رواية(صالح)

“اسمع أنت يا خميس، أنت مب عارف شتسوي بروحك، تسوي الغلط، وبعدين ترقعه بغلط. ساعدتني أطلع من الديرة عشان تثبت للكبارية إن الضابط اللي فوقك مب كفو! سعيت تصدر لي عفو بطريقة تشب بها الطائفية! حاولت تعطل رجعتي بالتعهد وشروطه لأنك فشلت في المرة الأولى والثانية، ووين ما تطقها عوية! انت ما فشلت لأنّي قوي! لا! أنت فشلت لأن أهل الديرة واعيين لك. ما تبوني أتدخل في السياسة، أصلاً مافي حياة سياسية عندنا! ما تبوني أسوي حراك حزبي، أبشرك، الأحزاب ماتت من نفسها! الشي اللي ما تقدرون توقفوني أنا وغيري عنه، هو إني أربّي عيالي وعيال الديرة، وأخليهم واعيين لك ولأمثالك. إحنا رايحين، وانتوا رايحين، وهم باقيين، والديرة باقية”.

صالحهذا كان آخر مشهد من رواية (صالح)، وهذا ما قاله بطل الرواية (صالح) لصديق له يعمل في الأمن  بعد عودته إلى البحرين، خرج منها قبل 15 عام، نهاية 1970 تحديدًا، هاربًا من الإنجليز، الذي كان هو ورفاقه يناضلون لطردهم من البلاد، ليستقر في دمشق ويُصبح عضوًا في حزب البعث العربي الاشتراكي، لينتقل بعدها إلى اليمن ويشارك أصحابه هناك النضال عن طريق إدارته لورشة تعيد تأهيل قطع السلاح، ويرجع بعدها إلى دمشق ويُعلن عن قراره الانعتاق من الحزب، قلت انعتاقًا لأن استقالته لم تكن مجرد التخلص من الالتزامات الحزبية فحسب، وإنما كانت كفرًا بأفكار الحزب أو توجهاته، هكذا يبدو لي كقارئ، وينتهي به المطاف عائدًا إلى البحرين بعد أن سعى له رفاقه القدامى عند بعض “الشيوخ” بتهيئة ذلك وتأمين وضعه.

الرواية للكاتب البحريني الشاب يوسف حسن، وقد حرصت على قراءتها لسببين رئيسيين، أولاً لأن كاتبها صديق عزيز جدًا، ثانيًا لأنها تتكلم عن شيء من تاريخ بحريننا الحبيبة، ونضالات شعبها.

احترت كثيرًا في تقييم الرواية، فهي جاءت مختزلة ومختصرة جدًا، فيها قصة ولكن ليس فيها إلا القليل من “الأدب” إن صح التعبير، وكأنها عبارة عن رؤوس أقلام لقصة فيلم قدمها كاتب لمنتج، ولكن في الوقت نفسه في هذه الرواية القصيرة، ورغم ما تفتقر إليه من جماليات وأجواء يود القارئ عادةً أن يعيشها عندما يقرر قراءة رواية، رغم ذلك إلا أن فيها قصة كما ذكرت، وليست أي قصة، تُسلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ البحرين الحديث، ومن الحراك الحي المقاوم للاستعمار فيها.

من يقرأ الرواية يتذكر المسلسل البحريني العظيم (سعدون)، وكأن الرواية تحكي الفصل الثاني من قصة سعدون.

وبمناسبة الحديث عن مقاومة الاستعمار البريطاني، من المناسب التذكير هنا أن البحرين استقلت 14 أغسطس 1971، وقد مرت ذكرى هذا الاستقلال قبل أيام مرور الكرام على الإعلام الرسمي، بل أن كثيرًا من الشباب لا يتذكر هذا التاريخ ولا يعني له شيئًا، وهذا لا يقتصر على البحرين وحدها، بل كل دول الخليج. وأقول صادقًا، لا أدري لماذا أثار هذا الأمر انتباهي هذا العام أكثر من أي عام سابق، وأنا الذي بلغ عمري خمس وثلاثين عامًا! بحثت في الانترنت عن (دول لا تحفل بعيد استقلالها)، فحصلت على هذا الموضوع (دولة لا تحتفل بعيد استقلالها)، فابتسمت وقلت، هذا ليس صحيحًا، نحن لا نحتفل بذكرى استقلالنا أيضًا.

وقد سألت بعض الأصدقاء، لماذا لا نحتفل بيوم الاستقلال، فجاءتني مجموعة من الإجابات، كانت أكثرها إثارة (وهل دولنا مستقلة؟). هذه الإجابة ذكرتني بتساؤل آخر، كان ولا زال يتردد صداه بعد أن طرحه أحدهم: (ماذا سنخسر نحن كشعوب لو رجع الاحتلال البريطاني المباشر للمنطقة؟!).

“صالح” وإن كانت رواية قصيرة جدًا بإمكانك أن تُنهيها في يوم واحد، إلا أنها تضيء منطقة شبه مُعتمة من تاريخنا الوطني، فخيوط حكايتها لم تكن من نسج الخيال..!

الرواية متوفرة في متجر كيندل.

حلفاء أميركا.. صدام حسين مثالاً

كثيرة هي الاقتباسات التي من الممكن أن تخرج بها من كاتب (من يحكم العالم؟) لنعوم تشومسكي، ولكني اخترت لكم هذه الفقرة التي تختزل علاقة أميركا بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، وهي علاقة يجب -في رأيي- استحضارها كثيرًا بعد اندلاع الأزمة الخليجية..

يجدر بنا ألا ننسى إلى أي مدى كرَّست واشنطن جهودها لمؤازرة صديقها صدام. لقد رفع ريغان اسمه عن قائمة الإرهاب الخاصة بوزارة الخارجية، بحيث بات بالإمكان إمداده بالمساعدات لتسهيل هجومه على إيران، وفي مرحلة لاحقة أنكر كلاهما جرائمه الشنيعة ضد الأكراد، بما فيها استخدام الأسلحة الكيماوية، وأحبط قراراً للكونغرس يدين تلك الجرائم. كذلك فقد خصّ ريغان صدام حسين بمكرمة لم يسبق له أن خص بها أحداً إلا إسرائيل. لم تحدث هنالك أي ردود فعل جدية عندما هاجم العراقُ سفينة USS Stark بصواريخ إكزوسيت، ما أسفر عن مقتل سبع وثلاثين بحاراً من طاقم السفينة، على غرار سفينة USS Liberty تماماً، التي تعرضت لهجمات متكررة من قبل الطائرات الحربية وقوارب الطواربيد الإسرائيلية عام 1967، ما أسفر عن مقتل أربعة وثلاثين بحاراً من طاقمها. خليفة ريغان، جورج بوش الأب، مضى في تقديم مزيد من المساعدات لصدام، وهو ما كان صدام بأمس الحاجة إليه بعد الحرب مع إيران التي كان قد شنها. كذلك قام بوش بدعوة المهندسين النوويين العراقيين لإتباع دورات متقدمة في الولايات المتحدة على إنتاج الأسلحة. في نيسان/ أبريل 1990، أرسل إلى العراق وفداً رفيعاً من أعضاء الكونغرس على رأسهم المرشح الرئاسي الجمهوري بوب دول Bob Dole لينقل تحياته الحارة إلى صديقة صدام ويؤكد له أن عليه تجاهل حملات النقد غير المسؤولة تلك التي كانت تشنها “الصحافة المتغطرسة المدللة،” وأن مثل هذه التطاولات الآثمة قد جرى شطبها وإزالتها من برامج الهيئة الدولية للإذاعة والتلفزيون في الولايات المتحدة (صوت أمريكا). هذا التزلف والتملق الذي كان قائماً قبل صدام، بقي مستمراً إلى أن تحول صدام إلى هتلر جديد بعد بضعة أشهر عندما عصى الأوامر، أو ربما أساء فهمًا، وقام بغزو الكويت، بعواقب وتداعيات بالغة الوضوح والدلالة سأنحيها جانباً في هذا السياق.

