يوم في المرور..

نعم؟ هذه إحضارية وصلتنا البيت لمراجعة مكتبكم. يلقي نظرة. اذهب لفلان تجد مكتبه في تلك الزاوية. عند باب المكتب الآخر، بعد نقاش عقيم مع الموظف خرج اثنان. قال الأول ‘الحسن مو دون الحسين’! وقال الثاني ‘القوانين يجب أن تمشي على الجميع.. مو على ناس وناس’!. نعم؟ هذه إحضارية وصلتنا البيت وبعد مراجعة المكتب حولوني عليك. تفضل اجلس. المكتب مزدحم بالأعمال ويبدو أن الإنتظار طويلاً هنا أمراً طبيعياً. وصلنا خطاباً من فلان وعليه تعليق المدير ‘حسب الإجراءات’ وبعد مراجعة سجل مالك السيارة تبين لنا أن عليه مخالفات كثيرة جداً وبالتالي لا يمكن أن نحول ملكيتها (إلا) إذا أمرنا الشيخ فنحن (حاضرين). يصل الخطاب مرة ثانية في يده حامله. تم التوقيع وانتهى الأمر! (على الأقل مو جدام المراجعين المساكين). بعد ثلث ساعة تقريباً. اذهب للمبنى الثاني، الطابق الثاني، لفلان الفلاني. ممكن رقم مكتبه؟ تفضل. اتصلت دون جدوى. لا بد من الذهاب إذاً. ركبت السيارة وانطلقت للمبنى الآخر. نعم؟ هذه إحضارية وصلتنا البيت وقد حولوني عليك. السيارة لمن؟ الوالدة. من يستخدمها؟ كل من في البيت تقريبا! من استخدمها في التاريخ الفلاني على الشارع العلاني؟ ربما أختي، عفواً ما المخالفة؟ قطع إشارة حمراء، هذه الإحضارية تشير إلى أنك يجب أن تذهب للمدير نفسه في المبنى الآخر في الطابق الثالث! أخذت الورقة. ركبت السيارة وانطلقت قافلاً للمبنى الآخر. نعم؟ هذه إحضارية وصلتنا البيت وقد حولوني عليك. تفضل اجلس. بعد 10 دقائق يراجع السكرتير صاحب المكتب. يخرج السكرتير ويجلس على مكتبه. بعد خمس دقائق من جلوسه، وكأن انتظار المراجع طقساً لا بد منه قبل أن يحصل على الرد! اذهب لمكتب فلان، في المبنى الآخر، في الطابق الثاني. بالمناسبة، هو نفس المكتب قبل الأخير! أخذت الورقة وركبت السيارة وانطلقت للمبنى الآخر. نعم؟ أرجعوني إليك! غريب، لحظة، سيدي هذه احضارية أرجعوها لنا. الضابط: لحظة. يدخل السكرتير وسيده المكتب ويرجع السكرتير دون سيده: هل من الممكن أن تراجعنا أختك غداً صباحاً، يجب أن تحضر هي بنفسها، لن تفعل شيئاً سوى توقيع على محضر. إن شاء الله! أخذت الورقة. ركبت السيارة وانطلقت خارجاً من مبنى إدارة المرور! ويعطيكم ألف عافية يا إدارة المرور!

عارية كمارلين مونرو !

    
    في الحلقة الأخيرة من برنامج (المصير) الذي بثته قناة الجزيرة مؤخراً، والذي يبحث ويناقش مصير هذه الرقعة الواسعة من الأرض التي نعيش عليها، يسمونها الشرق الأوسط، كان اللقاء مع الدكتور الكويتي عبدالله النفيسي، الذي قال كلاماً في غاية الموضوعية، وأنقل هنا شيئاً منه، وكلي أمل في ذاكرتي أن لاتخون كلمة بإسقاطها أو تغييرها تغييراً يخل بالمعنى. مما قاله الدكتور: "الأنظمة الخليجية لا حول لها ولا قوة.. قرار السلم والحرب ليس بيدها.. مكشوفة.. مكشوفة عسكرياً، مكشوفة سياسياً، مكشوفة اقتصادياً.." وأنا أجد كلمة عارية أبلغ في الوصف من كلمة مكشوفة، وهذا النوع من الانكشاف الذي نعيشه مصحوب بكثير من الخزي والعار، فبالتالي تكون الكلمة الأبلغ (عارية كعري مارلين مونرو)! إلا أن عري مارلين مغري جداً، بينما عري أنظمتنا قبيح من كل وجه!
     ومما حذر منه النفيسي في المقابلة: "ما أخشاه.. هو اتفاق أمريكي إيراني.. بعدين يتغدون بنا"، وقال كلاماً كثيراً ينبغي أن نقف أمامه. التحليل الذي أورده النفيسي ليس بالجديد، رغم استغراب مقدم البرنامج منه، ففي تعليقهما على تقرير بيكر هاملتون، يقول كل من الدكتور محمد بن جاسم الغتم والدكتور محمد نعمان جلال، في كتاب (نظرة استراتيجية على مملكة البحرين والمنطقة العربية في إطار دولي): "لا شك في احتمال عودة التعاون الأمريكي الإيراني كما هي مطروحة من خلال التحليل السابق تثير أكثر من جرس إنذار أمام القيادات السياسية والنظم السياسية العربية وبخاصة في دول الخليج لعدة اعتبارات –وهي باختصار-: 1- الوجود الكبير للجاليات الإيرانية في دول الخليج. 2- إيران مرجعية دينية وسياسية لأغلب الشيعة. 3- تاريخ العلاقات الودية والتحالف الأمريكي الإيراني".
     ويقول المؤلفان، بعبارة يائسة كيأس عبارات المحللين الاستراتيجيين في الوطن العربي، وليعذراني على هذا الحكم الذي صدر من محكمة ثقتي! : "ومن ثم، فإنه من الضروري أن تبلور القيادة في دول الخليج بوجه خاص والمنطقة العربية بوجه عام سياسات بديلة تحسباً لتغير المواقف الأمريكية، ولضمان مصالحها وأمنها واستقرارها على المدى البعيد". أي سياسات وأي بطيخ أيها الدكتورين الفاضلين. إذا لا زال هناك من يطبل بإنجازات مجلس التعاون! ويحتفل بتطور العلاقات مع الدول الشقيقة! فلا تسألان عن سياسات وخطط. وإذا كانت العملة الخليجية الواحدة لم ترَ النور حتى اليوم! فلا تسألان عن سياسات وخطط. وإذا فشلنا في توحيد الجهد العسكري وبناء جيش واحد يحمي دول الخليج إلى هذا اليوم، الذي يشيب فيه الشبان، فلا تسألان عن سياسات وخطط. السياسات التي يحترم الناس، وبعبارة أصرح القيادات، واضعوها، وتتحول إلى برامج أعمال، وتُشكل لها الأجهزة التنفيذية الضخمة، هناك ليست هنا. علم السياسات والخطط ليست لنا نحن. نحن نتقن، وبامتياز، علم الانبطاح، لا غير. فمن يركع أكثر يكسب أكثر من المصالح العظيمة، في نظرنا، التافهة في نظرهم، وإنما تتقبل ماما أمريكا من الراكعين!
     أورد النفيسي أيضاً في لقاءه تساؤلاً، كثيراً ما جال في ذهني منذ فترة طويلة، حيث قال: "من سيمنع الولايات المتحدة من احتلال الشريط النفطي (من العراق حتى عمان) إذا ما أرادت؟ بناءاً على خطة عرضت على الكونجرس، وموجودة في مكتبته". الحقيقة ليس هذا التساؤل بالضبط الذي شغلني، إنما آخر مشابه: (من سيمنع الكيان الصهيوني من تدمير المسجد الأقصى إذا أقدم على ذلك؟!) من غير ماما أمريكا؟ فإلى مزيد من الركوع، ومزيد من الانبطاح.
 

