أمريكا شيكا بيكا

    في الفترة 25 أغسطس – 15 سبتمبر شاركت في برنامج "القيادة الطلابية والمسئولية المجتمعية" المنظم برعاية الوزارة الخارجية الأمريكية، وهو برنامج يتم اختيار المشاركين فيه من خلال سفارات الولايات المتحدة في عدد من الدول العربية، على أن يكونوا شباباً ناشطين، قادة إن صح التعبير. يهدف البرنامج إلى تعريف قادة الشباب العربي لطبيعة الأنشطة الطلابية والشبابية في أمريكا، ودورها في الشراكة المجتمعية، وأثرها في المشاركة السياسية.

تم اختياري للمشاركة في هذا البرنامج عندما كنت رئيساً لمجلس طلبة جامعة البحرين، أي حوالي قبل عامين من وقت البرنامج. هذا مجرد توضيح لمن قال أنه تم ترشيحي للمشاركة من قبل جمعية علمانية!

شارك في هذا البرنامج ثلاثة عشر شاباً وشابة. من الخليج، فقط جاسم من الكويت ،والسيد عدنان وأنا من البحرين. نعم شاركت مع الأخ السيد عدنان في هذا البرنامج، أعلم بأن أسمي لم يُذكر معه في الأخبار، الرسمية وغير الرسمية، التي نشرت في بعض الصحف المحلية، والتي نشرت أكثر من مرة. لا أعلم ما السبب! لا يهم!
بعد عودتي من الولايات المتحدة الأمريكية، قابلني معظم الأصدقاء بعد السؤال التقليدي: (شلونك؟ شمسوي؟) بسؤالهم: (شلون أمريكا؟)، فأجيب على السؤال الثاني: (أمريكا شيكا بيكا)! والرد كما هو واضح ليس بإجابة بقدر ما هو اعتذار عن الإجابة بأسلوب مهذب! إذ كيف لي أن أختصر إجابة سؤال عن رحلة استغرقت ثلاثة أسابيع، في زيارة لخمسة ولايات، وعدة لقاءات وفعاليات في كل ولاية، كاختصاري لجواب السؤال الأول بقولي: (الحمد لله)؟!

لذا، قررت أن أكتب هنا سلسلة قصيرة من المقالات، أتطرق خلالها لشيء من يوميات ومواقف هذه الرحلة الممتعة، فانتظروني..

ليست مجرد تجربة (9)

رئيس لجنة الخدمات الطلابية
بعد أن أصبحت عضواً بالمجلس بالتزكية، كان جل اهتمامي في تلك الانتخابات أن يفوز مرشح كلية الحقوق، صديقي نايف الكواري، حيث كانت هذه الكلية، ولا زالت، الأشد وطيساً في الانتخابات! وذلك بسبب الاصطفاف الطائفي في الكلية، والذي جعل من "الطالب أولاً"، المحسوبة على جمعية إسلامية شيعية -جمعية الوفاق- أن تتحالف دائماً مع القوائم الأخرى، التي تصفها هي بالعلمانية والشيوعية، فقط لأنها تنتمي لنفس الطائفة!
وتسطيراً لتلك المرحلة من الحراك الطلابي، من المهم أن أشير إلى مقاطعة "منتدى الجامعيين" التابع لجمعية الإصلاح لهذه الانتخابات، قاطعوا الترشيح ولكنهم لم يقاطعوا التصويت، أي لم تكن هناك تلك الاجتماعات التي عهدناها في الانتخابات الأولى، والتي تغيرت نوعاً ما في الانتخابات الثانية، وفي الحقيقة لا أعرف سبب ذلك، أهي المشاكل التي حصلت في انتخابات المجلس السابق؟ أم أنهم لم يجدوا من ضمن صفوفهم الكوادر المؤهلة، كما صرح أحدهم؟ أم لأسباب أخرى؟ لا أدري، ولكني أستغرب السبب الثاني وأستبعده.
كنت أنتظر النتائج في مسبح (جامعة الخليج العربي) المتواجد داخل جامعتنا، وكان، صديقي فوزان خليفة، عضو المجلس السابق، يعطيني النتائج أولاً بأول من خلال الهاتف، فاز نايف الكواري، ووصل من وصل، وخسر من خسر. وكان من ضمن الفائزين أيضاً، القيادي البارز في "الطالب أولاً"، الزميل صادق الشعباني، وهو ناشط طلابي فاعل جداً.
من الطبيعي أن نتشاغل الآن بموضوع توزيع المناصب. في هذه الأثناء تشكل تكتل صغير في حجمه وسأترك للقراء أن يحكموا إن كان كبيراً في تأثيره أم لا. كان التكتل يضم ثلاثة من أعضاء المجلس وهم: الأخ نايف الكواري وقد وصل للمجلس بعد فوزه في انتخابات كلية الحقوق كما أسلفنا، والأخ عبدالعزيز مطر وكان ناشطاً طلابياً قديماً، ترأس جمعية كلية التربية لمدة ثلاث سنوات متتالية، فكان عضواً في المجلس في دورتيه السابقتين الأولى والثانية أيضاً -تنص اللائحة الأساسية لمجلس الطلبة أن يكون رئيس الجمعية الطلابية عضواً في المجلس-، وكنت أنا ثالث الثلاثة، كان الثالث أصغرهم رغم ما شاء البعض أن يسميه "كبيرهم"، ويكملها البعض الآخر "الذي علمهم السحر"!
أبدى الأخ عبدالعزيز رغبته في ترشيح نفسه لرئاسة المجلس بطريقة لبقة وذكية جداً، فهو لم يصرح برغبته وإنما تركنا نصل بأنفسنا لهذا القرار عن قناعة، فلم يكن أحدٌ منا نحن الثلاثة يملك الخبرة والمعرفة بطبيعة العمل الطلابي كما كان يملكها عبدالعزيز، فكان اتفاقنا عليه محسوماً منذ البداية تقريباً، ولم ألتفت لنصيحة -إن جاز لي تسميتها بذلك- وجهت لي تدعوني بأن لا أدع الفرصة له لرئاسة المجلس وأن أرشح نفسي لهذا المنصب، قلت للأخ الناصح: تعلم أن هذا المكان لا يناسبني الآن، وإخفاقي فيه تعتبر وصمة عار سأحملها طول عمري، وسيحملها المتدينون في نظر كثير من الناس.
لم يكن تغيير واقع العمل الطلابي والاستفادة منه بقدر الإمكان هو ما يشغلني في تلك الفترة، بل احتل المرتبة الأولى في قائمة اهتماماتي تغييراً آخر، وهو تغيير النظرة الدونية التي يرى بها بعض الطلبة والناس للمتدينين. كنت أود أن أقول من خلال المشاركة في العمل الطلابي تحت مظلة المجلس بأن الطلبة المتدينون قادرون على خدمة أخوانهم الطلبة بأفضل وجه، وعلى التميز في تنظيم الأنشطة والفعاليات، وعلى الانخراط بفاعلية في المجتمع الطلابي، لا تمنعهم من ذلك "اللحية" ولا "الثوب القصير". لذلك كنت أريد أن أعمل في نشاط يقربني أكثر وأكثر من الطلبة، لهذا السبب وحده أصررت على تولي رئاسة لجنة الخدمات، وهي اللجنة التي من الممكن أن نطلق عليها حينها "العمود الفقري للمجلس"، فهي المعنية بمتابعة مرافق الجامعة من مواقف للسيارات، واستراحات، ومطاعم، وغيرها. والأهم من ذلك، هي المعنية أيضاً بمتابعة شكاوي الطلبة التي تصل للمجلس، وهي المسئولة عن تنظيم عمل أعضاء المجلس في فترة الحذف والإضافة، وإذا كان هناك من عمل لا يمكن تصنيفه ضمن مهام أي لجنة من لجان المجلس، يستطيع رئيس اللجنة الخدماتية، بطريقته، أن يصنفه ضمن مهام لجنته. هل كل رئيس لجنة خدماتية كان يحاول جر بساط أغلب المسئوليات من تحت لجان المجلس كما كنت أفعل؟ الله أعلم.
وبدأت أمتع وأكثر سلسلة اجتماعات إثارة مرت علي تلك الفترة، كنا نجتمع كل ليلة تقريباً في قهوة شعبية بمدينة عيسى "قهوة رامز"، نرسم الخطط ونتخذ القرارات ونكتب نص المسرحيات التي سنمثلها أو سيمثلها أحدنا في اليوم التالي، بمعنى آخر تخطيط متواضع يتبعه تنفيذ. كان القرار يخرج من مطبخ نتولى نحن الطباخون الثلاثة –مطر والكواري وأنا- أمره. ومن تلك الاجتماعات عرفت الكثير والكثير جداً عن التكتلات الطلابية ومدى ارتباطها بتوجهات وتوجيهات الجمعيات والأحزاب التي تنتمي لها، كان هذا الموضوع بالذات أمراً جديداً ومثيراً بالنسبة لي. صحيح أنني كنت محسوباً على جمعية الأصالة، الجمعية السياسية التي تتخذ من السلفية توجه ومنهج، إلا أن اتصالي بأعضاء الجمعية، كان ولا زال، ليس قوياً، ولم يحصل قط أن ألزمت نفسي، أو ألزمني أحد، بما يسمى لدى الأحزاب اليوم بـ"قرار الجماعة"، بل كنت مستقلاً في كل قرار اتخذته كاستقلالي في كل خطوة خطوتها، وكذلك سأظل بإذن الله. والسلفيين في البحرين عموماً كانوا حينها أقل الناس استثماراً لميدان العمل الطلابي، لأسباب أهمها قلة عددهم وحداثة دعوتهم في البحرين.
بسبب علاقاته مع مختلف التيارات الطلابية، وبسبب خبرته في العمل الطلابي، وربما أيضاً بسبب سنه الذي يكبرنا بقليل، تولى عبدالعزيز قيادة سلسلة اجتماعات مطولة أخرى مع قيادات التيارات الطلابية التي كان لها أعضاء ممثلين بالمجلس، للخروج بصيغة متفق عليها لتشكيلة المجلس، تشكيلة تعكس تنوع التيارات الطلابية في المجتمع الجامعي. ولا شك أن الجامعة تعتبر صورة طبق الأصل للمجتمع البحريني، ولكنها مصغرة، ففيها كل التوجهات والتيارات الموجودة في المجتمع البحريني الصغير المكتظ بأعداد تياراته!
توصل عزيز إلى صيغة متفق عليها من قبل الجميع، ما عدا منصب الرئاسة الذي رغب هو في توليه، فممثل كلية إدارة الأعمال، الأخ حمد الزيرة، الذي تطرقت لذكره سابقاً، كان يطمع في شغل نفس المنصب. فتم توزيع جميع المناصب الإدارة في الاجتماع الأول للمجلس دون اللجوء للتصويت ما عدا منصب الرئيس، حيث تنافس مطر وحمد عليه، وفاز مطر بالتصويت، وصار حمد نائباً له.
ولا يفوتني هنا أن أشكر مطر فقد كان لا يتخذ قراراً إلا بعد الرجوع لي وللأخ نايف، ومن ثم يتفاوض مع الآخرين بناءً على ما نتفق نحن الثلاثة عليه، ولعل هذا هو سر توفيق الله لنا في تلك التجربة، فقد كنا ثلاثة أعضاء من أصل عشرين إلا أننا حكمنا المجلس بطريقتنا التي لم يدركها الأعضاء والمراقبون إلا بعد فترة ليست بالقصيرة من عمر المجلس.
كان مطر ينقل لي نتيجة مفاوضاته أولاً بأول، وكان يخبرني بكل خطوة ينوي القيام بها، يخبرني بكل شيء، وبالتفصيل الممل. هذا ما كنت أظنه في بداية الأمر! ولكن وبالرغم من تفصيله في سرد الأحداث، إلا أن التضارب في أقواله أحياناً كشف بعض التحركات والاتفاقات الملتوية التي لم أكن لأوافق عليها لو أنها عرضت علي قبل أن تُبرم، فصارحته: (لماذا لم تخبرني؟) فقال: (عزيزي أحمد أنت إنسان نظيف –لا شك أن هذا ظنه بي، ولا يعني بطبيعة الحال أنها الحقيقة- وهذه لعبة قذرة، ولا بد من لف ودوران وشيء من "العيارة" لنصل إلى المطلوب، ولعلمي بأنك لن توافق على أموراً كهذه رأيت عدم إطلاعك عليها)! أستطيع أن أقول بأنه كان يخفي عني أساليبه فقط، أما الأهداف فكانت محل اتفاق.
ولكن للأسف، هكذا يصور البعض السياسة بأنها لعبة قذرة سيتوسخ المتدينون لا محالة إذا ما مارسوها، فهم يظنون أن النجاح السياسي لا بد فيه شيء من "عيارة" ولف ودوران وربما أيضاً شيء من تغيير في المبادئ والثوابت، فلا مبادئ ولا ثوابت أصلاً في السياسة، كما يخبرنا اليوم لسان حال كثير من الناس، إنما هي مصالح أينما كانت كانوا. هذه وجهة نظر البعض البعيدة عن سيرة السياسي الأحذق والأذكى محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يتلوث بما يزعمونه من ضرورات اللعبة. أتدرون لماذا غدت "العيارة" ضرورة من ضرورات العمل السياسي عند البعض؟ لأنهم أخفقوا في الضرورات الحقيقية التي تحتاج إلى حكمة وعلم وجهد حقيقي وصبر.
بعد أن تم تشكيل المجلس، دخلنا كما تدخل المجالس المنتخبة عادة في فترة استراحة مطولة، لا أدري إن كان ذلك على حساب خدمة الطلبة أم لا، ولكننا لم نكن بدعة من المجالس لكي نبدأ في العمل الجاد الدءوب بعد التشكيل مباشرة! ربما لأن الفترة حينها كانت فترة العطلة الصيفية، ولا أذكر أننا فعلنا شيئاً سوى التحرك لتأجيل امتحانات منتصف الفصل يوم واحد، بسبب انقطاع الكهرباء ليلة ذلك اليوم، وأذكر أنه سمي بالأثنين الأسود!