أمواج العبث

بقلم: أحمد سلطان الحربان

أحاط أبناؤه وبعض أزواج بناته به مُمدداً على السرير في غرفة العناية المركزة التي نُقل إليها ليلة البارحة، نوبة قلبية غير متوقعة، وغير مُستغربة في نفس الوقت بالنسبةِ لرجلٍ في مثل سنه، كان يهذي بكلماتٍ لم يفهمها الحاضرون، قال صابرٌ، زوج ابنته الوسطى، أنها كانت موجهة لملك الموت، لم يشك الحاضرون في روايته، ولم يصدقها جميعهم، فرهبة الاحتضار أشغلتهم عن ترف التشكيك والتصديق. كانت قلوبهم تنصهر في أجوافهم، بينما تجتهد سيقانهم كثيراً كي لا تخون قاماتهم، بعضهم انعقد لسانه وبعضهم انشغل بذكر الله، أما أرواحهم جميعاً خرَّت ساجدة في مكان مُعلق بين الأرض وسقف الغرفة، تدعوا له باللطفِ والرحمة. بعد دقائق لا يُعلم طولها، فالزمن يبدأ في الاختلال على عتبات الحياة الثانية، زَفَرَ عبدالعزيز أحمد فازاروني آخر نفس له في الدنيا، تلك التي لا يعقُبُها شهيق، صافحت روحه الأرواح المُعلقة في الغرفة قبل أن تودعهم مُغادرة. عادت بقية الأرواح إلى مكانها المؤقت، فاهتزَّت أجساد الرجال، وبدأ النشيج. خرج أكبر أبناءه من الغرفة غارقاً في بكاءٍ صامتٍ، مسح خديه وعينيه بطرف غترته، وقال لأخواته اللاتي كُن واقفات يُحطن بأمه في مكانٍ غير بعيد: (البقا براسكم.. ادعوا له بالمغفرة)، ومضى ليُكمل الإجراءات اللازمة مع إدارة المستشفى، تاركاً مهمة تهدئة عويلهن لمن سيخرج بعده من الغرفة، أو من سيقابلهم داخلها.

بعد دقائق، انتشرت الرسالة لتصل إلى جميع الأهل والأصدقاء، داخل البحرين وخارجها: (إنا لله وإنا إليه راجعون، انتقل إلى رحمة الله تعالى عبدالعزيز أحمد فازاروني، والد كل من بدر وخالد وفهد ومحمد، وسارة ومريم ونورة ولطيفة، وسيُدفن في مقبرة المحرق الساعة العاشرة من صباح غدٍ الاثنين. تُقبل التعازي للرجال في قاعة جمعان بالمحرق، وللنساء في بيت المُتوفى منزل رقم 336 طريق 846 مجمع 120).

احتاج أهل الحي الواقع في شمال مدينة المحرق، إلى بعض الوقت كي يعتادوا عدم رفع يدهم اليُمنى تحيةً كلما مروا بجانب الكرسي الخشبي أمام بيته، حيثُ كان يجلس ويُسند عكّازيه بجانبه كل يوم، لا يمنعه من ذلك حر طقس المدينة الساحلية التي تحيط بها الرطوبة كما البحر، من جميع أطرافها. أما أبناءه وبناته وأحفاده، فقد فعل فيهم الفقدُ كما يفعل في الناس عادةً، ندبة في الروح، بحجم حضور الفقيد في حياتهم، وقد كان حضوره مُتفاوتًا بينهم بحكم المدة التي خالطوه فيها، فالأبناء والبنات أكثرهم تأثرًا، وكبار الأحفاد يفوقُ أثر الفقد فيهم صغارهم، لأنهم عرفوا جدهم وهو في صحته وعافيته، حين كان لا يمنعه عَرَجُهُ الشديد من أن يتنقل بالسيارة من مدينة إلى أخرى، يطمئن على الزرع في بيوت أبناءه وبناته، أو يقوم بأعمال السباكة فيها، أو يشرف على أعمال الصيانة التي لا يستطيع أن ينجزها بنفسه. لم يلحق صغار الأحفاد على عالم عبدالعزيز إلا حينما ضاق ليقتصر على المسافة بين سريره وكرسيه الخشبي عند باب البيت، عالمٌ قلَّت فيه الأشياء حتى اُختُزِلَت في صندوقين كبيرين فيهما عدد كبير من البراغي ومفكاتها وأدوات تصليح مختلفة، محشوران في الدهليز، تحت الدرج الاسمنتي الوحيد في البيت.

وحدها زوجته لولوة التي أحبته حباً عظيماً، وقامت على خدمته ورعايته، وحدها لم تتأثر برحيله، رغم كل الأوقات الطويلة، حلوها ومُرُّها، التي طبعت عِشرَةً امتدَّت أكثر من ستة عقود، فقد تمكن الزهايمر من محو كل ذكرياتها، وككائن غريب يزدادُ حجماً يوماً بعد يوم، استباح هذا المرض كل مساحات عقلها وقلبها، كبر حتى لم يكفه كل لحظات الماضي، لينهش حاضرها بشراسة، فغدت لا تدرك شيئاً مما يجري حولها. كان النساء يُقدمن لها التعازي في بيتها، يبكين بحرارة، بينما هي تمدُّ يدها للسلام بوجهٍ خالٍ من أي ملامح سوى الضياع، تجلس بجانب كبرى بناتها كطفلةٍ لا تعرف كيف تتصرف حينما يُقال لها كلاماً لم تتعلم معناه بعد. لن تتأخر لولوة عن اللحاق بزوجها، سترحل هي أيضاً بعد عام. هل يتعرف من عصف بعقله الزهايمر على الموت إذا جاءه؟ هل يمر بأهواله التي لا ينفك الدعاة عن ذكرها في مواعظهم، أم أن الجهل والضياع يجعلانه يعبر إلى العالم الآخر بسلاسة أكثر ليرجع إليه وعيه شيئاً فشيئاً بعد ذلك؟ سيسأل خليفة نفسه، وهو يقبل جبينها العاري أمامه في المغسلة، في نظرةٍ وسلامٍ أخيرين، قبل أن يشارك أهله وبقية من حضر الصلاة عليها ودفنها.

لم يتعرّف خليفة، ثاني أكبر أحفاد عبدالعزيز، على شجرة عائلته الكبيرة، ولم يتكفل أحد برسمها كاملةً أمامه بكل تفرعّاتها المتشعبة، ولكن مناسبات الأفراح والأتراح، وبعض الزيارات المتباعدة جداً، ساعدته في التعرف على بعض جذوعها الرئيسية، وكان موت جدّه إحدى تلك المناسبات التي ذكرّته بأقاربه المتفرقين على الساحل الغربي من الخليج العربي، أما الآخرين الذين ظلوا قاطنين في مكان يجهله على الساحل الشرقي منه، لم يعودوا إلى الجزيرة العربية مع من عاد منذ زمن طويل، لا يعرف خليفة عنهم أي شيء.

دُفن عبدالعزيز صباح اليوم الثاني من وفاته، وبعد صلاة العصر من نفس اليوم، وفي قاعة كبيرة مخصصة لمناسبات أهالي المدينة، كتلك المنتشرة في البلاد تُبنى على نفقة فاعلي الخير عادةً، وقف خليفة مباشرة بعد أخواله، فهو الحفيد الأكبر سناً من الذكور، لا يكاد يُنزل يده اليمنى حتى يمدها مرة أخرى للمصافحة، يتقبل تعازي الوافدين من الأهل والمعارف (عظّم الله أجرك)، يرد:(أجرنا وأجرك.. جزاك الله خير)، بينما يسأل نفسه، هل يصل شيء من الأجر إلى المتوفي بعد كل مصافحة؟ تمنى لو استطاع أن يقنع المُعزين بالدعاء للميت بدلاً من عبارة المواساة هذه التي فقدت قيمتها بكثرة تردادها آلياً.. (عظم الله أجركم.. عظم الله أجركم)، فهو لا يشعر بالحاجة إلى المواساة بقدر شعوره بحاجة جده إلى الدعاء. نادرًا ما يلتفت إليه خاله الواقف على يساره ليُعرّفه على من جاء لتقديم واجب العزاء، ولكنه يفعل ذلك دائمًا إذا كان المُعزي أحد الأقارب من خارج البلاد.

