مزحة ميلان كونديرا

Author Milan Kundera Photo by Catherine Hélie.

الرواية الأولى للروائي الفرنسي من أصول تشيكية ميلان كونديرا، وأول رواية أقرأها له. سُحرت بكثير من العبارات والمعاني، وبقدرته الجريئة على الغوص في خبايا النفس البشرية ودهاليزها.

هذه بعض الاقتباسات التي توقفت عندها:

  • الإفراط في الأخلاق أهم من نقصها كما هي الحال اليوم.

  • لم يكن وعيي ببؤسي الشخصي يصالحني إطلاقاً مع بؤس أمثالي. فلا شيء يثير اشمئزازي مثل تآخي الناس بدافع رؤية كل واحد منهم لدناءته الشخصية في دناءة الآخر. ليس لدي ما أفعله بهذا التآخي البائس.
  • والكراهية تصدر ضوءاً حاداً للغاية يُفقد الأشياء أشكالها. لذلك بدا لي قائدي، بكامل البساطة، مثل جُرَذٍ حقود وماكر.
  • الغناء أو تقاليد الاحتفال الشعبي هما نفقٌ تحت التاريخ، فيه تم إنقاذ جزء مهم مما دمَّرته فوقه، منذ زمن طويل، الحروب والثروات والمدنية. نفقٌ أرى عبره بعيداً إلى الوراء.
  • كل الوضعيات الأساسية في الحياة لا تكون إلا مرة واحدة. إنها لا تعود. وكي كيون الإنسانُ إنساناً، لا بد أن يكون واعياً تماماً بهذه اللاعودة. أن لا يغشّ، وأن لا يتظاهر بأنه لا يعرف شيئاً. الإنسانُ الحديث يغش. يجهدُ في التحايل على كل اللحظات التي بلا عودة، وفي المضي من الولادة إلى الممات هكذا من غير محاسبة.
  • سعيتُ إذاً إلى الحديث عن أمور تافهة، لكن ذلك كان أسوأ. سرعان ما غدا اللمعنى المُتوخّى من الحديث شفافاً وأصبح الحوارُ لا يُطاق.
  • أبداً ليس الزهو تماماً ما كان قادَهُ إلى الكتابة، بل الضعف. ذلك أن الشجاعة في العُزلة؛ من غير شهود ولا رضا الآخرين، وجهاً لوجهٍ مع الذات، تتطلب اعتزازاً كبيراً بالذات وكثيراً من القوة.
  • ليس الأعداء من يحكم على الإنسان بالعُزلة، بل الأصدقاء.
  • وأنَّ نظام أشياء العالم مهما كان عادلاً لا يمكنُ أن يجري خارج مشاركته -الإله- إلا بصورة متعثرة وفاسدة.
  • غير أن للأحداث عادةً معنى مخالفاً لذلك الذي يمنحه إياها صانعوها العميان، فهي ليست إلا تعليمات خفيّة قادمة من أعلى، والذين تركوها تتحقق ليسوا، من غير أن يدروا، إلا رُسلاً لإرادةٍ عُليا لم تخطر حتى على بالهم.
  • لا حركة كبرى تبتغي تغيير العالم تتسامح مع التهكم أو السخرية، لأنهما صدأ يتأكَّلُ كل شيء.
  • لم يعد التاريخ اليوم سوى خيط واهن من ذكرى فوق محيط المنسيّ.
  • لقد سوَّى يأسُ هيلينا حساباته مع الحياة على مسافة كافية من عتبة الموت.

Screenshot_20170822-123227

أي وصف رائع هذا الأخير الذي عبّر به الكاتب بعد محاولة الانتحار الفاشلة لهيلينا!

قرأتُ هذه النسخة من الرواية، ويُقال أن ترجمتها أفضل من الأخرى. الترجمة كانت رائعة في رأيي.

