ليست مجرد تجربة (14)

معرض بيع الكتب المستعملة
       معرض بيع الكتب المستعملة.. أول نشاط نظمته اللجنة فيما أذكر. كَدَّست مكتبة الجامعة مجموعة كبيرة من الكتب القديمة جداً في مخزن ببهو الجامعة، وأرادت التخلص من هذه الكتب بطريقة أو بأخرى، فجاءت فكرة إقامة معرض لبيعها بأسعار رمزية جداً (100 – 300 فلس للكتاب). وكان هذا أول نشاط مختلف عن تلك التي اعتدت على تنظيمها، المحاضرات.
       أعجب صديقي "حمد المسيفر" بالعمل في هذا المعرض، فقد كان يبني علاقته مع عدد لا بأس به من الأساتذة الذين يترددون لشراء الكتب، فأمسك زمام الأمور كلها بمساعدة عدد من الطلبة والطالبات المتطوعين، وكنت ألتقيه نهاية كل يوم دراسي ليطلعني على مدخول ذلك اليوم.
       العاملون في العمل التطوعي، الطلابي خاصة، يعلمون صعوبة العثور على كنز كالذي يمثله حمد المسيفر لي حينها، فهو من النوع (حطّه على يمناك) وليس من النوع (وصَّه ولا تتكل عليه)، في تلك الأيام على الأقل. ولكم أن تتصوروا فرحي به حينها، إذ أن اللجنة ستنجز الكثير مع حمد. واعتبرته من أعضاء اللجنة الذين لا يمكن أن أستغني عنهم، والذين سأعتمد عليهم كثيراً في الأيام القادمة. ولكم أيضاً أن تتصوروا الإحباط الشديد الذي سببه حمد بعد نهاية المعرض، فقد اختفى تماماً، ودون سابق إنذار! وكأن الأرض جائعة ووجدته وجبة ستشبعها! عجزت اتصالاتي المزعجة في العثور عليه لمدة طويلة، ولم توفر حينها شركة الاتصالات "بتلكو" خدمة الاتصال بباطن الأرض بعد، ففقدت الأمل في العثور عليه.
       حقيقة أصبت بخيبة أمل كبيرة، وفي نفس الوقت تعلمت درساً لن أنساه، أن لا أعقد آمالاً كبيرة على أي شخص، مهما كان التزامه وتفانيه في العمل. وتعلمت أن أبحث دوماً عن طاقات جديدة حتى لو ظننت أن عندي ما يكفيني الآن. وتعلمت أيضاً أن لا أضيع وقتي كثيراً في البحث عن أعضاء كانوا هنا، بل البحث عن بدائل وبسرعة.
       بعد سنتين، أصبح حمد رئيساً لجمعية كلية الحقوق، وعضواً بمجلس الطلبة.
        
      

ديمقراطية بلا حجاب

خلفية المشهد الوقح.. تصفيق ممسوخون من رجال ونساء.. وعويل نشاز يقول (أخرجي.. أخرجي.. أخرجي).. والمرأة التي تعود إليها "الياء" جالسة مبتسمة باستغراب، يكاد الذهول أن ينقلها إلى عالم آخر، وأشك أنه لم يفعل للحظات على الأقل !
هكذا استقبل البرلمان التركي في 2 مايو 1999، أول مسلمة محجبة يختارها الشعب لتمثيله والدفاع عن حقوقه والسعي لتطوير بلاده. فقط لأنها ترتدي حجاباً! ولا يمنعها من ذلك لا دستور الدولة، ولا النظام الداخلي للبرلمان، ولا رأس فيه شيء من عقل !
بدأ نواب حزبها (الفضيلة) بالمواجهة: (أدخلي.. أدخلي.. أدخلي)! وبقي البقية صامتون، وهي تنظر إلى صمتهم في حيرة: (لماذا يصمت هؤلاء؟! أليس زوجاتهم وأخواتهم أو بنات أقاربهم أو حتى بناتهم نساء محجبات مثلي؟!).
يقف زعيم الممسوخين "أجويد" على المنصة: (رجاءاً أوقفوا هذه المرأة عند حدها!)، وتبدأ أبشع عمليات الإقصاء، وتتوالى الأحداث سريعة بعد هذا المشهد المخزي..
تخرج من القاعة، على أمل أن تعود ليلاً لأداء القسم، ولكن الحزب يمنعها بطريقته! وهي تتفهم الموقف، دون أن تملك أدنى قناعة بما يفعله قادة حزبها، وترد على أختها "روضة" التي أتصلت تتساءل عن سبب عدم دخولها للقاعة: (يا روضة، لقد انتهى!! إن أكابر الحزب خائفون!!).
ماذا عن زميلتها، المحجبة الأخرى، من حزب آخر غير الذي تنتمي إليه؟! لقد وقفت تؤدي القسم، مكشوفة الرأس! وهي التي كانت بالأمس القريب تقول كما يتشدق رجال حزبها، بأنهم سيجدون حلاً لمسألة الحجاب! وتصرح فيما بعد: (شعرت بأنني كنت عارية) !
تقرأ بياناً صحافياً في اليوم الثاني، جاء في ختامه: (أيها السادة المحترمون، اعلموا أنني سأدافع عن حق التمثيل الشريف الذي منحني إياه شعبي بما يتناسب مع طبيعة امرأة شريفة، سوف أواصل طريقي بهذا الشكل الذي أنا عليه إلى النهاية، مع مراعاة مساحة الديمقراطية وبما ينسجم مع القوانين).
وتدخل في لعبة قذرة لم تتصور يوماً حجمها، وتصبح مادة الإعلام التركي بكل وسائله، وتترك الأضواء "تشكيل الحكومة" والقضايا الهامة التي ينتظر الشعب التركي المسالم "لحلحتها"، وتتسلط على مروة القواقجي، بكل ما في هذه الأضواء من كذب وزيف ودناءة وتضليل !
وينسحب عنها الحزب شيئاً فشيئاً حتى تصبح وحيدة وسط دوامة لا يقوى عليها كثيرٌ من الرجال، رغم أنها لم تكن عضوة عادية في الحزب، حيث بدأت حياتها السياسية معه في عام 1994، وأصبحت فيما بعد رئيسة العلاقات الخارجية، أي ممثلة للحزب في الكثير من المؤتمرات واللقاءات الإقليمية والعالمية، ولدى المنظمات الدولية.
يصرح رئيس الدولة "دميرال" في التلفزيون، وهو كاذب: (إن مروة قواقجي هي السبب في هذه البلبلة)!.. يفتش الإعلام في حياتها مع زوجها السابق.. ويتعاون الزوج السابق!.. يستقبل الطلبة الصغار بعد أن تلقوا توجيهاً – وما أسهل الضحك على الأطفال – ابنتيها في المدرسة: (تركيا علمانية وستظل كذلك)!.. لا تستطيعان الخروج إلى فناء المدرسة في الفسحة.. فتخرج الطلفتان في إجازة إجبارية حتى تهدأ الأوضاع!.. يقترح "أجويد" أن تعمل قواقجي في مكتب ولا تحضر جلسات البرلمان في القاعة العامة!.. تُسحب منها الجنسية التركية لسبب غير قانوني!.. تسقط الحصانة، وأي حصانة في بلد تحكمه الفوضى البهيمية!.. يأتي رئيس محكمة أمن الدولة والنائب العام بنفسه، ومعه رجال الشرطة من فريق مكافحة الإرهاب، ويكاد يكسر الباب طرقاً، ذلك الباب الذي تحتمي وراءه امرأة مطلقة تحتضن خالها وهي تبكي في هدوء، ويصرخ الممسوخ: (أعلم أنكِ بالداخل.. افتحي الباب.. سأكسر الباب إن لم تفتحي)!.. السفارة الأمريكية تتصل: (إذا تريدين فإننا نخرجكِ فوراً من هنا بالطائرة إلى واشنطن مباشرةً)!.. تعتبرها قواقجي إهانة وترد: (أشكركم على اهتمامكم بي … وإن كنتم تودون عمل شيء من أجلي، فإنني أرجو منكم أن توجهوا تحذيراً إلى أعضاء حكومتنا الذين يصغون أكثر من اللازم إلى الإدارة الأمريكية)!.. تتزوج!.. تحصل على الجنسية التركية إثر ذلك!.. ويبدأ المشوار العالمي لتعريف العالم بمعاناة المرأة التركية المحجبة، وما تتعرض له من اضطهاد!.. من الكونجرس إلى مجلس اللوردات إلى الاتحاد العالمي للبرلمانات.. تطير من معهد إلى مركز دراسات.. ومن جامعة إلى أخرى.. تظهر على القنوات العالمية.. من "الجزيرة" إلى "CNN".. يصدر قرار من الاتحاد العالمي للبرلمانات لصالحها.. رغم تفاني جهود حكومة "أجويد" لعرقلة ذلك!.. وتواصل مسيرتها إلى أن نالت عضوية في الهيئة التدريسية لجامعة جورج واشنطن.. ويستقر حجابها، تاجها الذي زينها عند دخولها قاعة البرلمان، في متحف سناتو في الكونغرس الأمريكي 2005 !
من أول المسيرة حتى آخرها، لم يتوقف الإعلام الآثم عن "مسخرته"، شن حروبه النفسية التي كانت مروة ضحيتها. يتبعها الصحفيون في كل مكان، وهل هناك ذباب "يُطَفِّش" السياسي أكثر من الصحفيين المنحازين؟ ربما كانت آيات الله، التي حفظتها مروة كلها في زمن قصير وهي في سن السادسة والعشرين، هي من ثبتت قلبها في هذه المحنة.
في لقاء عابر في مارس 2002، قالت مروة لوزير خارجية الولايات المتحدة، كولن باول: (… وأعرف أنك والسيناتور ليبرمان ونظيرتك السابقة مادلين أولبرايت كنتم تصفون تركيا في أحاديثكم بأنها البلد المسلم الذي يتبع "الطريق الوسط"، وأنها تعتبر نموذجاً يجب أن يحتذى من قبل العالم الإسلامي. وأنتم توجهون أسئلتكم إلى البلدان الإسلامية الأخرى: انظروا إلى تركيا، لماذا لا تكونوا مثلها؟ بالطبع إن تركيا بميراثها الثقافي والتاريخي مرشحة لأن تكون رائدة ونموذجاً لباقي البلدان الإسلامية. ولكن هناك إجراءات تتبع ضدي وضد مئات الآلاف من النساء والسيدات من المحجبات، وهو بمثابة تفرفة لا تليق بعصرنا الحالي. ويجب ألا تظلّ الإدارة الأميركية غافلة عن هذا الموضوع). فيجيبها باول، مدافعاً عن سياسة بلاده البريئة التي لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول: (إن هذه مسألة داخلية. هل يمكن أن تتصوري أن يقوم رئيس أميركا بطلب رئيس جمهورية تركيا أو رئيس وزرائها هاتفياً ويتدخل في هذه المسألة؟) !
يختلف الوضع اليوم كثيراً عن السابق، تقول في آخر فقرة في كتابها الرائع: (وأهم تطور على المستوى القانوني، هو شروع محكمة حقوق الإنسان الأوروبية تناول الدعوى التي رفعتها في 13 أكتوبر 2005. وكانت تركيا قد شهدت تغيرات كثيرة خلال الفترة ما بين انتهاك حقّي بصفتي نائبة في البرلمان انتخبت بواسطة إرادة الشعب وبدء النظر في الدعوى التي رفعتها ضد الحكومة التركية باسم الناخبين للدفاع عن حق "التمثيل" الذي سلب منهم. وكانت مشيئة الله قد فرقت شمل جميع الذين أرادوا استئصالي من الساحة السياسية. ومن عجائب القدر أن أجد الآن أمامي في هذه الدعوى التي رفعتها لدى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، حكومة "حزب العدالة والتنمية" التي تتكون من زملائي المناضلين الذين وقفوا إلى جانبي في مدارج قاعة البرلمان التركي في عام 1999، ويختفي أجاويد فلا نراه).
منذ أيام قليلة أقرَّ البرلمان التركي قانوناً يلغي حضرالفتيات المحجبات حضور المدارس والجامعات، لم يجيء القرار بين ليلة وضحاها، إنما نتيجة نضال طويل، كانت مروة قواقجي إحدى جنود الصف الأول فيه.
ما جاء في المقال، لا يغني القراء عن قراءة الكتاب، ففيه الكثير من الأحداث والمواقف التي لم أشر إليها. أنصح بقراءة هذه الملحمة السياسة.. كثيرٌ منا نحن الشباب نجهلها، ونجهل بطلتها، فلم نكن في ذلك الوقت في سن الاهتمام بالسياسية الداخلية ومتابعتها، فضلاً عن ما يجري في الساحة الأقليمية والإسلامية..
 