SICKO

        قد لا تصدقون، بعد دقائق من انتهاء المشهد الرائع- أعني روعة التصوير والإخراج- الذي يروي أحداث قصف بيرل هاربر من قبل اليابانيين، في عملية انتحارية رهيبة، اتصل بي صديقي، وأنا داخل صالة العرض بالسينما، يقول بصوت الدهشة والاستغراب :(أحمد جفت "شصار"؟!)، بصوت منخفض قلت: (علي أنا في السينما، "شصاير"؟!)، فقال: (تم إسقاط برجين في الولايات المتحدة بواسطة طائرتان دخلتا فيهما!)، استغراب ودهشة ممزوجين بشيء من الـ..، لا يهم! وقلت: (علي، الأميركيين يُقصفون هنا أيضاً، في الفيلم!). كانت تلك آخر زيارة لي إلى السينما، 11 سبتمبر 2001، فيلم بيرل هاربر.
     في الحقيقة لا أعلم ما هو الشعور الذي سينتابني اليوم إذا تكرر نفس الحدث، بعد أن عشنا، وبكل ذل، تبعات تلك الهجمات!
     بعد عمر أحسبه طويلاً، دخلت السينما مرة أخرى، ففي صباح يوم أمس وقعت عيناي على إعلان عرض فيلم SICKO، الفيلم الوثائقي الذي يفضح فيه المبدع مايكل موور مساوئ وظلم النظام الصحي الأميركي، ولأني أجد نفسي مهتماً بعض الشيء، في هذه الفترة بالذات، لمعرفة المزيد عن المجتمع الأميركي، ولأني معجب جداً بعمل هذا الرجل، بغض النظر عن الانتقادات التي يواجهها –بعضها بطبيعة الحال في محلها-، كان من الأهمية بمكان بالنسبة لي أن أشاهد هذا الفيلم، فسارعت بالاتصال بالسينما لحجز مقعد، ففيلم حصد مخرجه على جائزة الأوسكار، وأثار ضجة كبيرة، واليوم أول أيام لعرضه، لا شك أن المقاعد ممتازة الموقع سيتم حجزها.
     بعد محاولات مضنية، لم يجب أحد على الهاتف، فقررت الذهاب قبل فترة عرض الفيلم بمدة كافية، وصلت إلى شباك التذاكر في تمام الساعة الثامنة والنصف مساءاً، ويبدأ عرض الفيلم بعد ثلاث ساعات ونصف، أي في تمام الساعة الثانية عشرة، وعند شراء التذكرة، لي ولصديقي الذي دعوته لمشاهدة الفيلم، وفي النظر للمقاعد الفارغة لاختيار اثنين متلاصقين، تبين أننا الوحيدان حتى الآن في قاعة العرض! كنت سأسأل بائع التذاكر: (أعلم أن سؤالي غبي، ولكن أعذرني فمنذ زمن طويل لم أدخل السينما، هل الفيلم مترجم؟!) ولكن فطانتي "ذكائي" منعتني من إلقاء نفسي في إحراج سخيف! وقالت لي: (أكيد مترجم يا أحمد! وهذا سؤال؟!).
     دخلنا الفيلم، وبعد دقائق، أخذت راحتي وكأني جالس في البيت، وضعت غترتي وعقالي على مقعد فارغ أمامي، في الحقيقة كانت كل المقاعد فارغة! فقط اثنان حضروا عرض الفيلم، الأول صديقي، والآخر أنا. سألت صديقي: (هل تظن أن الوضع سيكون كما هو في فيلم "عمر وسلمى" ؟)، وتساءلت، هل هذا له علاقة بوعي الناس واهتمامهم؟!
     لم أتحدث عن الفيلم إلى الآن، وهو موضوع المقال أساساً! لأني أريدكم فعلاً أن تشاهدوه بأنفسكم، وتعلموا أكثر عن هذا النظام الديمقراطي الرائع الراقي، الذي يحكم الولايات المتحدة، وكيف تديره مصالح الشركات الكبرى، وإن كان ذلك على حساب حياة المواطنين الأبرياء! ولا تنسوا بعدها أن تحمدوا الله على النعمة التي نعيشها نحن المتخلفون في العالم الثالث!
     حفظ الله عالمنا الثالث، ونظام عالمنا الثالث، وفساد عالمنا الثالث، على الأقل وفّرَ لنا عناية صحية تحفظ أرواحنا بإذن الله لم توفرها أعظم دولة من دول العالم الأول لمواطنيها!
نظرة خاطفة:
     قرأت في جريدة الوسط قبل يومين، في مقابلة مع الأستاذ حسن مشيمع، أن تأشيرة دخوله للولايات المتحدة قد تم إلغاءها، فأقول له: قدّم طلب الحصول على التأشيرة مرة أخرى، وأسأل الله أن تُوَفق في الحصول عليها دون إلغاء لاحق، وكلي أمل في أن تذهب إلى هناك وتقف مع المعارضة الأميركية لتعديل نظامهم الصحي، الذي يموت بسببه الكثير من الضحايا، ستفعل خيراً عظيماً لو نجحت، ولن ينساك الشعب الأميركي يوماً! فإن مصيبتهم هذه وحدها، والله أكبر من كثير من مصائبنا التي تسعى لحلها هناك بكل وطنية!