التقييم: 4/5

خصومة لا عداوة – غسان الشهابي

14055131_10155300134179968_2959744115575533494_nوجدت هذا المقال الرائع للكاتب والصحافي البحريني القدير الأستاذ غسان الشهابي على صفحته في Facebook، ولأني لم أجده في البلاد، الجريدة التي يكتب فيها، ارتأيت أن أنشره هنا، لأوصل هذا الصوت العاقل والرزين إلى أكبر قدر ممكن من القراء. فإن هذا المقال لا يمثل كاتبه فحسب، إنما أغلبيه صامتة في البحرين، من كُتّاب وصحافيين وغيرهم من متابعين للأزمة الخليجية الراهنة، التي نسأل الله أن تنقشع عاجل غير آجل.

مقال غسان الشهابي – الخميس 20 يوليو 2017

خصومة لا عداوة

من المرات القليلة، بل النادرة جداً في حياتي هذي التي أفلحت فيها أن أقول (لا)، وذلك عندما أدعى منذ أسابيع عبر وسائل إعلام مختلفة للإدلاء برأيي في المسألة القطرية، أو المسألة الخليجية، أو لنسمّها من نشاء، فما هي إلا جزءٌ من البلاء.

في البداية قلت (لا) لأنني ظننت أنها سحابة صيف، لن تكون مثقلة، وسرعان ما يطردها الهواء الساخن وتنقشع وتعود الشمس للإشراق من جديد.. ولما طال الأمد، وتعقّدت الأمور، صارت الـ (لا) أكثر تأكيداً من ذي قبل خصوصاً وإذ أرى متدفّقين على شاشات المحطات، من مع ومن ضد، تحسب أنهم ينامون ويصحون في الاستديوهات، ينتظرون أي تصريح أو ملمح ليعلّقوا عليه لصالح البلد الذي يتبعونه، بفهم أم بغير فهم.

أزمة بدأ أمدها يطول، وفي البداية هبّ كل طرف وراء ما قاله حكّامه، لأن الناس – أو جُلّ – على دين ملوكهم، فقام العقلاء من المجتمعات ليقولوا: (لا)، لا تنزلقوا فتهلكوا… إنّ السياسيين إنْ أرادوا يكبّرونها كبّروها، ويصغّرونها فتصغر إن أرادوا، ولكن ما شأنكم أنتم؟ وبالفعل كأن الأمر تراجع إلى حين، ولكن علا الموج وارتفع، وعاد الناس يجرّحون في بعضهم البعض، ويدّعون على بعضهم، وبحثوا في قيعان نفوسهم ونفسياتهم، ليستقلبوا أسوأ ما لديهم من ألفاظ سيئة ومسيئة ضد الأطراف الأخرى، ويستقبلوا غدهم المظلم ببيعهم أمسهم الزاهر. لا تذهبوا بعيداً، فكم من صراعات عربية انتهت بالقبلات والأحضان، خذوا لديكم من “أيلول الأسود” الذي راح ضحيته آلاف، بقي الأسى في نفوس من دفن ذووهم، أما الزعماء فالتقوا بالأحضان والابتسامات العريضة، والقبلات، إلى حروب الأمس، والزعماء الذي خرجوا من الباب وعادوا من الشبّاك، حيث اختلفوا، وموّلوا الحروب، وتآمروا على بعضهم، وتصالحوا، وأعادوا الكرّة مراراً، وتصالحوا، أما الذين يذهبون فهم من لا وجوه لهم، ولا أسماء، ولا كيانات، ولا بواكي لهم إلا نساءهم، فلمَ هذه الحميّة الحمقاء؟ لم لا تترك الأمور إلى من يسيّرونها بحسب ما لديهم من أوراق، حتى تنتهي المسألة كلها بالحلول التي لا شأن لكم باختيارها، عبر الآليات التي لن يكون لكم رأيٌ فيها أساساً، فلم هذا الهوَس الظاهر والباطن في العداوة والاستعداء.