ليست مجرد تجربة (11)

أول مكتب !
     كانت فترة، وأزمة التسجيل اختباراً عملياً لمدة أسبوع تقريباً، استطعت من خلالها تقييم أداء أخواني وأخواتي أعضاء المجلس، بعيداً عن الشعارات والبرامج، التي أمطرتنا حملاتهم الانتخابية بها في فترة الانتخابات. كما تشكَّلت في هذه الفترة نواة فريق عملي الخاص، بعد مباشرة كل من "زهرة" و"فاطمة" العمل في اللجنة منذ أول أيام فترة الحذف والإضافة، وانضمت إليهما لاحقاً الأخت "شيماء".
     لم أضع خطةً، ولا تصوراً واضحاً لعمل اللجنة، فقد كنت حديث عهدٍ بالعمل الجماعي، فكيف بإدارته؟! وما زاد الأمر تعقيداً، بالنسبة لي خاصة كرئيس لأهم لجنة، هو غياب آلية واضحة لعمل المجلس، فلا لائحة داخلية، ولا لائحة لجان، ولا تصور واضح في كيفية التعامل مع مشاكل الطلبة إذا ما وصلت للمجلس، والمهمة التي تعد الأبرز من مهام اللجنة، باختصار، كان المجلس، ولا زال، حتى وقت كتابة هذه الأسطر، هيئة طلابية تختلف طريقة عملها باختلاف الأعضاء، وليس هيئة لها نظامها المحدد تسير عليه، يلتزم به الأعضاء مهما تغيرت وجوههم. ومن هنا يتضح سبب تباين أداء المجلس بين دورة وأخرى.
     وقد قَدَّمت عضوة المجلس آنذاك، الطالبة "أمل فريد" لائحة داخلية مقترحة، مرفقة مع لائحة عمل لجان أيضاً، إلا أن أعضاء المجلس لم يقروها! وأنا من أولئك الذين عرقلوا سير هذه اللوائح المقترحة، بناءاً على جهلي في العمل النقابي حينها، وعلى رغبة رئيس المجلس الذي كان يرى في وضع هذه الأنظمة واللوائح تقييداً للعمل! ولعلي كفَّرت عن هذه الخطيئة في دورة المجلس التالية، أي بعد سنة، بوضع لوائح داخلية كأول عمل قمت به بعدما أصبحت رئيساً للمجلس. والمفارقة أني كنت فخور جداً بهذا الإنجاز!
     بعد فترة من العمل تعرفت على عدد كبير من موظفي الجامعة، وعرفت مسؤولية كل منهم، وبنيت معهم علاقة بعيدة كل البعد عن كل ما هو رسمي، وكان لذلك الأثر الكبير في تيسير أي عمل أقوم به، وفي التغلب على كثير من الصعوبات التي واجهتها لاحقاً. وبذلك أصبح لدي، وربما قبل غيري من الأعضاء، علم من أين تُطلب المطالب، وأين أجد جوابي على أي سؤال، ومن هو الموظف المناسب لهذه القضية، أو الموظفة المناسبة لتلك المسألة. فاستغليت هذا الأمر أيما استغلال!
     وقتها، بعد مرور أكثر من سنتين على ولادة المجلس، لم يكن للمجلس مقر بالجامعة في الصخير، إنما كان مقره الوحيد في فرع الجامعة بمدينة عيسى، المكون من قاعة للاجتماعات، وغرفتان، واحدة للرئيس والثانية لأمين السر. فبذلت قصارى جهدي لأحصل على مكتب في الصخير أستطيع من خلاله تفعيل عمل اللجنة. فحصلت على مكتب، وكان أول مكتب خاص للجنة من لجان المجلس في الصخير منذ نشأة هذه الهيئة الطلابية. وتناوب بعض الأعضاء لاحقا في الاستئذان لاستخدامه. نفس السعي جاء بعد ذلك لتزويد المكتب بجهاز كمبيوتر، وطابعة، وهاتف، يحمل رقماً، حسدني عليه مدير دائرة الأنشطة الطلابية، مستغرباً كيف حصلت على رقم متناسق لم يستطع هو أن يحصل على مثله رغم طلبه!
     وبعد أن زاد قليلاً حجم العمل، ولضيق المكتب، سعيت للحصول على مكتب ثاني، ليكون المكتب الأول للأخوات العاملات في اللجنة، أما الثاني المجاور للأول فأصبح خاص بي! ولا زلت أذكر كيف كان يسلم علي جاري الأستاذ باحترام جم، يحسبني أستاذاً مثله! ربما حقيبة الكمبيوتر المحمول التي كنت أحملها دوماً، إضافة لكبر سن شكلي، هما السببان الرئيسان لهذا الحسبان الخاطئ، الذي لم يتفرد به هذا الأستاذ الفاضل، بل شاركه فيه العديد من الطلبة والأساتذة!

هكذا تورد المطالب يا أشكناني

إبراهيم أشكناني، طالب بكلية إدارة الأعمال في جامعة البحرين، عُرِفَ بتحركه غير المتزن، في صفحات الجرائد، وفي اللقاءات الرسمية التي تجمع الطلبة مع إدارة الجامعة، من أجل الحصول على مكتسبات الطلابية، إن جاز لنا تسميتها بذلك. وكثيراً ما ضحك عليه الطلبة خلال مداخلاته وأسئلته الغريبة في اللقاءات، أو تلك الواردة في رسائله الموجهة لإدارة الجامعة، منها على سبيل المثال: طلب "توضيح مهام وواجبات الدكتور وما له من حقوق أثناء أداء المحاضرة بشكل مُفصل سوى أكان على صعيد المقرر أم الطلبة ، كما أيضاً يوجد عندنا تساؤل حول هذه النقطة هل من واجب الدكاترة شرح المقرر؟" !
     يقود أشكناني اليوم تحركاً آخر من نوعه، فيه من الحكمة والنضج الشيء الكثير، ويحتاج لشيء قليل من إعادة صياغة الأسلوب. فقد ترك أشكناني "مناطحة" إدارة الجامعة، وتوجه إلى مجلس الطلبة برسائله المحتوية على مطالباته واقتراحاته، طالباً من المجلس التحرك عليها مع إدارة الجامعة. وشكل لجنة من الطلبة لصياغة ومتابعة سير هذه المقترحات والمطالب مع المجلس، كنوع من الرقابة، والمحاسبة، على أداء الأعضاء الذين اختارهم الطلبة كممثلين لهم.
     جميل جداً أن تشكل لجنة من قبل الطلبة المهتمين بالشأن الطلابي -لا يستغرب القارئ من العبارة الأخير، فالحقيقة أن ليس كل الطلبة مهتمين بشأنهم!- للوقوف مع مجلس الطلبة وتزويده بالمقترحات العملية التي من شأنها أن تطور المسيرة التعليمية في حياة الطالب. لذلك أتمنى من القيادات الطلابية، خاصةً أولئك الذين لا تتعب حناجرهم من انتقاد صلاحيات المجلس، تحويل الطاقة التي تصرف في الكلام إلى فعل على أرض الواقع، وتبني هذه الفكرة، والسعي لإنجاحها، فهي من أبرز الخطوات العملية المطورة لمجلسهم، و الداعمة له. تعبنا ونحن نقول، قوة المجلس من قوة التفاف الطلبة حوله. فهل نعي ذلك ونتحرك في الممكن؟
     شيء مهم أخير، أرجو من الأخ أشكناني وأصحابه وضع ضوابط لعمل هذه اللجنة، لكي لا تخرج عن أهدافها في المستقبل وتسعى لتلعب دور المجلس بدلاً من أن تكون داعمة له! كما أدعوه للابتعاد عن أي أسلوب فيه نَفَس المحاسبة والتوبيخ، أو فرض الرأي على أعضاء المجلس، فعملية مراقبة ممثلي الناس ومحاسبتهم لم تنضج بعد خارج الجامعة على مستوى المجلس النيابي فضلاً عن داخل الجامعة على مستوى مجلس الطلبة، فلضمان نجاح هذه اللجنة الوليدة، لا بد من الابتعاد عن الأساليب التي من شأنها أن تضع حاجزاً بينها وبين أعضاء المجلس، والتذكير دوماً بأن هذه اللجنة وجدت لدعم المجلس، لا لمحاربته ومصارعة أعضاءه.
     إذا ما نجحت هذه اللجنة، فهل تُكرّس في الطلبة ثقافة المتابعة الجادة، والمحاسبة المتحضرة، لممثلي الناس في مجتمعنا الصغير بمختلف ألوانهم؟! أملي كبير في ذلك. وهذا سر اعجابي بهذا التحرك. تمنياتي لأشكناني وأعضاء لجنته، ولمجلس الطلبة، بالتوفيق والنجاح.