          لا أدري كيف يشك الواحد، مجرد شك، في أن الولايات المتحدة ستهتم بحياة الناس، وديمقراطية نظامهم، أكثر من اهتمامها الرديء جداً بشعبها؟! جنون وحماقة، بكل ما في الكلمتين من معنى، ولكي لا أحرق موضوع مقال آخر، فلن أطيل عند هذه النقطة، سأتوقف هنا. ولكن، ولكي لا يتهمني الأستاذ وأنصاره بالتهمة المعتادة، فها أنا أحلف (والله إني لستُ بوقاً حكومياً).

قانون التنصت الأميركي.. إجراءات احتياطية

في ديسمبر 2005 قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن الرئيس الأمريكي جورج بوش سمح لعملاء أجهزة الأمن بالتجسس على أفراد في الولايات المتحدة دون الحصول على موافقة من المحكمة، وذلك بعد هجمات 11 سبتمبر. وكان القانون الأميركي حينها يتطلب عادة موافقة محكمة سرية، تعرف باسم محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية، قبل قيام الأجهزة الأمنية بعمليات مراقبة على الأراضي الأمريكية.
وبعد يوم أقر الرئيس الأميركي ما نشرته الجريدة، وفي دفاعه عن التنصت داخل الولايات المتحدة قال بوش: "لا بد أن تفهموا وآمل أن يفهم الشعب الأمريكي أن هناك عدواً يود مهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو عدو خطير جداً."
يقول مايكل موور في كتابه (أيها المتأنق.. ماذا حل ببلادي): "لمَ بلغت حكومتنا هذا الحد السخيف لتقنعنا بأننا في خطر؟ والجواب ليس سوى رغبة أكيدة منهم بحكم العالم، بدءاً بالسيطرة علينا، ومن ثم، حملنا على تأييد جهودهم للهيمنة على بقية الكوكب… فهم يعلمون أن الأمريكيين الحقيقيين لا يرغبون بالسيطرة على أحد، لذا عليهم إقناعنا بعكس ذلك من خلال الذعر" ويضيف، رابطاً سياسة التخويف بموضوع التنصت: "ولضمان استمرارية الحرب اللامتناهية ، يحتاجون إلى هلعٍ لا متناهٍ، هلع لا يمكن نشره بشكل لا محدود إلا من خلال تجريدنا من حقوقنا المدنية الأساسية" يقصد موور التجريد من الخصوصية.
قبل أيام قليلة، وافق الكونجرس الأميركي، بمجلسيه، النواب والشيوخ على مشروع قانون للتنصت كان الرئيس بوش قد تقدَّم به ويسمح للحكومة بالتنصت على الأجانب الذين يجرون اتصالات عبر الولايات المتحدة. وسيسمح القانون الجديد للإدارة الأمريكية بالتنصت على الاتصالات التي تجرى عبر أمريكا سواء الهاتفية أو اتصالات الانترنت للأجانب المشتبهين دون موافقة مسبقة من القضاء.
من المسلم به لدى عموم الناس أن المخابرات الدولية، وحتى المحلية، بإمكانها التنصت على مكالماتنا الهاتفية، ورسائلنا الالكترونية، ولكن الجديد في الموضوع، أن هناك، في السابق، من يقف حائطاً منيعاً أمام التمادي في مثل هذه العمليات لانتهاكها لخصوصية الأفراد، والتدخل في حياتهم الشخصية، فاشترطوا ضوابط، كالرجوع إلى القضاء، أما اليوم، ففي دولة الحقوق والحريات الشخصية، وبعد نجاح سياسة التخويف، يوافق الأميركيون، أغلبهم على الأقل، على إجراء هذه العمليات، دون ضوابط محددة سوى "الاشتباه"، بعبارة أخرى، بشكل عشوائي ومفرط، مضحين بخصوصيتهم! وفي عالمنا الرقمي، لدرجة لا يمكن تصورها.
ما يهمني في الموضوع، هو أني سأسافر بإذن الله بعد أيام قليلة إلى الولايات المتحدة، وبعد الموافقة على القانون -وكأن الأمر كان مختلفاً في السابق!- فمن المحتمل أن يتم التنصت على مكالماتي الهاتفية البريئة، أو التجسس على رسائلي الالكترونية اللطيفة. فأطلب من جميع الأخوة والأخوات، وبرجاء حار: لا ترسلوا لي خلال هذه الفترة "إيميلاً دعوياً"، أو نصاً قرآنياً أو نبوياً يتعلق من قريب أو بعيد بالجهاد، أو الولاء والبراء، والأفضل أن لا ترسلوا لي أي نص! ولا أريد أن أرى تلك الصور التي تنتشر بكثرة "بالإيميل" لضحايا حرب السلام التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان أو العراق، أولئك القوم الذين لم يرتضوا الحرية والديمقراطية، والعدل والسلام العالميين، وما ذنبي أنا أنهم لم يرتضوها لترسلوا صورهم لي؟! وأيضاً لا أريد أن أستقبل صور أبناء القتلى بدموعهم، أو صور زوجاتهم وهن يبكين فراق أزواجهن، فهؤلاء ليسوا سوى أطفال وزوجات لإرهابيين، يا لتعاسة قدرهم!
ولا يتفاجئ من أعرفه إذا أرسل لي شيئاً من ذلك، أو من هذا القبيل، أن يتلقى ردي: WHO ARE YOU ؟؟!!
قبل أن أنسى، هناك محظور آخر، "عطوني" إجازة عن سماع الأناشيد، خاصة "الحماسية"، تدرون.. لإبعاد الشبهة، أرسلوا لي أغاني، نعم أغاني، لا تستغربون، فالموسيقى ليست بحرام وبتنا نستخدمها –دون خجل طبعاً- في أناشيدنا، وليس هناك دليل على عورة صوت المرأة، فلا بأس أيضاً أن تكون الأغاني لمطربات!
ورجاء آخر، "لحد يطلع فيها"، ويفكر في مزحة ثقيلة، ويرسل لي معلومات وبيانات وأوامر وصور وخرائط باستخدام Google Earth، ويختمها بـ (نلتقي في الجنة)، ترى ما فيني شدّة!! وكما تعلمون، في هذه الأمور، لا قانون يحمي في دولة القانون، ولا حقوق ولا هم يحزنون، ويا ليت من إلى أبوابهم يحجون، باسم المعارضة الوطنية يطبلون، ليتهم يدركون، أنهم إلى شريعة الغاب يذهبون!
في الحقيقة، قائمة الممنوعات تطول، ولكن حسبي ما ذكرت، وأنتم أعلم بالباقي. وسأكون شاكر للذكي، الذي يود إبعاد الشبهة عن أخيه قدر الإمكان، فيرسل لي رسائل تأييد للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وعبارات منددة بالمقاومة العراقية، وأخرى مبجلة برسول الحرية، و"حركة حلوة" أن يرفق مع الرسالة صورة لجنود أميركيين في العراق مكتوب عليها (You Most Welcome)، من يفعلها له "صوغة" خاصة!
أخيراً، لأتفادى الفضائح الأخلاقية، التي قد تُستخدم من قبل جهات، بعد أن تحصل عليها الأخيرة من الـ CIA، بعد 25 سنة، من يدري؟! عن شاب كان يدّعي التدين! فسأكون مضطراً لكتابة (I Love USA) بدلاً من (I Love U) !! فأرجو ممن يهمهم الأمر التنبه لذلك!!
 
