الكتاب خير جليس في الأنام

هذا الموضوع إجابة طلب جاء من الأخت الكريمة (مريم المعـلا) في تعليقها على مقال (ملائكة وشياطين): (يا ريت ترشح لنا بعض الكتب اللي من الممكن نتسلى فيهم في الاجازة)، وتعمدت أن يكون ردي في موضوع مستقل، ليشاركنا الجميع اقتراحاتهم..
في رأيي مهم جداً أن تكون الكتب متنوعة، وهذه بعض الكتب التي وجدتها رائعة وتستحق القراءة في عطلتك، ومعظمها مشهورة جداً :211ima
سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، للدكتور عمر سليمان الأشقر، وهي سلسلة من 8 كتب (العقيدة في الله، الملائكة الأبرار، الجن والشياطين، الرسل والرسالات، القيامة الصغرى، القيامة الكبرى، الجنة والنار، القضاء والقدر). ما يميزها سهولتها وبساطتها، واختصارها غير المخل لموضوعات العقيدة. خصصت من ساعة إلى ساعتين من كل جمعة لقراءتها، وانتهيت من 3 كتب حتى الآن.
 
281ima
الرحيق المختوم، لصفي الرحمن المباركفوري، وهو عبارة عن واحد من أفضل الكتب التي كتبت عن سيرة خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم. أستغرب ممن لم يقرأ بعد سيرة من كان سبباً رئيساً في إسلامه وهدايته !
 
 
39imag
مالكوم إكس (النصوص المحرّمة ونصوص أخرى)، أشار الكاتب السعودي حمد العيسى في كتابه هذا، إلى سير أشخاص برزوا في المجتمع الغربي، وهم: (مالكوم إكس، نعوم تشومسكي، رالف نادر، هوارد زن، فاتسلاف هافيل، ألبرت آنشتين، إيزابيل ألليندي، بوب مارلي، فيليب بورغويرز، داروين، بت مينوسك بينغر) كما وترجم فيه شيئاً من خطبهم وكتاباتهم. كتاب خفيف وجميل.
 
392ima
طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، كتاب مهم، قد تجدين صعوبة في قراءته أول الأمر، وهو عبارة عن “بحث كتبه عبدالرحمن الكواكبي في موضوع الاستبداد مستعرضاً طبائعه وما ينطوي عليه من سلبيات تؤدي إلى خوف المستبد وإلى الاستيلاء الجبن على رغبته إلى جانب انعكاسات الاستبداد على جميع منامي الحياة الإنسانية بما فيه الدين والعلم والمجد والمال والأخلاق والترقي والتربية والعمران ومن خلال التساؤلات يشرح من هم أعوان المستبد وهل يمكن أن يتحمل الإنسان ذلك الاستبداد وبالتالي كيف يكون الخلاص منه وها هو البديل عنه[1].
 
إهدار الحقيقة(إساءة التعليم والإعلام وأوهام الليبرالية والسوق الحرة)، لنعوم تشومسكي، أو أي كتاب آخر لهذا الرجل، لا تستثني السياسة من قراءاتك.
 
الروايـات256ima
شقة الحرية، رواية لغازي القصيبي، مذكرات طلبة بحرينيين سافروا إلى القاهرة لإكمال دراستهم الجامعية. إضافة لأسلوب الكاتب، فإن ما يميزها هي الفترة التي دارت فيها أحداث الرواية، فستقرأين فيها عن الناصرية.. البعث.. الاخوان المسلمين.. حروب مصر مع العدو الصهيوني.. وغيرها وغيرها.. وكل ما وراء هذه الكلمات من نقاشات فكرية شيّقة.
 
316ima
زمن الخيول البيضاء، للكاتب إبراهيم نصر الله، اقرأي عنها >هنا< ، وقد أخبرني الكاتب حين التقيته في معرض الأيام الأخير للكتاب أنه تم الاتفاق مؤخراً على إخراج الرواية في مسلسل !
 
 
 
808ima
ملائكة وشياطين، لدان براون.. أكثر من شيقة، ولا تكوني، لسبب أو لآخر، من الذين يمتنعون عن قراءة الروايات المترجمة، ستحرمين نفسك من ثقافة آخرين غنية إن فعلتي !
 
 
 
لمستخدمي الـ Facebookfacebo
أوقات رائعة تلك التي يقضيها المرء في مناقشة ما يقرأ مع أخوانه وأخواته، ويتبادل معهم الآراء في الكتب التي يقرأها، لذا نجد هناك Reading Groups (مجموعات القراءة)[2] التي تحدد كتاباً تقرأه وتجتمع لمناقشته في موعد محدد. حاولت أن أوجد مجموعة من هذه المجموعات بين أصدقائي، ولكني للأسف لم أتمكن من ذلك، إلى أن التقينا، من يحب القراءة وأنا، في الـ Facebook في مجموعة (الكتاب خير جليس في الأنام)، واتفقنا على أن نختار في كل مرة كتاباً نقرأه ونناقش ما جاء فيه في تاريخ محدد.
اخترنا العنوان الأول قبل أيام قليلة فقط، وكان (من هنا يبدأ التغيير)، للكاتب الدكتور تركي الحمد، وسوف تتم مناقشته في تاريخ 30 يونيو 2008.
هذه دعوة للإنضمام إلى المجموعة، ومشاركتنا متعة وفائدة القراءة.
 
الأخت (مريم المعلا).. أتمنى أن أكون قد أجبت طلبك الصغير، وفي الحقيقة العناوين كثيرة، ولكني اخترت لكِ منها، وحرصت على تنوعها، وأرجو أن لا يبخل عليكِ، ولا علينا، زوار المدونة باقتراحاتهم الأخرى..
 


[1]من موقع نيل وفرات.
[2]وأنا أتصفح الانترنت، وجدت هذا الموقع الأجنبي الرائع عن مجموعات القراءة (اضغط هنا)، ثم نستغرب لماذا هم يتفوقون علينا ؟!

رسالة إلى القمر

njmt Qatar
أم عبدالرحمن..
أستـاذة فاضلـة من قطر..
تعرفت عليها منذ ما يزيد على أربع سنوات..
كما تعرّفت عائلتي على عائلتها..
ولها فضل كبير علي..
لها أهدي هذه الأبيات..
(( رسـالة إلى القمـر ))
 
 750ima
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كَم في جمالِكَ تَغَنَّوا يا قَمَر..
ومشاعرُ العشاقِ إليك قاصدة
 
أجملُ مَن في السماءِ استَقَر..
وصفوك منذ العصور البائدة
 
صاغَ الأدباءُ فيكَ شعراً ونثر..
أعلنُ أنا اليوم كسر القاعدة
 
سماؤنا ملأى نجوماً كالدرر..
بُعدُها أخفى روعتها السائدَة
 
لو دنت لاستحقَّت وَصفَ البدر..
وسلعةُ القمرِ لغدَت كاسدة
 
هكذا حال من تَخَفَّت في قطر..
نجمةٌ في سماءِ القلبِ رائدة
 
صدفةٌ حلوة جمعنا بها القدر..
وغَدَت قلوبُنا ذاهبةً وعائدة
 
من متمردٍ عليك أسمع يا قمر..
كلمةً تقرِّبُ لكَ المعنى والفائدة
 
إذا كان الصحنُ كبيراً وأَبهَر..
لا يعني أنه ألذُّ ما في المائدة !
 