أقف تحيةً وعرفاناً لهذه المرأة وما قدمته. من يقرأ مذكراتها يشعر بالخجل حينما يقارن حجم عطاءها بتواضع عطاءه، خاصة الشباب الذين يفترض منهم تقديم الكثير لنصرة مبادئهم وقضايا أمتهم. وفقك الله يا مروة لكل خير، وسخرك دوماً لنصرة دينك.. آمين.
 
 
 
 

مطالبة ضلت الطريق !

طالب الطالب جعفر الجمري، في مقال له، وعن مجموعة من طلبة كلية الحقوق بجامعة البحرين، نشر في جريدة أخبار الخليج، "أتمنى لا بل أترجى جميع من لهم باع –يقصد شأن- في تحديد مواعيد الامتحانات، اختيار أوقات مناسبة تهم مصلحة الطالب"، ووصف ذلك: "وهذا بما لا شك فيه لا يشكل أدنى صعوبة تثقل كاهن الجامعة في شيء، فالمسألة مسألة تقديم أو تأخير أيام ليس إلا" !!
أما سبب الطلب فيختصره عنوان المقال (يا جامعة البحرين: الامتحانات النهائية في قلب أجواء عاشوراء.. لماذا؟!). أنا، وعن طلبة كُثُر في في مختلف كليات الجامعة، نقف مع هذه المطالبة بمراعاة أوقات الامتحانات ولكن "نتمنى، بل نرجو" أن يضاف إلى "أجواء عاشوراء" ليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان، فكما نعلم، وأحسب أننا متفقون، أنها أفضل ليالي السنة، فيها ليلة خير من ألف شهر. وأنقل أيضاً مطالبة، لم تصلني بعد! من إحدى الطالبات، وعن عدد من الطلبة في مختلف كليات الجامعة، بأن يضاف إلى ذلك، الأيام الأولى من شهر ذي الحجة، فهي أفضل الأيام في السنة، وأجر العبادة فيها مضاعف! ومن المؤكد أن هناك طلب ثالث ورابع وخامس في الطريق !
ربما لا زال شعور "ممثل عن الطلبة، كل الطلبة" يتملكني، لذا لا أقول كما قال الطالب "فلتعمل الجامعة استبياناً لجميع الطلبة على إقامة الامتحانات في أجواء عاشوراء ولنرى نسبة القبول ونسبة المعارضة!"، وإنما أراعي مصالح جميع الطلبة، وخوفاً من "تسلط الأكثرية" الذي يهز أركان عدل الديمقراطية، فلن أعتمد الاستبيان وسيلة، وإنما يجب أن نراعي الجميع، مهما قل عددهم أو كثُر، ففي جامعتنا نصارى، يجب أيضاً أن نأخذ أعيادهم ومناسباتهم الدينية ونضعها في الحسبان عند اختيار أوقات الامتحان. وكنت أعرف طالباً بهائياً، ربما لا زال هناك غيره، هؤلاء أيضاً يجب أن توضع "أجواء" مناسباتهم في الحسبان، ففي النهاية المسألة "مسألة تقديم أو تأخير أيام ليس إلا" !!
يتساءل الطالب "فلا أعلم وأين ألوذ لكي أذاكر وامتحاني في يوم ثامن محرم …. ناهيك عن أن بيتنا قريب من خمسة مآتم تقريباً". عزيزي، إني والله أشاركك المعاناة بفارق بسيط، فأنا لا أعلم ولا أين ألوذ لكي أذاكر، أو أقرأ، أو أنعم بلحظات هادئة، في بيتي، لا في ثامن محرم فحسب، إنما في معظم أيام السنة! وليس بيتنا بالقريب جداً من المأتم، أو المأتمين، أو الثلاثة. ولكن قانون العويل والصراخ، عفواً مكبرات الصوت، يقضي على المسافة، كقضاءه على أدنى سلوكيات الأدب والاحترام.
مطالبتك الرائعة هذه يا عزيزي ضلت طريقها، يجب أن تذهب لمن يقف خلف مكبرات الصوت، ليستشعروا ما تسببه هذه المكبرات من مضايقة وسوء، وأنا متأكد أن لو نصحهم غيرنا –أنتم مثلاً- سيبدأون في التفكير بالأمر بجدية. ومتأكد أيضاً أنهم بما يملكون من علم وفقه وحكمة ومراعاة لأبناء البلد -أنتم على الأقل- فسوف نرى حلاً لهذه المعضلة. وكما قلت "فالحضور واجب والدراسة أوجب"، أزيد: وكذلك احترام الآخرين، وعدم ازعاجهم وإيذائهم أوجب.
 

