القوائم الطلابية ومنتدى الجامعيين

ثلاث قوائم طلابية معلنة في جامعة البحرين: الطالب أولاً التابعة للوفاق، التغيير الطلابية التابعة لوعد، الوحدة الطلابية التابعة للشبيبة. تعمل هذه القوائم وتنشط في مناسبات معينة، وتواصل سباتها العميق طول أيام السنة، فلا نجد لها نشاط وتحرك سوى قبل فترة الانتخابات بقليل، ويوم الطالب البحريني، حيث الكلمات الرنانة، والبيانات المدبجة، سهلة الصياغة والإلقاء، بعيدة كل البعد عن خطة عمل وتنفيذ.
logoوهناك تنظيم طلابي من نوع آخر، وهو منتدى الجامعيين التابع لجمعية الإصلاح، لا نرى شعاره ظاهراً أيام الانتخابات أو قبلها كما هو الحال مع القوائم الطلابية، ولا يقتصر نشاطه على ندوة أو رحلة، أو بيان بمناسبة ذات صلة. بل هو منتدى استطاع أن يثبت أنه هو الأكفأ في مجاله دون منازع، فخدماته متوفرة طوال السنة، وما زالت برامجه التعريفية بالحياة الجامعية تواصل تطورها كل عام، التي تقدم حصيلة من الملعومات الهامة في وقت ومكان واحد، يصعب على خريج الثانوية أن يحصل عليها في مكان آخر. كما يوفر المنتدى الكتب الدراسية بأسعار مخفضة، أوراق امتحانات وملخصات، دروس تقوية، ندوات ومؤتمرات متخصصة، آخر مؤتمر تناول ملف التعليم العالي في البحرين. إضافة للدورات والأنشطة الشبابية، وخط ساخن، واحد للطلبة وآخر للطالبات، ينتظر اتصال، للرد على أي استفسار أو تقديم أي مساعدة. ومن المهم أن نبين أن هذه الخدمات يوفرها المنتدى لجميع الطلبة دون استثناء. ويغيب قياديو هذا المنتدى عن الظهور في المناسبات، والتصريحات "الثورية" التي تدغدغ مشاعر الطلبة المليئة بكلمات مثل: الدفاع عن حقوق الطلبة.. صلاحيات مجلس الطلبة.. اتحاد طلابي.. الخ.
ينبغي على القوائم الطلابية أن تضع منتدى الجامعيين نموذجاً تحتذي به، لتتنافس معه، وتقدم ما لا يقدمه المنتدى، في سبيل خدمة الطلبة والارتقاء بالمستوى الدراسي والوعي الطلابي، أما "قوائم المناسبات" فإنها لا تغني مسيرة الطلبة الدراسية، ولا تسمنهم من جوع معرفي.
تعتبر قائمة التغيير الطلابية أحدث القوائم على الساحة الطلابية، وقد استبشرنا خيراً مع انطلاقتها، علّها تقدم الجديد في خدمة الطلبة، ويكون لها عملها وتحركها المدروس والمخطط، وكشف وضع الطالب بالأرقام كما تفعل جمعيتها الأم في قضايا أخرى، إلا أنها وللأسف، خرجت فجأة في فترة الانتخابات الأخيرة، واختفت بعد ذلك، بالرغم من تأكيد أعضاءها بأن تأسيس القائمة لا علاقة له بالانتخابات الطلابية !
أرجو من القائمين على القوائم أن يراجعوا أداء قوائمهم، لا الأداء في حشد الأصوات أيام الانتخابات، إنما الأداء في تقديم خدمة حقيقية للطلبة، ودراسة وضع الطلبة في مختلف الجامعات، وتبني آراء ومواقف مبنية على دراسات، من شأنها أن تضيف شيئاً للعملية التعليمية في البلاد.
شكر وتقدير لمنتدى الجامعيين على ما قَدَمَ ويُقدم، وشهادة حق بتميزه وتفوقه، مع تمنياتي له ولجميع التنظيمات الطلابية في مملكتنا بالتوفيق والنجاح.
 