 
لم أعرض هذه الأبيات على أصحابي الشعراء لتعديل ما فيه من “تكسّر” إن وجد، – وهذا ظني في ما كتبت- فإني أرى كما “الثوب حلاته رقعته منه وفيه”.. كذلك هذه الأبيات “حلاة الأبيات رقعتها منها وفيها” !

ذكريات مجلة ماجد

في الصغر، كان يوم الأربعاء أجمل يومٍ في حياتي لسببين بسيطين، الأول: بعده تبدأ عطلة نهاية الأسبوع، الثاني: نزول العدد الأسبوعي الجديد من مجلتي العزيزة "مجلة ماجد" !
ماذا أقول عن هذه المجلة الرائعة[1]؟! لن أستعرض قيمتها وما وصلت إليه من إبداع، يكفي القارئ أن يطلع عليها مرةً ليعرف ذلك. ولعل الكثير هنا يشاركوني ذكرياتهم الجميلة مع كم المعلومات الهائل الذي تحمله "زكية الذكية"، ورجلا الأمن المخلصان "خلفان وفهمان", ومشاغبات "موزة" مع أخيها "رشود"، ومغامرات "شمسة ودانة"، ويوميات "كسلان ونشيط"، وغيرهما من أبطال المجلة الذين كانوا أصدقاء ليالي طفولتي الأوفياء، فقد كنت لا أقرأها إلا قبل النوم. أما البحث عن فضولي فتلك متعة أخرى !
كنت أحرص على حل مسابقات المجلة أسبوعياً، وأطوي صفحة الإجابة مع وضع قليل من الصمغ لتصبح ظرفاً جميلاً، أسلمه لوالدي في الصباح ليسلمه بدوره لساعي البريد في عمله، ولا أنسَ تلك العبارة المكتوبة أسفل الظرف "شكراً لساعي البريد".
فزت في المسابقات 12 مرة، وحصل مرة أن ظهر اسمي ضمن قائمة الفائزين في أسبوعين متتاليين! أطيرُ فرحاً عندما أجد اسمي مكتوباً على الورق الوردي هناك، وأقرأه مرات ومرات، استيقظ اليوم الثاني فاقرأه مرات أخرى: أحمد سلطان الحربان – مدرسة عمر بن عبدالعزيز (بعدها طارق بن زياد) – عراد – البحرين.
كم فاجئني خالي عندما سألني يوماً: أنت صاحب المشكلة المعروضة في مجلة ماجد هذا الأسبوع.. صح؟! من ضمن أبواب المجلة، استقبال المشاكل وتقديم الحلول بعد عرضها على مختصين، مع الاحتفاظ بخصوصية صاحب المشكلة بتوقيعها بحروف ترمز لأسمه. أربكني كثيراً سؤاله، لم أقرأ عدد ذاك الأسبوع بعد، ولكن المشكلة التي أرسلتها فيها شيء من الخصوصية العائلية، التي يصعب على من هو في عمري حينها البوح بها! أنكرت أنها مشكلتي! ولكن خالي نظر إلي تلك النظرة الواثقة، ربما لم أكن بارع بعد في إخفاء لفي ودوراني! فتحت المجلة على الصفحة المعنية، وفعلاً، نفس المشكلة موقعه: أ س ح البحرين !
ما على الطفل إلا أن يكتب اسم أستاذه، وعنوان مدرسته، ويرسل ذلك للمجلة، فتصل شهادة تقدير رائعة للأستاذ بعد فترة، ولكم أن تتصوروا فرحة الأستاذ قبل فرحة الطفل نفسه بهذا التقدير غير المتوقع، أذكر أني أرسلت لأستاذين، كما أرسلت لأمي كونها مدرسة لغة عربية !
لم يبقَ إلا أن أحصل على بطاقة (مندوب ماجد)، لأنضم إلى أسرة المندوبين، الذين يمثلون المجلة في مدرستهم أو مدينتهم، وبإمكانهم أن يرسلوا خبراً أو لقاءاً لينشر في المجلة، وقد حصلت على البطاقة بعد انتظار طويل.
أصدقاء من مختلف الوطن العربي، كنت أنتظر ردودهم على رسائلي التي أرسلها لهم، بعد أن أختارهم من صفحة (هواة التعارف) ولا تسألون عن الفرحة التي تغمرني عندما أمسك برسالة وصلت بالبريد وعليها اسمي وعنواني وطابع البلد التي جاءت منه. كانت للمراسلة طعم خاص قضى عليه البريد الالكتروني، ولا أظنه سيعود.
من ضمن أصدقاء المراسلة، الأخ العزيز خالد الساير من الكويت، التي كان لوالدته بعد سنوات، كثير من الفضل في مساعدة أختي الكبيرة لإكمال إجراءات الالتحاق بالدراسة في الجامعة بالكويت. زارتنا عائلته مرة، وزرناهم أكثر من مرة.. ولا زلت على تواصل معه.
ذكريات لا تُنسى.. وهل هناك أجمل من ذكريات الطفولة ؟
 
الجنود العاملين على مجلة ماجد..
غرستم فيني الكثير..
فلكم وافر المحبة والتقدير..
وأعاهدكم أن أربي أبنائي على قراءة هذه المجلة إذا ما رزقني الله يوماً..
 


[1] أول عدد للمجلة صدر في 28 فبراير 1989.. وتصدر أسبوعياً الآن 180.000 نسخة. لمعرفة المزيد عن المجلة: http://www.majid.ae

عارية كمارلين مونرو !