_______________
العبارات الإخبارية كلها من موقع BBC العربية

قطّوا عقائدكم وراء ظهوركم.. وأبشروا بالتنمية !!

لا أدري لماذا يغيض الكاتبة الأستاذة سوسن الشاعر ذلك الجدل الدائر حول تصريحات النائب الديري غير المسئولة؟! ولماذا هذا التسفيه الغريب المتعالي لأفكار الناس وما يحملون من عقائد؟!
انتقدت الكاتبة في مقال لها نشر في جريدة الوطن يوم الأثنين، 6 أغسطس 2007، كل من شغل نفسه بقضية تصريحات الديري حول وصفه لأئمة الحرمين الشريفين بالنواصب، أقول قضية وهي فعلاً كذلك، ويا ليتها اكتفت بهذا الانتقاد، فقد اعتدنا، في الآونة الأخير، على تسفيهها لاهتمامات الناس وأفكارهم بغرور بارد، فقط لأنها لا توافق هواها، ولكنها أضافت، في حصر عجيب: "لا شيء غير أننا لا نملك رأس كبير نلتف حوله سواء كان هذا الرأس إنساناً له كريزما القيادة الشعبية الكبيرة تتفق عليه القواعد الجماهيرية ينشغل بها وتنشغل به، يحركها ويبث الحماس فيها ويتبنى معها قضاياها الكبرى، أو كان هذا الرأس مشروعاً تنموياً نلتف حوله كما يحدث في دبي" ولا يخفى ما في هذا الكلام من التقليل من شأن رؤوس لها مكانتها، اعترفت بمنجزاتها المنظمات العالمية، لا ينبغي التقليل من شأنها بهذه البساطة.
ثم هل الاهتمام بالمسائل الفكرية والعقائدية، وكثرة اللغط حولها، ليومين أو ثلاثة، أو أسبوع بالكثير، كما هو الحال عندنا، هو السبب الرئيسي وراء تخلفنا، كما تصور الكاتبة؟! وهل إذا نسوا الناس أو تناسوا عقائدهم، ووضعوا بعيداً كل ما يدينون الله به، أو ما يدينون الهوى به، ولو إلى حين، سنشهد تلك الطفرة التنموية الهائلة، كالتي تشهدها دبي؟!
ها هو المجتمع الأميركي، انشغل كثيراً في مسائل فكرية، ليست لها علاقة، لا من قريب ولا من بعيد، لا بالاقتصاد ولا بالسياسة، ولا بأي مجال من مجالات التنمية، ولم يكن ذلك عائقاً للتطور التكنولوجي، أو التقدم الاقتصادي، أو التمكن السياسي.
على سبيل المثال، انشغل عدد كبير من أفراد ومؤسسات وقيادات المجتمع الأميركي، وانشغلت آلاته الإعلامية الضخمة، في فترة من الفترات (2004-2005)، بالصراع الدائر بين فريقين ملئوا الدنيا ضجيجاً، الأول مناصر "نظرية التطور" التي وضعها داروين، والآخر مناصر "فكرة التصميم الذكي"، وقد تطور الخلاف حتى وصل إلى المؤسسات التعليمية، ومن ثم إلى القضاء. ولكم أن تتخيلوا انشغال وسائل الإعلام الأميركية بهذه القضية حينها، فهل وقفت الدنيا، وتوقفت مشاريع "الأنفاق والجسور والقطارات"، والطائرات والأقمار الصناعية والصناعات الثقيلة، وغيرها؟؟ هل تعطلت مسيرة التنمية في أميركا إلى أن يُغلق الموضوع، ويسد باب النقاش والحوار فيه، ويرفع الاختلاف؟؟ ذلك الاختلاف الذي لا يزال قائماً، وهو واحد من اختلافات فكرية كثيرة، ينشغل بها الناس بين الحين والآخر.
اعتادت الكاتبة على توزيع الإشارات والتنبيهات، لأي شيء له صلة بدين الناس، مختومة بتحذيرات لطيفة حول ما ستؤول إليه الأمور إذا لم يتبع المجتمع نصائحها! أُقدر حرصها على تطوير البلاد، ولكن أين كلامها هذا من جعجعة أصحاب الفكر المستنير، مثقفو المجتمع ومفكروه، الذين لم نقرأ لهم يوماً ما يفيد أصحاب القرار، أو المجتمع، حول طرق تطوير الاقتصاد، أو رؤيتهم حول إصلاح سوق العمل، أو تحليلهم لنتائج أداء القطاع الخاص، أو العام، أو أفكارهم لتطوير قطاع من القطاعات، بل لا يملكون سوى التحذير من "الطالبانية" و"الرجعية" و"الظلامية"؟! وأين كلامها هذا من الذين أشغلونا ليل نهار، بثقافة وأدب، لا يفهمها سواهم، لا تزيدنا علماً، ولا تبني تنمية؟!
في الحقيقة، ورغم اختلافي مع الكاتبة في الكثير من المواطن، إلا أني معجب ببعض مقالاتها، لما تملك من دقة في تحديد مواطن الخلل، خاصة في العمل النيابي، حتى بعض تلك التي تنتقد الإسلاميين فيها، ولكني عجبت في الآونة الأخيرة من المبالغة في تحقير أفكار الناس وعقائدهم، فإذا كانت الكاتبة لا تملك عقيدة، ترضى وتغضب لأجلها، فكثير من الناس، بل أغلبهم، يملكون، ومن العيب التسفيه بها بهذه الصورة الفجة.
ختاماً، أنصح الكاتبة بأن ترأف بقلبها الذي يتقطع حسرةً وألماً لما يحمله المجتمع، ربما بأسره، من فكر وعقيدة، وتخلف!

العراق.. منطق الانسحاب

العراق.. منطق الانسحاب
8 حجج توجب على الولايات المتحدة الانسحاب الفوري من العراق
 
   على غرار (فيتنام.. منطق الانسحاب) لمؤلفه المؤرخ الأميركي "هوارد زن"، مناهض الحرب، وصاحب الكتاب المشهور (تاريخ الولايات المتحدة) الذي انتشر انتشاراً واسعاً، أصدر الكاتب "أنتوني آرنوف" العام الماضي (العراق.. منطق الانسحاب).
 
   يحتوي الكتاب على سبعة فصول، إضافة لمقدمة ومقال في نهاية الكتاب بعنوان (وماذا بعد؟ حول الاستثنائية الأميركية) بقلم زن، وفي النهاية ملحق: إعلان اسطنبول – إعلان محكمي الضمير، المحكمة العالمية حول العراق.
 
   ألخص لكم في الفقرات التالية أهم فصل من فصول الكتاب، والذي عنونه المؤلف بعنوان الكتاب "منطق الانسحاب"، حيث قدم فيه الحجج التي توجب على الولايات المتحدة أن تنسحب فوراً من العراق. والسبب الذي دفعني لهذا التلخيص ونشره هو الفكرة التي يحملها عدد ليس قليل من الناس التي تقول أن الانسحاب الأميركي من العراق أمراً خاطئاً في هذه المرحلة. لا أملك الجرأة في تصحيح وتخطئة هذا الرأي أو ذاك، فلست أهلاً للإفتاء في هذه المسائل العظيمة، ولكني في الحقيقة أؤمن بوجهة نظر الكاتب، وبشدة! بل ربما أستغرب ممن لا يؤمن بها، وبشدة أيضاً!
 