ويتحدثون عن محاربة الفسـاد !

قصة قصيرة.. ليست حقيقية تماماً !
      فتح أحمد صحيفة الديرة، اطّلع على عناوينها الرئيسية، وقف عند العنوان التالي (برلمانيون عرب ضد الفساد في البحرين.. المؤتمر البرلماني العربي الثالث لمكافحة الفساد)، بعد قراءة الأسطر الأولى من الخبر، جرّته ذاكرته بقوة، فغابت عيناه عن الخبر، وتذكر تفاصيل يومه ذاك..
*****
          هل التقرير جاهز يا أحمد.
          نعم جاهز، كما طلب طويل العمر.
          يخرج المستشار القانوني، تدخل أنت بعده على طول، ولكن أرجو أن تستعرض التقرير مع طويل العمر بسرعة، فجدول أعماله مليء جداً اليوم.
          أبشر.
خرج من مكتب خالد رجل عريض المنكبين، يلبس بدلة فاخرة، وفي يده حقيبة، بقيت السيجارة أن تشغل فاه ليكون أفضل وصف: محامي كبير! صاح التلفون، جاء صوت خالد المرعب المصحوب بالكحات الخفيفة:
          عبدالله، أحمد وصل.
          نعم طال عمرك، هو أمامي.
          معه التقرير؟
          نعم طال عمرك.
          أدخله.
دخل أحمد المكتب، بعد أن مشّط لحيته، وأعاد "تنسيف" غترته، وطار في سماء الغرفة حتى حطُّ على أنف خالد وقال:
          صباح الخير يا طويل العمر.
          صباح النور أهلاً أحمد، كيف حالك.
          الحمد لله تمام، أسأل عنكم يا طويل العمر.
          نحن الحمد لله بصحة وعافية كما ترى، لنستعرض التقرير.
قطع صياح التلفون الحوار، ضغط خالد على الجهاز، وجاء صوت السكرتير:
          طال عمرك وزير التصنيع والمجمعات يقول أن الأمر طارئ.
          طيب..
جاء صوت الوزير، وأحمد جالس بكل سكينة وهدوء ووقار، في مكتب هذا المسئول المتواضع:
          طال عمرك، متى ستكف جماعة "عراقة" عن هذه اللعبة ؟!
          ما عليك يا بوعلي، اتصال شخصي مني، قبل الجلسة الموعودة تنسف كل تخطيط، كالعادة !
          يبدو أن الأمر هذه المرة ليس بهذه السهولة يا طويل العمر.
          لا عليك سأقوم بمناوراتي المعقدة، التي لا تتجاوز الاتصال !
          خير إن شاء الله، شكراً يا طويل العمر. تآمرني بشيء ؟
          لا تتصل بي في هذا الموضوع مرة ثانية رجاءاً، فإنه لم يغب عن بالي أبداً.
          إن شاء الله طال عمرك.
          مع السلامة.
          مع السلامة.
يضغط خالد على الزر مغلقاً الهاتف، يضحك ويقول لأحمد:
          يتصل بي لإيقاف جماعة "عراقة" عن المضي في قضية الميناء، ألم يفكر هذا المسكين كيف لجماعة "عراقة" أن تقدُم أصلاً على هذه المسألة، بهذه القوة، قبل أن تحصل على الضوء الأخضر؟ يا له من مغفل! ها ها ها.
          أتعني يا طويل العمر أنك…
          لا عليك يا أحمد، لا عليك. بالمناسبة أود أن أسألك سؤالاً، فأنت أفهم مني، على ما يبدو في أمور الدين.
          لا أظن يا طويل العمر، ولكن لا بأس، أسأل.
          أسمعت عن توقيف حملات الحج المخالفة ؟
          نعم سمعت.
          ما رأيك في إيقافها ؟
          يا طويل العمر، هناك لجنة عليا لشؤون الحج، وهناك إجراءات، ويجب أن تطبق هذه الإجراءات على الجميع.
          على الجميع يا أحمد ؟
          نعم يا طويل العمر، القانون يجب أن يمشي على الجميع، يقول عليه الصلاة والسلام: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
          عليه الصلاة والسلام، عليه الصلاة والسلام، هل هذا الحديث مشهور يعرفه الجميع.
          أشهر من النار على العلم يا طويل العمر.
          يعني ما نسميهم نحن في هذا المكتب بـ "الإسلاميين" يعرفونه ؟ ربما ؟
          بل أكيد يا طويل العمر.
          غريب!
          ما الغريب يا طويل العمر؟!
          لو تعلم يا أحمد من كان مكانك منذ يومين، وهو يرجو ويتوسل ويناجي ! طالباً إيقاف تطبيق القانون، برفع قرار التوقيف عن حملة من الحملات تدعى "الفصول".
          من يا طويل العمر؟!
          لا عليك من يكون، ولكن أظنهم من الناس الذين ينبغي أن يكونوا عارفين بالحديث الذي تلوته أنت منذ قليل، كما تظن أنت.
          إن كنت تقصد بمن تسمونهم في هذا المكتب بإسلاميين، فأنا لا أظن، أنا أؤكد يا طويل العمر أنهم يعرفون هذا الحديث ودلالته. أهااا تذكرت الآن، تذكرت يا طويل العمر.
          ماذا تذكرت؟
          تذكرت خطبة شيخنا "الفضيل"، من المؤكد أنه كان يقصد هؤلاء الذين كانوا مكاني منذ يومين.
          ماذا قال شيخكم "الفضيل" في هذا الشأن ؟
          قال يا طويل العمر: "’نواب سعوا للوساطة لدى المسؤولين لرفع المنع عن إحدى حملات الحج رغم علمهم بالتجاوز الكبير الذي ارتكبته هذه الحملة”. وقال: ”إن اللجنة العليا لشؤون الحج قد اتخذت إجراءاتها المشكورة ضد تسع حملات خالفت الشروط المتفق عليها والتي تحفظ لضيوف الرحمن حقهم في أداء الفريضة، ولكن الطمع والجشع والفساد لدى بعض هذه الحملات يجعلها تتجاوز أدنى أصول اللياقة.. ولقد علمت أن نائباً أو عدداً من النواب سعوا للوساطة لدى المسؤولين لرفع المنع عن هذه الحملة وهم يعلمون علم اليقين أن تلك الحملة متجاوزة”. وقال: أنه إن صح هذا فإنها طامة ما بعدها طامة أن يتوسط نائب لمن ثبتت مخالفته وصدر بحقه جزاء من الجهة المسؤولة، ورغم ذلك يذهب ويستجدي بكبار المسؤولين.. هذا الأمر لا ينبغي السكوت عليه أو التغاضي عنه. وتوجه بحديثه إلى النائب قائلاً: ”بأي حق تشفع لمن ثبت جرمه ووقع ضرره على ضيوف الرحمن؟ كان من الأولى وهو واجبك أن تقف ضد فساد هذه الحملات وهذه الحملة على وجه الخصوص بعد ما ثبت عليها ما ثبت لا أن تطلب الشفاعة لها؟ وأي ثقة ستبقى بعد أن وقف إلى جانب الفساد ليحميه وينصره؟”. داعياً في الوقت نفسه ”هذا النائب وأمثاله بالتنحي وتقديم استقالته فهو خير له وأنفع، كما آمل من المسؤولين أن يوصدوا الباب في وجهه ووجه أمثاله ممن يعينون المفسدين على فسادهم وبخاصة بعد أن أطلق قادة البلاد حفظهم الله تعالى تصريحاتهم بمحاربة الفساد دون محاباة أو مداراة  لكائن من كان”.
          هذا ماقاله شيخكم؟!
          كما نقلته إحدى الصحف المحلية في اليوم الثاني تماماً يا طويل العمر.
رن الهاتف، ضغط خالد على الزر، جاء صوت السكرتير:
          أمر طارئ يا طويل العمر، طويل العمر يريد مقابلتك فوراً !
          طيب.
نهض من على كرسيه الوافر المريح، ومد يده لأحمد وقال:
          أنا آسف يا أحمد، كما ترى، الأمر طارئ !
          لا تتأسف يا طويل العمر، الله يوفقك لكل خير، وسلامي الحار لطويل العمر.
          نناقش التقرير غداً في نفس الوقت.
          بإذن الله.
*****
      فتح أحمدعينيه، ورجع للصحيفة، وهو ينظر لبعض الوجوه، ابتسم وقال:
          ويتحدثون عن محاربة الفساد !