    
    في الحلقة الأخيرة من برنامج (المصير) الذي بثته قناة الجزيرة مؤخراً، والذي يبحث ويناقش مصير هذه الرقعة الواسعة من الأرض التي نعيش عليها، يسمونها الشرق الأوسط، كان اللقاء مع الدكتور الكويتي عبدالله النفيسي، الذي قال كلاماً في غاية الموضوعية، وأنقل هنا شيئاً منه، وكلي أمل في ذاكرتي أن لاتخون كلمة بإسقاطها أو تغييرها تغييراً يخل بالمعنى. مما قاله الدكتور: "الأنظمة الخليجية لا حول لها ولا قوة.. قرار السلم والحرب ليس بيدها.. مكشوفة.. مكشوفة عسكرياً، مكشوفة سياسياً، مكشوفة اقتصادياً.." وأنا أجد كلمة عارية أبلغ في الوصف من كلمة مكشوفة، وهذا النوع من الانكشاف الذي نعيشه مصحوب بكثير من الخزي والعار، فبالتالي تكون الكلمة الأبلغ (عارية كعري مارلين مونرو)! إلا أن عري مارلين مغري جداً، بينما عري أنظمتنا قبيح من كل وجه!
     ومما حذر منه النفيسي في المقابلة: "ما أخشاه.. هو اتفاق أمريكي إيراني.. بعدين يتغدون بنا"، وقال كلاماً كثيراً ينبغي أن نقف أمامه. التحليل الذي أورده النفيسي ليس بالجديد، رغم استغراب مقدم البرنامج منه، ففي تعليقهما على تقرير بيكر هاملتون، يقول كل من الدكتور محمد بن جاسم الغتم والدكتور محمد نعمان جلال، في كتاب (نظرة استراتيجية على مملكة البحرين والمنطقة العربية في إطار دولي): "لا شك في احتمال عودة التعاون الأمريكي الإيراني كما هي مطروحة من خلال التحليل السابق تثير أكثر من جرس إنذار أمام القيادات السياسية والنظم السياسية العربية وبخاصة في دول الخليج لعدة اعتبارات –وهي باختصار-: 1- الوجود الكبير للجاليات الإيرانية في دول الخليج. 2- إيران مرجعية دينية وسياسية لأغلب الشيعة. 3- تاريخ العلاقات الودية والتحالف الأمريكي الإيراني".
     ويقول المؤلفان، بعبارة يائسة كيأس عبارات المحللين الاستراتيجيين في الوطن العربي، وليعذراني على هذا الحكم الذي صدر من محكمة ثقتي! : "ومن ثم، فإنه من الضروري أن تبلور القيادة في دول الخليج بوجه خاص والمنطقة العربية بوجه عام سياسات بديلة تحسباً لتغير المواقف الأمريكية، ولضمان مصالحها وأمنها واستقرارها على المدى البعيد". أي سياسات وأي بطيخ أيها الدكتورين الفاضلين. إذا لا زال هناك من يطبل بإنجازات مجلس التعاون! ويحتفل بتطور العلاقات مع الدول الشقيقة! فلا تسألان عن سياسات وخطط. وإذا كانت العملة الخليجية الواحدة لم ترَ النور حتى اليوم! فلا تسألان عن سياسات وخطط. وإذا فشلنا في توحيد الجهد العسكري وبناء جيش واحد يحمي دول الخليج إلى هذا اليوم، الذي يشيب فيه الشبان، فلا تسألان عن سياسات وخطط. السياسات التي يحترم الناس، وبعبارة أصرح القيادات، واضعوها، وتتحول إلى برامج أعمال، وتُشكل لها الأجهزة التنفيذية الضخمة، هناك ليست هنا. علم السياسات والخطط ليست لنا نحن. نحن نتقن، وبامتياز، علم الانبطاح، لا غير. فمن يركع أكثر يكسب أكثر من المصالح العظيمة، في نظرنا، التافهة في نظرهم، وإنما تتقبل ماما أمريكا من الراكعين!
     أورد النفيسي أيضاً في لقاءه تساؤلاً، كثيراً ما جال في ذهني منذ فترة طويلة، حيث قال: "من سيمنع الولايات المتحدة من احتلال الشريط النفطي (من العراق حتى عمان) إذا ما أرادت؟ بناءاً على خطة عرضت على الكونجرس، وموجودة في مكتبته". الحقيقة ليس هذا التساؤل بالضبط الذي شغلني، إنما آخر مشابه: (من سيمنع الكيان الصهيوني من تدمير المسجد الأقصى إذا أقدم على ذلك؟!) من غير ماما أمريكا؟ فإلى مزيد من الركوع، ومزيد من الانبطاح.
 

ويتحدثون عن محاربة الفسـاد !

قصة قصيرة.. ليست حقيقية تماماً !
      فتح أحمد صحيفة الديرة، اطّلع على عناوينها الرئيسية، وقف عند العنوان التالي (برلمانيون عرب ضد الفساد في البحرين.. المؤتمر البرلماني العربي الثالث لمكافحة الفساد)، بعد قراءة الأسطر الأولى من الخبر، جرّته ذاكرته بقوة، فغابت عيناه عن الخبر، وتذكر تفاصيل يومه ذاك..
*****
          هل التقرير جاهز يا أحمد.
          نعم جاهز، كما طلب طويل العمر.
          يخرج المستشار القانوني، تدخل أنت بعده على طول، ولكن أرجو أن تستعرض التقرير مع طويل العمر بسرعة، فجدول أعماله مليء جداً اليوم.
          أبشر.
خرج من مكتب خالد رجل عريض المنكبين، يلبس بدلة فاخرة، وفي يده حقيبة، بقيت السيجارة أن تشغل فاه ليكون أفضل وصف: محامي كبير! صاح التلفون، جاء صوت خالد المرعب المصحوب بالكحات الخفيفة:
          عبدالله، أحمد وصل.
          نعم طال عمرك، هو أمامي.
          معه التقرير؟
          نعم طال عمرك.
          أدخله.
دخل أحمد المكتب، بعد أن مشّط لحيته، وأعاد "تنسيف" غترته، وطار في سماء الغرفة حتى حطُّ على أنف خالد وقال:
          صباح الخير يا طويل العمر.
          صباح النور أهلاً أحمد، كيف حالك.
          الحمد لله تمام، أسأل عنكم يا طويل العمر.
          نحن الحمد لله بصحة وعافية كما ترى، لنستعرض التقرير.
قطع صياح التلفون الحوار، ضغط خالد على الجهاز، وجاء صوت السكرتير:
          طال عمرك وزير التصنيع والمجمعات يقول أن الأمر طارئ.
          طيب..