  • هذا صالح من رأس الخيمة، حفيد عمي.

في ذاكرة خليفة نُتف من صور ومشاهد لذلك البيت الكبير في رأس الخيمة، الذي بلغوه بعد سفر استغرق حوالي اثنا عشر ساعة برًا، كان صالحٌ الواقف أمامه شاباً يافعاً يركض في الفناء الرملي الذي يحيط بالبيت من جميع جوانبه. يومها كان هو صغيراً، إلى الحد الذي يُسمح له بأن يشارك أجمل بناتهم السرير في إغفاءة قصيرة من نهار، كانت تكبره بأعوام كافية تُبعد أي حرج من فعل ذلك. يتذكر جيداً جمال تلك البنت، وكان يتمنى أن يضيف سنوات وسنوات إلى عمره كي يفوز بها، كان واثقاً من أنه لا يحول بينه وبين ذلك سوى فارق السن. ويتذكر أيضاً صوت أمها العالي عند مناداتها للخادمات، وكانت كثيراً ما تُنادي. ورغم صغر سنه فإنه لم يرَ وجه تلك السيدة أبداً لأنها كانت ترتدي غطاء وجه غريب (البطّولة)، ترتديه في كل وقت وكل حين.

وبعد وقت قصير، التفت إليه خاله مرة ثانية:

  • هذا يوسف من الكويت، زوج ابنة خالة جدتك.

لأقاربه من الكويت ذكريات حديثة، ففي الشتاء قبل الماضي، طلبت منه أمه أن يسافر بها براً مع أخته واثنتان من أخواتها إلى الكويت لحضور حفل زواج قريبة لها. فهو يذكر جيداً أبناء يوسف، أخذوه في جولة بالسيارة، انتهت إلى مطعمٍ يقدم أشهى المشويات في سوق المباركية. كما أن لهم ذكريات بعيدة، حيث انتقل معظمهم إلى البحرين خلال الغزو العراقي الغاشم، توزعوا على عدد من بيوت الأهل، وكان لبيت جده شرف استضافة عائلة أحد أبناء يوسف، زوجان وثلاثة بنات، أمر جده حينها بإفراغ غرف الطابق الأول، وحشر الأخوة في غرفة المجلس بالطابق الأرضي، والأخوات في غرفة ثانية، ليُصبح الطابق الأول فارغاً لأصحابه وأهله القادمين من الكويت. يذكر تماماً كيف اعتاد الجميع على الوضع الجديد سريعاً دون أي شعور بتذمر أو ضيق، وغدت العائلتان عائلة واحدة بمعنى الكلمة، حيث لم تتوانَ بناتهن في مساعدة جدته لولوة بالقيام بشؤون المنزل وتدبير احتياجات الأبناء.

مد يده خليفة قائلاً:

  • معروف، جزاك الله خير عمي، أجرنا وأجرك. كيف حالك؟
  • أبشرك بخير ونعمة، ربي لك الحمد.
  • ربي يحفظك.

بعد أن يسلم المُعزي على آخر أقارب الفقيد الواقفين على يمين مدخل القاعة، يجلس على أحد الكراسي المصفوفة على أطرافها، أو يأخذه أحد الأقارب من يده ويجلس معه قليلًا تقديرًا لقدومه، يتبادل معه أطراف حديثٍ قصير، عادةً ما يُذكر فيه محاسن الفقيد، ويسأل خلاله كل واحدٌ الثانيَ عن أخباره وأحواله. بينما لا يتوقف “المقهوي” عن تقديم القهوة والشاي للجميع، يلحقه مساعده لاستلام الفناجين الفارغة.

مع اقتراب موعد صلاة المغرب قَلَّ عدد المُعزين، وغادر معظم الحاضرون استعداداً للصلاة.. (أحسن الله عزاكم)، وبينما هو جالسٌ يشرب قليلًا من الماء لترطيب حنجرته التي جففها كثير الرد، أشار عيسى، أكبر أخواله، إلى رجلٍ جالسٍ في صدر القاعة ومعه شابان..

  • طبعاً تعرف ذاك الرجل؟
  • طبعاً، حسن ابن عائشة، ابنة عم جدي الله يرحمه.

يعرف أهله في قطر جيداً، فمنذ أن انتقل هو للعمل في الدوحة قبل ست سنوات، كانت ولا تزال أمه تتردد على زيارته، وفي كل زيارة تطلبه أن يأخذها إليهم. يدخل معها إلى بيتهم، ويجلس معهم كما يجلسون مع بعضهم البعض، رجالاً ونساءً في صالة البيت الرئيسية، يجددون في كل زيارة عتبهم عليه: (ما نشوفك إلا لما تجي أمك!)، وفي كل مرة تعيد عائشة، سيدة البيت، دعوته: (تعال أي يوم تغدا معنا). بينما هو يقابل ذلك باعتذارات شديدة، معترفاً بتقصيره.

بعد صلاة المغرب، وصل سعيد قادماً من المطار مباشرة، زوج خالته الصغرى وأحدث المنتمين للعائلة، حيث تعرّف على خالته قبل عامين فقط، بعد انتقالها للتدريس في جامعة السلطان قابوس منتدبةً من جامعة البحرين، ضمن برنامج انتداب بين عدد من جامعات دول مجلس التعاون الخليجي. وقبيل المغرب كانت وفود الأهل القادمين من المملكة العربية السعودية عبر جسر الملك فهد قد وصلوا أيضاً، وصلات القرابة بهم كثيرة.

ثلاثة أيام متتالية التقى فيها خليفة بعدد لم يحصهِ من الناس، ورغم علمه سابقًا، إلا أنه لم يتخيل قط سعة انتشار عائلته في دول الخليج إلى أن التقى بمن التقى بهم خلال العزاء، في مناسبة تجمع من تربطهم صلة القرابة والدم، تذكرهم أنهم جميعاً وإن كانت تفصل بينهم حدود وإجراءات سفر، إلا أنهم ينتمون لعائلة واحدة، هذه العائلة التي تعقدت روابطها أكثر مع مرور الوقت، بعد أن كرر الأبناء فعل آبائهم وتزوجوا من أقاربهم في الدول المجاورة.

(بعد ثلاثة أعوام)

ورث خمسةٌ من الأبناء وأربعة من البنات بيت (ماما لولوة)، عادة الناس هنا تسمية البيوت بأسماء ربّاتها، وقف نمو بيت ماما لولوة عند ثلاثة طوابق ونصف، والنصف مُلحق على السطح يُستخدم لتخزين الأغراض، يحُدُّهُ زقاقٌ من جانبه الجنوبي، ومن الجانب الشمالي ترتفع عمارة سكنية من خمسة أدوار، كانت بيتاً قبل أن تُحوّلُ دائرة التخطيط العمراني تصنيف الشارع الذي يطل عليه شمالاً من سكني إلى تجاري، في الدور الأرضي محلان تجاريان، واحدٌ لمكتبةٍ وتسجيلاتٍ إسلامية، وآخر تناوب عليه عدد من المحال، آخرها محل خياطة نسائية.

ارتأى الأبناء بعد رحيل عبدالعزيز ولولوة أن يفتحوا الغرف الأرضية على الصالة الرئيسية للبيت، كي تتسع للقائهم الأسبوعي يوم الجمعة، هم وأبنائهم الذي وصل عددهم جميعاً إلى ما يزيد على ثلاثين، توزّعت عليهم ملامح الفقيدين بنسبٍ متفاوتة.