ليست مجرد تجربة (13)

uobsc.com
أي مؤسسة أو هيئة قامت على أساس التمثيل، لأي شريحة كانت، أهم عامل من عوامل نجاحها هو التواصل الفعال مع من تمثلهم. لا أدري لماذا لم أستطع أن أفهم يوماً كيف يمكن لمجلس يمثل ما يقارب 18 ألف طالب وطالبة من التواصل مع هذا العدد الهائل، واستقبال المشاكل والمقترحات والملاحظات دون تواصل الكتروني! ولم تخطر في بالي آلية إخبار الطلبة بأنشطة وفعاليات المجلس، ونشر تغطياتها دون وجود موقع الكتروني! قد يُقال أن الجرائد، والمنتديات الالكترونية، والملصقات على الجدران في كليات الجامعة تفي بالغرض، أما أنا فلم أتقبل فكرة عدم وجوع موقع الكتروني للمجلس كأبسط، وأسهل، وأوفر، وأنجع أداة تواصل مع الطلبة وغيرهم، داخل وخارج الجامعة.
هل كانت أنشطة المجلس وتحركاته بتلك الكمية والأهمية التي تدفعني دفعاً لتبني فكرة الموقع والتحرك عليها سريعاً قبل أي مشروع آخر، أم العدد الهائل للطلبة الذين ينبغي أن نفعّل التواصل معهم هو السبب، أم لسبب شخصي، وهو شغفي بأدوات وبرامج الاتصال، وعملية التواصل عموماً؟ ولهذا الموضوع قصة أخرى.
كنت ولا أزال أستخدم جميع أدوات الاتصال التي من الممكن استعمالها، أستقبل الإيميل والفاكس بواسطة هاتفي المحمول، أوقفت خدمة الفاكس مؤخراً لتعذر الخدمة مع جهازي الجديد ليس إلا، هذا الجهاز المزعج الغالي على النفس كثيراً، هل هناك أحد لا يحب هاتفه النقال؟! أشك في وفاء من لا يفعل! من خلاله حتى "المسنجر" كنت أستخدمه متى وأين كنت، براحة لا تقل كثيراً عن تلك التي يوفرها الكمبيوتر الثابت أو المحمول، لوجود لوحة المفاتيح الصغيرة. أذكر مرة بدأت حواراً بالمسنجر باستخدام الهاتف منذ أن خرجت من المكتب في مقر المجلس بالجامعة، حتى دخلت "حوش" البيت! مستغلاً طول مسافة الطريق – من الصخير حتى عراد – في هذا الحوار الشيق بطبيعة الحال! نعم نعم، وأنا أسوق السيارة! أعتذر مقدماً عن إجابة السؤال المغرض: مع من كنت تتحدث؟!
لماذا هذا الهوس وهذا التواصل الدائم، الطارد للهدوء والسكينة في أحيان كثيرة؟ لم أكن رئيساً تنفيذياً لشركة، ولا مديراً صغيراً في دائرة حكومية، لأجعل من نفسي جهة معرضة لإزعاج التواصل في أي لحظة وبأي وسيلة. لا أدري، ربما لأنني لا أريد أن أترك لأي معلومة، تافهة كانت أم مهمة، ثقافية كانت أو اجتماعية، أو في أي مجال يمكن تصنيفها، لا أريد أن أترك لها أي عذر ولو كان صغيراً أن تمتنع من الوصول إليّ. كذلك البشر، يجب أن أصل إليهم متى أريد، بأي طريقة كانت (اتصال، إيميل، مسنجر، فاكس)، كما هم من حقهم ذلك. إلا أني بعد فترة تعلمت تلك العادة التي لو علمت أن غيري يفعلها بي لحملت في خاطري عليه، عدم الرد على الاتصال، والاتصال لاحقاً، دون مبرر مقنع سوى أني لا أريد أن أحدّث أحداً في تلك اللحظة. كما تعلمت أن أغلق الهاتف لمدة يوم أو يومين بين فترة وأخرى! لا لكثرة المتصلين، ومن أين لي بمتصلين كُثُر؟! إنما لشدة الحاجة للانقطاع عن أي اتصال، في فترات بسيطة متفرقة.
نعود للموقع الالكتروني، ظهرت أول عقبة، وهي أن المشروع ببساطة لا يقع ضمن اختصاصات لجنتي، لجنة الخدمات الطلابية، بل هو بطبيعة الحال من ضمن اختصاصات اللجنة الإعلامية. كيف أتخلص من هذه العقبة "المضايقة" التي يفرضها تقسيم عمل المجلس (لجان) في مشروعي هذا، تلك المضايقة التي كثيراً ما يطلق عليها زوراً وبهتاناً تعاون مع لجنة أخرى !
رئيس اللجنة الإعلامية صديق مقرب، وهو أحد الطهاة الثلاثة في مطبخنا الخاص للقرارات الطلابية البريئة حينها، نايف الكواري، كيف أتخلص من "مساعدة" صديقي نايف والعمل على مشروع الموقع بكل راحة وحرية؟! يهمني دائماً وأبداً الحرية المطلقة، المطلقة، عندما أعمل على أمرٍ ما. وهذا ما صَعَّبَ على البعض لاحقاً العمل معي، أعني أولئك الذين يظنون أنهم ولدوا ليكونوا دوماً وفي أي مكان قادة! سأتعرض قليلاً لهذا الأمر الهام فيما بعد.
جاء تبريري العجيب لأدس نفسي في اختصاص لجنة نايف، بعد أن أصبح واضحاً بأني سأعمل على المشروع، فقلت له: (سيقدم الموقع عدد من الخدمات والتي من أهمها استقبال الشكاوى والمقترحات ومتابعتها مع الجهات المعنية في الجامعة، والرد على أصحابها، وهذا كما تعلم من اختصاص لجنة الخدمات، لذا نسعمل سوياً على هذا المشروع!). لمد يُبدِ نايف أي تحفظ، بل رحب بكل كرم! شعرت بأنه كان متيقناً من أن صاحب الفكرة هو الأكثر تحمساً لها، والأقدر على تحويلها واقعاً بالشكل المطلوب. ألم أقل سابقاً أن لجنة الخدمات الطلابية بإمكانها أن تنفرد بمعظم أعمال المجلس! أدرك نايف عملياً فيما بعد أن كلمة "معاً" جاءت فقط من باب الذرابة كما يقولون!
كتبت تصوراً، وعرضته على متطوعين من طلبة الإعلام، شارحاً لهم آلية العمل، ليباشروا في تحديث الموقع يومياً بعد تدشينه. طلبت من عمادة شئون الطلبة تنظيم دورة للمتطوعين في كتابة الخبر الصحفي. دورة كتابة الخبر الصحفي لطلبة إعلام؟! للأسف نعم. جودة مخرجات قسم الإعلام في جامعتنا، خاصة تخصص الصحافة، لم أجده بالمستوى المطلوب، رغم تفاني إدارة القسم وإخلاصها في العمل. طبعاً هناك عدد لا بأس به من المتميزين، لكنه في نظري لم يكن كافياً.
وبمساعدة جبارة من الصديق العزيز عثمان الخان، ومعه محمد مصيقر، وإبراهيم النامليتي، تم تصميم  الموقع الالكتروني، وعرضته على رئيسة الجامعة التي وافقت بدورها على تدشينه.
الدكتورة مريم بنت حسن آل خليفة، رئيسة جامعة البحرين سابقاً، كانت علاقتي بها أكثر من رائعة، كنت حينما أجلس معها أنسى أني مع رئيسة جامعة، أحس بأني أجلس مع أمي، بل جدتي! كانت تصر: "انتوا إلا يهال!" فأدخل في نوبة ضحك عارمة. نتحدث في أمور بعيدة عن العمل الطلابي، وأحياناً بعيدة عن الجامعة أيضاً. اكتشفت أن ذلك يمثل إحدى الوسائل الفعّالة في الحصول على مكانة وحظوة عند المسئولين. ثقتها الغالية بي، كانت مفتاحاً سحرياً للعديد من القضايا. أذكر مرةً أن عميدة شئون الطلبة أيستْ من الحصول على موافقتها لإقامة أصبوحة شعرية للشاعر المعروف عبدالرحمن العشماوي، فرمت الكرة في ملعبي: حاول معها أنت. وبعد جلسة كانت فيها الأحاديث الجانبية أكثر من غير الجانبية، كالعادة، رجعت للعميدة: لقد وافقت الرئيسة. تفتح العميدة عيناها وتبتسم: لا يا شيخ!!