جاء صوت الوزير، وأحمد جالس بكل سكينة وهدوء ووقار، في مكتب هذا المسئول المتواضع:
          طال عمرك، متى ستكف جماعة "عراقة" عن هذه اللعبة ؟!
          ما عليك يا بوعلي، اتصال شخصي مني، قبل الجلسة الموعودة تنسف كل تخطيط، كالعادة !
          يبدو أن الأمر هذه المرة ليس بهذه السهولة يا طويل العمر.
          لا عليك سأقوم بمناوراتي المعقدة، التي لا تتجاوز الاتصال !
          خير إن شاء الله، شكراً يا طويل العمر. تآمرني بشيء ؟
          لا تتصل بي في هذا الموضوع مرة ثانية رجاءاً، فإنه لم يغب عن بالي أبداً.
          إن شاء الله طال عمرك.
          مع السلامة.
          مع السلامة.
يضغط خالد على الزر مغلقاً الهاتف، يضحك ويقول لأحمد:
          يتصل بي لإيقاف جماعة "عراقة" عن المضي في قضية الميناء، ألم يفكر هذا المسكين كيف لجماعة "عراقة" أن تقدُم أصلاً على هذه المسألة، بهذه القوة، قبل أن تحصل على الضوء الأخضر؟ يا له من مغفل! ها ها ها.
          أتعني يا طويل العمر أنك…
          لا عليك يا أحمد، لا عليك. بالمناسبة أود أن أسألك سؤالاً، فأنت أفهم مني، على ما يبدو في أمور الدين.
          لا أظن يا طويل العمر، ولكن لا بأس، أسأل.
          أسمعت عن توقيف حملات الحج المخالفة ؟
          نعم سمعت.
          ما رأيك في إيقافها ؟
          يا طويل العمر، هناك لجنة عليا لشؤون الحج، وهناك إجراءات، ويجب أن تطبق هذه الإجراءات على الجميع.
          على الجميع يا أحمد ؟
          نعم يا طويل العمر، القانون يجب أن يمشي على الجميع، يقول عليه الصلاة والسلام: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
          عليه الصلاة والسلام، عليه الصلاة والسلام، هل هذا الحديث مشهور يعرفه الجميع.
          أشهر من النار على العلم يا طويل العمر.
          يعني ما نسميهم نحن في هذا المكتب بـ "الإسلاميين" يعرفونه ؟ ربما ؟
          بل أكيد يا طويل العمر.
          غريب!
          ما الغريب يا طويل العمر؟!
          لو تعلم يا أحمد من كان مكانك منذ يومين، وهو يرجو ويتوسل ويناجي ! طالباً إيقاف تطبيق القانون، برفع قرار التوقيف عن حملة من الحملات تدعى "الفصول".
          من يا طويل العمر؟!
          لا عليك من يكون، ولكن أظنهم من الناس الذين ينبغي أن يكونوا عارفين بالحديث الذي تلوته أنت منذ قليل، كما تظن أنت.
          إن كنت تقصد بمن تسمونهم في هذا المكتب بإسلاميين، فأنا لا أظن، أنا أؤكد يا طويل العمر أنهم يعرفون هذا الحديث ودلالته. أهااا تذكرت الآن، تذكرت يا طويل العمر.
          ماذا تذكرت؟
          تذكرت خطبة شيخنا "الفضيل"، من المؤكد أنه كان يقصد هؤلاء الذين كانوا مكاني منذ يومين.
          ماذا قال شيخكم "الفضيل" في هذا الشأن ؟
          قال يا طويل العمر: "’نواب سعوا للوساطة لدى المسؤولين لرفع المنع عن إحدى حملات الحج رغم علمهم بالتجاوز الكبير الذي ارتكبته هذه الحملة”. وقال: ”إن اللجنة العليا لشؤون الحج قد اتخذت إجراءاتها المشكورة ضد تسع حملات خالفت الشروط المتفق عليها والتي تحفظ لضيوف الرحمن حقهم في أداء الفريضة، ولكن الطمع والجشع والفساد لدى بعض هذه الحملات يجعلها تتجاوز أدنى أصول اللياقة.. ولقد علمت أن نائباً أو عدداً من النواب سعوا للوساطة لدى المسؤولين لرفع المنع عن هذه الحملة وهم يعلمون علم اليقين أن تلك الحملة متجاوزة”. وقال: أنه إن صح هذا فإنها طامة ما بعدها طامة أن يتوسط نائب لمن ثبتت مخالفته وصدر بحقه جزاء من الجهة المسؤولة، ورغم ذلك يذهب ويستجدي بكبار المسؤولين.. هذا الأمر لا ينبغي السكوت عليه أو التغاضي عنه. وتوجه بحديثه إلى النائب قائلاً: ”بأي حق تشفع لمن ثبت جرمه ووقع ضرره على ضيوف الرحمن؟ كان من الأولى وهو واجبك أن تقف ضد فساد هذه الحملات وهذه الحملة على وجه الخصوص بعد ما ثبت عليها ما ثبت لا أن تطلب الشفاعة لها؟ وأي ثقة ستبقى بعد أن وقف إلى جانب الفساد ليحميه وينصره؟”. داعياً في الوقت نفسه ”هذا النائب وأمثاله بالتنحي وتقديم استقالته فهو خير له وأنفع، كما آمل من المسؤولين أن يوصدوا الباب في وجهه ووجه أمثاله ممن يعينون المفسدين على فسادهم وبخاصة بعد أن أطلق قادة البلاد حفظهم الله تعالى تصريحاتهم بمحاربة الفساد دون محاباة أو مداراة  لكائن من كان”.
          هذا ماقاله شيخكم؟!
          كما نقلته إحدى الصحف المحلية في اليوم الثاني تماماً يا طويل العمر.
رن الهاتف، ضغط خالد على الزر، جاء صوت السكرتير:
          أمر طارئ يا طويل العمر، طويل العمر يريد مقابلتك فوراً !
          طيب.
نهض من على كرسيه الوافر المريح، ومد يده لأحمد وقال:
          أنا آسف يا أحمد، كما ترى، الأمر طارئ !
          لا تتأسف يا طويل العمر، الله يوفقك لكل خير، وسلامي الحار لطويل العمر.
          نناقش التقرير غداً في نفس الوقت.
          بإذن الله.
*****
      فتح أحمدعينيه، ورجع للصحيفة، وهو ينظر لبعض الوجوه، ابتسم وقال:
          ويتحدثون عن محاربة الفساد !