وصل خليفة إلى البحرين الليلة الماضية وسيسافر غداً مساءً، في زيارةٍ صارت مرةً كل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع بعد أن كانت أسبوعية، وذلك بسبب ما جرى منذ عام بين بلديه من خلافٍ سياسي وقطعٍ للعلاقات الدبلوماسية، ومنعٍ للرحلات الجوية المباشرة، وغيرها من إجراءات أشبه ما تكون بإعلان حرب! اضطرّهُ ذلك للسفر إلى الكويت ثم بلاده ذهاباً، وإلى الكويت ثم الدوحة إياباً، في كل مرةٍ أراد أن يزور فيها أهله، في رحلة كانت تستغرق نصف ساعة أو أكثر بدقائق، صارت تلتهم كثيراً من طاقته النفسية والجسدية، بالإضافة إلى خمس أو سبع ساعات من عمره. تحولت عطلة نهاية الأسبوع التي يقرر فيها زيارة البحرين إلى ماراثون طويل مرهق وشاق، على جسده وروحه التي بدأت هالاتٌ سود تغزوها وتزداد وضوحاً على ملامحها. ورغم ضيق الوقت المتاح له في البحرين، إلا أنه لا يُفوّت ما استطاع تجمُّع عائلته الأسبوعي في بيت ماما لولوة، ليطمئن على أحوال أفراد عائلته، يسمع جديدهم وآخر أخبارهم. ساعتان يقضيهما في الحديث مع الكبار، يشاركهم رفع الصوت، كي يستطيعوا سماع بعضهم بعضاً وسط الجلبة التي يُحدثها الأطفال بلعبهم وجريهم في المكان.

  • شاي، قهوة، أو كرك؟

تسأله خالته التي تتولى تجهيز “القدوع[1]” وتنسيق مساهمات اخوانها وأخواتها فيه قبل مجيئهم، فبعد أن توفيَ زوجها في حادث سير، خلال سفره برًا إلى قطر لزيارة أخته المقيمة في مدينة الوكرة، انتقلت هي مع أبناءها للعيش في الجزء الخلفي من البيت، لتستلم عهدة القيام بشؤونه وتدبير ضيافة زوّاره بحكم تواجدها فيه.

  • شاي خالتي، شكراً.

لسبب لا يفهمه، يشعر خليفة بأن الشاي الأحمر تحديداً يكون ألذ وأكثر دفئًا إذا ما شربه في بيتهم أو بيت أهله، لونه، رائحته الفوّاحة بتدخل الزعفران أو المرامية، ونسبة السكر الخفيفة جداً كما يفضلها، كلها تفاصيل تذكّره بساعات طويلة قضاها على الكرسي البلاستيكي عند باب البيت في منطقة عراد القديمة، حيث كان يصب لنفسه “استكانة” وراء أخرى، مُمسكاً بكتاب يقرأه، أو مستمتعاً بالحديث مع أحد أبناء الجيران. دائماً يقول إذا ما شرب الشاي خارج البيت: الشاي شاي أم خليفة.

وصل أحد أخواله، فوقف الجميع للسلام عليه، كما يفعلون عادةً مع أي واصل، يركض الأطفال إليه، يمد أحدهم يده اليمنى ويُقرّب خده في انتظار قُبلة منه، يفعل بقية الأطفال مثل فعله في تقليد مُتقن، بعد أن ينتهي من تقبيل جميع الأطفال، يُسلم على الكبار فرداً فرداً.

  • هلااا خليفة، شخبارك؟ وشلون أمورك؟
  • أهلين خالي، أبشرك.. بخير الحمد لله.

يشعر خليفة بأن أخواله وخالاته يخصونه بسلامٍ أكثر حرارة بقليل، فقط لأنه مُقيم خارج البلاد رغم زياراته الكثيرة، وكأن في سلامهم نوعٌ من مواساة واجب تقديمه لمن اختاره البُعد. وكبقية الحضور، يتنقل خليفة بين القدوع وأطراف الحديث تناولاً، وفي الوقت نفسه يُجدد ارتباطه الذي اهتزَّ كثيرًا بالمكان، المكان الذي عصفت بإحداثياته الأخلاقية رياحٌ غريبة على شرق الخليج العربي الهادئ، غيّرت أو كادت أن تغيّر تضاريس العلاقات الطبيعية بين ناسه، الذين هم في الأصل ينتمون إلى عوائل متقاربة جداً، إن لم تكن عائلة واحدة. يجدد تشبثه بالأساس الأكثر وضوحاً في مفهوم الوطن حسب رأيه: الأهل. هو يعتقد أن الأهل والأصدقاء وطن أينما كانوا. (وما الوطن إن لم يكُن أهلٌ وأصدقاء؟!) يتسائل دائمًا دون أن ينتظر تقريرًا من أحد.

هو لا يشارك أفراد عائلته أفكاره وهواجسه المتشابكة حول المكان والناس والوطن، رغم أنها تعتمل في نفسه دائمًا خلال تواجده بينهم. فكَّرَ أكثر من مرة في كتابتها بغية تفكيكها ورؤيتها عارية أمامه، أن يحررها من أسر التردد، ومن إحكام مشاعرٍ ليس له فيها حولٌ ولا قوة، أن يملأ ما استطاع من الورق بما يؤرقه ويزعجه حولها، ثم يتركها أيامًا قبل أن يعود إليها ليقرأها كما يقرأ نصًا لا يخُصُّه، علّهُ إن فعل ذلك أن يفهم، وأن يختبر كثير من المعاني المعقودة كعقدة التمائم في وجدانه، ربما يكتشف قيمتها الحقيقة ويقرر بضمير لا يخالجه التأنيب، أن يزيد عقدها عُقدة أخرى، أو أن يفل ربطها وينفث عليها من المعوذات قبل أن يحرقها ويُطفئها بماء البحر. فكّر ولا زال يفكر في الكتابة كمحاولة فهم وإدراك، وسيظل يفكر دون أن يتجرأ ويكتب، لأنه يعتقد بأن بعض الفهم والإدراك يُخشى منه أو من تداعياته، على نفسه قبل أي شيء آخر. الجهل أو التجاهل يساعد على جعل الحياة مُحتملة، قابلة للعيش، أحياناً على الأقل. هكذا يرى.

اختار خليفة ألا يدخل في أي نقاشٍ حول الخلاف السياسي الذي طال أمده بين بلديه، فبالإضافة إلى يقينه بأن الجميع، بما فيهم هو، يجهل أصل القصة وأهم تفاصيلها، يخشى أن يتحول الحديث إلى جدالٍ يؤثر سلبًا على علاقاته الاجتماعية، فقد حصل وأن خسر شيئًا من ود بعض المقربين منه بسبب ذلك، ولا يريد أن يتكرر ذلك، لا يريد أن يخسر مثقال ذرة حب لأمرٍ ليس له في أسباب وقوعه أي علاقة، وربما أي دراية أيضًا، لا هو ولا مُحدثه. لذلك يحرص على عدم التعقيب على التعليقات التي يوردها بعض أخواله عندما يظهر في الشريط المعروض على شاشة التلفاز أمامهم أخبارًا حول الأزمة الراهنة. أظهره صمته بصورة المُتعاطف مع قطر، أو غير الراضي بالإجراءات التي اتُّخذت ضدها، صورة لم ولن يسعَ إلى تغييرها، فهو يعتبر قطر التي أمضى فيها أكثر من عشر سنوات بلده الثاني، لن يسمح أن يلزمه أحد باتخاذ موقف، ولن يغفر لمن يشكك في حبه لوطنه الأول بسبب ذلك. وإذا ما حُوصر في زاوية أثناء جدال، يقول ما اعتاد قوله مؤخرًا لأصدقاءه الذين كانوا في أيامٍ خلت يناقشون باستمرار قضايا الشأن العام: (كلامكم صحيح)، (أتفق مع ما تقولون تماماً)، (أنا أتفق مع وجهة نظركم)، ولا يزيد على ذلك كلمة واحدة، حتى صار الأمر شبه نكتة، يضحك عليها هو وأصحابه عند إثارة أي موضوع سياسي في مجموعة التواصل بينهم، فبعد أن كان صاحب رأي مستقل، مُغاير في أغلب الأحيان، بات خليفة يتفق مع الجميع، وفي كل شأن! ورغم ذلك، لا يتردد خليفة في الإجابة بالرد على بعض الأسئلة مثل: (كيف حالكم هناك؟)، (هل تتعرضون لأي مضايقات؟)، (هل صحيح خبر انتشار نقاط تفتيش تركية في شوارع الدوحة؟)، (هل ارتفعت أسعار المواد الغذائية كثيراً؟). يرد وينقل ما تشاهده عيناه، لا ما تنقله وسائل الإعلام، وكثير من حسابات منصات التواصل الاجتماعي، ومرات عديدة تكشف ردوده زيف أخبار ومعلومات يتناقلها الناس بكل بساطة كحقائق.