نبالغ في تلبّس سمات التديّن ومظاهره، وفي القليل منّا تقرّ المعاني العميقة للدين، ألم يقل رسولكم إن من علامات المنافق “إذا خاصم فجَر”؟ أليس الذهاب إلى استخراج الأوراق القديمة، التلويح بما تم السكوت عنه أيام الرخاء والارتخاء ضرباً من الفجور؟ الحقّ لا يُجزَّأ ولا يُجمّد ليُخرَج من الثلاجات، ويسخّن في المايكرويف الإعلامي “على السريع”، ليقدّم للجمهور الذي بات يلتهم كل ما يقدّم له، لأن ليس بين الوجبة والوجبة وقت ومسافة للتفكير وإعداد وجبة صحّية تجبّ ما قبلها، وتتصدى فكريّاً لما بعدها.

نحن هنا في البحرين خصوصاً، من دون أهلنا في الخليج، مررنا بالدرس الأقسى، وافترضنا أننا تعلمنا من حدّه الأقصى، رأينا كيف هدأت الأمور الأمنية، وتغيّرت المعادلات، وجلس الخصوم إلى طاولات الحوار، فعادت المياه إلى مجاريها، ولكنها ما عادت صالحة للشرب بسبب ما فعله الناس بالناس، وكيف تصرفوا تجاه بعضهم، وكيف استخدموا أقذع الأسلحة النابية ضد أهليهم، ولكن يبدو أننا نسينا الدرس وأيامه، فكيف بمن لم يكتووا بنيرانه وآلامه!

20121491_10156553465669968_6960544382652006186_o

فترة

20161223_154158

لم أعد أجيد ترتيب الكلمات كما أفعل، وأشعر دون أن أختبر نفسي بأني لم أعد أجيد الحديث أيضاً..! لاذكريات واضحة، لا مغامرات تستحق، لا اقتباسات أحفظها، أحرِفُها قليلاً لأرويها دون إحالة مرتاح الضمير.

أشكُ بأني فقدت الكثير، وما ترتيب الكلمات إلا تجلي.

لماذا هذا الحكم القاسي “لم أعد”؟ قد تكون مجرد فترة طبيعية تأتي بعد شِرَّة، إلا أن الفترة طالت.

هل فعلاً طالت؟ أم أني وبدافع لا إرادي، صرت أمطط اللحظات حد التمزق إلا قليلاً، أُبطِئُ من المشاهد المارة أمامي، فتصبح اللحظة ثانية، والثانية دقيقة، والدقيقة ساعة، والساعة يوماً، واليوم شهراً؟ لماذا؟ لا أدري. أُُحمّلُ الدقائق ما لا طاقة لها به من فعل العقل وأفعال القلب، من القلق، ومن الخوف المرافق للاحتمال الدائم.. هذه الأخيرة.

هل أخسر بذلك الراهن من وقتي، بغيابي في المعاني غير الظاهرة، في ما وراءه من بعدٍ بعيد عن الزمان والمكان، فأخسر نفسي بعضاً فبعضاً، أم أني بكل ذلك أعيش في كل ما في اللحظات من حياة؟

من نحنُ كنفسٍ وكوجود غير الراهن من أوقاتنا؟ من أنا إذا لم أستطع صف الكلام كلمة بكلمة؟

  • – الصورة: جبل شمس، سلطنة عمان

أوطان افتراضية

Getty

أحمد الحربان – العربي الجديد

في خضم تفاعلنا العجيب الغريب مع قضايا الشأن العام على وسائل التواصل الاجتماعي، انقدحت في رأسي اﻷقرع فكرة، ربما يلتقطها بعضُ السيّارة من مبرمجي برامج الجوال، فيخترع لنا برنامجاً يُنفّذها.

بما أننا شعوب نتكلم عن الديمقراطية أكثر من أولئك الذين يمارسونها، ولو جزئياً، ونحلل القضايا اﻹقليمية كتحليل طفلين على مباريات الدوري اﻹسباني وهما ينتظران “الكيدز ميل” في المطعم، ولنا رأي في كل صغيرة وكبيرة، وإن كان هذا التفاعل الزائد ليس منقبةً إلا أنه لا يمكن أن يكون عيباً محضاً في الوقت نفسه، فالناس تتفاعل ﻷنها حصلت على ما يُكبّر أصواتها الكترونياً، أو لأنها تريد أن تقول، ولا تستطيع: يا أيها الذي لا يُرينا إلا ما يرى.. هذا ما نراه، فالعبارة كثيراً ما تكون في القضايا الإقليمية والمعنى حيثُ الوطن نفسه.