بقي شيء مهم، كثيراً بالنسبة لي، إدارة الموقع، يجب أن أكون مديراً للموقع بصفة رسمية حتى لا يعترض معترض في المستقبل على هذا الأمر ويسأل: من اختارك مسئولاً على الموقع؟! فكتبت رسالة لرئيسة الجامعة، موقعة من رئيس المجلس، جاء فيها: (ولا شك أننا موافقون على تدشين هذا الموقع، وعلى أن يكون الطالب/ أحمد الحربان المشرف العام عليه…). ثقة صديقي رئيس المجلس هو الآخر تغنيه من مراجعة المكتوب، فيوقع على الرسالة، وغيرها من رسائل مباشرة. ما شأن ثقتي الزائدة في ثقة الآخرين بي! هل هذا نوع من النرجسية؟! وهابي نرجسي هذه المرة؟! الله أعلم! ترسل رئيسة الجامعة لعميدة شئون الطلبة بالموافقة على تدشين الموقع وعلى أن أكون مشرفاً عليه.
بدأت بعدها في مراسلة الشركات في محاولة مني للحصول على جهة تتبنى الموقع، وتقدم دعماً مادياً للقيام بحملة إعلامية للموقع، نشجع من خلالها الطلبة على إيصال الشكاوى والمقترحات عبره، ولمكافأة الفريق الذي صمم الموقع، ولتقديم مبالغ رمزية للذين سيعملون على تحديث الموقع فيما بعد، ولشراء بعض الأجهزة الالكترونية التي يحتاجونها.
نتج عن هذا التحرك اجتماعاً مع شركة "زين" للاتصالات، وبدأت الأفكار الرائعة تحوم في رأسي حول تطوير الموقع، وربطه بالهاتف النقال، وإرسال الرسائل النصية للطلبة من خلاله، وغيرها من الأفكار. كانت "زين" حينها في مفاوضات مع إدارة الجامعة حول مشروع أكبر بكثير، وقد أحسوا أنهم لن يصلوا مع إدارة الجامعة إلى نتيجة مُرضية، فأركنوا موضوع موقع المجلس جانباً إلى أن يصلوا إلى اتفاق مع إدارة الجامعة. وطارت الأفكار من غير رجعة، فلم يتوصلوا إلى اتفاق إلا بعد أكثر من سنتين، عندها تركت المجلس، ولم يعد للموقع ذكر!
بمساعدة لا تقل في جبروتها عن المساعدة الأولى، من الخان أيضاً، تم تطوير الموقع في السنة التالية بعد أن أصبحت رئيساً للمجلس، فاعتمدت عليه اعتماداً كلياً في نشر أخبار المجلس وفعالياته، وفي الإعلان عن أي فعالية أو نشاط، وفي استقبال المقترحات والشكاوي، وكان كل تحديث يصل للقائمة البريدية الخاصة بالموقع. أعتقد أن الأمر سَهَّلَ على بعض الصحفيين كثيراً في الحصول على مادة صحفية جاهزة بدل الجري وراء أعضاء المجلس لمعرفة أمر ما. بل إذا ما اتصل أي صحفي أو صحفية كنت أوفر عليه وعلى نفسي الوقت، وأحيله على الموقع مباشرة. وكان الموقع كذلك ينشر محاضر اجتماعات المجلس أولاً بأول، ليعلم الطلبة ما يدور في هذه الاجتماعات، ويعرفوا مَن مِنَ الأعضاء يسعى في خدمتهم، ومن لا يُذكر اسمه في المحضر سوى في قائمة الحضور !
وَقَفَت مرة إحدى الطالبات في لقاء حول المجالس الطلابية أقيم خارج الجامعة، تنتقد فيه غياب أعضاء المجلس، وصعوبة الوصول إليهم. فقلت لها بأننا طبعنا ووزعنا 20 ألف بطاقة، وألصقنا بوسترات في كل كلية، وصرحنا في الجرائد، إعلاناً عن الموقع للتواصل مع الطلبة، ماذا نستطيع أن نفعل أكثر؟! وبعد الرد وإيضاح مسائل أخرى، أصبحت شبه متحدث جانبي في ذلك اللقاء، الذي كان متحدثه الرئيسي الأستاذ محمود حافظ، رغم ذهابي إليه من غير دعوة !
أما اليوم فـ" أين الموقع الالكتروني لمجلس طلبة جامعة البحرين؟.. لماذا لا نجد تعريف المجلس وأهدافه وأسماء أعضاءه ومعلومات تواصلهم، وكل ما يتعلق به في الشبكة المعلوماتية، ليتعرف العالم على أنشطة طلبة جامعتنا الوطنية، وليكون مرجعاً لأخبار النشاط الطلابي بالجامعة؟
حُرم الطلبة من خدمات كثيرة كان يقدمها موقع مجلس الطلبة الالكتروني … كل هذه الخدمات باتت معطلة، بعد أن عصفت بالموقع ريح البيروقراطية، بتوجيه إدارة الجامعة لأن يكون الموقع تحت إدارة وإشراف مركز تقنية المعلومات، بعد أن كان مستقلاً بإدارة وإشراف المجلس مباشرة. وإني على يقين بأن خدمات الموقع كانت ستتطور، ولكن هذا ما تفعله "مطبات" التعطيل التي تحد من سرعة عجلة النشاط الطلابي، والتي يبذل أخواننا أعضاء المجلس كثيراً من وقتهم وجهدهم في سبيل الدفع بها وتطويرها.
لقد جاء هذا التوجيه حينما كنت رئيساً للمجلس، وقد اعترضت على الأمر شفهياً لعلمي بأنه سيعرقل مسيرة هذا الموقع الحيوي، وأنه ليس كما قيل لي بأن الإجراء بسيط وسيواصل الموقع في تقديم خدماته دون أي تعطيل، وها هو الموقع قد توقف تماماً، فضلاً عن أن يقدم أي خدمة !
إن من أهداف المجلس دعم الأنشطة الطلابية، و المساهمة مع الجامعة في تطوير الخدمات الطلابية، و المحافظة على منجزات الجامعة والمساهمة في رفعة شأنها، وغيرها من أهداف جميلة تحتاج إلى آلية سهلة وميسرة تتناسب وحياة الطلبة الجامعيين أعضاء المجلس بما يحكمهم من وقت محدود، ومن أهم هذه الآليات وجود قنوات تواصل فعالة، تربط أعضاء المجلس بطلبة الجامعة المقدر عددهم حوالي 20 ألف طالب وطالبة! لمعرفة الآراء والمقترحات والشكاوي، ولنشر أخبار الفعاليات والأنشطة والقرارات والتوصيات الصادرة، ولا نجد آلية أكثر فاعلية وسهولة لهذا التواصل من الموقع الالكتروني.
أما عن تحديث مادة الموقع، من إدراج الأخبار، ووضع الإعلانات، وغيرها، فإنه من الطبيعي، ولتوضيح وجهة نظرنا نضيف: بل يجب وينبغي، أن يكون بيد المسئولين عنه والمكلفين بمتابعته من قبل المجلس، أعضاء من اللجنة الإعلامية عادة، وسيفقد الموقع فاعليته متى ما قامت بهذه المهمة أي جهة أخرى، كمركز تقنية المعلومات مثلاً، كما تريد الجامعة. فالفاعلية تحتاج إلى تحديث مستمر وفوري مع مجريات الأحداث من أنشطة وفعاليات واجتماعات وغيرها، وإشراف وإدارة مركز تقنية المعلومات على الموقع الالكتروني الخاص بالمجلس تعقيد لا نجد له أي مبرر، ويتعارض مع روح أهداف تأسيس المجلس، والتي نصت أحدها على "تنمية الروح القيادية بين الطلبة وإتاحة الفرصة لهم للتعبير المسئول عن آرائهم".
ومن خلال نشاطي الطلابي، ما رأيت من إدارة الجامعة إلا التعاون والتفهم لكل ما نطرحه من وجهات نظر، لذا نرجو منها إعادة النظر في مسألة تبعية موقع المجلس لمركز تقنية المعلومات…"[1].
لا أذكر أني أصدرت تقييماً مكتوباً حول أداء المجلس في دورته الخامسة، تجنباً لأي فهم خاطئ، لقناعات شخصية خاطئة، ربما لا زال يحملها بعض الأخوة. لكني أرى أن إدارة المجلس تساهلت كثيراً مع إدارة الجامعة في موضوع الموقع، فلم تكن المطالبة به بالمستوى المطلوب، ولو كنت مكانها لعقدت اجتماعاً تلو الآخر مع رئيسة الجامعة لا لموضوع غير موضوع الموقع، يجب أن تقتنع! وإذا فشلت – وأنا أشك في ذلك، فلم يكن إقناع الرئيسة بالمهمة الصعبة أو المعقدة أبداً – لما ترددت في تدشينه دون إخطار إدارة الجامعة، ولجعلت فريقاً خاصاً به ليسوا من أعضاء المجلس. ماذا ستفعل الإدارة حينها إذا رأت هذا الإصرار؟! بل ماذا يمكنها أن تفعل؟! فالموقع لا يدار من قبل الأعضاء، بل من قبل طلبة متطوعين لا تعرف الإدارة هوياتهم، كغيرهم من المشرفين على الأقسام الجامعية في المنتديات الالكترونية الكثيرة. لكن للأسف اختفى الموقع، الذي اعتبرته إحدى النقلات النوعية للمجلس في دورته الرابعة، بانتهاء تلك الدورة !
 