لقــاء..

بعد معاقرة كؤوس جميع أصناف اللوعة، هزمها أخيراً سلطان النوم، كما يهزم أعتى الطغاة بكل هدوء، عبرت أعتاب دنيا الأحلام، حتى استقرّت في لا مكانٍ هناك، حيث لا تستطيع رؤية ما حولها. جلست ودوران شريط الذكرى يقطع قلبها الحزين، وجعلت من كفيها الناعمين وسادةً، ارتمى عليها وجهها بكل ثقله وطرواته، فاحتضن كفاها وجنتيها الورديتين، الرطبتين بفعل أنهر الدموع التي جرت على سطحيهما الرقيقين، قبل أن تخسر نزالها مع سلطان النوم.
شعرت أنها في غرفة مغمورة بالظلمة ورائحة الغبار. رأت طيف نورٍ يأتي من بعيد. تجمدت مكانها تترقبه. وقلبها الممتلئ خوفاً لم يكف عن خفقانه السريع، حتى استقرَّ النورُ رَجُلاً منتصباً أمامها، فقالت بصوت خافت لا تكاد هي أن تمسعه:
          من أنت ؟!
بلجهةٍ مصريةٍ رد:
          مساء الخير!
ما إن سمعت صوته، انفجرت ينابيع الدموع، وعادت الأنهارُ تجري، حتى كادت تذيب خدودها المشبعة بالحمرة، وقاطعته:
          حبيبي!! خالي!! حبيبي!!
انقضَّت عليه لتضمّه، فطافت ذراعيها طيفه البارد، وارتطما في صدرها، وكادت أن تسقط أرضاً لولا أنها اصطدمت بجدار ترابي خشن لم تحس بوجوده، شعّ بريق ابتسامة من وجهه وقال:
          ليس الآن يا صغيرتي.. ليس الآن.. امسحي دموعك واجلسي هنا.
بحثت عن ما تمسح به زلال عينيها، لكنها لم تعثر على بقعة في جسمها سلمت من البلل لتمسح بها، لم يكُن هناك سدٌ يوقف نهر دموعها الجاري، قالت بحزنٍ عميق:
          ألا أستطيع رؤية وجهك؟ أريد أن أُرجع كل ذرة من تفاصيله إلى ذاكرتي التعيسة، فقد بدأت أنسى وجهك شيئاً فشيئاً!
          ستنظرين إليّ قريباً مهما طال بك العمر. قبل كل شيء، هل تصنعي لي معروفاً يا صغيرتي؟
          أصنع لك معروفاً؟! معروفاً واحداً! روحي تنتظر إشارة منك لتفتديك.
          حفظ الله روحك، طلبي صغير جداً، هل تعدينني أن تنفيذه؟
          ولو كان على هلاكي، آمر يا خالي، آمر، فكم قصَّرت في حقك أنا.
          أرجوكِ أرجوكِ، كفي عن سكب الدموع، كم تعذبني هذه الدموع.
          فقدك موجع يا خالي العزيز، موجع.
          آلمني حزنكم البالغ لفقدي، حزنك أنتِ بالذات.
          أوتشعر بحزني؟! أوتحس بلوعتي؟!
          نعم يا حبيبتي، نعم أشعر. لو تعلمين راحتي لكان مكان حزنك هذا فرحاً. هل تنفذ صغيرتي الحلوة رغبتي أم لا؟
          الآن فقط أشعر بأنني أستطيع أن أكف عن البكاء.
في محاولة منه ليعيد بنت أخته لطبيعتها المرحة الشقية، التي اعتاد أن يراها بها، قال:
          لقد كبرتِ يا صغيرتي، وأصبحتِ فتاة يافعة، وزاد جمالكِ جمالاً.
لم يمنع هول الموقف ابتسامتها الخجولة من أن ترتسم على ثغرها الصغير المكتنز، وبنجاح الفتيات الذكيات، باشرت في انقاذ نفسها من هذا المطب المحرج وسألته:
          هل أستطيع أن أظل معك هنا؟
          لن تستغرق زيارتك أكثر من 3 دقائق.
          3دقائق فقط؟! لا! أريد أكثر، أريد أكثر، أريد أن أُغرق أذني بكلماتك الحلوة، أريد أن أرهق جسدي بمداعبتك، أريد أن أخدمك في بيتك الدامس الموحش هذا.
          دامس وموحش؟! ها ها ها.. صغيرتي الحبيبة، أتعلمين، لو خُيّرت أن أرجع إلى قصور الدنيا ما رجعت، فكيف بسرير ختمت عليه تفاصيل بدني من طول المرض؟!
          أفهم من كلامك أنك مرتاح هنا؟!
          حبيبتي، لقد كنت في دار الشقاء والتعب، وبيت الهم والنكد، وحياة الشقاء والضجر، وقد زادني مرضي تعباً وهماً وحزناً، أما وقد رحلت عنها، فنزلت في ضيافة وكرم أرحم الراحمين، فأكرم نزلي، وغسلني بالماء والثلج والبرد، وآنسني عملي الصالح حتى لا أكاد أحس بالملل.
رأت ذراعه النور تتحرك، لتكشف بإضاءتها شيئاً من زوايا الظلام، حتى امتدت إلى قارورة، رفعها إلى بريق ثغره، وسمعت صوت الذي يشربه وهو يمر من خلال حنجرته، فقالت والدهشة تعتريها:
          ماذا تشرب يا خالي؟!
          أشرب خمراً.
          خمر؟!
          نعم خمر، هذا قليل من كثير مما يصلني من دار السرور، ليتني أستطيع أن أسقيك منه قليلاً.
          ألا يمكنك أن تسقيني منه قليلاً؟
          ها ها ها، كما عهدتك صغيرتي الحلوة، تودين لو تجربين كل شيء. عندما كنتِ صغيرة، أذكر أني أنقذت لسانك الوردي ومعدتك الطرية من كوبٍ حليبٍ حار، حاولتي سرقته من على الطاولة في غفلة من أمك. حدثيني عنك، عن والديك وإخوانك، عن دراستك، عن مغامراتك التي لا تنتهي مع صديقاتك.
          لماذا نضيع الدقيقية والنصف المتبقية في الحديث عن أخباري؟! أنا المتشوقة لسماع أخبارك.
          منذ متى يهتم الأحياء بأخبار الموتى؟! أخباري كما ترين، أنتظر في هذا المكان، كما تنتظرين أنتِ في مكانٍ آخر.
          تنتظر؟! أنتظر؟! ماذا ننتظر أنا وأنت؟!
          ننتظر أن نحيا الحياة، الحياة يا صغيرتي ليست هي التي تعيشينها هناك، وليست هذه التي أعيشها أنا هنا، إنها أخرى, كلانا ينتظرها، الفرق أنني أنتظرها هنا في هدوء وراحة وسكينة، أما أنتي فلم تكملي بعد نصيبك من الدنيا، بكل ما في هذا النصيب من تعب وكدر!
تابع ولكن بلهجة مصرية هذه المرة، الأسلوب الذي اعتاد أن يداعبها به في الحديث:
          إزاااي؟! حتؤولي لي أخبارك ولا إيه؟!
ضحكت حتى دفنت عينيها التي زادها غسيل الدموع لمعاناً تحت أهدابها من جهة، وخديها من جهة أخرى، وقالت:
          آأولك أيه ولا أيه يا خالي في دئيئه وحده؟! كول الي أعرفوه إني بحبك كتير ومشتائة لك كتير كتير كتير.
          أنا كمان بحبك يا شئيه.
اقترب منها، وزرع على خدها قبلة، أحست ببرودها هذه المرة، وقال:
          حان وقت الرحيل يا صغيرتي.
          آه لو كنت أستطيع التحكم في نواميس الحياة! تحمل بنفسك يا خالي.
          لا شيء هنا أتحمل بنفسي منه، أنتي من يجب أن تتحمل بنفسها.
وبنبرة جادة، وهي الوحيدة من نوعها في هذا اللقاء السريع، أضاف:
          إياكِ إياكِ من إهدار الدموع، وإكثار الحزن، تذكري أن ذلك يعذبني كثيراً، هل يسرُّك أن تعذبي خالك الذي تحبينه؟
          بالطبع لا.
          إذن أرجوك لا تفعلي.
          أعدك أني سأبذل كل ما أملك من جهد للتحكم في عواطفي.
          الأمر لا يحتاج لكثير جهد، فقط تذكري كلما هاجت عواطفك أن ذلك يعذبني كثيراً.
          إن شاء الله سأفعل.
          إلى اللقاء، في دار السرور بإذن الله.
          إلى اللقاء خالي العزيز.
استيقظت من نومها، شعرت بخيال امرأة، لم تستطع أن تميزها فوراً، عرفت أن المرأة التي تقف بجانب سريرها هي أمها عندما قالت لها: (نمتي كثيراً اليوم يا ابنتي الصغيرة، هيا استعدي للانطلاق إلى الجامعة).
رفعت يديها وقالت: اللهم اغفر له وارحمه، وقامت من سريرها مبتسمة ابتسامة من أحسنت الظن بربها..