الفكرة، أن نُوجد لنا حياةً الكترونية رديفة لحياتنا الواقعية، كما يفعل الكُتّاب في رواياتهم، فضاءً موازياً ليومياتنا وهمومنا وأفكارنا، ولكن تلك التي تتعلق بداخل الوطن لا خارج حدوده، نحقق فيه مشاركة أكبر في صنع القرار، وسلطة أقوى في مراقبة المال العام وأداء الأجهزة الحكومية، وفسحة أرحب للتعبير الحر عن الرأي، وذلك عن طريق برنامج نحمله في هواتفنا الجوالة، تضمنا في أحزابٍ افتراضية إن شئنا الإنضمام، نتواصل لكتابة برامج انتخابية، وتفتح لنا صناديق اقتراع افتراضية أيضاً لنُرشّح أو نترشح لمناصب قيادية، تُطرح البرامج، وتُفتح المساحات للنقاش، على أن يُربط البرنامج في كل بلد بمؤسساته وأخباره، ليتماهى اللاعبون -وسأقول لاعبون لأننا نريده أن يكون لعبة، وأن نخترع فيه بعض المزايا البوكيمونية الداعية للإثارة واﻹدمان- مع الواقع، كتفاعل مباشر مع قضايا الشأن المحلي ولكن في نفس الوقت يكون تفاعلاً افتراضياً، بعيداً عن أي سلطة إلا سلطة الرأي والفكرة وقوانين اللعبة المستمدة من أرقى التجارب الإنسانية في مجال إدارة الدول وسياستها.

تتطور اللعبة، لتشبك وطن بآخر، عبر تحالفات واتفاقيات، تُعرض على البرلمانات المنتخبة في كل وطن، ويتم التصويت عليها، ويُلتزم بها بحكم قانون اللعبة الدولي، صادرات وواردات، عملات وأسعار صرف، أسواق مفتوحة وأخرى مغلقة، وغيرها الكثير والكثير يمكن إضافته.

تخيلوا شاب في عمر الخامسة عشرة، يتعلم قراءة الموازنة الحكومية، ويدخل مع أصحابه في مفاوضات تجارية، أو يقترح برامج ومشاريع، أو يثير تساؤل حول أرقام غريبة، ويدقق على أداء مؤسسات وطنه الافتراضي، عن طريق لعبة في هاتفه الجوال!

قد يدفعنا برنامج كهذا للالتفات إلى الجار المُضطهد بسبب رأي قبل أن تُحارب بنا مواقفنا عند قضايا تبعُد عنا آلاف الكيلومترات، ربما نجعل من هوس المتابعة والتفاعل أكثر فائدة وتأثير فنراقب أداء الوزارات وسياسة الهيئات وعمل المسؤولين عن مصالحنا ومصالح المواطنين المباشرة، قبل أن ننتقد تشكيلة حكومة بلد لا نجرؤ على زيارته، أو أن نغوص في مناكفات بيزنطية عن الفرق بين حزبٍ وآخر يقع كليهما في بلدين منفصلين لا ننتمي لأيٍ منهما!

قد يقول قائل بإن “هاشتاق” تويتر يكفي، ولكن “الهشتقه” في رأيي لا تتجاوز في أغلب أحيانها ثقافة التسطيح ومبارزات إثبات الرأي، ولكن اللعبة، ذات الأمد الطويل والتي تُتابع باستمرار، كتلك التي يبني بها المتسابقون مدنهم، أو يزرعون ويحصدون حقولهم، أو يكوّنون جيوشهم ويدخلون في تحالفات مع أخرى، ينغمس فيها المتسابقون بفكرهم وتفاعلهم ومتابعتهم، لعبة كهذه ستكون أكثر تأثيراً، وربما ينعكس أثرها على أرض الواقع.. ربما!

لم أتعب ذهني في اﻵثار الاجتماعية المترتبة على تدشين لعبة كهذه، وليس بالضرورة أن تكون إيجابياتها أكثر من سلبياتها، فمواقع تواصل الاجتماعي مثلاً، قربتنا فعلاً، لكنها لم تزد علاقة المتخاصمين غالباً إلا خصومة وشقاق! أقول رغم ذلك، تظل فكرة جديرة بالالتفات، فليرسلها أحدكم لمشاركين في مسابقات الهاكاثون، مع التنبيه إلى ضرورة أن تكون خوادمها في ملاذات “معلوماتية” آمنة، تحفظ خصوصية اللاعبين، فلا يخفى عليكم أنها -الخصوصية- في لعبة كهذه تزداد وتتأكد حاجتها.

أعداد المواطنين في الدول العربية في ازدياد، وتفاعلهم مع المتغيرات المتسارعة والخطيرة في ازدياد أيضاً، الأمر الذي يدفع موصدو الأبواب إلى إغلاقها خوفاً وتوجساً وريبة، قد تكون لعبة “أوطان” المقترحة هنا حلاً، يبني المواطنون المتسابقون فيها أوطانهم، ويمارسون وطنيتهم، بالطريقة التي يشعرون وأن كرامتهم وإنسانيتهم تدعوهم لها. هل الكرامة افتراضية؟

ذكريات ضالة

IMG_20160724_164325

كيف تشكلنا الطفولة.. ترسمنا وتحدد ملامحنا النفسية؟ كيف لتلك المواقف التي لا نلتفت لها اليوم، تذبذب علاقتنا بالصديق الذي نحب، خوفنا من ابن الفريج قوي البنية، خفقة القلب الأولى لابنة الجيران أو الطالبة في المدرسة المجاورة، كيف غاصت تلك التفاصيل عميقاً في أنفسنا، ووضعت أساسات بنيان ذواتنا؟ كيف لها في الوقت نفسه أن تعيد أطلال تلك الذكريات ببناء نفسها، أن تفور من الأعماق فجأة بعد أن طمرتها أيامنا بالمشاغل والمتاهات، وإذ بها تُشيّدُ نفسها بنفسها، تقف أمامنا، ونقف نحن أمام أنفسنا، وربما تغيرنا مرة أخرى، وهي التي شكلتنا بدايةً!

رواية جميلة جداً، عبدالله كاتب رائع، كتابته تحتوي على صور شاعرية وأفكار والتفاتات مبهرة.
ستكون من ضمن القائمة التي أنصح السائلين بقراءتها..
4/5

المزاج والرياضة

20151106_162938

أحمد الحربان – العربي الجديد

أجري على كورنيش الدوحة مستمتعاً بالجو المعتدل، أتذكر أمراً أحزنني، أنشغل عنه بأضواء العمارات هناك في الضفة الأخرى مرة، وبالإضاءة الساحرة لمتحف الفن الإسلامي مرة أخرى، ولكنه يأبى الانصراف ويزداد حضوراً، إلى أن شعرت بأن قلبي لا يقوى على ضخ ما يكفي من الدم للمواصلة، أو أن كريات الدم الحمراء احتجَّت فألقت ما تحمله من أوكسجين.. لا تقوَ العضلات عل تلبية رغبتي في استمرار الاندفاع قُدُماً، فأتوقف عن الجري وأواصل مشياً.

في يومٍ آخر، أشعر بالنشاط الزائد قليلاً، فقد نمت جيداً ليلة البارحة، أستعد للتوجه إلى النادي الصحي، فجأة أشعر بأن مزاجي ليس رياضياً، أغير ثيابي مرة أخرى، وأذهب إلى المقهى مصطحباً الجهاز، وأكتب..

يشاغبني المزاج كثيراً، قبل أو أثناء ممارسة الرياضة، أما الإحباط فيتمكن مني فترة طويلة إذا ما خسرت المباراة، يوم أن كنت لاعب كرة طاولة، تجدني أقرر فجأة بعد خسارة من الخسارات: سألعب تنس أرضي!