 


[1]مقال سابق نشر في صحيفة محلية بعنوان (أين الموقع الالكتروني لمجلس الطلبة ؟!).

أصحاب “المنسف” هم الفائزون !

"معلومات خاطئة: صدمني ابني البالغ من العمر التاسعة، عندما كنت أراجع معه درساً فيالدين، من خلال تفسير بعض الآيات الكريمة، حين سألته: هل تعرف من هم الكفّار؟فأجابني بأنهم المسيحيون. فقلت له: من الذي أدلى لك بهذه المعلومة؟ فقال لي: إنجميع الطلاب في المدرسة يقولون ذلك. وربما خشي أن يقول لي إن مدرسته هي التي أدلتله بتلك المعلومات الخاطئة. فنحن نعلم بأن الكفار أو المشركين بالله جلّت قدرته، همعبدة الأصنام في الجاهلية، وهم من تم ذكرهم في معظم الآيات القرآنية، وليسواالنصارى أو اليهود ممن نزلت عليهم الرسائل السماوية، وإلا صححوني ان كنت مخطئاً".
ذكَّرني هذا المقطع من عمود الأستاذ قحطان القحطاني في جريدة أخبار الخليج، بقصة صدمتني أيضاً مع صديقي المغربي مراد..
كنا بولاية Rohde Island، قبل أن نعود من آخر زيارة لبرنامج ذلك اليوم، كان أمام الجميع خياران لبرنامج الغد، الأول زيارة الأسرة الأردنية وأكل المنسف (طبخة أردنية)، بدعوة من الأستاذة "سناء"، أردنية تعمل مُدرسة هناك، وقد التقيناها في زيارتنا للمدرسة التي تعمل فيها. أما الخيار الثاني فحضور احتفال الطلبة اليهود بعيد رأس سنتهم (Rosh Hashanah). حفزني كثيراً صديقي المغربي مراد لحضور احتفال اليهود من باب الإطلاع والمعرفة، وأنها فرصة قد لا تتكرر معي مرة أخرى، أما هو فقد حضر مثله مرتين في المغرب. لم أتشجع للفكرة، ومع إصراره، قلت أتأكد من جواز حضور احتفالهم أولاً ثم أفكر بالأمر.
بحثت عن المسألة في الانترنت، وحصلت على كلام الله في الموضوع مع كلام أهل العلم، الدال على عدم جواز حضور هذه الأعياد. فجاء في رد الشيخ عصام العويد على سؤال مشابه تماماً: (الذهاب لأعياد الكفار وحضورها دون المشاركة في طقوسها حرام بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، فإذا كان هذا العيد من أعيادهم الدينية التي تشتمل على تقديم الصلوات والأدعية الشركية، التي فيها التثليث ونسبة الولد لله تعالى وغير ذلك مما هو من أعظم وأقبح الكفر بالله تعالى؛ فالأمر خطير جداً؛ لأن المشاركة فيها تعني الرضا بها في الظاهر ــ والعياذ بالله ــ وقد قال الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} (140) سورة النساء، هذا فيمن جلس معهم فقط!! … من القرآن: قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (72) سورة الفرقان . قال مجاهد وعكرمة وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وعمرو بن مرة وغيرهم من الأئمة: هي أعياد الكفار…).
فاعتذرت من صديقي، وطلب مني أن يقرأ الدليل، ففتحت له الصفحة وبدأ يقرأ، ثوانٍ قليلة لا تسعفه لقراءة سوى سطرين أو ثلاثة فقط، التفت إليَّ: (تعرف كنت متشككاً في جواز حضور أعيادهم أما الآن فأنا مطمئن). رديت: (لماذا؟!). قال: (لأن هذا الشيخ يقول أنهم كفار، ومن قال أن اليهود والنصارى كفار؟). قلت: (نعم؟!). قال: (اليهود والنصارى أهل كتاب وليسوا كفاراً، هم يؤمنون بوجود الله). قلت: (ولكن كفار قريش أيضاً كانوا يؤمنون بوجود الله!). قال: (لقد قرأت القرآن كله، ولم أجد آية تناديهم بالكفار، إنما أهل كتاب، في جميع الآيات). واستمر نقاش طارت فيه الآيات وتبخرت من الصدمة، فلم يخطر لي ببال أن أواجه هذه الشبه يوماً من أخٍ مسلم على درجة من الوعي والثقافة كما كان صديقي! قفزت آية، قلت: (قال ربك: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة).. أحسست أنه غير مستعد في تلك اللحظة للتخلي عن معلومة مقتنع منها تماماً، فاقترحت تأجيل النقاش حتى العودة، ومواصلته مكتوباً عبر الإيميل. أفضل النقاش في مسائل كهذه كتابة، لصعوبة الاستطراد في مواضيع جانبية بعد تحديد نقاط الحوار الأساسية.
من الواضح فيما بعد أننا، ملبو دعوة "المنسف" كنا الفائزين، فقد تعرفنا على الرجل الكريم عصام، زوج سناء، واطَّلعنا على شيء من حياة العرب هناك، من خلال هذه العائلة الأردنية، التي أحرجتنا كثيراً بضيافتها وكرمها، ناهيكم عن لذة "المنسف" العجيب، الذي أتذوقه لأول مرة. أما أخواننا وأخواتنا الذين ذهبوا للحفل اليهودي، فقد بدوا وكأنهم متطفلين على الحفل، لبرودة الترحيب الذي لاقوه هناك !
عوداً لموضوع كفر اليهود والنصارى، فلن نذكر شيئاً من الأحاديث هنا، ويكفي أن نستعرض بعض آيات كتاب الله، التي لا يخالفنا في صحتها أحد إن شاء الله! وقبل ذلك، هناك من يتحفظ على تكفير من قال أن لله ولد! وهناك من يتردد في تكفير من قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء! بحجة أنهم ولدوا من أبوين يهوديين أونصرانيين، وتربوا في بلد يهودي أو نصراني، فمن الطبيعي أن يكونوا على اليهودية أو النصرانية. نذكِّر هؤلاء أن من وصلته دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن بها فهو كافر، ومن مات ولم تبلغه الدعوة فأمره إلى الله.
قال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)، (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم)، (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم)، وهذه الآية الأخيرة تبين أن هناك من أهل الكتاب من هو كافر. وقال الله: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً. أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً. والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيما)، (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة…)، (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينـزل عليكم من خير من ربكم)، (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون)، وغيرها.
 والموضوع كُتب فيه الكثير، سهل الحصول على إجاباته لمن طلب الحق. ولكن الصعب تقبله هو التهاون واللبس في هذه المسألة المعلومة من الدين بالضرورة !