خالد ومناصرة العلمانية

قصة قصرة
نظر خالد بعين عقله، البعيدة عن تعصب الهوى (الذي يسميه كثير من الناس الدين في أيامنا هذه)، والبعيدة عن عاطفة القلب، إلى المرشحين في منطقته، ولم يرَ أفضل وأنسب مرشح ليكون نائباً في البرلمان من وليد، وهو رجل متحدث، له خبرة في العمل السياسي، وقوي في مجال عمله، القانون والمحاماة. فوقف معه غير آبه برأي كثير من أصحابه، الذين رأوا في ذلك مخالفة شرعية صريحة، كون وليد مرشحاً غير إسلامياً !
*****
جلس عمر مع خالد في المقهى العنابي، يدردشان في مواضيع لا نهاية لها، ومنها موضوع الانتخابات. عن موقف خالد من انتخاب "غير الإسلامي" قال عمر، سكرتير نهيان معلقاً:
          نهيان يرى أن اختيارك صحيح سياسياً، ولكن المشكلة أنه لا يجوز شرعاً !
رد خالد مستغرباً من هذا المنطق:
          لم يقنعني هذا الكلام !
عاد خالد إلى بيته، واستلقى على السرير يفكر في وجهة نظر نهيان، قائد من قواد الدعوة السلفية في البلاد، وقال في نفسه: (ليت ابن تيميمة أتبَعَ كتابه "درء تعارض العقل والنقل" بكتاب "درء تعارض المصالح الوطنية والأحكام الشرعية") !!
بصوت خافت، قرأ أذكار النوم، واستسلم للميتة الصغرى مكبل العينين..
*****
طلب حسين من خالد جلسةً عابرة، ليستوضح منه بعض المواقف التي صدرت منه مؤخراً. اصطحب خالد صديقه طفيل ليرافقه. بعد السلام والتحية، افتتح خالد:
          تفضل أخي حسين، أسأل..
          لماذا وقفت مع غير الإسلامي وليد في الانتخابات النيابية، وتركت الإسلامي منصور، هل فقط لأن منصور غير سلفي، أو لأنه ينتمي لجمعية قد لا تعجبك ؟؟
          يجب أن تعلم أولاً يا عزيزي حسين أني لا أملك هذه النظرة الضيقة، فلم أزكي المرشح السلفي عندما سألني صديقي الذي يسكن في منطقته عن أي المرشحين يختار. ولم أكن لأقتنع أبداً بإبراهيم، الشيخ السلفي هو الآخر، ليكون مرشحاً في منطقتي !
          إذاً لماذا وقفت مع العلماني وتركت الإسلامي ؟؟!!
باهتمام بالغ، وانفعال معتدل، اقترب خالد من حسين، مستنداً على يديه المنتصبتين على الطاولة، وقال:
          دعني أسألك
          تفضل..
          كم إسلامي في المجلس حالياً ؟
تدخل طفيل بعد أن أستغرق حسين قليلا في العد:
          كلهم (الأربعون) إلا إثنان، ولنقل إلا ثلاثة على أسوأ تقدير.
أتبع خالد سؤاله بسؤال آخر:
          وماذا يستطيع أن يفعل علماني وحيد، أمام 37 إسلامي ؟!
قبل أن يجيب حسين على سؤاله، واصل خالد:
          ولكن في نفس الوقت دعني أسألك أيضاً، كم قانوني لدينا في المجلس؟ المكان الذي ينبغي أن يكثر فيه أهل القانون. وكم متحدث داخل المجلس مثل هذا العلماني يستطيع مواجهة أولئك الذين يخلطون الحق بالباطل؟ ثم تعال قل لي، إذا كان أصحابنا لا يستطيعون أن يقولوا في مواطن كثير كلمة "لا"، ألا ترغب أن يقولها رجل "بايعها" وفي نفس الوقت غير محسوب على جماعتك؟! وألم تسأل نفسك مرة: إذا ما أرادت الحكومة أن تُفشل المجلس، وهي قادرة على ذلك، من سيلوم الناس؟ ومن الذي سيفقدون الثقة فيه؟ سيلومون الإسلاميين، وسيفقدون الثقة في الإسلاميين، ولا أحد غيرهم، أما إن كان هناك غيرهم في المجلس ألا تعتقد أن الإسلاميين لن يتحملوا كل مسئولية الفشل؟ ولن يفقدوا كل الثقة؟ تلك الثقة التي يحرص عليها بعض الإسلاميين أيما حرص لا ليدعوا الناس إلى صحيح معتقد أو سليم منهج، إنما لليوم المشهود، يوم التصويت!
سأل حسين:
          وما كان يدريك أن العلمانيين الآخرين، جماعة (رعد)، لا يصلون للمجلس، وبالتالي يزداد عدد العلمانيين على عدد الإسلاميين ؟
          من المستحيل أن يصل واحد منهم.
          وكيف تضمن ذلك ؟!
          أنسيت يا صديقي حسين الصناديق العامة ؟
          أنت تشكك في صحة الانتخابات ونزاهتها ؟!
ابتسم خالد، والتفت إلى صديقه طفيل الذي بادله نفس الابتسامة..
*****
      يتصفح خالد مع صديقه طفيل كتاباً، ويقرأ لابن تيمية (فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدّم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضرراً فيها؛ فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أميناً، كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف؛ مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يُغزى مع القوي الفاجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)).
      يعلق خالد بأسلوبه الساخر المعتاد:
          أتعلم يا طفيل، أظن أن زمان ابن تيمية خلا من أهل العلم والحكمة، الممتلئ منهم زماننا، لذلك تجرأ ابن تيمية أن يقف على هذا الرأي، ويقف ضد الصالحين الأمناء، كما يرى الأمر اليوم كثير من أصحابنا بلسان الحال، حتى وإن اختلف لسان المقال الذي يصرحون به !!
يضحك طفيل بصوت مرتفع، يضيف خالد:
          صحيح أن الفجور يختلف عن العلمنة، ولا يمكن أن ننزل كلام ابن تيمية في مقارنتنا هذه، ولكن ابن تيمية يتكلم عن جهاد، أتعلم ما الجهاد يا طفيل؟! ونحن لا نرتضي لنائب لا حول له ولا قوة، إلا أن يكون صالحاً أميناً حتى وإن لم يكن قوياً! في مجلس لا حول له ولا قوة! وفوق ذلك، كل المجلس "إسلاميين"، أيضاً هؤلاء لاحول لهم ولا قوة! ومن دون بالله لا حول ولا قوة! ألا يمكننا أن نستفيد من قوة العلماني، بل الكافر أيضاً، في موطن لا يستطيع أن يضر فيه الإسلام أو المسلمين بوجود الأغلبية الإسلامية داخل المجلس ؟!!!
يستمر طفيل ضاحكاً حتى تدمع عيناه من الضحك..
*****
      وصف المتطرفون خالد بـمناصر العلمانية والعلمانيين. وقال عنه المعتدلون: نسأل الله أن لا تتمكن الشبه (جمع شبهة) من قلبه. أما العاقلون قالوا: إنها كبوة جواد !!
      يتصل بخالد شيخ معروف بمواقفه وعطاءه في العمل الدعوي والخيري والسياسي، ويقول له: اختيارك كان في مكانه. في ظل الوضع الحالي وليد كان الأنسب، ولكن يا ليت أصحابنا يفقهون !
      فرح خالد كثيراً، فقد زاده الشيخ فوق رضاه عن نفسه رضاً.
انتهت القصة.
 
ملاحظة: ما ورد في القصة من آرء لا تعبر بالضرورة عن رأي الكاتب !