مهرجان الجاليات

120637ينظم الطلبة غير البحرينيين بجامعة البحرين وبالتعاون مع عمادة شئون الطلبة مهرجاناً سنوياً يُطلعون فيه أخوانهم البحرينيين على ثقافة بلدانهم المختلفة، وكل جالية تتنافس مع الأخرى في تصميم الزاوية الخاصة بها في ساحة المهرجان، ويغرق طلبة الجاليات في تصميم ديكور زواياهم، وملأه بالصور والمطبوعات الجاهزة، وكثيراً ما يتعاونون مع سفارات بلدانهم للحصول على هذه المطبوعات. ولا يكتمل المهرجان إلا بالرقص الشعبي لكل بلد، فيأتي السعوديون بسيوفهم، ويلبس اليمنيون أوزرتهم رافعي120637ن خناجرهم، وكلٌ يلبس ثياب بلاده الشعبي، كما تسعى الطالبات لتقديم أطباق شعبية لبلدهم.
هذه المهرجانات معروفة مشهورة يتم تنظيمها تقريباً في كل الجامعات في العالم. ولكن هل من تطوير واستغلال أمثل لهذا التجمع الرائع ؟
لماذا لا تقدم كل جالية عرضاً (بوربوينت) تتطرق فيه لبعض المعلومات الرئيسية والتي قد تغيب عن كثير من الطلبة، مثلا: تاريخ موجز جداً، عدد السكان، نسبة الشباب، مصادر دخل البلد، نظام الحكم (مجرد عرض، لتطمئن إدارة الجامعة!)، التحديات التي تواجه البلد، الوضع الاقتصادي، المشاريع الكبيرة القادمة، المعالم والمناطق السياحية التي تشجع السواح للزيارة، أبرز الشخصيات الثقافية، مع التعرض أو الإشارة إلى أبرز أعمالهم، أسماء الجامعات، التخصصات التي تدرس في أهمها، وغيرها كثير من معلومات قيمة، تجعلني أحس أنا زائر المهرجان أني خرجت من زيارتي بفائدة قيمة، ومعرفة حقيقية ببلد الجالية هذه أو تلك.
وسيكون عمل رائع لو نظمت لقاءات فيديو عبر الانترنت مع عدد من الناشطين الطلبة في الجامعات العربية وغير العربية، لإعطاء نبذة عن طبيعة العمل الطلابي، وللتعرف عليهم.
أرى من الأفضل أن تلزم العمادة طلبة الجاليات لتقديم هذه العروض، وتضع جدولاً لها، بحيث تُقدم في فترة ساعات النشاط الطلابي في الأسبوع ليتمكن أكبر عدد من الطلبة لحضورها والاستفادة، ولو أني أتمنى من طلبة الجاليات تبني هذه الفكرة دون انتظار توجيه العمادة، والتعاون مع سفارات بلدانهم للحصول على المعلومات الحديثة الكافية.
يبدو أني متأخر جداً، كالعادة، فقد علمت وأنا أكتب هذا المقال أن مهرجان هذه السنة سيقام يوم الأربعاء هذا الموافق 26 مارس! يبقى مقترحاً نأمل من العمادة والجاليات أن يأخذوه بعين الاعتبار في المهرجان القادم.