ذكريات مجلة ماجد

في الصغر، كان يوم الأربعاء أجمل يومٍ في حياتي لسببين بسيطين، الأول: بعده تبدأ عطلة نهاية الأسبوع، الثاني: نزول العدد الأسبوعي الجديد من مجلتي العزيزة "مجلة ماجد" !
ماذا أقول عن هذه المجلة الرائعة[1]؟! لن أستعرض قيمتها وما وصلت إليه من إبداع، يكفي القارئ أن يطلع عليها مرةً ليعرف ذلك. ولعل الكثير هنا يشاركوني ذكرياتهم الجميلة مع كم المعلومات الهائل الذي تحمله "زكية الذكية"، ورجلا الأمن المخلصان "خلفان وفهمان", ومشاغبات "موزة" مع أخيها "رشود"، ومغامرات "شمسة ودانة"، ويوميات "كسلان ونشيط"، وغيرهما من أبطال المجلة الذين كانوا أصدقاء ليالي طفولتي الأوفياء، فقد كنت لا أقرأها إلا قبل النوم. أما البحث عن فضولي فتلك متعة أخرى !
كنت أحرص على حل مسابقات المجلة أسبوعياً، وأطوي صفحة الإجابة مع وضع قليل من الصمغ لتصبح ظرفاً جميلاً، أسلمه لوالدي في الصباح ليسلمه بدوره لساعي البريد في عمله، ولا أنسَ تلك العبارة المكتوبة أسفل الظرف "شكراً لساعي البريد".
فزت في المسابقات 12 مرة، وحصل مرة أن ظهر اسمي ضمن قائمة الفائزين في أسبوعين متتاليين! أطيرُ فرحاً عندما أجد اسمي مكتوباً على الورق الوردي هناك، وأقرأه مرات ومرات، استيقظ اليوم الثاني فاقرأه مرات أخرى: أحمد سلطان الحربان – مدرسة عمر بن عبدالعزيز (بعدها طارق بن زياد) – عراد – البحرين.
كم فاجئني خالي عندما سألني يوماً: أنت صاحب المشكلة المعروضة في مجلة ماجد هذا الأسبوع.. صح؟! من ضمن أبواب المجلة، استقبال المشاكل وتقديم الحلول بعد عرضها على مختصين، مع الاحتفاظ بخصوصية صاحب المشكلة بتوقيعها بحروف ترمز لأسمه. أربكني كثيراً سؤاله، لم أقرأ عدد ذاك الأسبوع بعد، ولكن المشكلة التي أرسلتها فيها شيء من الخصوصية العائلية، التي يصعب على من هو في عمري حينها البوح بها! أنكرت أنها مشكلتي! ولكن خالي نظر إلي تلك النظرة الواثقة، ربما لم أكن بارع بعد في إخفاء لفي ودوراني! فتحت المجلة على الصفحة المعنية، وفعلاً، نفس المشكلة موقعه: أ س ح البحرين !
ما على الطفل إلا أن يكتب اسم أستاذه، وعنوان مدرسته، ويرسل ذلك للمجلة، فتصل شهادة تقدير رائعة للأستاذ بعد فترة، ولكم أن تتصوروا فرحة الأستاذ قبل فرحة الطفل نفسه بهذا التقدير غير المتوقع، أذكر أني أرسلت لأستاذين، كما أرسلت لأمي كونها مدرسة لغة عربية !
لم يبقَ إلا أن أحصل على بطاقة (مندوب ماجد)، لأنضم إلى أسرة المندوبين، الذين يمثلون المجلة في مدرستهم أو مدينتهم، وبإمكانهم أن يرسلوا خبراً أو لقاءاً لينشر في المجلة، وقد حصلت على البطاقة بعد انتظار طويل.
أصدقاء من مختلف الوطن العربي، كنت أنتظر ردودهم على رسائلي التي أرسلها لهم، بعد أن أختارهم من صفحة (هواة التعارف) ولا تسألون عن الفرحة التي تغمرني عندما أمسك برسالة وصلت بالبريد وعليها اسمي وعنواني وطابع البلد التي جاءت منه. كانت للمراسلة طعم خاص قضى عليه البريد الالكتروني، ولا أظنه سيعود.
من ضمن أصدقاء المراسلة، الأخ العزيز خالد الساير من الكويت، التي كان لوالدته بعد سنوات، كثير من الفضل في مساعدة أختي الكبيرة لإكمال إجراءات الالتحاق بالدراسة في الجامعة بالكويت. زارتنا عائلته مرة، وزرناهم أكثر من مرة.. ولا زلت على تواصل معه.
ذكريات لا تُنسى.. وهل هناك أجمل من ذكريات الطفولة ؟
 
الجنود العاملين على مجلة ماجد..
غرستم فيني الكثير..
فلكم وافر المحبة والتقدير..
وأعاهدكم أن أربي أبنائي على قراءة هذه المجلة إذا ما رزقني الله يوماً..
 


[1] أول عدد للمجلة صدر في 28 فبراير 1989.. وتصدر أسبوعياً الآن 180.000 نسخة. لمعرفة المزيد عن المجلة: http://www.majid.ae

زمن الخيول البيضاء

من أجمل ما قرأت عن فلسطين كتاب (فلسطين.. التاريخ المصور)، وهو كتاب منتشر للدكتور طارق السويدان، الذي يعرض فيه "قصة فلسطين" بتسلسل تاريخي منظم. لأوقات طويلة تأمَّلت الصور الكثيرة الذي احتواه الكتاب، فالصورة في أحيان عديدة أبلغ من صفحات !
لكنني لم أتأثر بقصة سرقة هذا الوطن كتأثري بكتاب (زمن الخيول البيضاء)، حيث الكلمات تكشف لك ما لا تراه العين المجردة في الصور! وما حرفة الكاتب الفنان إن لم تكن هذه ؟!
زمن الخيول البيضاء.. رواية جديدة للكاتب إبراهيم نصر الله (الطبعة الأولى: أكتوبر 2007)، وهي آخر رواية من سلسلة روايات (الملهاة الفلسطينية) التي يحكي فيها هذا الكاتب المتميز بحق قصة وطن سُرِق، وناس أقتُلَعوا.. بتفاصيل حياة الفلاحين البسيطة، بعيداً عن التحليلات السياسية، والكلام الجاف الذي نقرأه، ونسمعه، ونشاهده ليل نهار في صفحات الجرائد ونشرات الأخبار عن "مدينة الصلاة".
يقول الكاتب في كتاب آخر (أقل من عدو أكثر من صديق.. السيرة الطائرة): "إذا ما أراد الغرب أن يفهمنا حقاً فإن عليه أن يكفَّ عن الاستماع لنفسه، وأن يتركنا نتحدث بصدق عما يحدث فينا، وأن يتقبّل حقيقة قول الصدق حتى وإن لم يأخذ بها في النهاية".  ترجمة هذ الرواية وأمثالها، وتسويقها في المكتبات الغربية، من أبلغ الأساليب في نشر الوعي بمواجع أمتنا هناك، لأنهم شعوب يهتمون بالكتاب وبالقراءة، فهل تعي حكوماتنا ذلك وتخدم هذه الكتب نشراً وتسويقاً على نطاق عالمي؟
من تقريض الناشر على غلاف الرواية: (رواية ملحمية كبيرة يذهب فيها الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله إلى منطقة لم يسبق أن ذهبت إليها الروايات التي تناولت القضية الفلسطينية بهذه الشمولية وهذا الاتساع، مقدماً بذلك رواية مضادة للرواية الصهيونية عن أرض بلا شعب لشعب بلا أرض! تبدأ أحداث الرواية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وصولاً لعام النكبة، محاورة المفاصل الكبرى لهذه الفترة الزمنية الصاخبة بالأحداث بالغة التعدد، والصراع المرّ بين الفلاحين الفلسطينيين من جهة وزعامات الريف والمدينة والأتراك والإنجليز والمهاجرين اليهود والقيادات العربية من جهة أخرى).
في محاولة لبيان قيمة هذه الرواية، هنا شيئاً من ملاحظات الكاتب حولها:
·        في عام 1985 كنتُ أظن أن هذه الرواية هي (الملهاة الفلسطينية)، ولهذا بدأت العمل عليها إعداداً وتسجيل شهادات وتكوين مكتبة خاصة بها، ولكن أفضل ما يحدث أن الأمور لا تسير حسي رغباتنا دائماً، إذا أصبح العمل الطويل عليها هو الباب الذي ستدخل منه خمس روايات ضمن هذا المشروع، وبهذا فالرواية التي كان من المتوقع أن تكون الأولى أصبحت الأخيرة!
·        أنجزتُ العمل على جمع الشهادات الشفوية الطويلة، التي أفادت منها (زمن الخيول البيضاء) بشكل خاص، بين عامي 1985 و1986، حيث قدَّم فيها عدد من الشهود، الذين أُقتُلعوا من وطنهم وعاشوا في المنافي، شهاداتهم الحيّة عن تفاصيل حياتهم التي عاشوها في فلسطين، ومن المحزن أن هؤلاء الشهود قد رحلوا جميعاً عن عالمنا قبل أن تتحقق أمنيتهم الكبرى بالعودة إلى وطنهم.
شهود من أربع قرى فلسطينية حلموا الحلم ذاته وماتوا الميتة ذاتها: غرباء.
لم أتوقع يوماً أني سأعيش حياة الناس البسيطة بهذا العمق! فكيف وهي في زمان ومكان ومنعطف انكسار قرية.. بل وطن.. بل أمة.. إنها فعلاً رائعة !
الأستاذ إبراهيم نصر الله.. كانت هذه الرواية باباً للتعرف على شخصك الكريم، وإذا لم أقرأ كل كتبك (سوى الشعر!) فإني أعدك بأني سأقرأ سلسلة الملهاة كاملة إن شاء الله..
أستاذي.. شكراً جزيلاً لك..