SICKO

        قد لا تصدقون، بعد دقائق من انتهاء المشهد الرائع- أعني روعة التصوير والإخراج- الذي يروي أحداث قصف بيرل هاربر من قبل اليابانيين، في عملية انتحارية رهيبة، اتصل بي صديقي، وأنا داخل صالة العرض بالسينما، يقول بصوت الدهشة والاستغراب :(أحمد جفت "شصار"؟!)، بصوت منخفض قلت: (علي أنا في السينما، "شصاير"؟!)، فقال: (تم إسقاط برجين في الولايات المتحدة بواسطة طائرتان دخلتا فيهما!)، استغراب ودهشة ممزوجين بشيء من الـ..، لا يهم! وقلت: (علي، الأميركيين يُقصفون هنا أيضاً، في الفيلم!). كانت تلك آخر زيارة لي إلى السينما، 11 سبتمبر 2001، فيلم بيرل هاربر.
     في الحقيقة لا أعلم ما هو الشعور الذي سينتابني اليوم إذا تكرر نفس الحدث، بعد أن عشنا، وبكل ذل، تبعات تلك الهجمات!
     بعد عمر أحسبه طويلاً، دخلت السينما مرة أخرى، ففي صباح يوم أمس وقعت عيناي على إعلان عرض فيلم SICKO، الفيلم الوثائقي الذي يفضح فيه المبدع مايكل موور مساوئ وظلم النظام الصحي الأميركي، ولأني أجد نفسي مهتماً بعض الشيء، في هذه الفترة بالذات، لمعرفة المزيد عن المجتمع الأميركي، ولأني معجب جداً بعمل هذا الرجل، بغض النظر عن الانتقادات التي يواجهها –بعضها بطبيعة الحال في محلها-، كان من الأهمية بمكان بالنسبة لي أن أشاهد هذا الفيلم، فسارعت بالاتصال بالسينما لحجز مقعد، ففيلم حصد مخرجه على جائزة الأوسكار، وأثار ضجة كبيرة، واليوم أول أيام لعرضه، لا شك أن المقاعد ممتازة الموقع سيتم حجزها.
     بعد محاولات مضنية، لم يجب أحد على الهاتف، فقررت الذهاب قبل فترة عرض الفيلم بمدة كافية، وصلت إلى شباك التذاكر في تمام الساعة الثامنة والنصف مساءاً، ويبدأ عرض الفيلم بعد ثلاث ساعات ونصف، أي في تمام الساعة الثانية عشرة، وعند شراء التذكرة، لي ولصديقي الذي دعوته لمشاهدة الفيلم، وفي النظر للمقاعد الفارغة لاختيار اثنين متلاصقين، تبين أننا الوحيدان حتى الآن في قاعة العرض! كنت سأسأل بائع التذاكر: (أعلم أن سؤالي غبي، ولكن أعذرني فمنذ زمن طويل لم أدخل السينما، هل الفيلم مترجم؟!) ولكن فطانتي "ذكائي" منعتني من إلقاء نفسي في إحراج سخيف! وقالت لي: (أكيد مترجم يا أحمد! وهذا سؤال؟!).
     دخلنا الفيلم، وبعد دقائق، أخذت راحتي وكأني جالس في البيت، وضعت غترتي وعقالي على مقعد فارغ أمامي، في الحقيقة كانت كل المقاعد فارغة! فقط اثنان حضروا عرض الفيلم، الأول صديقي، والآخر أنا. سألت صديقي: (هل تظن أن الوضع سيكون كما هو في فيلم "عمر وسلمى" ؟)، وتساءلت، هل هذا له علاقة بوعي الناس واهتمامهم؟!
     لم أتحدث عن الفيلم إلى الآن، وهو موضوع المقال أساساً! لأني أريدكم فعلاً أن تشاهدوه بأنفسكم، وتعلموا أكثر عن هذا النظام الديمقراطي الرائع الراقي، الذي يحكم الولايات المتحدة، وكيف تديره مصالح الشركات الكبرى، وإن كان ذلك على حساب حياة المواطنين الأبرياء! ولا تنسوا بعدها أن تحمدوا الله على النعمة التي نعيشها نحن المتخلفون في العالم الثالث!
     حفظ الله عالمنا الثالث، ونظام عالمنا الثالث، وفساد عالمنا الثالث، على الأقل وفّرَ لنا عناية صحية تحفظ أرواحنا بإذن الله لم توفرها أعظم دولة من دول العالم الأول لمواطنيها!
نظرة خاطفة:
     قرأت في جريدة الوسط قبل يومين، في مقابلة مع الأستاذ حسن مشيمع، أن تأشيرة دخوله للولايات المتحدة قد تم إلغاءها، فأقول له: قدّم طلب الحصول على التأشيرة مرة أخرى، وأسأل الله أن تُوَفق في الحصول عليها دون إلغاء لاحق، وكلي أمل في أن تذهب إلى هناك وتقف مع المعارضة الأميركية لتعديل نظامهم الصحي، الذي يموت بسببه الكثير من الضحايا، ستفعل خيراً عظيماً لو نجحت، ولن ينساك الشعب الأميركي يوماً! فإن مصيبتهم هذه وحدها، والله أكبر من كثير من مصائبنا التي تسعى لحلها هناك بكل وطنية!

          لا أدري كيف يشك الواحد، مجرد شك، في أن الولايات المتحدة ستهتم بحياة الناس، وديمقراطية نظامهم، أكثر من اهتمامها الرديء جداً بشعبها؟! جنون وحماقة، بكل ما في الكلمتين من معنى، ولكي لا أحرق موضوع مقال آخر، فلن أطيل عند هذه النقطة، سأتوقف هنا. ولكن، ولكي لا يتهمني الأستاذ وأنصاره بالتهمة المعتادة، فها أنا أحلف (والله إني لستُ بوقاً حكومياً).

قانون التنصت الأميركي.. إجراءات احتياطية

في ديسمبر 2005 قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن الرئيس الأمريكي جورج بوش سمح لعملاء أجهزة الأمن بالتجسس على أفراد في الولايات المتحدة دون الحصول على موافقة من المحكمة، وذلك بعد هجمات 11 سبتمبر. وكان القانون الأميركي حينها يتطلب عادة موافقة محكمة سرية، تعرف باسم محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية، قبل قيام الأجهزة الأمنية بعمليات مراقبة على الأراضي الأمريكية.
وبعد يوم أقر الرئيس الأميركي ما نشرته الجريدة، وفي دفاعه عن التنصت داخل الولايات المتحدة قال بوش: "لا بد أن تفهموا وآمل أن يفهم الشعب الأمريكي أن هناك عدواً يود مهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو عدو خطير جداً."
يقول مايكل موور في كتابه (أيها المتأنق.. ماذا حل ببلادي): "لمَ بلغت حكومتنا هذا الحد السخيف لتقنعنا بأننا في خطر؟ والجواب ليس سوى رغبة أكيدة منهم بحكم العالم، بدءاً بالسيطرة علينا، ومن ثم، حملنا على تأييد جهودهم للهيمنة على بقية الكوكب… فهم يعلمون أن الأمريكيين الحقيقيين لا يرغبون بالسيطرة على أحد، لذا عليهم إقناعنا بعكس ذلك من خلال الذعر" ويضيف، رابطاً سياسة التخويف بموضوع التنصت: "ولضمان استمرارية الحرب اللامتناهية ، يحتاجون إلى هلعٍ لا متناهٍ، هلع لا يمكن نشره بشكل لا محدود إلا من خلال تجريدنا من حقوقنا المدنية الأساسية" يقصد موور التجريد من الخصوصية.
قبل أيام قليلة، وافق الكونجرس الأميركي، بمجلسيه، النواب والشيوخ على مشروع قانون للتنصت كان الرئيس بوش قد تقدَّم به ويسمح للحكومة بالتنصت على الأجانب الذين يجرون اتصالات عبر الولايات المتحدة. وسيسمح القانون الجديد للإدارة الأمريكية بالتنصت على الاتصالات التي تجرى عبر أمريكا سواء الهاتفية أو اتصالات الانترنت للأجانب المشتبهين دون موافقة مسبقة من القضاء.
من المسلم به لدى عموم الناس أن المخابرات الدولية، وحتى المحلية، بإمكانها التنصت على مكالماتنا الهاتفية، ورسائلنا الالكترونية، ولكن الجديد في الموضوع، أن هناك، في السابق، من يقف حائطاً منيعاً أمام التمادي في مثل هذه العمليات لانتهاكها لخصوصية الأفراد، والتدخل في حياتهم الشخصية، فاشترطوا ضوابط، كالرجوع إلى القضاء، أما اليوم، ففي دولة الحقوق والحريات الشخصية، وبعد نجاح سياسة التخويف، يوافق الأميركيون، أغلبهم على الأقل، على إجراء هذه العمليات، دون ضوابط محددة سوى "الاشتباه"، بعبارة أخرى، بشكل عشوائي ومفرط، مضحين بخصوصيتهم! وفي عالمنا الرقمي، لدرجة لا يمكن تصورها.
ما يهمني في الموضوع، هو أني سأسافر بإذن الله بعد أيام قليلة إلى الولايات المتحدة، وبعد الموافقة على القانون -وكأن الأمر كان مختلفاً في السابق!- فمن المحتمل أن يتم التنصت على مكالماتي الهاتفية البريئة، أو التجسس على رسائلي الالكترونية اللطيفة. فأطلب من جميع الأخوة والأخوات، وبرجاء حار: لا ترسلوا لي خلال هذه الفترة "إيميلاً دعوياً"، أو نصاً قرآنياً أو نبوياً يتعلق من قريب أو بعيد بالجهاد، أو الولاء والبراء، والأفضل أن لا ترسلوا لي أي نص! ولا أريد أن أرى تلك الصور التي تنتشر بكثرة "بالإيميل" لضحايا حرب السلام التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان أو العراق، أولئك القوم الذين لم يرتضوا الحرية والديمقراطية، والعدل والسلام العالميين، وما ذنبي أنا أنهم لم يرتضوها لترسلوا صورهم لي؟! وأيضاً لا أريد أن أستقبل صور أبناء القتلى بدموعهم، أو صور زوجاتهم وهن يبكين فراق أزواجهن، فهؤلاء ليسوا سوى أطفال وزوجات لإرهابيين، يا لتعاسة قدرهم!
ولا يتفاجئ من أعرفه إذا أرسل لي شيئاً من ذلك، أو من هذا القبيل، أن يتلقى ردي: WHO ARE YOU ؟؟!!
قبل أن أنسى، هناك محظور آخر، "عطوني" إجازة عن سماع الأناشيد، خاصة "الحماسية"، تدرون.. لإبعاد الشبهة، أرسلوا لي أغاني، نعم أغاني، لا تستغربون، فالموسيقى ليست بحرام وبتنا نستخدمها –دون خجل طبعاً- في أناشيدنا، وليس هناك دليل على عورة صوت المرأة، فلا بأس أيضاً أن تكون الأغاني لمطربات!
ورجاء آخر، "لحد يطلع فيها"، ويفكر في مزحة ثقيلة، ويرسل لي معلومات وبيانات وأوامر وصور وخرائط باستخدام Google Earth، ويختمها بـ (نلتقي في الجنة)، ترى ما فيني شدّة!! وكما تعلمون، في هذه الأمور، لا قانون يحمي في دولة القانون، ولا حقوق ولا هم يحزنون، ويا ليت من إلى أبوابهم يحجون، باسم المعارضة الوطنية يطبلون، ليتهم يدركون، أنهم إلى شريعة الغاب يذهبون!
في الحقيقة، قائمة الممنوعات تطول، ولكن حسبي ما ذكرت، وأنتم أعلم بالباقي. وسأكون شاكر للذكي، الذي يود إبعاد الشبهة عن أخيه قدر الإمكان، فيرسل لي رسائل تأييد للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وعبارات منددة بالمقاومة العراقية، وأخرى مبجلة برسول الحرية، و"حركة حلوة" أن يرفق مع الرسالة صورة لجنود أميركيين في العراق مكتوب عليها (You Most Welcome)، من يفعلها له "صوغة" خاصة!
أخيراً، لأتفادى الفضائح الأخلاقية، التي قد تُستخدم من قبل جهات، بعد أن تحصل عليها الأخيرة من الـ CIA، بعد 25 سنة، من يدري؟! عن شاب كان يدّعي التدين! فسأكون مضطراً لكتابة (I Love USA) بدلاً من (I Love U) !! فأرجو ممن يهمهم الأمر التنبه لذلك!!
 