تسييس العمل الطلابي

في ذكرى يوم الطالب البحريني، 25 فبراير الماضي، أقامت وحدة طلبة البحرين – عمّان ورشة حوارية حول معوقات العمل الطلابي في جمعية الأطباء البحرينية، وقد تضمنت الورشة المحاور التالية: تعريف العمل الطلابي وتحديد مجالاته، معوقات العمل الطلابي: الأسباب والظروف، معوقات العمل الطلابي: المعالجات والحلول. وما آسفني حقيقة هو الحضور أكثر من المتواضع الذي حضر الورشة، ربما تكون الأسباب تنظيمية، أرجو أن تكون كذلك، ولا تكون فتوراً قاتلاً إلى هذا الحد من قبل الطلبة.
وقد طلب مني الأخوة المنظمون أن أدير المحور الثاني من الورشة، المتعلق بلب الموضوع "معوقات العمل الطلابي". وقد أسفرت الورشة رغم قلة الحضور الخروج ببعض النقاط والتوصيات الرائعة حقاً، فإنها كانت توصيات واقعية تماماً، وتنم عن معرفة ودراية تامة بطبيعة العمل الطلابي ومعوقاته.
وكان (تسييس العمل الطلابي) من ضمن أكثر النقاط التي أخذت حيزاً واسعاً من المناقشة والطرح، فطرحت سؤالاً هاماً، في وجهة نظري على الأقل، للحضور: أنتم ترفضون تسييس العمل الطلابي، وفي نفس الوقت تطالبون باتحاد طلابي! الاتحاد يسأل عن فائض البترول، ويتبنى مواقف خارج النطاق التعليمي، بل خارج نطاق الوطن أحياناً، فكيف توفقون بين الأثنين؟! أكملت دون انتظار الرد: هل ستطالبون باتحاد طلابي بحيث ينص قانونه على تقييد عمله في النطاق التعليمي والعمل الطلابي فقط ولا يسمح له بالعمل خارج هذا النطاق؟ هذه المطالبة يتفق عليها الجميع في ظني، كلنا نود أن يكون هناك اتحاد طلابي، خاصة مع ازدياد الجامعات الخاصة في البحرين. فخرج الحضور بهذه القناعة (اتحاد طلابي بعيد عن السياسة) !
قد يقال أن الكلام في ميزانية التعليم سياسة، ولا يمكن فصل الاتحاد عن الحراك السياسي أبداً، إلا أننا خرجنا في الورشة بأن أي شيء يمس المسيرة التعليمية للطالب، ومنها الميزانية وغيرها، فإنها داخلة في نطاق عمل الاتحاد وأهدافه، الاتحاد الذي قد يطالب به مطالب في الأيام القادمة.
بيّن حبيب المرزوق رئيس مجلس طلبة جامعة البحرين، أن هناك تحركاً من قبل شباب الوفاق لإعادة إحياء المطالبة بالاتحاد، وتحفَظَ المرزوق عن التصريح بأي تفصيل عن هذا التحرك وطبيعته.
***
       في اليوم الثاني من البرنامج، 29 من الشهر نفسه، تم تكريم رواد العمل الطلابي، وقد حضر حفل التكريم عدد من الأعضاء المؤسسون للاتحاد الوطني لطلبة البحرين، وألقى كل من الأستاذ إبراهيم كمال الدين، والأستاذ فؤاد سيادي كلمة بالمناسبة، كانت كلمتهم موجزة ومنسقة إلى حد كبير. نقطة مشتركة وهامة في كلمتي الأستاذين الموجزتين:الوضع تغير عن السابق.. الآن هناك جمعيات سياسية تعمل في العلن.. لا داعي اليوم لزج السياسة في العمل الطلابي. وكلمة قالها سيادي أعجبتني حقيقة: (تمردوا على قياداتكم السياسية.. وأنا منهم..) في إشارة منه إلى ضرورة إدراك تغير المرحلة، والابتعاد عن طبيعة تحركات الماضي، فنحن نعيش في ظل انفتاح، وجمعيات سياسية، يمكن للطالب أن يمارس ويتبنى مواقفه السياسية فيها، وأن يكون نشط في فعالياتها، وليس بالضرورة زج ذلك بالعمل الطلابي.