وصلت رسالة نصية على جواله، هناك من حاول الاتصال به ولكن شبكة الاتصال في بيت (ماما لولوة) ضعيفة جداً، أشار لزوجته:

  • سأجري اتصالاً سريعاً وأعود، عينك على الولد.

خرج ليقف عند باب البيت، اتصل بمن حاول الاتصال به، صديقه، أراد تأكيد موعد لقاءهم بعد ساعتين. أكد الموعد وأنهى المكالمة، رجع فوجد محمود، ابنه الوحيد ذو الثلاثة أعوام يصيح بشدة (آبي[2] بابا.. آبي بابا) ظنًا منه أن أباه كرر ما يفعله دائمًا، يختفي فجأة لمدة طويلة، ويأتي فجأة لقضاء وقت قصير، قبل أن يختفي فجأة مرة أخرى لمدة طويلة، وهكذا. سكت بعد أن رأى أباه أمامه، مسح دموعه، وانطلق ليواصل اللعب مع بقية الأطفال.

في اليوم الثاني، تناول وجبة الإفطار سريعًا في بيت أهل زوجته، شكّر أمها:

  • تسلم يدك يا أم حسن، خوش فطور.
  • ما أكلت شيء!
  • كل هذا وما أكلت! أنعم الله عليكم.

حتى لا تلتقط عينا ابنه مراسم وداع بات يدرك معناها جيدًا، سلَّم على زوجته بالقول فقط (يلا عيني.. تحملوا بروحكم)، وأخبر ابنه بأنه سيذهب إلى الحلاق ليقص شعره ويعود، هو لن يعود، سيجر حقيبة سفره الصغيرة المتوارية خلف الباب، ويتوجه مباشرة إلى المطار، لم يتبقَ على موعد رحلته إلى الكويت سوى أربعين دقيقة. نعمة من نعم الله عليه أن جعل بيت أبيه، وبيت أهل زوجته، قريبين جداً من المطار، لا يمكنه تصور عدد الرحلات التي ستفوته لو لم يكونا كذلك.

أخذ بطاقة صعود الطائرة، ليكتشف أنه حصل على ترقية مجانية إلى درجة رجال الأعمال، كثيرًا ما يحصل عليها مؤخرًا بسبب امتلاء الطائرة، ولأن لديه ما يكفيه من النقاط تؤهله لهذا الامتياز دون أغلب المسافرين على نفس الرحلة. توجه إلى مكتبٍ خاص ليُبلغ موظف الجمارك أن الدوحة هي وجهته الأخيرة، في إجراءٍ جديد ضمن الإجراءات غير المسبوقة التي انتجتها الأزمة الخليجية، استلم موظف الجمارك جوازه باحترام مبالغ فيه، وكأنه يعتذر دون قول (اسمح لنا.. إجراء لا بد منه)، يطبع رقمه الشخصي على جهاز الكمبيوتر أمامه، يتأكد من خلال البيانات الظاهرة على الشاشة بأن لديه تصريح للسفر إلى دولة قطر، ثم يأخذ صورة من جوازه وبطاقة صعود الطائرة، ويُسلمها إياه بنفس الاحترام المبالغ فيه قائلاً هذه المرة: (في حفظ الله).

اجتهد كثيرًا عند عبوره باب الطائرة كي تبدو ابتسامته للمضيفة حقيقية، وعند وصوله إلى مقعده اجتهد أكثر كي تبدو ابتسامته شبه حقيقية لجاره الذي نظر إليه بترحيب، (هذا ما كان ينقصني) قال في نفسه. وضع حقيبته على الرف، وسلم على الرجل الذي يصادفه كثيرًا على هذه الرحلة ورحلات أخرى، هو أيضًا بحريني يعمل في الدوحة منذ سنوات طويلة، رجل أربعيني غاية في الأدب والاحترام، ولا يزيد على احترامه سوى قدرته على الاستمرار في الكلام والدردشة. كان خليفة يحمل ذاك الشعور الذي يجعل فمه شبه مُطبق، لا يريد أن يتفاعل مع أي شيء، ولا حتى مع نفسه، هكذا يكون عندما يبلغ به التعب مقدار الحزن، أو العكس.

بعد عبارات التحية المُعلبة الجاهزة، انطلق الرجل كما كان متوقعاً..

  • بديت أتعب، أسبوعياً على هذي الرحلة، أتملل لو جلست الويك اند هناك وعيلتي هني، شاسوي!
  • الله يعين.
  • الخميس وصلت وبس مع بنتي الصغيرة.. الجمعة اعتذرت من الشباب وقلت لهم الي وده يشوفني يشرفني البيت.. ما فيني شدة أطلع. يقولون ترامب متصل طالب يحلونها.
  • العشم في ترامب.
  • مضحك مبكي الوضع.. أقول لك قبل يومين كنت أسولف مع صديق فلسطيني وكان يكلمني عن معاناتهم في الضفة إذا بيطلع مشوار من مدينة لثانية، مشوار النص ساعة مرات ياخذ منهم ساعات. قلت له احنا بعد مشوار النص ساعة صار ياخذ منا ساعات. استغرب وقال بس ليش.. احنا عشان عندنا يهود انتوا ليش هالقصة كلها؟! (ضحك قبل أن يضيف): قلت له عشان عندنا مسلمين!

حتى الكوميديا سوداء مظلمة هذه الليلة، ولكنها رغم ذلك مضحكة. رد بعد ضحكة قصيرة جداً:

  • الله يعين

ممنياً نفسه بأن يكون جاره قد سمع أو قرأ النصيحة التي تقول بأنك إذا سمعت محدثك يقول “الله يعين” مرتين متتاليتين توقف عن الحديث واتركه في حال سبيله أو في سبيل حاله، لا يهم. أغمض عينيه يبحث عن إغفاءة بسيطة تعيد شحن طاقته قليلاً، ويمرر في الوقت نفسه رسالة لطيفة إلى جاره، الذي فهمها بدوره. انتهى فيلم إرشادات السلامة الذي يسمعه في الشهر ثمانية مرات على أقل تقدير، دوّنت المضيفة سريعاً تفضيلاته من قائمة الطعام (لا أرغب في شيء، شكراً)، أخذ المضيفون مقاعدهم بعد أمرٍ من قبطان الطائرة، هدرت المحركات، ارتجّت الطائرة، وبعد انحناءة بسيطة اتخذت مسارها شمالاً.