ليست مجرد تجربة (12)

وهابي لطيف !
     طَرَقَت الباب مستأذنةً الدخول، دخلت واستأذنت مرة أخرى للجلوس على أحد المقاعد الثلاثة المقابلة لمكتبي. حملها أحد الكراسي، وقام الآخر بدور حارس الباب، حيث من عادتي أن أستخدمه لإمساك الباب مفتوحاً عند لقائي بالطالبات، أما الثالث فكان خالياً دون وظيفة، فهل كان هو الشيطان؟! الله أعلم!
     حاولت جاهداً أن أطرح بصري على الأوراق الممددة أمامي، فقد كانت صاحبة جمال صارخ! وقلت صارخ لأن جمالها كان يلفت النظر بشكل ملفت للنظر! فكانت نتائج محاولاتي هذه… النتائج غير معلنة! لحظة.. لا يعني أني فشلت!
     أتذكر وأنا أكتب عن هذه الفتاة تلك المفارقة، عندما علَّقَت صورتي الانتخابية على صدرها، كما فعل كثيرون غيرها، بعد حوالي سنة من هذه الزيارة المفاجئة التي تركت في نفسي الكثير، ولأنها متحررة أكثر من غيرها (Free كما نقول) فقد كانت فتحة الصدر كبيرة نسبياً بكل ما في النسبية من تجاوز! وكانت صورتي محشورة هناك محتلة أغلى مساحة إعلانية، لضمانها أكبر عدد من النظرات التي تسقط عليها في اليوم الدراسي، ببراءة وبدون براءة، رغم صغر حجمها! أذكر كيف عَلَّقَ الكثير من أصدقائي ضامنين لي النجاح! هي أيضاً لم تسلم من التعليق حيث وقف أستاذاً في الفصل وسألها أمام الطلبة مستغرباً: كيف يمكن؟! مشيراً إلى معادلة "ميتافيزيقية" معقدة تقف أمامه، استعصى عليه، وعلى كثير غيره فهمها.
     قالت لي بعبارة مملوءة بالاستغراب والصراحة، وكأنها تعترف بجهل عظيم:
         لم أتصور يوماً أن تكون هكذا أنت !
فسألتها باستغراب مصطنع لأني عرفت في نفسي ما ترمي إليه:
         نعم؟! ماذا تقصدين؟!
         تذكر أول يوم رأيتنا فيه ؟
         كان ثاني أيام فترة الحذف والإضافة.
         نعم، تغيبت أنت في اليوم الأول، كنت مع صديقتي في مساعدة الطلبة في صباح ذاك اليوم، فسألنا عن رئيس اللجنة الخدماتية الذي سوف نعمل معه، فأخبرونا بأنك مريض، ولما قدمت في اليوم الثاني، ودخلت الصالة، قالوا لنا وهم ويشيرون إليك: هذا هو رئيس لجنتكم. ولأكن صريحةً معك، أول ما رأيناك قلنا أنا وصديقتي: (بل! هذا رئيس لجنتنا؟! كيف سنتعامل معه؟!) تصورتك شخصاً آخر تماماً، لم أكن أتصور أن تعاملنا بهذا الاحترام، وتتحدث بهذا الأسلوب، وتضحك بهذه الأريحية !!
     فكادت عيني تقطر فرحاً، فقد حققت ولو جزءاً بسيطاً من هدف دخولي لميدان العمل الطلابي، وسألتها ماذا كنتي تتوقعين إذاً؟ ألست إنساناً يضحك ويمزح؟ فأجابت مبررة:
         أنتهم الوهابيون أناس متشددون، أنتم تكرهوننا، هذا ما أعرفه عنكم!
         وكيف عرفتِ ذلك؟
         كلام الناس، والبريد الالكتروني، تصلني صور إعدامكم للأبرياء في أفغانستان (أو إيران لا أذكر!).
         وهل تصدقين كل ما يخبرك به البريد الالكتروني؟ هذه مشكلتنا، نتعرض ليل نهار لتضليل إعلامي لا يدركه كلنا، ومن يدركه قد لا يدركه كله.
     كلام كثير وتصورات خاطئة، أغلبها موروثة أو من مصادر غير موثوقة كالبريد الالكتروني وغيره. فبدأ حوار قصير، حيث اقتصرت الزيارة لهذه المصارحة. أجمل شيء يمكن أن تفعله، هو تحطيم ما "عشش" من أفكار مغلوطة في عقول الناس، والأجمل أن يكون تحطيمك لها بالأفعال لا بالأقوال، حتى وإن اقتصر فعلك على ابتسامة.
     الله أعلم منذ متى وهي تحمل هذه الصورة عني وعن أمثالي قبل أن تعرفني عن قرب، والله أعلم من سيقتلعها لو لم يفعل طالب في الجامعة، والله أعلم بآثارها المستقبلية لو ظلت هذه الأفكار مكانها حينما تتخرج وتخالط الناس في العمل، أو حينما تصبح مسئولة، أو أماً ومربية، أو أو..
     أذكر هنا قصة أخرى، أيضاً تبين دور العمل الطلابي في تغيير انطباعات وأفكار كثير من الطلبة. طلبت إحدى الطالبات من الأخ مطر، رئيس المجلس، مساعدتها في مشكلة تواجهها، فأشار عليها بمراجعتي وعرض المشكلة علي، فردت عليه مستنكرة إمكانية مساعدتي لها: (لا أظن بأن الحربان سيساعدني، فهو سني متشدد وأنا شيعية!) فطمأنها مبيناً لها أن ظنها ليس في محله، والحمد لله تبين لها ذلك أيضاً بعد أن وفقني الله في مساعدتها، ولم تكن مساعدتي سوى سماعي لشكواها! ولا أنسَ مكالمتها الهاتفية التي أغرقتني فيها بعبارات الشكر والثناء، والدعوات بالتوفيق والسداد!
     للعمل الطلابي دور كبير في تغيير قناعات، وتصحيح مفاهيم، ورسم صورة واضحة كما نريد أن نرسمها نحن، لا كما يريد غيرنا، أولئك الذين يبرعون في تأجيج مختلف أنواع الطائفية – فالطائفيات كثيرة- في وقت، وفي إخماد نارها في وقت آخر. لو لم يكن في العمل الطلابي سوى هذه الحسنة، لكانت تكفيني أن أعشق هذا المجال.
 