لقــاء..

بعد معاقرة كؤوس جميع أصناف اللوعة، هزمها أخيراً سلطان النوم، كما يهزم أعتى الطغاة بكل هدوء، عبرت أعتاب دنيا الأحلام، حتى استقرّت في لا مكانٍ هناك، حيث لا تستطيع رؤية ما حولها. جلست ودوران شريط الذكرى يقطع قلبها الحزين، وجعلت من كفيها الناعمين وسادةً، ارتمى عليها وجهها بكل ثقله وطرواته، فاحتضن كفاها وجنتيها الورديتين، الرطبتين بفعل أنهر الدموع التي جرت على سطحيهما الرقيقين، قبل أن تخسر نزالها مع سلطان النوم.
شعرت أنها في غرفة مغمورة بالظلمة ورائحة الغبار. رأت طيف نورٍ يأتي من بعيد. تجمدت مكانها تترقبه. وقلبها الممتلئ خوفاً لم يكف عن خفقانه السريع، حتى استقرَّ النورُ رَجُلاً منتصباً أمامها، فقالت بصوت خافت لا تكاد هي أن تمسعه:
          من أنت ؟!
بلجهةٍ مصريةٍ رد:
          مساء الخير!
ما إن سمعت صوته، انفجرت ينابيع الدموع، وعادت الأنهارُ تجري، حتى كادت تذيب خدودها المشبعة بالحمرة، وقاطعته:
          حبيبي!! خالي!! حبيبي!!
انقضَّت عليه لتضمّه، فطافت ذراعيها طيفه البارد، وارتطما في صدرها، وكادت أن تسقط أرضاً لولا أنها اصطدمت بجدار ترابي خشن لم تحس بوجوده، شعّ بريق ابتسامة من وجهه وقال:
          ليس الآن يا صغيرتي.. ليس الآن.. امسحي دموعك واجلسي هنا.
بحثت عن ما تمسح به زلال عينيها، لكنها لم تعثر على بقعة في جسمها سلمت من البلل لتمسح بها، لم يكُن هناك سدٌ يوقف نهر دموعها الجاري، قالت بحزنٍ عميق:
          ألا أستطيع رؤية وجهك؟ أريد أن أُرجع كل ذرة من تفاصيله إلى ذاكرتي التعيسة، فقد بدأت أنسى وجهك شيئاً فشيئاً!
          ستنظرين إليّ قريباً مهما طال بك العمر. قبل كل شيء، هل تصنعي لي معروفاً يا صغيرتي؟
          أصنع لك معروفاً؟! معروفاً واحداً! روحي تنتظر إشارة منك لتفتديك.
          حفظ الله روحك، طلبي صغير جداً، هل تعدينني أن تنفيذه؟
          ولو كان على هلاكي، آمر يا خالي، آمر، فكم قصَّرت في حقك أنا.
          أرجوكِ أرجوكِ، كفي عن سكب الدموع، كم تعذبني هذه الدموع.
          فقدك موجع يا خالي العزيز، موجع.
          آلمني حزنكم البالغ لفقدي، حزنك أنتِ بالذات.
          أوتشعر بحزني؟! أوتحس بلوعتي؟!
          نعم يا حبيبتي، نعم أشعر. لو تعلمين راحتي لكان مكان حزنك هذا فرحاً. هل تنفذ صغيرتي الحلوة رغبتي أم لا؟
          الآن فقط أشعر بأنني أستطيع أن أكف عن البكاء.
في محاولة منه ليعيد بنت أخته لطبيعتها المرحة الشقية، التي اعتاد أن يراها بها، قال:
          لقد كبرتِ يا صغيرتي، وأصبحتِ فتاة يافعة، وزاد جمالكِ جمالاً.
لم يمنع هول الموقف ابتسامتها الخجولة من أن ترتسم على ثغرها الصغير المكتنز، وبنجاح الفتيات الذكيات، باشرت في انقاذ نفسها من هذا المطب المحرج وسألته:
          هل أستطيع أن أظل معك هنا؟
          لن تستغرق زيارتك أكثر من 3 دقائق.
          3دقائق فقط؟! لا! أريد أكثر، أريد أكثر، أريد أن أُغرق أذني بكلماتك الحلوة، أريد أن أرهق جسدي بمداعبتك، أريد أن أخدمك في بيتك الدامس الموحش هذا.
          دامس وموحش؟! ها ها ها.. صغيرتي الحبيبة، أتعلمين، لو خُيّرت أن أرجع إلى قصور الدنيا ما رجعت، فكيف بسرير ختمت عليه تفاصيل بدني من طول المرض؟!
          أفهم من كلامك أنك مرتاح هنا؟!
          حبيبتي، لقد كنت في دار الشقاء والتعب، وبيت الهم والنكد، وحياة الشقاء والضجر، وقد زادني مرضي تعباً وهماً وحزناً، أما وقد رحلت عنها، فنزلت في ضيافة وكرم أرحم الراحمين، فأكرم نزلي، وغسلني بالماء والثلج والبرد، وآنسني عملي الصالح حتى لا أكاد أحس بالملل.
رأت ذراعه النور تتحرك، لتكشف بإضاءتها شيئاً من زوايا الظلام، حتى امتدت إلى قارورة، رفعها إلى بريق ثغره، وسمعت صوت الذي يشربه وهو يمر من خلال حنجرته، فقالت والدهشة تعتريها:
          ماذا تشرب يا خالي؟!
          أشرب خمراً.
          خمر؟!
          نعم خمر، هذا قليل من كثير مما يصلني من دار السرور، ليتني أستطيع أن أسقيك منه قليلاً.
          ألا يمكنك أن تسقيني منه قليلاً؟
          ها ها ها، كما عهدتك صغيرتي الحلوة، تودين لو تجربين كل شيء. عندما كنتِ صغيرة، أذكر أني أنقذت لسانك الوردي ومعدتك الطرية من كوبٍ حليبٍ حار، حاولتي سرقته من على الطاولة في غفلة من أمك. حدثيني عنك، عن والديك وإخوانك، عن دراستك، عن مغامراتك التي لا تنتهي مع صديقاتك.
          لماذا نضيع الدقيقية والنصف المتبقية في الحديث عن أخباري؟! أنا المتشوقة لسماع أخبارك.
          منذ متى يهتم الأحياء بأخبار الموتى؟! أخباري كما ترين، أنتظر في هذا المكان، كما تنتظرين أنتِ في مكانٍ آخر.
          تنتظر؟! أنتظر؟! ماذا ننتظر أنا وأنت؟!
          ننتظر أن نحيا الحياة، الحياة يا صغيرتي ليست هي التي تعيشينها هناك، وليست هذه التي أعيشها أنا هنا، إنها أخرى, كلانا ينتظرها، الفرق أنني أنتظرها هنا في هدوء وراحة وسكينة، أما أنتي فلم تكملي بعد نصيبك من الدنيا، بكل ما في هذا النصيب من تعب وكدر!
تابع ولكن بلهجة مصرية هذه المرة، الأسلوب الذي اعتاد أن يداعبها به في الحديث:
          إزاااي؟! حتؤولي لي أخبارك ولا إيه؟!
ضحكت حتى دفنت عينيها التي زادها غسيل الدموع لمعاناً تحت أهدابها من جهة، وخديها من جهة أخرى، وقالت:
          آأولك أيه ولا أيه يا خالي في دئيئه وحده؟! كول الي أعرفوه إني بحبك كتير ومشتائة لك كتير كتير كتير.
          أنا كمان بحبك يا شئيه.
اقترب منها، وزرع على خدها قبلة، أحست ببرودها هذه المرة، وقال:
          حان وقت الرحيل يا صغيرتي.
          آه لو كنت أستطيع التحكم في نواميس الحياة! تحمل بنفسك يا خالي.
          لا شيء هنا أتحمل بنفسي منه، أنتي من يجب أن تتحمل بنفسها.
وبنبرة جادة، وهي الوحيدة من نوعها في هذا اللقاء السريع، أضاف:
          إياكِ إياكِ من إهدار الدموع، وإكثار الحزن، تذكري أن ذلك يعذبني كثيراً، هل يسرُّك أن تعذبي خالك الذي تحبينه؟
          بالطبع لا.
          إذن أرجوك لا تفعلي.
          أعدك أني سأبذل كل ما أملك من جهد للتحكم في عواطفي.
          الأمر لا يحتاج لكثير جهد، فقط تذكري كلما هاجت عواطفك أن ذلك يعذبني كثيراً.
          إن شاء الله سأفعل.
          إلى اللقاء، في دار السرور بإذن الله.
          إلى اللقاء خالي العزيز.
استيقظت من نومها، شعرت بخيال امرأة، لم تستطع أن تميزها فوراً، عرفت أن المرأة التي تقف بجانب سريرها هي أمها عندما قالت لها: (نمتي كثيراً اليوم يا ابنتي الصغيرة، هيا استعدي للانطلاق إلى الجامعة).
رفعت يديها وقالت: اللهم اغفر له وارحمه، وقامت من سريرها مبتسمة ابتسامة من أحسنت الظن بربها..

