي المضي من الولادة إلى الممات هكذا من غير محاسبة.
  • سعيتُ إذاً إلى الحديث عن أمور تافهة، لكن ذلك كان أسوأ. سرعان ما غدا اللمعنى المُتوخّى من الحديث شفافاً وأصبح الحوارُ لا يُطاق.
  • أبداً ليس الزهو تماماً ما كان قادَهُ إلى الكتابة، بل الضعف. ذلك أن الشجاعة في العُزلة؛ من غير شهود ولا رضا الآخرين، وجهاً لوجهٍ مع الذات، تتطلب اعتزازاً كبيراً بالذات وكثيراً من القوة.
  • ليس الأعداء من يحكم على الإنسان بالعُزلة، بل الأصدقاء.
  • وأنَّ نظام أشياء العالم مهما كان عادلاً لا يمكنُ أن يجري خارج مشاركته -الإله- إلا بصورة متعثرة وفاسدة.
  • غير أن للأحداث عادةً معنى مخالفاً لذلك الذي يمنحه إياها صانعوها العميان، فهي ليست إلا تعليمات خفيّة قادمة من أعلى، والذين تركوها تتحقق ليسوا، من غير أن يدروا، إلا رُسلاً لإرادةٍ عُليا لم تخطر حتى على بالهم.
  • لا حركة كبرى تبتغي تغيير العالم تتسامح مع التهكم أو السخرية، لأنهما صدأ يتأكَّلُ كل شيء.
  • لم يعد التاريخ اليوم سوى خيط واهن من ذكرى فوق محيط المنسيّ.
  • لقد سوَّى يأسُ هيلينا حساباته مع الحياة على مسافة كافية من عتبة الموت.

Screenshot_20170822-123227

أي وصف رائع هذا الأخير الذي عبّر به الكاتب بعد محاولة الانتحار الفاشلة لهيلينا!

قرأتُ هذه النسخة من الرواية، ويُقال أن ترجمتها أفضل من الأخرى. الترجمة كانت رائعة في رأيي.

التقييم: 4/5

خصومة لا عداوة – غسان الشهابي

14055131_10155300134179968_2959744115575533494_nوجدت هذا المقال الرائع للكاتب والصحافي البحريني القدير الأستاذ غسان الشهابي على صفحته في Facebook، ولأني لم أجده في البلاد، الجريدة التي يكتب فيها، ارتأيت أن أنشره هنا، لأوصل هذا الصوت العاقل والرزين إلى أكبر قدر ممكن من القراء. فإن هذا المقال لا يمثل كاتبه فحسب، إنما أغلبيه صامتة في البحرين، من كُتّاب وصحافيين وغيرهم من متابعين للأزمة الخليجية الراهنة، التي نسأل الله أن تنقشع عاجل غير آجل.

مقال غسان الشهابي – الخميس 20 يوليو 2017

خصومة لا عداوة

من المرات القليلة، بل النادرة جداً في حياتي هذي التي أفلحت فيها أن أقول (لا)، وذلك عندما أدعى منذ أسابيع عبر وسائل إعلام مختلفة للإدلاء برأيي في المسألة القطرية، أو المسألة الخليجية، أو لنسمّها من نشاء، فما هي إلا جزءٌ من البلاء.

في البداية قلت (لا) لأنني ظننت أنها سحابة صيف، لن تكون مثقلة، وسرعان ما يطردها الهواء الساخن وتنقشع وتعود الشمس للإشراق من جديد.. ولما طال الأمد، وتعقّدت الأمور، صارت الـ (لا) أكثر تأكيداً من ذي قبل خصوصاً وإذ أرى متدفّقين على شاشات المحطات، من مع ومن ضد، تحسب أنهم ينامون ويصحون في الاستديوهات، ينتظرون أي تصريح أو ملمح ليعلّقوا عليه لصالح البلد الذي يتبعونه، بفهم أم بغير فهم.

