

















ود.
قد لا تصدقون، بعد دقائق من انتهاء المشهد الرائع- أعني روعة التصوير والإخراج- الذي يروي أحداث قصف بيرل هاربر من قبل اليابانيين، في عملية انتحارية رهيبة، اتصل بي صديقي، وأنا داخل صالة العرض بالسينما، يقول بصوت الدهشة والاستغراب :(أحمد جفت "شصار"؟!)، بصوت منخفض قلت: (علي أنا في السينما، "شصاير"؟!)، فقال: (تم إسقاط برجين في الولايات المتحدة بواسطة طائرتان دخلتا فيهما!)، استغراب ودهشة ممزوجين بشيء من الـ..، لا يهم! وقلت: (علي، الأميركيين يُقصفون هنا أيضاً، في الفيلم!). كانت تلك آخر زيارة لي إلى السينما، 11 سبتمبر 2001، فيلم بيرل هاربر.
أمس وقعت عيناي على إعلان عرض فيلم SICKO، الفيلم الوثائقي الذي يفضح فيه المبدع مايكل موور مساوئ وظلم النظام الصحي الأميركي، ولأني أجد نفسي مهتماً بعض الشيء، في هذه الفترة بالذات، لمعرفة المزيد عن المجتمع الأميركي، ولأني معجب جداً بعمل هذا الرجل، بغض النظر عن الانتقادات التي يواجهها –بعضها بطبيعة الحال في محلها-، كان من الأهمية بمكان بالنسبة لي أن أشاهد هذا الفيلم، فسارعت بالاتصال بالسينما لحجز مقعد، ففيلم حصد مخرجه على جائزة الأوسكار، وأثار ضجة كبيرة، واليوم أول أيام لعرضه، لا شك أن المقاعد ممتازة الموقع سيتم حجزها.لا أدري كيف يشك الواحد، مجرد شك، في أن الولايات المتحدة ستهتم بحياة الناس، وديمقراطية نظامهم، أكثر من اهتمامها الرديء جداً بشعبها؟! جنون وحماقة، بكل ما في الكلمتين من معنى، ولكي لا أحرق موضوع مقال آخر، فلن أطيل عند هذه النقطة، سأتوقف هنا. ولكن، ولكي لا يتهمني الأستاذ وأنصاره بالتهمة المعتادة، فها أنا أحلف (والله إني لستُ بوقاً حكومياً).
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيً).
موضوع الأخلاق، هذا الموضوع المهضوم حقه، إن وقعت عليه عين السياسي، أدارها وبسرعة إلى موضوع آخر، موضوع ينقل المستجدات المحلية والإقليمية والدولية، مع شيء من التحليل وإبداء الرأي، فمكارم الأخلاق معروفة بالنسبة له، أكل على دروسها الدهر وشرب، ولا حاجة للتذكير بمواعظ الجدة أو الوالدين أو أستاذ المدرسة. آه لو يعلم كم هي بحاجة إلى الأخلاق تلك التي يمارسها "السياسة".
ولا أظن الحال يختلف مع الاقتصادي، فعنوانه و"طلة" سريعة على سطوره، وغياب رسم "الأرقام" واتجاه "الأسهم" في مواضيع كهذا الموضوع، كفيلة بأن تدفعه لشطبه من قائمة اهتماماته، وإلقاءه في مهملات ذهنه، وليته يعلم هو الآخر بارتباط الأخلاق بإضعاف الدخل، وتدمير الموارد –بالرشوة مثلاً-، وقلة الإنتاج وانحرافه، وغيرها من قضايا اقتصادية مهمة.
والمؤسف حقاً، أن هذا الموضوع لا يحظ بالاهتمام الذي يستحقه حتى عند بعض طلبة العلم الشرعي، فإن تحدث به شيخٌ عندهم، صار الشيخ ضعيفاً، بعبارة أوضح، ليس متبحراً قوياً! فالقوة عند هؤلاء البعض أن يستعرض الشيخ، في كل درس، العقيدة في أسماء الله وصفاته، ويذكر أقوال الفرق الضالة ويرد عليها، أو أن لا يفتأ مجلسه من ذكر الجماعات ومخالفتها "للمنهج" والتشهير بأفرادها. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إنا بعثت لأتمم صالح الأخلاق)! فهل يعي هؤلاء حقاً عظيم دلالة هذا الاستثناء الوارد في الحديث؟!
ولكن ولله الحمد، هناك من يهتم بهذا الموضوع كثيراً، يا الله كم تأنس بأخلاقهم، وكم يرتاح قلبك بصحبتهم، يستقبلونك دوماً بالابتسامة والسؤال، ويحدثونك بأطيب المقال، ويذكرونك بكل خير، ولكن للأسف، ليس ذلك إلا ما دمت توافقهم في كل شيء دون استثناء، ما عدا المسائل الشرعية، ففيها وحدها يتسع المجال للاختلاف، فلا داعي لتكدير الائتلاف، فكل مسألة لها قول آخر! ربما نحتاج أن نضيف قبل النصوص التي تأمرنا بمكارم الأخلاق عبارة بسيطة تقول: "هذه الأخلاق يجب أن نتعامل بها مع كل مسلم، سواء كان في حزبنا، عفواً مجموعتنا أم لا، وسواء اتفق معنا في مواقفنا السياسية أم لا".
هُضِمَ حق "الأخلاق" كثيراً، فلم تحظ بالاهتمام الكافي، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه، من انتشار مخيف مزعج لأخلاق سيئة قبيحة، وتساهل غير مبرر في مواجهتها، وما أظن سبب ذلك إلا لجهلنا المركب بآثارها المدمرة، التي تهدم المجتمع شيئاً فشيئاُ، حتى يغدو مجتمعاً سيئاً غير صالح، يمقت الإنسان العيش فيه!
هل أنا بحاجة لنقل أمثلة من مساوئ الأخلاق المنتشرة وبكثرة، لأثبت صحة مواجهتنا فعلاً لأزمة أخلاقية؟ سجلوا معي: غيبة ونميمة وكذب، لعن وسب وقذف، تبرج وتفسخ، سرقة وغش، خيانة ونفاق، عقوق وقطيعة، وغيرها كثير، وأسوأها تلك القلبية منها، كالحقد والحسد والكِبر وسوء ظن، وغيرها، وهذه الأخيرة، مرعبٌ جداً تصور حقيقة انتشارها ومعرفة حقيقة آثارها.
يجب أن ننهي جميعاً عدم الشعور بالمسئولية تجاه هذه الأزمة الأخلاقية التي نعيشها اليوم، وأن نبذل أكبر قدر من الجهد لنشر محاسن الأخلاق، والحد من سيئها، في كل الميادين، وأن نولي هذا الأمر اهتماماً بالغاً. وعلى الآباء أن يراقبوا جيداً أخلاق أبناءهم، وأن يربوهم على مكارم الأخلاق من صدق ورحمة وفضيلة وأدب وغيرها، ويحذروهم من مساوئها، فإنه "ينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوّده أبوه". ولا أنس من تُسلط عليهم الأضواء، قادة المجتمع وساستهم، فليتذكروا دوماً كم ممارسة السياسة بحاجة إلى الأخلاق.