خالد ومناصرة العلمانية

قصة قصرة
نظر خالد بعين عقله، البعيدة عن تعصب الهوى (الذي يسميه كثير من الناس الدين في أيامنا هذه)، والبعيدة عن عاطفة القلب، إلى المرشحين في منطقته، ولم يرَ أفضل وأنسب مرشح ليكون نائباً في البرلمان من وليد، وهو رجل متحدث، له خبرة في العمل السياسي، وقوي في مجال عمله، القانون والمحاماة. فوقف معه غير آبه برأي كثير من أصحابه، الذين رأوا في ذلك مخالفة شرعية صريحة، كون وليد مرشحاً غير إسلامياً !
*****
جلس عمر مع خالد في المقهى العنابي، يدردشان في مواضيع لا نهاية لها، ومنها موضوع الانتخابات. عن موقف خالد من انتخاب "غير الإسلامي" قال عمر، سكرتير نهيان معلقاً:
          نهيان يرى أن اختيارك صحيح سياسياً، ولكن المشكلة أنه لا يجوز شرعاً !
رد خالد مستغرباً من هذا المنطق:
          لم يقنعني هذا الكلام !
عاد خالد إلى بيته، واستلقى على السرير يفكر في وجهة نظر نهيان، قائد من قواد الدعوة السلفية في البلاد، وقال في نفسه: (ليت ابن تيميمة أتبَعَ كتابه "درء تعارض العقل والنقل" بكتاب "درء تعارض المصالح الوطنية والأحكام الشرعية") !!
بصوت خافت، قرأ أذكار النوم، واستسلم للميتة الصغرى مكبل العينين..
*****
طلب حسين من خالد جلسةً عابرة، ليستوضح منه بعض المواقف التي صدرت منه مؤخراً. اصطحب خالد صديقه طفيل ليرافقه. بعد السلام والتحية، افتتح خالد:
          تفضل أخي حسين، أسأل..
          لماذا وقفت مع غير الإسلامي وليد في الانتخابات النيابية، وتركت الإسلامي منصور، هل فقط لأن منصور غير سلفي، أو لأنه ينتمي لجمعية قد لا تعجبك ؟؟
          يجب أن تعلم أولاً يا عزيزي حسين أني لا أملك هذه النظرة الضيقة، فلم أزكي المرشح السلفي عندما سألني صديقي الذي يسكن في منطقته عن أي المرشحين يختار. ولم أكن لأقتنع أبداً بإبراهيم، الشيخ السلفي هو الآخر، ليكون مرشحاً في منطقتي !
          إذاً لماذا وقفت مع العلماني وتركت الإسلامي ؟؟!!
باهتمام بالغ، وانفعال معتدل، اقترب خالد من حسين، مستنداً على يديه المنتصبتين على الطاولة، وقال:
          دعني أسألك
          تفضل..
          كم إسلامي في المجلس حالياً ؟
تدخل طفيل بعد أن أستغرق حسين قليلا في العد:
          كلهم (الأربعون) إلا إثنان، ولنقل إلا ثلاثة على أسوأ تقدير.
أتبع خالد سؤاله بسؤال آخر:
          وماذا يستطيع أن يفعل علماني وحيد، أمام 37 إسلامي ؟!
قبل أن يجيب حسين على سؤاله، واصل خالد:
          ولكن في نفس الوقت دعني أسألك أيضاً، كم قانوني لدينا في المجلس؟ المكان الذي ينبغي أن يكثر فيه أهل القانون. وكم متحدث داخل المجلس مثل هذا العلماني يستطيع مواجهة أولئك الذين يخلطون الحق بالباطل؟ ثم تعال قل لي، إذا كان أصحابنا لا يستطيعون أن يقولوا في مواطن كثير كلمة "لا"، ألا ترغب أن يقولها رجل "بايعها" وفي نفس الوقت غير محسوب على جماعتك؟! وألم تسأل نفسك مرة: إذا ما أرادت الحكومة أن تُفشل المجلس، وهي قادرة على ذلك، من سيلوم الناس؟ ومن الذي سيفقدون الثقة فيه؟ سيلومون الإسلاميين، وسيفقدون الثقة في الإسلاميين، ولا أحد غيرهم، أما إن كان هناك غيرهم في المجلس ألا تعتقد أن الإسلاميين لن يتحملوا كل مسئولية الفشل؟ ولن يفقدوا كل الثقة؟ تلك الثقة التي يحرص عليها بعض الإسلاميين أيما حرص لا ليدعوا الناس إلى صحيح معتقد أو سليم منهج، إنما لليوم المشهود، يوم التصويت!
سأل حسين:
          وما كان يدريك أن العلمانيين الآخرين، جماعة (رعد)، لا يصلون للمجلس، وبالتالي يزداد عدد العلمانيين على عدد الإسلاميين ؟
          من المستحيل أن يصل واحد منهم.
          وكيف تضمن ذلك ؟!
          أنسيت يا صديقي حسين الصناديق العامة ؟
          أنت تشكك في صحة الانتخابات ونزاهتها ؟!
ابتسم خالد، والتفت إلى صديقه طفيل الذي بادله نفس الابتسامة..
*****
      يتصفح خالد مع صديقه طفيل كتاباً، ويقرأ لابن تيمية (فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدّم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضرراً فيها؛ فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أميناً، كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف؛ مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يُغزى مع القوي الفاجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)).
      يعلق خالد بأسلوبه الساخر المعتاد:
          أتعلم يا طفيل، أظن أن زمان ابن تيمية خلا من أهل العلم والحكمة، الممتلئ منهم زماننا، لذلك تجرأ ابن تيمية أن يقف على هذا الرأي، ويقف ضد الصالحين الأمناء، كما يرى الأمر اليوم كثير من أصحابنا بلسان الحال، حتى وإن اختلف لسان المقال الذي يصرحون به !!
يضحك طفيل بصوت مرتفع، يضيف خالد:
          صحيح أن الفجور يختلف عن العلمنة، ولا يمكن أن ننزل كلام ابن تيمية في مقارنتنا هذه، ولكن ابن تيمية يتكلم عن جهاد، أتعلم ما الجهاد يا طفيل؟! ونحن لا نرتضي لنائب لا حول له ولا قوة، إلا أن يكون صالحاً أميناً حتى وإن لم يكن قوياً! في مجلس لا حول له ولا قوة! وفوق ذلك، كل المجلس "إسلاميين"، أيضاً هؤلاء لاحول لهم ولا قوة! ومن دون بالله لا حول ولا قوة! ألا يمكننا أن نستفيد من قوة العلماني، بل الكافر أيضاً، في موطن لا يستطيع أن يضر فيه الإسلام أو المسلمين بوجود الأغلبية الإسلامية داخل المجلس ؟!!!
يستمر طفيل ضاحكاً حتى تدمع عيناه من الضحك..
*****
      وصف المتطرفون خالد بـمناصر العلمانية والعلمانيين. وقال عنه المعتدلون: نسأل الله أن لا تتمكن الشبه (جمع شبهة) من قلبه. أما العاقلون قالوا: إنها كبوة جواد !!
      يتصل بخالد شيخ معروف بمواقفه وعطاءه في العمل الدعوي والخيري والسياسي، ويقول له: اختيارك كان في مكانه. في ظل الوضع الحالي وليد كان الأنسب، ولكن يا ليت أصحابنا يفقهون !
      فرح خالد كثيراً، فقد زاده الشيخ فوق رضاه عن نفسه رضاً.
انتهت القصة.
 