جارٌ مزعج

لا يرعى جاري المزعج حرمة الجار، كل يوم تقريباً من أيام السنة لا يهدأ ولا يرتاح لنا بال، فمكبرات الصوت الذي يستخدمها تخترق أبسط حقوق الجار، في تعدي سافر لكل أخلاقيات الجيرة دون أدنى حياء. حتى النوافذ والله لا تمنع ازعاجه الآثم، حتى يصعب عليَّ أحياناً أن أركز في ما أقرأ، فضلاً عن التلذذ بنوم هادئ.
عدد من القرّاء الذين تعاطفوا معي حتى هذه الكلمة، سيسحب تعاطفه، ويحسب الأمر إثارةً طائفيةً إذا ما علم أن الجار، لا الأول ولا الثاني، ولا السابع ولا حتى الخمسين الذي أتحدث عنه هنا، ما هو إلا مأتم من المآتم في المنطقة !
إذا أذَّن المؤذن، سبق الأذان دعاء بطول الأذان، وختمه بدعاء لا يقصر عنه طولاً! مع ذلك نقول، لا بأس هذا أذان، نشترك فيه جميعاً، ولا بد من إعلانه بمكبرات الصوت. أما أن يستمر الأمر كذلك في كل محاضرة، وكل خطبة، وكل نياحة، وكل دعاء، ويا لها من أدعية طويلة، وفي الليل وفي النهار، فهذا ما لا يُحتمل.
لا أدري، هل استخدام مكبرات الصوت، ووضع إحداها في آخر بيت من البيوت المحيطة بالمأتم موجهة لبيوت الطائفة الأخرى، هل الغرض من ذلك دعوة أبناء الطائفة الأخرى لاعتناق أفكار وأساطير من يصرخ خلف الميكروفون؟! أم أن الأمر عملاً استفزازياً لا غير؟! فإن كان دعوة، ولا أظنه كذلك أبداً، فلا أعتقد بأن الدعوة بهذا الأسلوب المتخلف تصل طريقها إلى القلوب. ما دامت الدعوة تستخدم الإزعاج والفوضى وسيلة، فلن يقنع هذا ذاك بأن جبريل عليه السلام خان الرسالة، ولن يقنع ذاك هذا بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يفشل في تربية أصحابه رضي الله عنهم! فكونوا أكثر حكمة يا جماعة، وابتعدوا عن أذى الناس، ليزداد محبو الحسين رضي الله عنه، ألا تتفقون معي ؟!
اتصلت بمركز الشرطة، وبعد أن طلبت الضابط سألته: أنا كمواطن أليس من حقي أن أنعم بحياة هادئة؟ أجابني: طبعاً هذا من حقك. فقلت: ما رأيك أن تزورني في البيت لتستمع لهذه الفوضى وهذا الازعاج الذي يؤذينا كل يوم. أعتذر الضابط عن تقديم أي مساعدة بعد أن علم أن مصدر هذا الازعاج مأتم، منوهاً لحساسية القضية! ومقترحاً في الوقت نفسه مراجعة إدارة الأوقاف!
كم نتمنى من النواب الكرام، وهم أول المعنيون بهذا الأمر، كون أكثرهم متدينون وعلى علم بهذه المعضلة، سن قانون يمنع استخدام مكبرات الصوت في المساجد والمآتم باستثناء الأذان لا غير، لا غير، هل لنا ذلك؟ ومن أراد أن يحشو رؤوس متبعيه، والكلام للجميع دون استثناء، فله ذلك داخل مسجده، أو مأتمه، أو مجلسه. وإذا كان هناك قانوناً في الأمر، فلماذا لا يُطبق، أم أن الدولة لا تملك من القوة والصرامة التي توفر من خلالها أبسط حقوق المواطن، أن يعيش في هدوء وهو في كنف بيته ؟!
دعوة لشرب "استكانة" شاي بالنعاع، مني لكل مسؤول مرهف الحس يريد أن يتأكد من، أو أن يشعر بهذا الازعاج، البيت بمجمع 240 في منطقة عراد، حياكم الله.
 

التأمين الصحي.. من قال أنه ضرورة ملحة ؟!

عندما تنشر جريدة ‘الوطن’ ندوةً خاصة عن التأمين الصحي، وتصدّره برأي (التأمين الصحي ضرورة ملحة) هل أنا بحاجة لتفسير دلالة ذلك ؟
لا أعلم شيئاً عن حاجتنا لضرورة وضع تشريع يلزم الشركات أن تتكفل بالتأمين على عمالها الأجانب، ولكني مدرك تماماً خطورة هذه المصيبة إذا ما شملت المواطنين، وتخلت الدولة عن توفير الرعاية الصحية لهم، ليقعوا ضحايا لشركات التأمين. الأمر الذي تصفه ‘الوطن’، أو وُصِفَ في ندوتها بالضرورة الملحة.. نقطة تطوير شاملة.. ميزة للمواطن.. !
عَرَّفَ الأستاذ جمال فخرو، وهو أحد المشاركين في الندوة، التأمين الصحي بقوله: "فهو يعني أن المواطن أو الشخص المنتفع لديه حرية اختيار الجهة التي ستوفر له الخدمات الصحية" !!
لست خبيراً لأُخطئ تعريف الأستاذ فخرو، ولكن في نفس الوقت أظن بأن أحداً لن يخطأ في تعريف التأمين الصحي من الناحية العملية إذا ما قال: هي عملية نقل قرار العلاج والمباشرة في تنفيذه من الطبيب الحريص على توفير الصحة لمراجعه، إلى المدير التنفيذي في شركة التأمين الحريص كل الحرص على إرضاء مجلس إدارة شركته بالاستمرار في مضاعفة الأرباح !
أخواني أخواتي، أرجو قراءة التعريف مرة أخرى لندرك خطورة ما نتحدث عنه هنا.
إذا كانت الحكومة تدرس تغيير النظام الصحي، فإننا نناشد ممثلونا في مجلس النواب لقبر هذه الفكرة في مهدها. عندما نرفض هذا التغيير، لا نطلب من المتنفذين أن يتكفلوا بتحمل أعباء ومصاريف نظامنا الحالي، فالمال المخصص له هو مال عام، وسنتبرع بكمال الرفاهية المنتظرة، وسنقول لا نريد زيادة في الرواتب أكثر من أخواننا في الدول الشقيقة، ولكننا في الوقت نفسه لا نريد تغيير نظامنا الصحي! لا شيء يعدل الصحة والعافية مهما ضاق العيش بالمواطن. هل يوافقني أحد هنا ؟!
في لقاءٍ جمعنا مع عدد من الشباب السياسيين في الولايات المتحدة، نصفهم جمهوريين، والنصف الآخر ديمقراطيين، كان ردي ساخراً على تبجح أحدهم حول حديثه عن الديمقراطية في الولايات المتحدة: "صحيح أن نظامكم أكثر ديمقراطية من نظامنا –غير آسف طبعاً فإني كافر بالديمقراطية أساساً- ولكننا حينما نذهب للمستشفى لا يسألنا موظف الاستقبال عن بطاقة التأمين، ولا يموت لدينا أحد لأنه غير قادر على الحصول على العلاج أو الدواء المناسب". كنت أقول ذلك وأشياء أخرى، والفخر يملأني، فالحمد لله، وأما بنعمة ربك فحدِّث.
يبدو أن الخاسر الأكبر بلا شك في تطبيق نظام، عفواً مصيبة التأمين الصحي، هن الحسناوات وغير الحسناوات، لابسات المعطف الأبيض الهادئ، حيث سيفقدن لقبهن المشهور "ملائكة الرحمة" وسيكون من نصيب موظفو الخطوط الأمامية في شركات التأمين، حيث الموافقة المبدئية على العلاج في المستقبل، وعلى صرف الدواء أيضاً !
كنت قد دعوت في مقال سابق، وها أنا أكرر دعوتي لمشاهدة فيلم SICKO للمبدع مايكل موور، الذي يتحدث عن مساوئ النظام الصحي في الولايات المتحدة، أوجه دعوة خاصة للنواب والمخلصين من أبناء هذا الوطن لمشاهدة الفيلم، ليدركوا آثار النظام الصحي الموعود، الذي غدا "ضرورة ملحة" !