يقول هوارد زن في تقديمه للكتاب:
   "بعد سنتين من التصعيد الأميركي في فيتنام، في ربيع عام 1967، ألفت كتاباً بعنوان (فيتنام: منطق الانسحاب). وكان أول كتاب عن الحرب، الذي حث على رحيل فوري من جنوب شرق آسيا، وسمعت في ذلك الوقت الحجج نفسها ضد الانسحاب، والتي نسمعها الآن، ولم تسحب الولايات المتحدة جنودها طوال ست سنوات لاحقة، وفي تلك السنوات، قتل ما لا يقل عن مليون فيتنامي آخر وربما 30 ألف جندي أميركي."
 
   ومما سطره أيضاً في مقدمته القصيرة، هذا السؤال الاستنكاري: "هل أدى احتلالنا لمدة خمسين سنة للفلبين أو احتلالنا الطويل لهاييتي (1915 – 1934) وجمهورية الدومينيكان (1916 – 1924) أو تدخلاتنا العسكرية في جنوب شرق آسيا ومنطقة الكاريبي، طوال القرن العشرين، إلى تحقيق الديمقراطية في تلك الأماكن؟".
 
   استعرض الكاتب في بداية الفصل السادس "منطق الانسحاب" بعض نتائج استطلاعات الرأي التي قامت بها عدد من وسائل الإعلام الأميركية، والتي تبين بعض المؤشرات المهمة منها: معظم الأميركيين يشكون في صدق بوش ونزاهته، ولا يوافقون العمل الذي يقوم به كرئيس، كما يعتقد نصف الأميركيين تقريباً أن الغزو كان غلطة.
 
   ولكنه يبدي أسفه مستغرباً "نحن نواجه الوضع الغريب لكثير من الناس الذين يحتشدون ضد حرب غير عادلة لكنهم يؤيدون على مضض، الاحتلال العسكري الناجم عنها".
 
ثم أورد ثمانية أسباب توجب –حسب رأيه- على الولايات المتحدة أن تنسحب على الفور:
 
1- ليس للجيش الأميركي أي حق في وجوده في العراق في المقام الأول
   دحض الكاتب -كما فعل كثيرون غيره- التبريرات التي أطلقها دعاة الحرب لتبرير جرمهم: أسلحة دمار شامل، صدام يشكل تهديداً وشيكاً، دعم الإرهاب والإرهابيين. ونقل تصريحاً لرولف ايكوس، المدير التنفيذي التابع للأم المتحدة لعمليات التفتيش عن الأسلحة من 1991-1997م قال فيه: (يمكنني القول إننا قضينا بشكل أساس على قدرات العراق في جميع المجالات). ونقل أيضاً تصريحاً مهماً آخر لنائب الرئيس ديك تشيني للـ CNN صدر في آذار 2001: (لا أعتقد أن لصدام حسين تهديد عسكري مهم في هذه الأيام).
 
2-   الولايات المتحدة لا تجلب الديمقراطية للعراق
   بعد كذبة أسلحة الدمار الشامل جاءت الولايات المتحدة بكذبة جديدة، أنهم يجلبون الديمقراطية للشعب العراقي. ولكن الأسباب الحقيقية وراء الاحتلال حسب رأيه يمكن أن ألخصها في سببين رئيسيين، الأول: "السيطرة على النفط وخطوط أنابيب النفط وطرق شحن النفط بالسفن". وذلك للتضييق على المنافسين، وأبرزهماالعملاقين الاقتصاديين الصاعدين، الهند والصين. كما ذكرت وثيقة حكومة بوش: "إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة"، في أيلول 2002 فإن أميركا لن تسمح بظهور أي منافس محتمل، في سعيها إلى الإبقاء على الفجوة الكبيرة بينها وبين القوى الأخرى". أما السبب الثاني فيكمن في "استغلال الطرق كنقطة انطلاق من أجل تدخلات أخرى لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط".
 
   ويقول الكاتب بعد أن فند حجة جلب الديمقراطية للعراق: "من المهم إثارة نقطة أكبر، فالديمقراطية لا يمكن إقامتها على يد قوى خارجية تحت تهديد السلاح. ولا يمكن أن تأتي الديمقراطية الحقيقية إلا عن طريق كفاح الشعب من أجل التحكم بحياته وظروفه، من خلال حركات ديمقراطية بطبيعتها. وحين تواجه الحكومة الأميركية مثل هذه الحركات, مثل الانتفاضة العراقية عام 1991، فإنها فضلت بثبات أن تراها وقد سحقت بدلاً من أن تراها تنجح".
  
   فأميركا لا تقف مع الشعوب التي تناضل فعلاً للحصول على حياة أفضل، بل تفضل "عبارتها المجازية (الاستقرار) حتى وإن كانت تعني مساندة قوى دينية أصولية رجعية أو أنظمة قمعية".
 
3-   الولايات المتحدة لا تجعل العالم أكثر أمناً باحتلال العراق
سأوجز تفسير المؤلف لهذه الحقيقة في ثلاث نقاط:
الأولى: تشجيع دول أخرى للعمل بنفس المنطق، "فبعد 11 سبتمبر، وصفت هند منافستها النووية، باكستان بأنها بؤرة إرهاب. واغتالت إسرائيل العديد من الفلسطينيين، وقصفت سوريا وهددت بضرب إيران. وقد قال يوري لانداو، وزير الأمن العام الإسرائيلي: (إنك لا تتفاوض مع الإرهاب، بل تجتثه، وهذا ببساطة هو مبدأ بوش الذي نأخذ به)".
 
الثانية: دفع بعض الدول نحو التسلح النووي، وذلك لتطوير رادع للقوة الأميركية.
 
الثالثة: ازدياد سخط وغضب كثير من الناس ضد أميركا وحلفائها، والنتيجة الحتمية تعرضها للهجمات الإرهابية، مثل "هجمات مدريد 11 آذار 2004، وهجمات لندن 7 تموز 2005".
 
4-   الولايات المتحدة لا تمنع الحرب الأهلية في العراق
   وهذه الحجة الأكثر انتشاراً في أوساط من عارض الحرب ولكنه الآن يعارض فكرة انسحاب القوات الأميركية من العراق، "يقول مراسل مخضرم في الشرق الأوسط، وهو وبرت فيسك، فإن القوى الاستعمارية استخدمت منذ فترة طويلة المبرر بأنها لا تستطيع أن تنسحب حتى لا يسقط المواطنون المحليون في حرب أهلية، (ففي عام 1920 حذر رئيس الوزراء البريطاني دافيد لويد جورج من حرب أهلية في العراق إذا رحل الجيش البريطاني، مثلما يهدد الأميركيون العراقيين حالياً بوقوع حرب أهلية إذا وقعوا)".
 
يمكنني أن أقسم كلام المؤلف حول هذه الحقيقة إلى ثلاثة نقاط:
الأولى: سياسة فرق تسد، "فواشنطن لا تمنع نشوب حرب أهلية، ففي الحقيقية، فإن سلطات الاحتلال تضرب الأكراد بالعرب، والشيعة بالسنة، وفصيلاً ضد فصيل آخر للتأثير على سمة الحكومة المستقبلية، بإتباع سياسة "فرق تسد". ويقتبس من مقالة لكاتب العمود الشهير، توماس فريدمان: (علينا أن نسلح الشيعة والأكراد ونترك السنة العراقيين يقبضون على الريح).
 
الثانية: الدستور العراقي، نقل المؤلف قول فيليس بنس: (فمشروع الدستور يشجع ليس فقط الفدرالية كهيكل حكم وطني، بل تصوراً مفرطاً للفدرالية، والتي ليست كل الصلاحيات فيه بيد الحكومة المركزية، بل تنتقل بشكل تلقائي إلى السلطات الإقليمية، مما يهيئ المجال أمام تقسيم محتمل للعراق وفق خطوط عرقية ودينية).
 
   يقول المؤلف: وليس من قبيل الصدفة أن السنة هم الخاسرون في هذا الترتيب، وهنا يقول بينس: (سوف تدير الحكومة الفدرالية النفط والغاز من الحقول الحالية، مع توزيع العائدات بإنصاف بما يتفق مع التوزيع السكاني في كل أنحاء البلاد، لكن الضمانة تشير فقط على حقول النفط المستخدمة فقط؛ تاركة الاستغلال المستقبلي لثلثي الاحتياطات المعروفة في العراق.. وذلك يعني أن التنقيب والاستغلال في المستقبل لثروة العراق النفطية سيظلان بيد السلطات الإقليمية، التي يوجد لديها النفط – الشمال الذي يسيطر عليه الأكراد، والجنوب الذي يسيطر عليه الشيعة، مما يضمن مستقبل فقر لسكان بغداد ووسط العراق السنيين والعلمانيين والمختلطي النسب، ويهيئ الساحة أمام مستقبل صراع عرقي وديني).
 