ملاحظة: ما ورد في القصة من آرء لا تعبر بالضرورة عن رأي الكاتب !

ليست مجرد تجربة (10)

أزمة التسجيل !

   خلال فترة العطلة الصيفية، ربطت نفسي بعقد عمل مؤقت لمدة ستة أشهر مع مصرف الشامل، ومن يعمل في مجال البنوك والمصارف، يعلم كيف العمل في قسم العمليات ( Operation) في هذه المؤسسات، حيث كنت أعمل، يقتل الوقت قتلاً، ويجهز على ما يملك الإنسان من طاقة إجهازاً! فأصبحت بين خيارين، إما أن أعمل، وأكمل دراستي مساءاً، خاصة وأن نسبة فرصة التثبيت في العمل كانت 100% تقريباً، وإما أن تنتهي فترة العطلة الصيفية، وأنهي عملي قبل انتهاء مدة العقد بثلاثة شهور وأرجع للدراسية الصباحية في الجامعة.

   لذلك، ضغطا علي، الكواري ومطر، كثيراً لترك اللجنة الخدماتية للزميل صادق الشعباني، خوفاً من فشلي فيها، فقد كانت ثقتهم في طالب جديد على العمل الطلابي متضعضعة، ومن ناحية أخرى، لأنهم وجدوا أن فرصة ترك الدراسة الصباحية والعمل في المصرف كبيرة جداً، وهذا يعني أنهم لن يروني في الجامعة أبداً، سوى وقت الاجتماعات الاعتيادية، ورغّبوني لأنزل عند رغبتهم بمنصب الأمين المالي، وما دور الأمين المالي في هيئة لا تملك التصرف أبداً في ميزانيتها؟!

مع نهاية العطلة الصيفية، نظّمت دائرة شئون الموظفين بالمصرف رحلة لجزرحوار، وفي طريق العودة، على القارب الأبيض، ومع راحة النفس وسط الأفق المغمور في ماء البحر من كل جهة، اتخذت قرار ترك المصرف الذي عملت فيه لمدة ثلاثة أشهر، ولم أطق أن أستمر أكثر لطبيعة عملي فيه! لم يكن طموحي يوماً أن أصرف الساعات الطوال والجهد الكبير، في النظر والتدقيق في الأرقام، وتحويل الحسابات، والتأكد من صحة المبالغ، وغيرها من أعمال مضنية تؤدّى بعيداً عن إعمال الفكر ومقابلة الناس. أليس هذا الكلام غريب أن يصدر من طالب محاسبة!

   يوم العودة من الرحلة كان اليوم الأول من أيام فترة الحذف والإضافة للفصل الأول من العام الدراسي 04-2005 ، وكثر السؤال عن رئيس لجنة الخدمات في أول امتحان له، وكان يغطي مطر على صاحبه المستمتع في رحلته، برده على السائلين: (إنه مريض!).

   فترة الحذف والإضافة من أكثر الفترات التي يحتك فيها أعضاء المجلس بأعداد كبيرة من الطلبة، وذلك لأن فيه تكثر المشاكل، وبعبارة أدق، تبرز المشاكل أكثر من أي فترة أخرى، فحري على المجلس أن يكون متواجداً لمساعدة الطلبة، والسعي لحل المشاكل التي قد تصادفهم خلال عملية تسجيل المواد. تتولى لجنة الخدمات مهمة تنظيم عمل المجلس خلال هذه الفترة.

   في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، أيقظني اتصال: (وينك الحربان؟). وكان صوتي المرعب يكفي للإجابة على سؤاله. أضاف المتصل: (ألحق، هناك مشكلة كبيرة جداً في التسجيل، لقد تم حذف المواد من جداول الطلبة!). هرعت لتأدية الطقوس "الحمامية" الصباحية، المفروضة عليّ من جسدي، النحيف ذلك الوقت! ولبست ثيابي وطرت إلى الجامعة.

   قبل وصولي إلى هناك تلقيت اتصالاً من أحد أنشط أعضاء المجلس، يخبرني فيه عن نيته لتنظيم اعتصاماً أمام مكتب رئيسة الجامعة، احتجاجاً على ما جرى (حذف المواد المدرجة في جداول الطلبة) وما سببه ذلك من أزمة وإرباك، فطلبت منه أن يكف عن هذه الفكرة، إلى أن أصل للجامعة وننظر في الأمر. ذهبت للصالة الرياضية، حيث مكان التسجيل في فترة الحذف والإضافة. أحد الأعضاء أشار علي من بعيد، دون أن ألحظ، وقال مخاطباً طالبتين: (هذا هو رئيس لجنتكم)، زهرة وفاطمة، تطوعتا في العمل في اللجنة من اليوم الأول، وانصدمتا من رئيس اللجنة، بالأحرى من شكل رئيس اللجنة! أخذت معي مطر والكواري وذهبنا إلى مكتب عميد القبول والتسجيل، الدكتور عيسى الخياط.

   شرح لنا الخياط أسباب الأزمة، وكيف أنه اضطر لاتخاذ قرار حذف المواد من جداول الطلبة، بعد أن أصبح هناك نقصاً غير متوقعاً في عدد الأكاديميين! حتى يتمكن بعدها من إعادة إضافة المواد للطلبة، مع ضمان حصول كل طالب على أربع مواد على الأقل، وهو ما يجب أن توفره الجامعة لكل طالب في الفصل الواحد. بعدها عقدنا اجتماعاً عاجلاً لجميع أعضاء المجلس، وأخبرتهم بأنه لا شك عندنا في تقصير إدارة الجامعة، على الأقل في متابعة موضوع الكادر الأكاديمي من الأساس، ومهما كانت الأعذار فالجامعة لديها من الجهاز الإداري والتنظيمي، ما ينبؤها بالأزمة قبل حدوثها، المفروض! وسألت الأعضاء: (هل تودون أن نتفرغ للطلبة ومشاكلهم ونحاول قدر الإمكان التخفيف من تبعات هذه الأزمة، أم نتفرغ لمقارعة الجامعة وفضح سوء إدارتها في هذا الظرف؟). وكان الإجماع دون نقاش على الخيار الأول. وهكذا طار الاعتصام المقترح من قبل صاحبنا في أدراج الريح، طبعاً بقناعته التامة!

   وبدأت تجربة مفيدة وممتعة في نفس الوقت مع عميد القبول والتسجيل. كيف تعامل المجلس الطلابي مع إدارة الجامعة المتمثلة في هذا العميد الفاضل خلال هذه الأزمة؟
كان العميد يتواصل مع أربعة من الأعضاء، رئيس المجلس، عبدالعزيز مطر، ونايف الكواري، وصاحب فكرة الاعتصام، وأنا. أما مطر والكواري فقد تجنبا الدخول في نقاش حقيقي مع الدكتور طيلة تلك الفترة، خوفاً من توتر علاقتمها معه، فقد كانوا يأملون في الحصول على مقترحات ومشاريع منه يضيفونها في نهاية دورة المجلس إلى سجل انجازاتهما، ويؤسفني أن أقول بأنهما خرجا من المولد بلا حمص! رغم الوعود والأماني التي حصلوا عليها.

   أما صاحبنا الآخر، الذي كان سيقود اعتصاماً في الصباح، فقد وكّلَ نفسه بالليل محامياً عن الإجراء الذي اتخذته إدارة الجامعة، وقام يبرر ويعلل فعلتها في المنتديات الالكترونية، بتوجيه من الدكتور، وهما يدخنان "الشيشة" في أحد المقاهي! يتوجب علي أن أسجل هنا اعترافاً بدهاء هذا العميد الذي استطاع أن يُسكت هذا المشتعل غضباً وحماسةً، ويجعله في جيبه -كما يقولون- بهذه السرعة!

   أما أنا فقد كنت إذا قال العميد: (لقد تم تسجيل أربعة مواد لهذا العدد من الطلبة)، أباشره بالسؤال: (وماذا عن الباقي؟)، فلحظ العميد حاجتي للترويض أكثر من غيري، خاصة بعد أن صرحت في إحدى الصحف (سيعقد مجلس الطلبة لقاءاً صحفياً حول الأزمة بعد انتهاء فترة الحذف والإضافة مباشرة، وسيقف على أسبابها وآثارها). قامت القيامة ولم تقعد عند العميد، رغم أنه لا يتحمل كثير من أسباب هذه الأزمة، ولكنه كان حريصاُ كل الحرص لإخماد أي تحرك يضخم من تبعات ما حصل، حاله حال أي إداري في أي مؤسسة، حكومية خاصة.
 