       تلتهما كلمة لرئيس مجلس طلبة جامعة البحرين، الأخ العزيز حبيب المرزوق، وازداد حماس الإلقاء شيئاً فشيئاً كلما انتهى حبيب من فقرة ودخل في أخرى، فجاء في كلمته، ولا أخطئ إن قلت خطبته: "ولماذا كلما تكلم الطلبة فيحرم عليهم مناقشة القضايا السياسية والاقتصادية بدعاوى تسيس القضايا الشبابية، اليس الشباب هو مستقبل هذه البلد ومفرزة قيادات هذه البلد وكل ما يدار في هذا البلد لواقع الشباب ومستقبلهم! خطأ استراتيجي أن يقال أن القضايا الاقتصادية والسياسية لا تهمنا ولا تعنينا ، نحن الشباب، اذا من تعني، الاطفال أم الكهول؟.."
تهمنا وتعنينا ونص أخي وعزيزي حبيب، ولكن لا تعني العمل الطلابي، على الأقل في هذه المرحلة. كانت تعنيه سابقاً في غياب العمل السياسي العلني، وغياب الجمعيات السياسية، أما الآن فلماذا؟! خاصة وأنه غير متاح. وها أنت بجمعية الوفاق، وفي نفس الوقت رئيساً لمجلس الطلبة، ولم تزج، مشكوراً، مواقف جمعيتك السياسية في عملك الطلابي، وهذا ببساطة ما نعنيه، وما نطالب به.
يواصل حبيب في كلمته، وهنا بيت القصيد: "فجاء ما وثق في تقرير البندر ليكشف ما يدبرلإقصاء الشباب وتدميرهم، وحُرمنا من التطرق إليه ومناقشته وفضحه، وزادت وتيرة التمييز وانتشرت سياسة الإقصاء في الوظائف التي طالما حلمنا في شغرها بعد طول المسيرة الدارسية في حياتنا، ولم نتحرك، ألم يأخذ التجنيس الذي قصم ظهورنا، فرصنا التعليمية بالإضافة إلى فرصنا في التوظيف والسكن … فإلى متى ونحن نطالب بصغائر الامور ونترك كبائرها دون اهتمام أو تحرك، صحيح أن بعض مطالبنا هي مهمة ولكننا تركنا الأهم" !!
ويواصل: "ولعله من حسن الحظ أن ذكرى يوم الطالب البحريني كان في الأيام التي نتذكر فيها ملحمة الطف التي رسمت لكل الإنسانية مسيرة الحياة وكانت لنا نهر الإباء الذي نشرب منه كلما أصابنا الجفاف والجفاء. ولعل أهم ما يذكرنا في تلك الملحمة، هم شباب كربلاء وقادتهم علي ابن الحسين، والقاسم ابن الحسن، الذين رسموا لنا أجمل صور التضحية والإباء، ووقفوا في وجه الظلم والظالم، وهم في مستهل حياتهم قدموا دمائهم وأرواحهم فداء للإسلام وللدين، ولم يتردد في في أذهانهم ولو لبرهة من الزمن أنها قضية يتحملها الكبار فقط" !
هنا، وهنا فقط، علَّقَ الأستاذ محمود حافظ هامساً في أذني: "كان كلامه زين بس الحين اخترب"! فرسم ابتسامة على وجهي، وكأن الكلام السابق كان في محله.
وختم حبيب كلمته: "أتمنى من عميق قلبي أن يكون حال الطالب البحريني في العام القادم أفضل من هذا الحال، وأن يكون احتفالنا بمرور عام على تأسيس اتحاد طلبة البحرين". ونحن والله نتمنى ذلك، ولكن ما جاء في كلمتك بخَّر كل ما خرجنا به في ورشتنا الحوارية! وإني أؤكد للأخوة في الوفاق، بعد الحوار الذي دار مع عدد من القيادات الطلابية بعد هذه الكلمة، أنهم لن يجدوا الدعم المطلوب للمطالبة بالاتحاد حتى من أقرب الناس لهم، إلى أن يفهموا جيداً أن لكل مرحلة تحركاً يناسبها.
آسفني كثيراً ما جاء في الكلمة، لأنه يدل على شيء لا غير، أن حلمنا بتأسيس اتحاد سيطول أكثر وأكثر، لأننا نحن، أو بعضنا، لا يريد أن يفيق من نومه، ولن يدرك فن المطالبة بهذا الاتحاد.
 