الثالثة: دعم الأصولية الإسلامية، فقد أحضرت الولايات المتحدة الأحزاب الأصولية التي كانت مهمشة في السابق مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي تدعمه إيران، إلى الحكومة العراقية.
 
5-   الولايات المتحدة لا تواجه الإرهاب ببقائها في العراق
   أشارت وكالة الاستخبارات الدفاعية إلى أن صدام حسين كان "حذراً من الثورات الحركات الثورية الإسلامية"، وأن من غير المعتمد أن تقوم بغداد "بتوفير المساعدة لحركة لا تستطيع السيطرة عليها". كما أن القاعدة لم تظهر في العراق للمرة الأولى إلى بعد الغزو.
  
 يضيف المؤلف: "الأمر الأكثر إنتشاراً هو الفكرة بأن على الولايات المتحدة أن تبقى في العراق حتى تنهزم المقاومة للاحتلال، لكن الاحتلال نفسه هو مصدر المقاومة". ونقل تعليقات علنية لجنرالات أميركيين يديرون الحرب: (إن ال149 ألف جندي أميركي في العراق هم جزء من المشكلة بشكل متزايد.. وقال الجنرالات إن وجود القوات الأميركية كان يذكي التمرد).
 
6-   الولايات المتحدة لا تكرم الذين ماتوا بمواصلة الصراع
   بعد أن أطلق بوش اعترافاً علنياً نادراً بعدد الجنود الذين قتلوا في العراق وأفغانستان قال: (إننا ندين لهم بشيء، سوف نكمل المهمة التي ضحوا بأرواحهم من أجلها، وسوف نكرم تضحياتهم بمواصلة الحرب ضد الإرهابيين). ردّت شيهان،التي فقد ابنها في حرب العراق، والتي حظيت باهتمام وسائل الإعلام لملاحقتها لبوش وحمل يافطات تدعو لسحب القوات الأميركية من العراق: (لماذا يجب علي أن أرى أمّاً أخرى تمر في تجربتي أن ابني ميت؟ إنني لا أريد منه أن يستخدم موت ابني أو تضحية أسرتي لمواصلة القتال). وقالت أيضاً: (إن ابني ضحية حرب وليس بطلاً.. فأين النبل إزاء ما فعله؟ دخول وغزو بلد لا يشكل أي تهديد للولايات المتحدة – إن هذا ليس نبلاً).
 
7-   الولايات المتحدة لا تبني العراق
   إن المتعهدين الموجودين الآن في العراق ليسوا لمساعدة الشعب العراقي بل لمساعدة أنفسهم، يعتمدون على علاقاتهم الوثيقة مع السياسيين المتنفذين لتأمين عقود وأرباح من ما يسميه براتاب تشاتاري "خدعة إعادة البناء". والحقيقة أن هاليبرتون، بكتل، والشركات الأخرى في العراق تنهب الأكثر مما تعيد بناءه، وقد اضطر العراقيون إلى دفع أسعار خيالية لاستيراد النفط، مما أفاد شركات مثل فرع هاليبرتون، كيلوغ، براون آند روث، بينما ينبغي على العراقيين العاديين أن يصطفوا في طوابير تستمر في بعض الأحيان أياماً لشراء البنزين.
 
8-   الولايات المتحدة لا تفي بالتزامها للشعب العراقي إزاء الأذى والمعاناة اللذين تسببت بهما
"إن الذين يدعون إلى انسحاب فوري لا يدافعون عن موقف عزلة، وعن التملص ببساطة من أي التزام للشعب العراقي، فهل تحمل الحكومة الأميركية أي التزام للشعب العراقي؟ نعم بشكل أكيد، وهو التزام إزاء الجرائم التي دعمتها واشنطن لسنوات، حين كان صدام حسين حليفاً وإزاء تسليح كلا الطرفين ومساندته في حرب إيران-العراق الشرسة، وإزاء الدمار الذي سببته حرب الخليج عام 1991، واستخدام ذخيرة اليورانيوم المنضب والقنابل العنقودية والفوسفور الأبيض، والعقوبات المدمرة والإذلال والقتل، اللذين نجما عن غزو 2003، والضرر الكبير الذي سببه الاحتلال منذ ذلك الحين".
  
   ثم يقدم الكاتب رؤيته في الطريقة التي يجب على الولايات المتحدة أن تعين فيها العراق، كإنهاء الاحتلال الاقتصادي، وإلغاء جميع الديون التي خلفها النظام السابق، والتي لم يتم إعفاء الكثير منها، وغيرها من تدابير، وفي نفس الوقت يؤكد "لكن الخطوة الأولى للوفاء بهذا الالتزام هي الانسحاب على الفور."

الأخــلاق

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيً).

موضوع الأخلاق، هذا الموضوع المهضوم حقه، إن وقعت عليه عين السياسي، أدارها وبسرعة إلى موضوع آخر، موضوع ينقل المستجدات المحلية والإقليمية والدولية، مع شيء من التحليل وإبداء الرأي، فمكارم الأخلاق معروفة بالنسبة له، أكل على دروسها الدهر وشرب، ولا حاجة للتذكير بمواعظ الجدة أو الوالدين أو أستاذ المدرسة. آه لو يعلم كم هي بحاجة إلى الأخلاق تلك التي يمارسها "السياسة".

ولا أظن الحال يختلف مع الاقتصادي، فعنوانه و"طلة" سريعة على سطوره، وغياب رسم "الأرقام" واتجاه "الأسهم" في مواضيع كهذا الموضوع، كفيلة بأن تدفعه لشطبه من قائمة اهتماماته، وإلقاءه في مهملات ذهنه، وليته يعلم هو الآخر بارتباط الأخلاق بإضعاف الدخل، وتدمير الموارد –بالرشوة مثلاً-، وقلة الإنتاج وانحرافه، وغيرها من قضايا اقتصادية مهمة.

والمؤسف حقاً، أن هذا الموضوع لا يحظ بالاهتمام الذي يستحقه حتى عند بعض طلبة العلم الشرعي، فإن تحدث به شيخٌ عندهم، صار الشيخ ضعيفاً، بعبارة أوضح، ليس متبحراً قوياً! فالقوة عند هؤلاء البعض أن يستعرض الشيخ، في كل درس، العقيدة في أسماء الله وصفاته، ويذكر أقوال الفرق الضالة ويرد عليها، أو أن لا يفتأ مجلسه من ذكر الجماعات ومخالفتها "للمنهج" والتشهير بأفرادها. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إنا بعثت لأتمم صالح الأخلاق)! فهل يعي هؤلاء حقاً عظيم دلالة هذا الاستثناء الوارد في الحديث؟!

ولكن ولله الحمد، هناك من يهتم بهذا الموضوع كثيراً، يا الله كم تأنس بأخلاقهم، وكم يرتاح قلبك بصحبتهم، يستقبلونك دوماً بالابتسامة والسؤال، ويحدثونك بأطيب المقال، ويذكرونك بكل خير، ولكن للأسف، ليس ذلك إلا ما دمت توافقهم في كل شيء دون استثناء، ما عدا المسائل الشرعية، ففيها وحدها يتسع المجال للاختلاف، فلا داعي لتكدير الائتلاف، فكل مسألة لها قول آخر! ربما نحتاج أن نضيف قبل النصوص التي تأمرنا بمكارم الأخلاق عبارة بسيطة تقول: "هذه الأخلاق يجب أن نتعامل بها مع كل مسلم، سواء كان في حزبنا، عفواً مجموعتنا أم لا، وسواء اتفق معنا في مواقفنا السياسية أم لا".

هُضِمَ حق "الأخلاق" كثيراً، فلم تحظ بالاهتمام الكافي، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه، من انتشار مخيف مزعج لأخلاق سيئة قبيحة، وتساهل غير مبرر في مواجهتها، وما أظن سبب ذلك إلا لجهلنا المركب بآثارها المدمرة، التي تهدم المجتمع شيئاً فشيئاُ، حتى يغدو مجتمعاً سيئاً غير صالح، يمقت الإنسان العيش فيه!

هل أنا بحاجة لنقل أمثلة من مساوئ الأخلاق المنتشرة وبكثرة، لأثبت صحة مواجهتنا فعلاً لأزمة أخلاقية؟ سجلوا معي: غيبة ونميمة وكذب، لعن وسب وقذف، تبرج وتفسخ، سرقة وغش، خيانة ونفاق، عقوق وقطيعة، وغيرها كثير، وأسوأها تلك القلبية منها، كالحقد والحسد والكِبر وسوء ظن، وغيرها، وهذه الأخيرة، مرعبٌ جداً تصور حقيقة انتشارها ومعرفة حقيقة آثارها.