   وبدأت سيل اتصالات العميد لكبح جماح هذا المندفع. دون مبالغة كانت الاتصالات تصل في بعض الأيام إلى عشر اتصالات. وهروباً من المواجهة، أو أي محاولة للتخفيف من الموقف، تعمدت عدم الرد على العميد. فلجأ العميد لرئيس المجلس، وضغط عليه ليقنعني بالعدول عن هذه الفكرة المجنونة في نظره! وكنت أطمئن رئيس المجلس بأن اللقاء الصحفي لن ينعقد، ولكن لا بد أن نتقن لعب الأدوار! أظن هكذا تزداد مكانة ممثلو الطلبة عند الإداريين!

   ومنذ ذلك الحين، ولا أدري إلى أي حين، وصورة الشاب المتهور المندفع الذي لا يزن الأمور قبل أن يقدم عليها، هي المرسومة في ذهن العميد عني، ولا أدري من الذي رسمها، هو أم أنا؟! ولكني لا زلت مقتنعاً بأنه كان يقوم بما يجب أن يقوم به، وكذلك أنا.

 

 

National Democratic Institute – NDI

   أولى الاجتماعات الرسمية، في أول محطات الرحلة، واشنطن دي سي، التقينا بثلاث نساء ورجل، عرضوا لنا خدماتهم النبيلة المشكورة، الساعية لحرث تربة الشرق الأوسط، تلك التربة القفرة القاحلة، التي لا تستوعب بذور الاصلاح والتطوير إلا بعد عمليات الحرث الشاقة، ولهؤلاء من مقرهم المتواضع في واشطن دي سي، وبمساعدة فروعهم في بعض الدول العربية، لهم من عملية الحرث هذه حظٌ ونصيب.

     من هناك، يرسمون الخطط ويضعون الخطوات العملية، لأجل من؟ لأجلي وأجلك أيها القارئ الكريم، إنهم يجدون ويجتهدون لحياة أفضل، لي ولكَ ولكِ، حياة العدل والمساواة، حياة الحرية والكرامة، حياة في ظل حكم رشيد!

     ولكننا نحن المتخلفون، لا أدري لماذا نعتبر هذه الخدمات الجلليلة المجانية تدخلاً في شئوننا الخاصة! أرأيتم أناساً جائعون، لا يعرفون كيف يزرعون، فضلاً عن أن يحرثون، وفي هذا الوضع المأساوي المزري، مساعدة الغير يرفضون!

     بعد دقائق من بداية الاجتماع، دخل الأستاذ فوزي جوليد، وجلس مستمعاً قريباً من الباب، آه.. جهز سؤالي الآن: (تعتبر بعض الدول جهودكم تدخلاً في شئونها الداخلية الخاصة، ومثال على ذلك ما حصل للأستاذ فوزي جوليد في البحرين، فقد كان وجوده غير مرغوب فيه.. أتمنى أن يبين لنا ما حصل له هناك). لم أسمع تعليقاُ من جوليد، وسمعت من إحداهن إقرار بصحة وجود هذه النظرة لدى بعض الدول. سألت عن جوليد قبل مغادرة المبنى. عنده اجتماع مع امرأة سعودية. السعودية، حيث الأرض الأكثر وعورة. من المؤكد أنهم يعملون في حرثها، من المؤكد أنهم يجتهدون أكثر من غيرهم! أعانكم الله يا الشعب السعودي! عليهم وعلى غيرهم!

     نكتة "دسمه" قالتها إحدى الثلاث، وهي العربية الوحيدة بينهم، مغربية، قالت: (نحن لا نأتي بأجندة، لا نفرض شيئاً على الناس، مجرد نساعد الناس على تنظيم أنفسهم، وكيف يمارسون السياسة…) يا لها من "مجرد" بريئة! لم نضحك كعادتنا بعد سماع النكت، ربما لأن النكتة قديمة قِدَم "آخر كم؟؟.. كم آخر؟؟". بالمناسبة، تعتبر الولايات المتحدة المغرب مثالاُ تطلب من الدول العربية الاحتذاء به، ومن يعرف أن مستشاري الملك المغربي يهود، لا يستغرب هذه المعلومة.

    مداخلة أخيرة، سعيت كما أسعى دائماً لتكون من نصيبي: (أنتم تُعلمون الناس الديمقراطية، و"حماس" أنتخبت بكل ديمقراطية، والآن أصبحت "حماس" حركة إرهابية! لذا أقترح أن تكون هناك منظمة NRI، National Respect Institute ، نسعى من خلالها لتعليم الأمريكيين أن يحترموا خيار الشعوب الأخرى!).

     سادت ثواني من الصمت، ثم قالت واحدة من الموظفات، منسقة مكتب المعهد في البحرين مستقبلاً، نحن نعمل بالوزارة الخارجية الأمريكية، وعندما تصنف حكومتنا إحدى الجماعات أو المنظمات على أنها إرهابية، فلا يمكننا نحن تغيير ذلك، وبالتالي لا يمكن أن نتعامل حتى معهم. شعرت بأن التعليق صدر فقط ليكسر ثواني الصمت التي سادت قبل قليل، لا غير.

     تعرض مصطفى الدباغ في كتابه (إمبراطورية تطفو على سطح الإرهاب) للأعمال الإنسانية هذه، التي تقوم بها الولايات المتحدة، باستخدام وسائل وأذرع عدة، ما معهدنا هذا إلا واحد منها: "وطالما أننا شرعنا في مناقشة برنامج محاور الاصلاحات الأمريكي وأولها محور التغيير أو الإصلاح السياسي بفرض الديمقراطية فلا بأس من الاستطراد لنجد كما رأينا في تفنيد زبيغنيو بريجنسكي لفرض الديمقراطية وزج المسلمين قسراً وبالإكراه في مدرسة الديمقراطية الأمريكية أن هناك الكثير من الآراء المضادة لما فيها آراء المسؤولين حيث انتقد وزير الخارجية المصري أحمد ماهر تصريحات رايس وغيرها حول (بناء الديمقراطية) وأن أمريكا قوة محررة للدول الإسلامية غير الديمقراطية وقال: (إننا لسنا بحاجة إلى دروس من أحد) … وهذه الرؤية العربية هي رؤية غربية منصفة كذلك عبر عنها كبار المفكرين ففي لوس انجيلوس تايمز كتبت ايرا ريفييكن تقول: (من الخطأ الفادح جداً أن نحاول فرض قيم ثقافتنا الغربية وحشرها حشراً في العقول ووجدان الآخرين، ذلك أن ردة الفعل ستكون دامية ومأساوية)".

     ولكن، هل بإمكاننا أن نعتبر مكاتب صغيرة هناك وهناك في الوطن العربي، المتصلة بهذا المقر المتواضع بواشنطن دي سي، آلية فرض للثقافة السياسية؟! لا أظن، إلا إذا تخيلت الضغوطات التي تمارس على الحكومات العربية، والتي تتم هندستها في مكاتب كهذه.

     ثمة نقطة ملحة تقفز إلى الذهن، كلنا متفقون على ضرورة التغيير السياسي في بلداننا العربية، لماذا إذاً هذه النظرة للمساعدات الخارجية؟ وهل نتوقع من المضطهدين، الذين يعيشون أوضاعاً مأساوية في بعض –بعض!- الدول العربية، غير الترحيب بهذه التدخلات والمبادرات؟ سؤال أخير، هل كلنا متفقون أساساً على ضرورة التغيير؟! هل أنا شخصياً واحد من المتفقين؟!