ظلام الليل خلف النافذة، وظلام كآبة خلف صدره، وهدوء نسبي ساد القُمرة، أجواء فسحت المجال لصوتٍ داخله يزدادُ وضوحاً، صوتٌ توارى باستمرار خلف الضجيج، ينسحب قليلاً عند انشغاله، يخفُت حينما يهرب إلى النوم، لكنه يظل موجوداً، كخلفية لوحة زيتية ضخمة الحجم معلقة على حائط متحف أوروبي، تُصوّر واقعة قتال ضخمة، يبدو أنها كانت مصيرية حينها، ينشغل الناظر إليها بتفاصيلها، خيولٌ متقابلة تصهُل، قائدٌ يتقدم الجموع يصرخ شاهراً سيفه، جنودٌ على الطرفين، لم يستأنس القائد برأيهم حول خوض المعركة من عدمها، رغم ذلك هم متأهبون جميعاً لإراقة دماء بعضهم البعض، كلبٌ يركض هنا وآخر هناك، اثنان يُشعلون فتيل مدفع، وبعضُ قتلى على الجانبين، رماحٌ مغروسة في صدورهم، ليس من ضمن القتلى قائد، ولا من ضمن الجرحى كذلك، تفاصيل كثيرة تُشغل من يقف أمامها عن تلك الخلفية السريالية السوداء لعبثية المشهد، هكذا كان الصوت داخله، كتلك الخلفية، موجودٌ دائماً، يزداد وضوحاً حين شيءٍ من صفاء، حين ارتفاعه عن تفاصيل يومياته، عندما يبتعد عن المشهد أكثر، فيحيط بجوانبه أكثر من إحاطة الغارق فيه. هذا الصوت، هذه الخلفية، ينتبه لها أكثر من غيره، هذه الخلفية تجرحه عبثيتها أكثر من غيره.

يعلو صوت خيبته في صدره أكثر عندما يتذكر استشرافه ذريع الفشل، بعد أن رزقهما الله ولدًا، رأى هو وزوجته، لأسباب عديدة، أنه من الأفضل لكل أفراد العائلة الصغيرة أن يرجعا، زوجته وابنه، إلى البلد. قال لها ليخفف من وطأة القرار الذي اتخذاه سويًا عن قناعة تامة: (ستصبح الدوحة خلال عشر سنوات على أكثر تقدير كمدينة أخرى وليست دولة أخرى، وأنا أعتبرها كذلك الآن. ما إن تعودوا للبلاد، سأقضي نهاية كل أسبوع عندكم، وكلها سنوات قليلة ويربط بيننا جسرٌ بري).

هبطت الطائرة، مشى بخطى متثاقلة إلى مكتب تحويل الرحلات في مطار الكويت، وقف وحيدًا ينتظر طباعة بطاقة صعود الطائرة الثانية، بينما هو كذلك، طَلَّ رجلٌ بوجهه على الموظف الوحيد القابع وراء سطح المكتب، قال له الأخير مباشرة: (يجب أن تنتظر يا سيدي، راجعنا الساعة الحادية عشرة صباحاً.. انتظر هنا إلى ذلك الحين). وكانت الساعة لم تتعدَ العاشرة مساءً بكثير. استغرب خليفة من طول مدة الانتظار التي يجب أن يقضيها هذا الرجل وعائلته، فسأل الموظف بعد أن انصرف الأخير:

  • ما قصة هذا الرجل؟
  • هذه عائلة سورية جاءت إلى هنا لكنها لم تحصل على تأشيرة دخول، لذا يجب عليهم أن يرجعوا على نفس الطيران في الرحلة القادمة إلى دمشق.

التفت إلى العائلة التي تجلس على صف مقاعد ليس ببعيد، أمٌ في عقدها الرابع، ابنٌ في سن المراهقة جالسٌ على المقعد بجانبها، صغيرةٌ نائمة على كرسيين آخرين، والأب الخمسيني يمشي ذهاباً وإياباً، يفكر أو لا يفكر في شيء. شيءٌ غريب في وجوههم دعاه للتحديق فيها مرة أخرى من حيث يقف، إنها خالية من أي تعبير أو ملامح، لا امتعاض، لا ترقب، لا رجاء، لا شيء أبداً. لولا أنه متأكدٌ تمامًا بأن الحياة تدُبُّ في أجسادهم، أمامه والآن، لقال أنه ينظر إلى وجوه موتى! كيف يستطيع الوجه أن يكون خالياً إلى هذا الحد؟ كالأثر الذي يحدثه تكرار مرور عجلات العابرين على مسطّح عشبي، ما هول القصص والأحداث التي مرت على هذه الوجوه حتى فقدت كل رصيدها من المشاعر والحياة؟! وجوهٌ ضاق عليها وطنها، أو ربما سقط عليها سقفه ونجت بأعجوبة، ولا زالت تُحاول النجاة. وجوهٌ لم تعد تتفاعل مع المكان الذي هي فيه، ربما لأنها كفرت بعد كثير عناء، ورغماً عنها، بالمكان كله.

سخرت وجوههم الساكنة من حزنه بشدة، وبصمتٍ مطبق زجرت كل ضيقٍ فيه، ومدت يدها إلى خلفية المشهد العبثي العام، لتصبغه بألوان أكثر قتامة، حالكة أكثر، قانيّة أكثر، وهمست في صوت خيبته: (لم تصلِ للقاع بعد). أدرك في لحظات، أن لا شيء سيقف أمام الموج إذا ما علا أكثر، وأنه ممكن جدًا أن يكون الوضع أسوأ بكثيرا إذا ما زاد العبث قليلًا، وصار كل خوفه أن يتمادى العبث أكثر. تضاءلت كآبته، وتَقَزَّم هَمُّه، وتعاظم خوفه. استلم بطاقة صعود الطائرة، ومضى يسأل نفسه، هل يستطيع الزهايمر الذي أصاب جدته محو تفاصيل هذه الحقبة من تاريخ المنقطة؟ وكم جدٍ سيموت لنجتمع مرةً أخرى؟ وكم وطنٍ قريب سيحترق لندرك حقيقة الخطر ونمنع المزيد من العبث؟!

Featured image by Fiona Omeenyo, Lockhart River artist of North Queensland.

[1] أكلات خفيفة، مالحة وحلوة، بالإضافة إلى المشروبات من شاي وقهوة وغيرها، تُقدم كضيافة للضيوف.

[2] أريد

وجوه

تبددت سعادته بحصوله على ترقية مجانية لدرجة رجال الأعمال عندما رأى من سيكون جاره وهو يرفع حقيبته ليضعها في الرف. لم يكن بحاجة إلى الهدوء بقدر عدم قدرته على التفاعل. فشل قبل وصوله في أن ينام أكثر من ربع ساعة، بدأت الرحلة للتو، التي امتد طولها إلى رحلة الشتاء والصيف منذ عام تقريباً. ظلام الواحدة بعد منتصف الليل في الخارج، وظلام عتبات كآبة تملأ صدره، كيف سيمضي الوقت وهذا لا يكف عن الحديث؟ سأل نفسه.

بعد تحية وسلام، وابتسامة اجتهد في أن تكون طبيعية، انطلق الرجل كعادته..

  • بديت أتعب، أسبوعياً على هذي الرحلة، أتملل لو جلست الويك اند هناك وعندي عايله هني، شاسوي!
  • الله يعين.
  • الخميس وصلت وبس مع الولد.. الجمعة اعتذرت من الشباب وقلت لهم الي وده يشوفني يشرفني البيت.. ما فيني شدة أطلع. يقولون ترمب متصل طالب يحلونها.
  • العشم في ترامب.
  • مضحك مبكي الوضع.. اقول لك قبل يومين كنت اسولف مع صديق فلسطيني وكان يكلمني عن معاناتهم في الضفة إذا بيطلع مشوار من مدينة لثانية، مشوار النص ساعة مرات ياخذ منهم ساعات. قلت له احنا بعد مشوار النص ساعة صار ياخذ منا ساعات. استغرب وقال بس ليش؟! احنا عشان عندنا يهود انتوا ليش هالقصة؟! قلت له عشان عندنا مسلمين!