يجب أن ننهي جميعاً عدم الشعور بالمسئولية تجاه هذه الأزمة الأخلاقية التي نعيشها اليوم، وأن نبذل أكبر قدر من الجهد لنشر محاسن الأخلاق، والحد من سيئها، في كل الميادين، وأن نولي هذا الأمر اهتماماً بالغاً. وعلى الآباء أن يراقبوا جيداً أخلاق أبناءهم، وأن يربوهم على مكارم الأخلاق من صدق ورحمة وفضيلة وأدب وغيرها، ويحذروهم من مساوئها، فإنه "ينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوّده أبوه". ولا أنس من تُسلط عليهم الأضواء، قادة المجتمع وساستهم، فليتذكروا دوماً كم ممارسة السياسة بحاجة إلى الأخلاق.

كم “أمة الإسلام” نحن ؟!

كم "أمة الإسلام" نحن ؟؟

وكم "إلايجا محمد" يقودنا ؟؟

 

وأنا أقرأ في كتاب (مالكوم إكس.. النصوص المحرمة ونصوص أخرى) للأستاذ حمد العيسى، وهو كتاب جميل وجدير بالقراءة، عن نقطة تحول مالكوم إكس تحديداً، التي كانت في عام 1964، بعد زيارته لمكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وكيف تغيرت حينها وجهة نظره حول تقييم "الأبيض"، وأن الأفعال هي التي تميز المرء لا لون بشرته.

وأنا أقرأ قصة انقلابه على جماعة "أمة الإسلام" التي اكتشف مالكوم أنها لا تدعو إلى الإسلام الصحيح بعد حجته، وعلى زعيمها "إلايجا محمد" الذي أطلق على نفسه لقب (رسول الله)! فقام مالكوم ينتقده علانية بعد فترة طويلة من السكوت على أفعاله المشينة. تبادر إلى ذهني السؤال التالي، يا ترى كم "أمة الإسلام" في وطننا العربي؟! وكم "إلايجا محمد" يقود المسلمين هنا؟!

نعم هناك الكثير من "أمم الإسلام"، والكثير من أتباع هذه "الأمم"، ولكن السؤال الأهم، والذي يتبادر إلى ذهن كل من يفكر في الحلول العملية متى ما واجه مصيبة، هو إذا كان تغيير عقيدة وإسلام مالكوم إكس كان بسبب رحلة الحج، فما هو السبب الكفيل لتغيير عقيدة وإسلام أتباع "أمم الإسلام" في الوطن العربي؟! خاصة وأن الكثير منهم، لقرب المسافة، قد أدوا فريضة الحج، بل والعمرة كذلك، وربما مرات عديدة!

أهو نشر تعاليم هذا الدين العظيم بكل وسيلة، والدعوة للرجوع والتمسك بالمعين الصافي، كتاب الله وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! لا شك في أن ذلك أساس عملية التغيير، ولكن العلم الشرعي وحده غير كفيل بإحداثه، وقد قال تعالى: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) وماذا يفيد العلم إذا استقبلته عقول جامدة صامدة معاندة متحجرة، غارقة في وحل الباطنية والتقليد الأعمى؟!

بعد أيام من إحراق منزل مالكوم، في محاولة فاشلة لقتله، ونجاته هو وأفراد عائلته بأعجوبة، قُتل مالكوم بالرصاص في 21 فبراير 1965، أطلقه عليه ثلاثة رجال سود من جماعة "أمة الإسلام"، بعد تهديدات عدة تدعوه ليكف عن انتقاد "إلايجا محمد". والتساؤل الذي شغلني هنا أيضاً، هو هل سيكون القتل المصير نفسه لمن يواجه "أمم الإسلام" في الوطن العربي ويفضح تناقضها وأخطاءها، العقدية خاصة؟! ربما، ولكن أبداً لن يسلم من مضايقة أتباع هذه "الأمم" له، ولن يهرب من التشهير والقذف بأبشع الأوصاف وأقبح العبارات.

إنها مجرد تساؤلات، ولكن الإجابة التي لا شك فيها، أن عدداً كبيراً من الناس سيتخلون عن "أمم الإسلام" وسيواجهون جمعاً من "إلايجا محمد" بعد أن يتعلموا الإسلام الصحيح، ولكن هذا لن يكون إلا متى ما حملوا عقلاً وحياديةً وصدقاً كالذي حمله مالكوم إكس، ومتى ما امتلكوا جرأة كجرأة هذا البطل المناضل، التي مكنته من مواجهة أتباع "أمة الإسلام" والصبر على أذاهم، وهذا ما يجب أن نركز عليه، الدعوة لاستخدام العقل، والتشجيع لامتلاك الجرأة، وعندها سيتغير واقعنا المؤلم بإذن الله، وسننضم إلى أمة الإسلام، حيث لا "إلايجا محمد" ولا خرافات "أمة الإسلام"!

هذه رؤية مثالية مستحيلة، فالحقيقة المُرَّة، التي يجب أن يتقبلها المسلم هي أن "أمم الإسلام" لن تضمحل تماماً، وستظل موجودة، بل قد تزداد ويزداد أتباعها، بقيادة أمثال "إلايجا محمد"، فهذه سنة كونية لا مهرب ولا مفر منها، ولكن السعي لتقليلها، وتقليل أتباعها، مطلب شرعي مهم.

ولأذكرنّك قائماً أو قاعداً

 

 

يا الله

 

أنت الذي صورتني وخلقتني

وهديتني لشرائع الإيمان

أنت الذي علمتني ورحمتني

وجعلت صدري واعي القرآن

أنت الذي أطعمتني وسقيتني

من غير كسب يد ولا دكان

وجبرتني وسترتني ونصرتني

وغمرتني بالفضل والإحسان  

أنت الذي آويتني وحبوتني

وهديتني من حيرة الخذلان  

وزرعت لي بين القلوب مودة

والعطف منك برحمة وحنان

ونشرت لي في العالمين محاسنا

وسترت عن أبصارهم عصياني  

وجعلت ذكري في البرية شائعا

حتى جعلت جميعهم إخواني

والله لو علموا قبيح سريرتي

لأبى السلام علي من يلقاني  

ولأعرضوا عني وملوا صحبتي

ولبؤت بعد كرامة بهوان  

لكن سترت معايبي ومثالبي

وحلمت عن سقطي وعن طغياني  

فلك المحامد والمدائح كلها

بخواطري وجوارحي ولساني

ولقد مننت علي رب بأنعم

مالي بشكر أقلهن يدان

فوحق حكمتك التي آتيتني

حتى شددت بنورها برهاني

 لئن اجتبتني من رضاك معونة

حتى تقوي أيدها إيماني

 لأسبحنك بكرة وعشية

ولتخدمنك في الدجى أركاني

 ولأذكرنك قائما أو قاعدا

ولأشكرنك سائر الأحيان

ولأكتمن عن البرية خلتي

ولأشكون إليك جهد زماني

ولأقصدنك في جميع حوائجي

من دون قصد فلانة وفلان

ولأحسمن عن الأنام مطامعي

بحسام يأس لم تشبه بناني

ولأجعلن رضاك أكبر همتي

ولأضربنّ من الهوى شيطاني

ولأكسون عيوب نفسي بالتقى

ولأقبضن عن الفجور عناني

ولأمنعن النفس عن شهواتها

ولأجعلن الزهد من أعواني

ولأتلون حروف وحيك في الدجى

ولأحرقن بنوره شيطاني 

من نونية القحطاني

ليست مجرد تجربة (8)

عضو مجلس الطلبة

أعلنت عمادة شئون الطلبة عن فتح باب الترشيح لعضوية مجلس الطلبة لدورته الثالثة 2004-2005. فاستشرت الأخ أحمد المحمود، وهو أحد أعضاء المجلس في دورته الثانية، قال لي: (شيء جميل أن يساهم الطالب في صنع القرار، ودخولك للمجلس فكرة جيدة ولكن ربما يصعب وصولك في كلية إدارة الأعمال؟) هذا مثال لإجابات صريحة قالها لي بعض من  استشرتهم، يختلف المثال عن بقية الإجابات في الأسلوب لكنه يتفق معها جميعاً في المضمون،  بيّنوا لي أن التجربة لا شك بأنها ستكون مثمرة إلا أنهم كانوا واضحين في إبداء تخوفهم من ترشيح نفسي في كلية إدارة الأعمال، الكلية الأكثر تحرراً في جامعتنا، وفي كل الجامعات العربية التي عرفتها، حيث كانوا يشككون في إمكانية فوزي في الانتخابات بهذا المظهر، حيث اللحية طويلة والثوب قصير!