    أهم معلومة للمستثمرين الكبار قبل أن يستثمروا ثرواتهم في شركة ما، هي معرفة أعضاء مجلس إدارة تلك الشركة كما بينت إحدى الدراسات، ومعرفة مؤهلاتهم وكفاءتهم وخبراتهم، وفكرهم الاقتصادي إن صح التعبير، أعتقد أن الأمر لا يختلف أبداً بالنسبة للمنظمات السياسية، لذا أجد من المناسب أن أنقل هنا شيئاً مما ورد في كتاب (الجبروت والجبار) لمادلين أولبرايت، رئيسة مجلس إدارة معهدنا (NDI)، وزيرة خارجية الولايات المتحدة 97-2001م، في عهد كلنتون، تقول:

    "عندما غادرت الحكومة في سنة 2001، عدت إلى التدريس الجامعي، عشقي القديم. وفي جامعة جورج تاون، أعلّم مقرراً واحداً في الفصل يتقلّب بين طلبة الدراسات العليا والطلبة غير المتخرجين. وفي بداية كل مقرر، أوضح لطلابي الغاية الرئيسية للسياسة الخارجية هي إقناع البلدان الأخرى بأن تفعل ما نريد –عدنا لنكتة الأجندة-. ولهذه الغاية، يوجد لدى الرئيس أو وزير الخارجية أدوات تتراوح بين القوة العسكرية الصريحة والعمل التفاوضي الشاق جيئة وذهاباً والاستخدام البسيط للمحاجة المنطقية. ويتكون فن سياسة الحكم من إيجاد المزيج الذي يعطي أفضل النتائج. ويتطلب ذلك بدوره فهماً واضحاً لأكثر ما يهمّ من نحاول التأثير عليهم. ويترجم ذلك بالنسبة لرجال الأعمال إلى "معرفة الزبون". ويعني في الشؤون العالمية، التعلم عن البلدان والثقافات الخارجية، ولا يمكن القيام بذلك فيما تلفّ المشاعر الدينية العالم بدون أخذ المعتقدات والدوافع الدينية في الحسبان".

     وفي معرض حديثها عن القضية الفلسطينية: "ونقبل المقولة بأننا لم نطلب الكثير من العرب، الذين لديهم مدن مقدسة أخرى وكثير من الأرض، بإفساح متّسع لشعب إسرائيل الصغير في المكان الوحيد الذي كان لديهم وطن حقيقي فيه".

     إذا كان الأثرياء يعدلون عن الاستثمار في شركة ما بسبب اختلاف وجهات نظرهم مع أعضاء مجلس إدارة تلك الشركة، فإنهم سيجدون ستين شركة أخرى بإمكانهم الاستثمار فيها. فماذا يفعل المطحونون هنا وهناك في وطننا العربي إذا لم تعجبهم مجالس إدارة المنظمات السياسية الخارجية، وهم في أشد الحاجة للتغيير؟! خاصة في ظل ضعف المنظمات الأخرى، الإسلامية منها خاصة (انظر: أزمة سياسية إسلامية).

قدم أستاذي العزيز يوسف اليوسف عرضاً طيباً لكتاب (الجبروت والجبار)، يمكنكم الإطلاع عليه من هنــا

هل من ثقة في جهود الطلبة ؟؟

   
   من أهم عوامل نجاح ملتقى إدارة الأعمال الثاني الذي نظمه مجلس الطلبة في مارس الماضي، هي الحرية التي منحت للجنة المنظمة في عملها، فقد رفضتُ حينها، وكنت رئيساً للجنة المنظمة، أن تضع الجامعة لجنة "فوق" لجنتنا لتنظيم الملتقى! لأني كنت مدرك ما تعنيه كلمة "فوق" لدنيا من كل معاني التعطيل، والبيرواقراطية المقيتة، والخلاف في وجهات النظر على أتفه الأمور، ورفع الضغط وما إلى آخره.
     
وشرطت حينها، وبرجاء، رئيسة الجامعة، الدكتورة مريم بنت حسن آل خليفة، أن تمنحنا الحرية في التنظيم وعدم التدخل لا في صغائر الأمور ولا في كبيرها، بعد أن قدمت مقترح الفعالية، بأسماء المتحدثين المقترحين. ولأن الرئيسة تثق في عطاء الطلبة ومقدرتهم على التنظيم، منحتني الثقة بكل ترحيب، فترجم الطلبة هذه الثقة بنجاح باهر في تنظيم الفعالية التي شارك فيها ما يزيد عن سبعمائة مشارك من داخل وخارج البحرين.

تبذل جمعية كلية تقنية المعلومات هذه الأيام جهوداً جبارة استعداداً لملتقى (تقنية الملعومات.. الفرص والمستقبل)، الذي سيقام بإذن الله في الفترة 22-24 أكتوبر، وللأسف دخل التنظيم متاهة "التنسيق" مع عمادة شئون الطلبة بوضع لجنة "فوق" اللجنة المنظمة، فبدأت اللجنة "الفوقيه" بعمل واجبها في تسهيل إجراءات التنظيم مع الطلبة، الذين بذلوا كثيراً من الجهد والوقت حتى هذا اليوم، فكانت أول التسهيلات: تأخير طباعة الاعلانات المبدئية للملتقى، بسبب عدم احتواءها على عبارة "عمادة شئون الطلبة"! وكأن شعار الجامعة، حيث العمادة جزء منها، وشعار الجمعية التي تعتبر تحت العمادة، لا يكفيان! وجوب إضافة "عمادة شئون الطلبة" دائماً وعدم الاكتفاء بالشعارات، من وجهة نظري عقدة إدارية، تحتاج لمن يعالجها نفسياً.


وتستمر اللجنة الموقرة في دعم هذا النشاط الواعد والقائمين عليه، فبعد جهد جبار من رئيس اللجنة المنظمة، الطالب عثمان الخان، ورفاقه، تم تدشين الموقع الالكتروني للملتقى، وظهر الموقع بصورة تعكس دقة التنظيم وجماله، تسلم الخان رسالة من رئيسة اللجنة "الفوقيه" جاء فيها: (… تبين بأنكم دشنتم موقع الكتروني للجمعية غير رسمي بغرض نشر معلومات عن الملتقى، لذا نرجو إغلاق الموقع فوراً والتقدم بطلب رسمي لفتح الموقع بحسب نظم الجامعة)! هكذا دون أدنى تقدير للجهد المبذول في تصميم الموقع، ودون أدنى مراعاة لما تتركه هذه التعليمات من أثر سيء في همة المنظمين ومعنوياتهم! على الأقل لتكن الرسالة: (نظراً لقرب فترة انعقاد الملتقى، ونظراً للحاجة إلى التعريف بالملتقى والإعلان عنه، نرجو منكم إدراة الموقع الالكتروني مع مراعاة التالي: وصفوا شروطكم…).

    أمر آخر نرجو التنبه له، عندما تشكل لجنة مؤقتة، ونلزم الطلبة بالتعامل معها في تنظيم فعالية ما، يجب أن تمتلك هذه اللجنة من الصلاحيات ما يمكّنها من اتخاذ القرار في كل ما يتعلق بالفعالية المزمع إقامتها، لا أن ترجئ الطلبة في كل صغيرة وكبيرة، وتعطلهم حتى تحصل هذه اللجنة على الرأي من لجنة أخرى، ربما أعضاءها العميدة فقط! وأيضاً هذه الأخيرة قد تلجئ للجنة أكبر، ربما أعضاءها رئيس الجامعة فقط!

    أرجوكم لا تعطلون الطلبة، وكونوا لهم عوناً في رفع اسم جامعتنا، وتعاملوا معهم معاملة الموظف الذي وُضِعَ لتسهيل عمل الطلبة في تنظيمهم للفعاليات، لا معاملة المراقب المحاسب، الذي لا يهمه إقامة الفعالية ونجاحها، فضلاً عن تشجيع وتكريم القائمين عليها، بقدر ما يهمه التدخل في كل صغيرة وكبيرة، أو إضافة هذه العبارة وحذف تلك من الإعلانات! 

    إنها الثقة في الطلبة وجهودهم، السر الذي يكشف ما لديهم من إبداع، ويستثمر ما يملكون من طاقة، وكلي ثقة في رئيس الجامعة الدكتور إبراهيم جناحي ليلتفت لهذا الأمر المهم جداً، فلديه طاقة هائلة متمثلة في الطلبة، يستطيع استغلالها من خلال العمل الطلابي لما يخدمهم ويخدم وطنهم أيما استغلال!

 

الموقع الالكتروني لملتقى (تقنية المعلومات.. الفرص والمستقبل):

 
 
مع تمنياتي للقائمين على هذا الملتقى كل التوفيق والنجاح،

ويعطيكم ألف عافية