ليست مجرد تجربة (14)

معرض بيع الكتب المستعملة
       معرض بيع الكتب المستعملة.. أول نشاط نظمته اللجنة فيما أذكر. كَدَّست مكتبة الجامعة مجموعة كبيرة من الكتب القديمة جداً في مخزن ببهو الجامعة، وأرادت التخلص من هذه الكتب بطريقة أو بأخرى، فجاءت فكرة إقامة معرض لبيعها بأسعار رمزية جداً (100 – 300 فلس للكتاب). وكان هذا أول نشاط مختلف عن تلك التي اعتدت على تنظيمها، المحاضرات.
       أعجب صديقي "حمد المسيفر" بالعمل في هذا المعرض، فقد كان يبني علاقته مع عدد لا بأس به من الأساتذة الذين يترددون لشراء الكتب، فأمسك زمام الأمور كلها بمساعدة عدد من الطلبة والطالبات المتطوعين، وكنت ألتقيه نهاية كل يوم دراسي ليطلعني على مدخول ذلك اليوم.
       العاملون في العمل التطوعي، الطلابي خاصة، يعلمون صعوبة العثور على كنز كالذي يمثله حمد المسيفر لي حينها، فهو من النوع (حطّه على يمناك) وليس من النوع (وصَّه ولا تتكل عليه)، في تلك الأيام على الأقل. ولكم أن تتصوروا فرحي به حينها، إذ أن اللجنة ستنجز الكثير مع حمد. واعتبرته من أعضاء اللجنة الذين لا يمكن أن أستغني عنهم، والذين سأعتمد عليهم كثيراً في الأيام القادمة. ولكم أيضاً أن تتصوروا الإحباط الشديد الذي سببه حمد بعد نهاية المعرض، فقد اختفى تماماً، ودون سابق إنذار! وكأن الأرض جائعة ووجدته وجبة ستشبعها! عجزت اتصالاتي المزعجة في العثور عليه لمدة طويلة، ولم توفر حينها شركة الاتصالات "بتلكو" خدمة الاتصال بباطن الأرض بعد، ففقدت الأمل في العثور عليه.
       حقيقة أصبت بخيبة أمل كبيرة، وفي نفس الوقت تعلمت درساً لن أنساه، أن لا أعقد آمالاً كبيرة على أي شخص، مهما كان التزامه وتفانيه في العمل. وتعلمت أن أبحث دوماً عن طاقات جديدة حتى لو ظننت أن عندي ما يكفيني الآن. وتعلمت أيضاً أن لا أضيع وقتي كثيراً في البحث عن أعضاء كانوا هنا، بل البحث عن بدائل وبسرعة.
       بعد سنتين، أصبح حمد رئيساً لجمعية كلية الحقوق، وعضواً بمجلس الطلبة.
        
      