قيل: "ما خاب من استخار، وما ندم من استشار"، بالمناسبة العبارة السابقة حديث مكذوب موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها حكمة في محلها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخير ربه، ويستشير أصحابه. بعد استشارتي استخرت ربي في خطوتي هذه، أأقدم عليها أم أحجم؟ فانشرح صدري لفكرة الإقدام، وذهبت لأكمل إجراءات تقديم طلب الترشيح، وكان عدد طلبة كلية إدارة الأعمال آنذاك يفوق الأربعة آلاف طالب وطالبة، مما يعني أن المترشحين في الكلية سيتنافسون على أربعة مقاعد، كما نصت عليه اللائحة الأساسية للمجلس: "ممثّل لكل ألف طالب على أن لا يقل عدد ممثلي الكلية الواحدة عن عضو واحد، ويقوم الطلبة بالانتخاب العام المباشر لهؤلاء الممثلين".

بعد أن أُغلق باب الترشيح وصل عدد المرشحين لكليتي -كلية إدارة الأعمال- خمسة، من ضمنهم أنا والأخ حمد الزيرة المدعوم من قائمة الطالب أولاً، القائمة التي يديرها مركز البحرين الشبابي التابع لجمعية الوفاق كما أسلفنا.

سبق وأن رشح حمد الزيرة نفسه في المرة السابقة ولم يفز، وكله حرص هذه المرة على دخول المجلس، بل كان يطمح لرئاسته، وهو طالب متفوق دراسياً، يذكرني بنوع من الطلبة الذين يجيدون دراستهم ولا يجيدون شيئاً آخر، لا أستطيع أن أقول بأنه كان كذلك لكنه كان يذكرني بهذا الصنف من الطلبة!

بطلب منه اجتمعنا، هو وأنا خارج الجامعة، لنتحاور حول مدى إمكانية انسحاب أحد المرشحين، ليصل الأربعة الباقين بالتزكية دون اللجوء لعملية التصويت، فقد كان يخشى كثيراً أن يتكرر فشله في الوصول كما حدث في العام الماضي، وكان أحد المترشحين الذي يرغب هو أكثر مني في انسحابه عضوٌ في نفس قائمته، قائمة الطالب أولا !

بعد دقائق من انطلاق الحوار العادي الذي دار بيننا بدأت أكلمه بأسلوب غير عادي، تحولت إلى مؤلف فيلم رعب من الدرجة الأولى! وفي الوقت نفسه تكلمت بلسان الناشط الطلابي العارف تماماً لتقسيمات الكلية، والضامن بالفوز! وفي حقيقة الأمر لم أكن أبداً كذلك. حجّمت كثيراً من إمكانية وصوله للمجلس إذا ظل الوضع على ما هو عليه، وأنه لا بد من أن يضغط على إدارة قائمته لتسحب مرشحها الثاني ليضمن وصوله لا وصول صاحبه. لم أتركه إلا وأنا مقتنع بأن ليست للأحلام السعيدة إليه سبيل في ليلته تلك!

بدأت الحملات الانتخابية، وتفنن كل مرشح في إبراز مواهبه، وكان تصميم الإعلان الانتخابي أهم ما يجب على المرشحين الاهتمام به، فإنه يعكس أموراً كثيرة عن شخصياتهم، وهذا ما لم أفقهه حينها، فقد صمم لي صديقي وعلى وجه السرعة إعلاني الانتخابي، وذهبت مستعجلاً لطباعته في المركز الإعلامي الذي هيأته عمادة شئون الطلبة لطباعة الإعلانات الانتخابية للمرشحين، وبمساعدة ثلاثة أو أربعة من الأصدقاء علقنا الإعلانات بعد خروج الطلبة من الجامعة، أي قبل صلاة المغرب بقليل، وما هي إلا حوالي ثلاث ساعات، إلا وإعلاناتي على كل جدار في الكلية.

بعد أن وصلت البيت راجعاً من الجامعة، منهكاً تعبان، اتصل بي صديقي وليد الشيخ، أعني هنا بكلمة صديقي كل ما تعنيه الكلمة من معنى الصداقة وكل ما تحمله الصداقة من معنى!، وطلب مني إرسال صورة إعلاني الانتخابي عبر البريد الالكتروني، وبعد إرسال الإعلان بثوانٍ كانت الصدمة! اتصل بي وليد مرة أخرى قائلاً: (لا يمكن أن أرضى بظهورك بهذه الصورة، تصميم الإعلان تعبان جداً) فقلت له: (ماذا أفعل يا وليد؟ لقد علقنا الإعلان في كل مكان!) قال: (تصرف، لا يمكن أن تظهر للطلبة بهذه الصورة). فعلاً كان الإعلان سيء جداً، أدركت ذلك بعد أن رأيت إعلانات الطلبة الآخرين، لم يكن حتى يحمل صورتي! ألم أقل لكم أن الاستعجال صفة لازمتني وتدخلت في حياتي كثيرا.

كانت كارثة لو رأى الطلبة إعلاني الرديء أمام إعلانات الطلبة الآخرين التي تميزت بإخراج فني رائع، يجب أن لا يرى الطلبة صباح اليوم الثاني الإعلان، ماذا أفعل فالساعة الآن الواحدة بعد منتصف الليل تقريبا! ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسمح لي الأمن بدخول الجامعة لإزالة الإعلان من على الجدران!

الحمد لله الذي يسر لي حلاً، اتصلت بصديق سعودي يدرس بالجامعة ويسكن فيها أيضاً، فأخبرته بالمعضلة التي تواجهني وطلبت منه إزالة الإعلانات أول ما تفتح أبواب مباني الكلية في صباح اليوم الثاني، فطمأنني ووعدني بأنه قادر على أداء المهمة وبنجاح. في اليوم الثاني وصلت للجامعة بعد الساعة التاسعة صباحاً وكلي خوف من ما قد يترك الإعلان من انطباع لو أن صاحبي لم ينجح في إزالته في الوقت المطلوب، بعد أن دخلت الجامعة لم أرَ لإعلاني أثر سوى أربعة إعلانات كنا قد علقناها في مكان مرتفع يصعب الوصول إليه. فاتصلت بصديقي أشكره وسألته: (متى وكيف أزلت كل هذه الإعلانات؟) فقال: (قبل أن يصل الطلبة بحوالي ساعة، رأيت عاملين نظافة، فأعطيت كل واحد منهما ديناراً وطلبت منهم إزالة إعلاناتك كلها). كم من مهمات وواجبات أنهيتها في اللحظات الأخيرة؟! ربما يصعب علي عدها! "كله على آخر الوقت" عبارة سمعتها كثيراً ولا زلت.

بتصميم بسيط وجميل، وبجهد مشكور من صديقي وليد، خرج الإعلان الثاني، فيه هذه المرة صورتي واسمي وشعاري الانتخابي الذي اخترته: "ليست مجرد تجربة.. إنما حياة جامعية جديدة". عُلِقَ الإعلان وبدأت في محاولة تشكيل فريق انتخابي يعمل معي خلال الأيام القادمة، وفي نفس الوقت كنت أتابع جهود الأخ حمد الحثيثة لسحب المرشح الخامس.

وبعد أربعة أو خمسة أيام من تعليق الإعلان، وقبل أن يتشكل فريقي الانتخابي، نجح حمد في إقناع إدارة قائمته الطلابية بسحب مرشحهم الثاني في الكلية، فانسحب ووصلنا نحن الأربعة البقية بالتزكية، حمد الزيرة، علي الشهابي، مي سلطان، وأنا.

كان لعضو مجلس الطلبة السابق وممثل كلية إدارة الأعمال، الأخ الفاضل أحمد يونس شريف، الفضل من بعد الله في إقناع حمد الزيرة بضرورة سحب مرشح قائمته الآخر، بعد أن عرض علي فكرة التحرك في هذا الاتجاه، والتي وافقت عليها طبعاً دون أي تردد.

وبعد أن تأكدت من انسحابه رسمياً سارعت للكلية، أنزع إعلاناتي الانتخابية، كانت النظرات تلاحقني في الكلية أينما ذهبت بسبب هذا الإعلان، بسبب الإعلان لا غير. كم كنت أخجل من تلك النظرات التي كانت تلاحقني خجلاً أشك في أني أملك قليلاً منه اليوم! هناك فرق بين الخجل والحياء.

وهكذا صرت عضواً بمجلس طلبة جامعة البحرين، بعيداً عن الجو الحقيقي للانتخابات وكل ما يحمله هذا الجو المشحون من عواصف الضغط والارتباك والخوف، وصرفت جهودي لمساعدة أصدقائي المرشحين في الكليات الأخرى. لذلك لم تكن تجربة الانتخابات الأولى تجربة كاملة!