أنا أدعي، وهذا مجرد إدعاء –رغم إيماني بصحته- بحاجة إلى من يثبته علمياً، بأن الرياضيين اﻷبطال، أولئك الذين يحققون المراكز المتقدمة في أي رياضة، لا يؤثر فيهم المزاج قدر تأثيره على أقرانهم، وأن لديهم قدرة على تجاوز تأثيراته السلبية، أو أن الأمر يحصل هكذا دون بذل انتباه أو بذل جهد. ربما قوة الشغف تخفف من حدة تقلب المزاج، فلا وقت للالتفات إليه، لا وقت إلا للتمرين، ولا جهد إلا للرياضة، في سبيل الفوز والمجد، أو لحالة عاشوها خلال طفولتهم تقلل من تأثير أي موقف في مزاجهم لاحقاً، أو لأي سبب آخر.

كثيرة هي الدراسات التي تناولت علاقة المزاج بالأداء الرياضي، إلا أني وقعت على مقالة تتناول إشكالية هذه الدراسات، لا تتلخص فقط في معيار قياس الأداء الرياضي، بل في ضعف كفاءة دراسة المزاج، وتداخل مؤثرات أخرى غير المزاج قد تؤثر على الأداء، كالعواطف، وطبيعة شخصية الرياضي، والإثارة، والتوتر، وغيرها.

بالنسبة للتوتر، أذكر فيما أذكره أني كنت ضمن الثلاثة الذين لعبوا في المباراة النهائية ضد نادي سار -النادي الوصيف ذلك العام، نادي البحرين بطلاً- عندما كنت لاعباً لكرة الطاولة، وكرة الطاولة من الألعاب التي تؤثر فيها أية اهتزازة لليد، كلعبة البليارد أو الغولف مثلاً، ونظراً لحساسية المباراة فقد كنتُ متوتراً، وكانت يدي تهتز بشدة، خسرت. بعدها بأيام قليلة كانت البطولة المفتوحة، حيث كل لاعب يلعب لنفسه وليس ضمن فريق، فخسارته تقصيه من التأهل، وفوزه يقدمه خطوة إلى الأمام. لعبت ضد من هزمني في تلك المباراة الأخيرة، وكنت ألعب براحة تامة، فلم أكن تحت أي ضغط، ولا حتى الخوف من الخسارة والخروج من المنافسة في بداياتها، هزمته بسهولة، الأمر الذي أغاض صديقه اللاعب الأبرز في نفس النادي، والذي صادف وتقابلنا في المباراة قبل النهائية، فألحقته بزميله خارج البطولة، فطار مضاربه نرفزةً بعد النقطة الأخيرة ليُحدث ثقباً في سقف صالة الاتحاد، وما خسرت يومها إلا أمام صديقي البطل حمد بوحجي في المباراة النهائية، فكان ذلك آخر مركز أحققه في مسيرتي مع المضرب: الثاني فئة العموم على البحرين.

أعود لموضوع المزاج، شخصياً لا أحتاج إلى دراسة من جامعة أمريكية أو أوروبية حتى تُقنعني بأن للمزاج أثر مباشر على الأداء، لا في المنافسة فحسب، بل حتى خلال التمارين والتدريبات اليومية، والتي من شأن تأديتها على الوجه الأمثل والأكمل أن تُحدث الفارق.

كيف تتحكم في مزاجك، أو كيف تخفف من تأثيراته السلبية على الأداء في الرياضة أو العمل أو ممارسة ما تحب من هوايات؟ هذ حكاية أخرى..

رابط المقال على العربي الجديد: هنـا

خَيّب ظن المرآة وكُن عتمة

20160412_215854

ﻻ تجتهد في التلوين

إذا ما اعتادت المرآة عكس أيامك بالرمادي فقط

لا تُجهد نفسك لتكون أكثر كمالاً ما استطعت.. لا تنسَ إنسانيتك..