أزمة بدأ أمدها يطول، وفي البداية هبّ كل طرف وراء ما قاله حكّامه، لأن الناس – أو جُلّ – على دين ملوكهم، فقام العقلاء من المجتمعات ليقولوا: (لا)، لا تنزلقوا فتهلكوا… إنّ السياسيين إنْ أرادوا يكبّرونها كبّروها، ويصغّرونها فتصغر إن أرادوا، ولكن ما شأنكم أنتم؟ وبالفعل كأن الأمر تراجع إلى حين، ولكن علا الموج وارتفع، وعاد الناس يجرّحون في بعضهم البعض، ويدّعون على بعضهم، وبحثوا في قيعان نفوسهم ونفسياتهم، ليستقلبوا أسوأ ما لديهم من ألفاظ سيئة ومسيئة ضد الأطراف الأخرى، ويستقبلوا غدهم المظلم ببيعهم أمسهم الزاهر. لا تذهبوا بعيداً، فكم من صراعات عربية انتهت بالقبلات والأحضان، خذوا لديكم من “أيلول الأسود” الذي راح ضحيته آلاف، بقي الأسى في نفوس من دفن ذووهم، أما الزعماء فالتقوا بالأحضان والابتسامات العريضة، والقبلات، إلى حروب الأمس، والزعماء الذي خرجوا من الباب وعادوا من الشبّاك، حيث اختلفوا، وموّلوا الحروب، وتآمروا على بعضهم، وتصالحوا، وأعادوا الكرّة مراراً، وتصالحوا، أما الذين يذهبون فهم من لا وجوه لهم، ولا أسماء، ولا كيانات، ولا بواكي لهم إلا نساءهم، فلمَ هذه الحميّة الحمقاء؟ لم لا تترك الأمور إلى من يسيّرونها بحسب ما لديهم من أوراق، حتى تنتهي المسألة كلها بالحلول التي لا شأن لكم باختيارها، عبر الآليات التي لن يكون لكم رأيٌ فيها أساساً، فلم هذا الهوَس الظاهر والباطن في العداوة والاستعداء.

نبالغ في تلبّس سمات التديّن ومظاهره، وفي القليل منّا تقرّ المعاني العميقة للدين، ألم يقل رسولكم إن من علامات المنافق “إذا خاصم فجَر”؟ أليس الذهاب إلى استخراج الأوراق القديمة، التلويح بما تم السكوت عنه أيام الرخاء والارتخاء ضرباً من الفجور؟ الحقّ لا يُجزَّأ ولا يُجمّد ليُخرَج من الثلاجات، ويسخّن في المايكرويف الإعلامي “على السريع”، ليقدّم للجمهور الذي بات يلتهم كل ما يقدّم له، لأن ليس بين الوجبة والوجبة وقت ومسافة للتفكير وإعداد وجبة صحّية تجبّ ما قبلها، وتتصدى فكريّاً لما بعدها.

نحن هنا في البحرين خصوصاً، من دون أهلنا في الخليج، مررنا بالدرس الأقسى، وافترضنا أننا تعلمنا من حدّه الأقصى، رأينا كيف هدأت الأمور الأمنية، وتغيّرت المعادلات، وجلس الخصوم إلى طاولات الحوار، فعادت المياه إلى مجاريها، ولكنها ما عادت صالحة للشرب بسبب ما فعله الناس بالناس، وكيف تصرفوا تجاه بعضهم، وكيف استخدموا أقذع الأسلحة النابية ضد أهليهم، ولكن يبدو أننا نسينا الدرس وأيامه، فكيف بمن لم يكتووا بنيرانه وآلامه!

20121491_10156553465669968_6960544382652006186_o

فترة

20161223_154158

لم أعد أجيد ترتيب الكلمات كما أفعل، وأشعر دون أن أختبر نفسي بأني لم أعد أجيد الحديث أيضاً..! لاذكريات واضحة، لا مغامرات تستحق، لا اقتباسات أحفظها، أحرِفُها قليلاً لأرويها دون إحالة مرتاح الضمير.

أشكُ بأني فقدت الكثير، وما ترتيب الكلمات إلا تجلي.

لماذا هذا الحكم القاسي “لم أعد”؟ قد تكون مجرد فترة طبيعية تأتي بعد شِرَّة، إلا أن الفترة طالت.

هل فعلاً طالت؟ أم أني وبدافع لا إرادي، صرت أمطط اللحظات حد التمزق إلا قليلاً، أُبطِئُ من المشاهد المارة أمامي، فتصبح اللحظة ثانية، والثانية دقيقة، والدقيقة ساعة، والساعة يوماً، واليوم شهراً؟ لماذا؟ لا أدري. أُُحمّلُ الدقائق ما لا طاقة لها به من فعل العقل وأفعال القلب، من القلق، ومن الخوف المرافق للاحتمال الدائم.. هذه الأخيرة.

هل أخسر بذلك الراهن من وقتي، بغيابي في المعاني غير الظاهرة، في ما وراءه من بعدٍ بعيد عن الزمان والمكان، فأخسر نفسي بعضاً فبعضاً، أم أني بكل ذلك أعيش في كل ما في اللحظات من حياة؟

من نحنُ كنفسٍ وكوجود غير الراهن من أوقاتنا؟ من أنا إذا لم أستطع صف الكلام كلمة بكلمة؟

  • – الصورة: جبل شمس، سلطنة عمان