_______________
العبارات الإخبارية كلها من موقع BBC العربية

الأخــلاق

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيً).

موضوع الأخلاق، هذا الموضوع المهضوم حقه، إن وقعت عليه عين السياسي، أدارها وبسرعة إلى موضوع آخر، موضوع ينقل المستجدات المحلية والإقليمية والدولية، مع شيء من التحليل وإبداء الرأي، فمكارم الأخلاق معروفة بالنسبة له، أكل على دروسها الدهر وشرب، ولا حاجة للتذكير بمواعظ الجدة أو الوالدين أو أستاذ المدرسة. آه لو يعلم كم هي بحاجة إلى الأخلاق تلك التي يمارسها "السياسة".

ولا أظن الحال يختلف مع الاقتصادي، فعنوانه و"طلة" سريعة على سطوره، وغياب رسم "الأرقام" واتجاه "الأسهم" في مواضيع كهذا الموضوع، كفيلة بأن تدفعه لشطبه من قائمة اهتماماته، وإلقاءه في مهملات ذهنه، وليته يعلم هو الآخر بارتباط الأخلاق بإضعاف الدخل، وتدمير الموارد –بالرشوة مثلاً-، وقلة الإنتاج وانحرافه، وغيرها من قضايا اقتصادية مهمة.

والمؤسف حقاً، أن هذا الموضوع لا يحظ بالاهتمام الذي يستحقه حتى عند بعض طلبة العلم الشرعي، فإن تحدث به شيخٌ عندهم، صار الشيخ ضعيفاً، بعبارة أوضح، ليس متبحراً قوياً! فالقوة عند هؤلاء البعض أن يستعرض الشيخ، في كل درس، العقيدة في أسماء الله وصفاته، ويذكر أقوال الفرق الضالة ويرد عليها، أو أن لا يفتأ مجلسه من ذكر الجماعات ومخالفتها "للمنهج" والتشهير بأفرادها. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إنا بعثت لأتمم صالح الأخلاق)! فهل يعي هؤلاء حقاً عظيم دلالة هذا الاستثناء الوارد في الحديث؟!

ولكن ولله الحمد، هناك من يهتم بهذا الموضوع كثيراً، يا الله كم تأنس بأخلاقهم، وكم يرتاح قلبك بصحبتهم، يستقبلونك دوماً بالابتسامة والسؤال، ويحدثونك بأطيب المقال، ويذكرونك بكل خير، ولكن للأسف، ليس ذلك إلا ما دمت توافقهم في كل شيء دون استثناء، ما عدا المسائل الشرعية، ففيها وحدها يتسع المجال للاختلاف، فلا داعي لتكدير الائتلاف، فكل مسألة لها قول آخر! ربما نحتاج أن نضيف قبل النصوص التي تأمرنا بمكارم الأخلاق عبارة بسيطة تقول: "هذه الأخلاق يجب أن نتعامل بها مع كل مسلم، سواء كان في حزبنا، عفواً مجموعتنا أم لا، وسواء اتفق معنا في مواقفنا السياسية أم لا".

هُضِمَ حق "الأخلاق" كثيراً، فلم تحظ بالاهتمام الكافي، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه، من انتشار مخيف مزعج لأخلاق سيئة قبيحة، وتساهل غير مبرر في مواجهتها، وما أظن سبب ذلك إلا لجهلنا المركب بآثارها المدمرة، التي تهدم المجتمع شيئاً فشيئاُ، حتى يغدو مجتمعاً سيئاً غير صالح، يمقت الإنسان العيش فيه!

هل أنا بحاجة لنقل أمثلة من مساوئ الأخلاق المنتشرة وبكثرة، لأثبت صحة مواجهتنا فعلاً لأزمة أخلاقية؟ سجلوا معي: غيبة ونميمة وكذب، لعن وسب وقذف، تبرج وتفسخ، سرقة وغش، خيانة ونفاق، عقوق وقطيعة، وغيرها كثير، وأسوأها تلك القلبية منها، كالحقد والحسد والكِبر وسوء ظن، وغيرها، وهذه الأخيرة، مرعبٌ جداً تصور حقيقة انتشارها ومعرفة حقيقة آثارها.

يجب أن ننهي جميعاً عدم الشعور بالمسئولية تجاه هذه الأزمة الأخلاقية التي نعيشها اليوم، وأن نبذل أكبر قدر من الجهد لنشر محاسن الأخلاق، والحد من سيئها، في كل الميادين، وأن نولي هذا الأمر اهتماماً بالغاً. وعلى الآباء أن يراقبوا جيداً أخلاق أبناءهم، وأن يربوهم على مكارم الأخلاق من صدق ورحمة وفضيلة وأدب وغيرها، ويحذروهم من مساوئها، فإنه "ينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوّده أبوه". ولا أنس من تُسلط عليهم الأضواء، قادة المجتمع وساستهم، فليتذكروا دوماً كم ممارسة السياسة بحاجة إلى الأخلاق.