ألم يغالبك الملل وأنت تنتظر انعكاس جمالك الصادق..؟

ألم يُتعبك الضجر وأنت تنتظر صدى صدقك الجميل..؟

مارس نقصك

جرّب تقصيرك

استرح قليلاً والتفت لنفسك وجهلك

لا بأس بقليل من الحقارة المحترمة

ولا ضير بشيء من اﻷنانية المتعالية

أنت إنسان.. سعيك الدائم للكمال سيطغى عليك ويجعلك شيطاناً كاملاً في يومٍ ما..!

لا تقمع شياطينك، أثبت التاريخ القديم والحديث أن القمع ليس حلاً..

روّضها، وتصالح معها، التصالح استراتيجية يعتمدها المتحاربان في بعض الظروف، رغم عمق الكراهية..

إذا يأست يوماً، خيّب ظن المرآة..

اقطع طيوف ألوانك، وكُن عتمة..

..

عزيزي القارئ، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تلتفت للهراء المكتوب أعلاه.

لو أنها لا تُأوَّل

20160610_201644

لو أن اﻷحلام لا تُأوَّل..
لقصصتُ أحلامي،
لحكيتها لطاعنٍ في السنِ غريب،
أو أسررت بها لصديقٍ ونحن مشغولان في التفتيش عن شيء نتكلم فيه،
لو أنها لا تُأوَّل..!

فكرتُ يوماً في كتابة كل حلم واضح يزورني كحقيقة
لا أجمل من فانتازيا رسائل المنام
ولا أصدق منها..
الرعب كل العرب في صدقها..!
فكرت في كتابتها،
ولكن الخوف من تداعيات تأويلها.. دوماً يمنعني.

ما أثقل ما يُحبس في النفس،،
حتى ولو كان حُلماً

#بوح

زاوية الدرج

DSC00114-01

البارحة وأنا نازل من الطابق الأول، وفي ذراعي ابني سعود، وقعت عيني على تلك المساحة المربعة.. إحدى زوايتي سلم منزلنا الدافئ في عراد، والذي يتكون من ثلاثة أضلع مُشكلة مستطيلاً، ضلعه الرابع ضلعان مُتراكبان، واحد في الدور الأرضي والثاني في الدور الأول..

وقعت عيني على تلك الزاوية، وطفحت إحدى الذكريات التي لم يستطع النسيان التغلب عليها بعد.

جاءت أمي من المطبخ في فورة غضب ليست بغريبة، وفي يدها ملعقة بلاستيكية كبيرة برتقالية اللون، مخرومة في منتصفها، تلك التي تُستخدم لتحريك العصير في الإبريق، لتوزيع لبّه على كافة جزيئات الماء الذي يحتويه بدلاً من أن يتركز في القاع، أو لإسراع تبريده بالثلج الذي رُمي فيه تواً.. جاءت أمي مُسرعة، ولما قطعت الضلع الأول من أضلع السلم، أصبحتُ في متناولها، فوق ذاك المربع، وأنا في العتبة التي تليها، رفعت الملعقة لتهوي بها على كتفي، ولكني أمسكت بيدها قبل أن.. فرفعت الأخرى الخالية من أي سلاحٍ أبيض، أو برتقالي، فأمسكتها أيضاً، وظلت أيدينا مشتبكتين في العالي ثوانٍ لم أعدها، فقلت لها: “لم أعد طفلاً لكي تضربيني في كل مرة..” بغيضٍ أنزلت يديها، وعادت إلى المطبخ، لتُكمل إعداد وجبة الغداء اللذيذة التي أكلناها تلك الظهيرة. ربما أعدَّتها بغيض أو استغراب، لا أدري، ولكني اليوم متأكد بأنها أعدتها بحب. ومن يومها توقفت أمي عن ضربي !

أمي.. عن كل سبب دفعتك فيه لتقويمي ضرباً.. آسف بحجم الكون، وحجم كل الحب.

اليوم، وبعد أن كتبت هذه الكلمات، استغربت أمي طلبي بأني أريد أن التقط معها صورة سريعة على الدرج.. أردت أن تجمعنا صورة في نفس الزاوية ضاحكاً على موقف محفور في ذاكرتي منذ 18 عاماً !