حتى الكوميديا سوداء مظلمة هذه الليلة، ولكنها رغم ذلك مضحكة. رد بعد ضحكة قصيرة جداً:

  • الله يعين

ممنياً نفسه بأن يكون جاره قد مرت عليه المقولة التي تقول بأنك إذا سمعت محدثك يقول “الله يعين” ثلاث مرات متتالية فالأفضل أن تتوقف عن الحديث وتتركه في حال سبيله أو في سبيل حاله، لا يهم. أغمض عينيه في محاولة واضحة للنوم. جاراه جاره، وكان الصمت حتى وصلا إلى مطار الكويت.

عند مكتب تحويل الرحلات، وقف وحيداً ينتظر طباعة بطاقة صعود الطائرة الثانية، طَلَّ رجلٌ على الموظف الذي قال له مباشرة:

  • يجب أن تنتظر يا سيدي، راجعنا الساعة 11 صباحاً.. انتظر هنا إلى ذلك الحين

وكانت الساعة لم تتجاوز الثانية والنصف بعد منتصف الليل. استغرب من طول مدة الانتظار التي يجب أن يقضيها هذا الرجل وعائلته فسأل الموظف بعد أن انصرف الأخير:

  • ما قصته؟
  • هذه عائلة سورية جاءت إلى هنا لكنها لم تحصل على تأشيرة دخول، لذا يجب عليهم أن يرجعوا على نفس الطيران في الرحلة القادمة إلى دمشق.

التفت إلى العائلة التي تجلس على صف مقاعد ليس ببعيد، الأم في عقدها الرابع، الابن في سن المراهقة، صغيرة نائمة على كرسيين، والأب الخمسيني يمشي ذهاباً وإياباً، يفكر أو لا يفكر في شيء. شيء غريب في وجوههم دعاه للتحديق فيها مرة أخرى من حيث يقف، إنها خالية من أي تعبير، لا امتعاض، لا ترقب، لا رجاء، لا شيء أبداً، لولا أنهم أحياء أمامه لقال أنها وجوه موتى! يا الله ماذا مرت به هذه الوجوه حتى تفقد كل رصيدها من المشاعر أو الحياة؟! وجوه ضاق عليها وطنها، أو ربما سقط عليها سقفه ونجت بأعجوبة. وجوه لم يُرحب بها هنا. تباً لهنا وهناك!

سخرت وجوههم الساكنة من حزنه بشدة، وبصمتٍ مطبق زجرت كل ضيقٍ فيه، تضاءلت كآبته أمامها، وتَقَزَّم هَمُّه. استلم بطاقته، ومضى مردداً في نفسه.. عندنا مسلمين.

الصورة: بورتريه سوري للفنان نذير إسماعيل

لا شيء من الإثارة هنا

يقولون بأن الرجال مسؤولون عن صنع الإثارة، يهمسون للانتباه أن التفت. والإثارة تأتي بصور لا حصر لها..

لكن لا شيء منها هنا يا سيدتي.

شعرٌ متقصف إذا ما طال، بعض الخطوط البيضاء تتحرش به مؤخراً. كرشٌ ليس بالعظيم هيبةً، ولا بالغائب رشاقة. عينٌ فيها انحرافٌ بسيط، وفكرٌ انحرافه ليس بأبسط. حديثٌ مُملٌ خالٍ من الحكايا والقصص، لا تجارب ولا ذكريات، أنتِ على موعدٍ مع صمتٍ طويل وكلماتٍ قصيرة إذا ما قررتِ دعوتي لكأسِ نبيذ، بالإضافة إلى اعتذارٍ عن شربه! أمارس الرياضة بصورة متقطعة، أجري مسافاتٍ طويلة لكني أجهل الرقص، فلا تعرف يدي مصافحة خصركِ، ولا رجلي متابعة ساقاكِ، إذا ما مددتِ يدك دعوة. أسافر، لكني لست بارعاً في السفر، أجلس في نفس الزوايا، وأنشغل بكتاب، أو أتشغال بتصفح بعض المواقع. ليس هنا ما يثير الانتباه، أو يدعو للالتفات.

زاوية لا تُرجع الصوت صدىً، ومُتكأٌ أكثر من عادي.

آه نسيت.. الابتسامة، هل رأيتِ أكثر منها اصفراراً؟!

طواسين الغزالي

سيئة جداً، ليس فيها أدب ولا جماليات، فيما عدا الحفر في بعض العبارات والجمل. لا تنقل القارئ إلى أي من الروحانيات تلك التي تدعيها الصوفية، وإذا كان الكاتب أراد أن ينشر سيرة الغزالي من خلال روايته هذه، فيا لها من سيرة غير جديرة بالاحتفاء في رأيي، ولا تشجع القارئ أن يستزيد البحث فيها!

المقدمة التي أسماها الكاتب “بيان أدبي”، كافية لأن تدفعك لرمي الرواية في أقرب زبالة لما فيها من جرأة وغرور. أستغرب كيف يكتبها من يدعي “صنعة الأدب”! لولا التزامي بمجموعة قراءة لما واصلت قراءة ما بعد هذه المقدمة.

لا أنصح بتضييع الوقت في قراءتها.

التقييم: 1/5

إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيران.. يجب أن نعرف ماذا في سوريا ولبنان

IRAN-UNREST

مقال غير منشور للكاتب البحريني إبراهيم بوصندل

loc-m-1بهذه العبارة كان الممثل “حسني البرزان” يبدأ مقاله الذي لم يكمله قط حتى انتهت حلقات المسلسل، بل وحياته المهنية والحقيقية أيضا.

فكان ”حسني البرزان” ما أن يبدأ في كتابه المقال، ويبدأ بالعبارة الشهيرة “إذا أردنا ان نعرف ماذا في إيطاليا؛ يجب أن نعرف ماذا في البرازيل،، أما إذا أردنا أن نعرف ماذا في البرازيل.. فيجب أن نعرف ماذا في إيطاليا”؛ وما ان يبدأ حتى تنزل عليه مصيبة أو داهية أو مفاجأة ويكون سببها في الغالب غوار.

اليوم يمكن استعارة هذه العبارة لتفسير الكثير من الأحداث، فعلى سبيل المثال يمكن كما قال عبدالعزيز الذكير في جريدة الرياض: ” إذا أردت أن تعرف ما يجري في العراق.. أو في.. أو في.. عليك أن تعرف ماذا في واشنطن أو ماذا قال السناتور الفلاني ..”.

وعلى هذا المقياس وبشكل أوضح يمكن القول وبكل ثقة: إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيران، يجب أن نعرف ماذا في سوريا، وأيضا ماذا في لبنان، وماذا في العراق، وماذا في اليمن، وماذا في البحرين والكويت والسعودية، وماذا في مصر، وماذا في أفريقيا، وماذا في ماليزيا والقائمة تطول.

لقد اهتمت إيران بما يجري في كل تلكم الدول وغيرها، وتدخلت في شؤونها، وحرضت بعض أبنائها، وأمدت بعضهم بالمال والسلاح والعتاد والدعم الإعلامي والسياسي، حتى أنها لم تعد تملك لا المال ولا الوقت الكافي للاهتمام بالإيرانيين أنفسهم، وبالشعب الذي تحكمه هي، لانشغالها في الشعوب التي يحكمها غيرها.

ربما اعتمدت إيران على ثنائية الدين والمذهب والحرس الثوري، حيث يتم تخدير الشعب بالدين وولاية الفقيه من جهة، ومن لم يتخدر، يتولى أمره الحرس الثوري بمعرفته.

يقول حسن نصر الله وأنقل بالحرف من خطابه: “نحن وعالمكشوف ويمكن هيك شي بالعالم كله ما فيه .. إنه واحد يطلع علنا وشفاف وصادق،، وبيقول للعالم كله، نحن يا خيي على راس السطح، موازنة حزب الله ومعاشاتو ومصاريفو وأكلو وشربو وسلاحو وصواريخو من الجمهورية الإسلامية في إيران، تمام .. ما حدا إلو علاقة بهذا الموضوع”!!

طبعا لا يهتم نصر الله بموازنات الشعب الإيراني، ولا بمعاشاتو ومصاريفه وأكله وشربه، مدام كل ذلك متوفر للحزب الذي هو فرع لإيران، فليذهب الشعب الإيراني إلى الجحيم.

وأما قوله: “ما حدا إلو علاقة بالموضوع” فهو خطأ أيضا، لأن الشعب الإيراني الذي خرج في الشوارع له كل العلاقة بالموضوع، فأكلك وشربك ومصاريفك ومعاشاتك يا نصر الله إنما هي مخصومة من معاشات الشعب الإيراني ومن أكله وشربه ومعاشاته، فللشعب الإيراني كل العلاقة بالموضوع، ولكن حسابه ليس معك وإنما مع من أخذ أمواله وصرفها لك ولغيرك.

ثم يضيف حسن قائلا بتهكم وهو يبتسم: “طالما بإيران فيه فلوس (يضحك) يعني إحنا في عندنا فلوس! بدكم شفافية أكثر من هيك! ومالنا المقرر يصل إلينا، وليس عن طريق المصارف، وكما وصلت إلينا صواريخنا التي نهدد بها إسرائيل (كما زعم)؛ يصل إلينا مالنا، ولا يستطيع أي قانون!! أن يمنع وصول هذا المال إلينا!. هلأ في ناس بيعترضوا يعترضوا،، هذا البحر ما شاء الله، البحر الأبيض المتوسط اشربوا منو”

ثم وبعد شكر الجمهورية الإيرانية على الدعم الذي استمر لسنوات ولا يزال، يعقد نصر الله مقارنة بين حزبه وبين منتقديه ولعله يقصد لبنان بأكمله فيقول: “ولذلك لا … انتوا ما عم تدفعوا معاشات.. حنا عم ندفع، انتو موقفين الموازنات.. حنا عم ندفع موازنات، انتو اللي بعدكو ما دفعتوا أعباء انتخابات 2009، نحنا خالصين من الانتخابات البلدية، نحنا ما عندنا مشكلة..”.

إلى آخر الخطاب الذي يحتاج فعلا إلى تحليل وتعليل بل إلى وقفات للمحاسبة.

طبعا المحاسبة لا تجري من المجتمع الدولي، ولا حتى من داخل لبنان فحسب ولا من الدول الإقليمية أو المعنية؛ وإنما المحاسبة لما يجري في لبنان وفي سوريا وفي اليمن الخ .. تجري حاليا مع صاحب القرار ومع المعطي قبل الآخذ.

الشعب الإيراني لم يستجب لكلامك ويشرب من البحر الأبيض المتوسط، وإنما قرر أن يجعل من يدفع لك المصاريف والأكل والشرب،، يشرب من الكأس المر التي ذاقتها كثير من شعوب المنطقة بسببك وبسبب مصاريفك ومعاشاتك وأكلك وشربك.

لهذا نختم بما بدأنا به لضيق المساحة،، فإذا أردنا أن نعلم ماذا يجري في إيران؛ يجب أن نعلم ماذا يجري في سوريا ولبنان.

6 يناير 2018م

كتابتك مادة أولية.. 

20180109_122501-01

اليوم، انت فقط أكتب، تكلم..

وهناك عدد لا بأس به سيلتقطون قولك، يحللونه ويفسرونه وأحياناً يأولونه، ويرسمون سطوراً من خيالاتهم ليحشروا أمراضهم بينها، ثم ينسبونها لك.

أرجوك اكتب شيئاً.. فمهنة البعض تعتمد على ما تصرح به، كلماتك مادة أولية، تتوقف صناعة كاملة حال غيابها! 

 

في الجمهور و”الجماهيرية”..

“هذا الأحمر شاقني.. يا ناس دلوني عليه.. “

من المشاهد المحفورة عميقاً في ذاكرتي، حماس التشجيع مع رابطة “الذيب الأحمر”، خصوصاً عندما يلعب الفريق مع أحد الأندية المنافسة، الرفاع الغربي أو الأهلي مثلاً، كان حصولي على علم أحمر قبل دخولي المدرجات من أحد قادة الرابطة، بمثابة حضور مضاعف بالنسبة لي، وكان التصفيق والهتاف خلف المايسترو “بوثنوه” متعة استثنائية وتأكيد ولاء محرقاوي أصيل، حتى أني كنت أُفضل “الكراش” الأحمر مع ساندويش الجبن الذي أنتظر في صفٍ غير منتظم طويل لشرائه من الكافتيريا خلال الاستراحة بين الشوطين، وإذا نفد الأحمر أقبل بالأسود مُرغماً. وإذا ما أسعدنا الأحمر بفوز، فإن حماسنا يطير بنا عالياً، يحط بنا على دوار “الكازينو” في المدينة العريقة، منتظرين لاعبين الفريق لنفرح ونُغني بهم وبفوزهم.

ذات ليلة، بعد عودتنا من إحدى المباريات، سألت أبي ذاك السؤال الذي ظل حاضراً لمدة طويلة: كيف للآخرين أن يشجعوا نادياً غير المحرق؟! كيف لهم أن يشجعوا نادي الأهلي مثلاً؟! وكان سؤالي المليء بالدهشة حقيقي جداً، وتبرير تشجيع فريق غير المحرق أشبه بالخيال. السؤال لا زال حاضراً، ولكن غابت الدهشة بعد أن كبرت قليلاً.

خلال المرحلة الابتدائية، انضم أقرب أصدقائي إلى فريق نادي البحرين لكرة الطاولة، اختاره المدرب الصيني مع آخرين بعد جولة تفقدية على عدد من الفصول لمعرفة من يرغب بممارسة اللعبة والالتزام بالحصص التدريبية. ذهبت لنادي البحرين بنفسي محاولاً الالتحاق بالفريق، وقد كان لي ذلك مع بداية العطلة الصيفية في ذلك العام، واستمريت في لعب كرة الطاولة بعدها سنوات عديدة، حققت فيها عدد من البطولات وكنت ضمن فريق المنتخب البحريني، ومثلت بلادي في مشاركات خليجية وعربية، أما صديقي ذاك، فلم يستمر مع اللعبة أكثر من أشهر قليلة. هناك غابت دهشة سؤالي القديم، وعرفت ماذا وكيف يكون أن تشجع فريقاً آخر غير المحرق، فقد كان المحرق مُنافساً لفريقنا على المراكز الأولى. بل وصل بي “الوعي التشجيعي” إلى حالة تفكيكية، فكنت مثلاً أشجع فريق نادي البحرين في كرة الطاولة وكرة اليد، ولكن في المقابل أشجع نادي المحرق في كرة القدم!

لم أنظر إلى الأمر بأنه خيانة للنادي الذي أنتمي إليه، ولم يكن لدي أي صراع داخلي أو استغراب حول الأمر، ولم أكره مشجعي نادي المحرق الذين كانوا يتمنون هزيمتنا في كرة الطاولة، وكنت أصفق معهم في مباريات كرة القدم!

الرياضة ليست لعبة واحدة، واللعبة ليست كل النادي، والنادي ليس كل شيء، واللاعبين يتنقلون من نادي إلى آخر، بل حتى الإداريون كانوا ولا زالوا يتنقلون من نادي إلى آخر، والأندية تتنافس لا تتصارع، والجمهور وحدهم من يظلون في نفس الجهة يهتفون ويصرخون، وبما أن هناك جمهور فهناك تعصب ولا شك، قل أو كَثُر، تعصب يحاول أن يُقحم كل شيء في منافسة ما في لعبة ما ستنتهي خلال سويعات! كل هذه المعاني عشتها وتطورت في وجداني، ساعدتني لاحقاً على فهم كثير من الأمور ذات العلاقة، من قريب أو بعيد.