ديمقراطية بلا حجاب

خلفية المشهد الوقح.. تصفيق ممسوخون من رجال ونساء.. وعويل نشاز يقول (أخرجي.. أخرجي.. أخرجي).. والمرأة التي تعود إليها "الياء" جالسة مبتسمة باستغراب، يكاد الذهول أن ينقلها إلى عالم آخر، وأشك أنه لم يفعل للحظات على الأقل !
هكذا استقبل البرلمان التركي في 2 مايو 1999، أول مسلمة محجبة يختارها الشعب لتمثيله والدفاع عن حقوقه والسعي لتطوير بلاده. فقط لأنها ترتدي حجاباً! ولا يمنعها من ذلك لا دستور الدولة، ولا النظام الداخلي للبرلمان، ولا رأس فيه شيء من عقل !
بدأ نواب حزبها (الفضيلة) بالمواجهة: (أدخلي.. أدخلي.. أدخلي)! وبقي البقية صامتون، وهي تنظر إلى صمتهم في حيرة: (لماذا يصمت هؤلاء؟! أليس زوجاتهم وأخواتهم أو بنات أقاربهم أو حتى بناتهم نساء محجبات مثلي؟!).
يقف زعيم الممسوخين "أجويد" على المنصة: (رجاءاً أوقفوا هذه المرأة عند حدها!)، وتبدأ أبشع عمليات الإقصاء، وتتوالى الأحداث سريعة بعد هذا المشهد المخزي..
تخرج من القاعة، على أمل أن تعود ليلاً لأداء القسم، ولكن الحزب يمنعها بطريقته! وهي تتفهم الموقف، دون أن تملك أدنى قناعة بما يفعله قادة حزبها، وترد على أختها "روضة" التي أتصلت تتساءل عن سبب عدم دخولها للقاعة: (يا روضة، لقد انتهى!! إن أكابر الحزب خائفون!!).
ماذا عن زميلتها، المحجبة الأخرى، من حزب آخر غير الذي تنتمي إليه؟! لقد وقفت تؤدي القسم، مكشوفة الرأس! وهي التي كانت بالأمس القريب تقول كما يتشدق رجال حزبها، بأنهم سيجدون حلاً لمسألة الحجاب! وتصرح فيما بعد: (شعرت بأنني كنت عارية) !
تقرأ بياناً صحافياً في اليوم الثاني، جاء في ختامه: (أيها السادة المحترمون، اعلموا أنني سأدافع عن حق التمثيل الشريف الذي منحني إياه شعبي بما يتناسب مع طبيعة امرأة شريفة، سوف أواصل طريقي بهذا الشكل الذي أنا عليه إلى النهاية، مع مراعاة مساحة الديمقراطية وبما ينسجم مع القوانين).
وتدخل في لعبة قذرة لم تتصور يوماً حجمها، وتصبح مادة الإعلام التركي بكل وسائله، وتترك الأضواء "تشكيل الحكومة" والقضايا الهامة التي ينتظر الشعب التركي المسالم "لحلحتها"، وتتسلط على مروة القواقجي، بكل ما في هذه الأضواء من كذب وزيف ودناءة وتضليل !
وينسحب عنها الحزب شيئاً فشيئاً حتى تصبح وحيدة وسط دوامة لا يقوى عليها كثيرٌ من الرجال، رغم أنها لم تكن عضوة عادية في الحزب، حيث بدأت حياتها السياسية معه في عام 1994، وأصبحت فيما بعد رئيسة العلاقات الخارجية، أي ممثلة للحزب في الكثير من المؤتمرات واللقاءات الإقليمية والعالمية، ولدى المنظمات الدولية.
يصرح رئيس الدولة "دميرال" في التلفزيون، وهو كاذب: (إن مروة قواقجي هي السبب في هذه البلبلة)!.. يفتش الإعلام في حياتها مع زوجها السابق.. ويتعاون الزوج السابق!.. يستقبل الطلبة الصغار بعد أن تلقوا توجيهاً – وما أسهل الضحك على الأطفال – ابنتيها في المدرسة: (تركيا علمانية وستظل كذلك)!.. لا تستطيعان الخروج إلى فناء المدرسة في الفسحة.. فتخرج الطلفتان في إجازة إجبارية حتى تهدأ الأوضاع!.. يقترح "أجويد" أن تعمل قواقجي في مكتب ولا تحضر جلسات البرلمان في القاعة العامة!.. تُسحب منها الجنسية التركية لسبب غير قانوني!.. تسقط الحصانة، وأي حصانة في بلد تحكمه الفوضى البهيمية!.. يأتي رئيس محكمة أمن الدولة والنائب العام بنفسه، ومعه رجال الشرطة من فريق مكافحة الإرهاب، ويكاد يكسر الباب طرقاً، ذلك الباب الذي تحتمي وراءه امرأة مطلقة تحتضن خالها وهي تبكي في هدوء، ويصرخ الممسوخ: (أعلم أنكِ بالداخل.. افتحي الباب.. سأكسر الباب إن لم تفتحي)!.. السفارة الأمريكية تتصل: (إذا تريدين فإننا نخرجكِ فوراً من هنا بالطائرة إلى واشنطن مباشرةً)!.. تعتبرها قواقجي إهانة وترد: (أشكركم على اهتمامكم بي … وإن كنتم تودون عمل شيء من أجلي، فإنني أرجو منكم أن توجهوا تحذيراً إلى أعضاء حكومتنا الذين يصغون أكثر من اللازم إلى الإدارة الأمريكية)!.. تتزوج!.. تحصل على الجنسية التركية إثر ذلك!.. ويبدأ المشوار العالمي لتعريف العالم بمعاناة المرأة التركية المحجبة، وما تتعرض له من اضطهاد!.. من الكونجرس إلى مجلس اللوردات إلى الاتحاد العالمي للبرلمانات.. تطير من معهد إلى مركز دراسات.. ومن جامعة إلى أخرى.. تظهر على القنوات العالمية.. من "الجزيرة" إلى "CNN".. يصدر قرار من الاتحاد العالمي للبرلمانات لصالحها.. رغم تفاني جهود حكومة "أجويد" لعرقلة ذلك!.. وتواصل مسيرتها إلى أن نالت عضوية في الهيئة التدريسية لجامعة جورج واشنطن.. ويستقر حجابها، تاجها الذي زينها عند دخولها قاعة البرلمان، في متحف سناتو في الكونغرس الأمريكي 2005 !
من أول المسيرة حتى آخرها، لم يتوقف الإعلام الآثم عن "مسخرته"، شن حروبه النفسية التي كانت مروة ضحيتها. يتبعها الصحفيون في كل مكان، وهل هناك ذباب "يُطَفِّش" السياسي أكثر من الصحفيين المنحازين؟ ربما كانت آيات الله، التي حفظتها مروة كلها في زمن قصير وهي في سن السادسة والعشرين، هي من ثبتت قلبها في هذه المحنة.
في لقاء عابر في مارس 2002، قالت مروة لوزير خارجية الولايات المتحدة، كولن باول: (… وأعرف أنك والسيناتور ليبرمان ونظيرتك السابقة مادلين أولبرايت كنتم تصفون تركيا في أحاديثكم بأنها البلد المسلم الذي يتبع "الطريق الوسط"، وأنها تعتبر نموذجاً يجب أن يحتذى من قبل العالم الإسلامي. وأنتم توجهون أسئلتكم إلى البلدان الإسلامية الأخرى: انظروا إلى تركيا، لماذا لا تكونوا مثلها؟ بالطبع إن تركيا بميراثها الثقافي والتاريخي مرشحة لأن تكون رائدة ونموذجاً لباقي البلدان الإسلامية. ولكن هناك إجراءات تتبع ضدي وضد مئات الآلاف من النساء والسيدات من المحجبات، وهو بمثابة تفرفة لا تليق بعصرنا الحالي. ويجب ألا تظلّ الإدارة الأميركية غافلة عن هذا الموضوع). فيجيبها باول، مدافعاً عن سياسة بلاده البريئة التي لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول: (إن هذه مسألة داخلية. هل يمكن أن تتصوري أن يقوم رئيس أميركا بطلب رئيس جمهورية تركيا أو رئيس وزرائها هاتفياً ويتدخل في هذه المسألة؟) !
يختلف الوضع اليوم كثيراً عن السابق، تقول في آخر فقرة في كتابها الرائع: (وأهم تطور على المستوى القانوني، هو شروع محكمة حقوق الإنسان الأوروبية تناول الدعوى التي رفعتها في 13 أكتوبر 2005. وكانت تركيا قد شهدت تغيرات كثيرة خلال الفترة ما بين انتهاك حقّي بصفتي نائبة في البرلمان انتخبت بواسطة إرادة الشعب وبدء النظر في الدعوى التي رفعتها ضد الحكومة التركية باسم الناخبين للدفاع عن حق "التمثيل" الذي سلب منهم. وكانت مشيئة الله قد فرقت شمل جميع الذين أرادوا استئصالي من الساحة السياسية. ومن عجائب القدر أن أجد الآن أمامي في هذه الدعوى التي رفعتها لدى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، حكومة "حزب العدالة والتنمية" التي تتكون من زملائي المناضلين الذين وقفوا إلى جانبي في مدارج قاعة البرلمان التركي في عام 1999، ويختفي أجاويد فلا نراه).
منذ أيام قليلة أقرَّ البرلمان التركي قانوناً يلغي حضرالفتيات المحجبات حضور المدارس والجامعات، لم يجيء القرار بين ليلة وضحاها، إنما نتيجة نضال طويل، كانت مروة قواقجي إحدى جنود الصف الأول فيه.
ما جاء في المقال، لا يغني القراء عن قراءة الكتاب، ففيه الكثير من الأحداث والمواقف التي لم أشر إليها. أنصح بقراءة هذه الملحمة السياسة.. كثيرٌ منا نحن الشباب نجهلها، ونجهل بطلتها، فلم نكن في ذلك الوقت في سن الاهتمام بالسياسية الداخلية ومتابعتها، فضلاً عن ما يجري في الساحة الأقليمية والإسلامية..
 
أقف تحيةً وعرفاناً لهذه المرأة وما قدمته. من يقرأ مذكراتها يشعر بالخجل حينما يقارن حجم عطاءها بتواضع عطاءه، خاصة الشباب الذين يفترض منهم تقديم الكثير لنصرة مبادئهم وقضايا أمتهم. وفقك الله يا مروة لكل خير، وسخرك دوماً لنصرة دينك.. آمين.
 
 
 
 

مطالبة ضلت الطريق !

طالب الطالب جعفر الجمري، في مقال له، وعن مجموعة من طلبة كلية الحقوق بجامعة البحرين، نشر في جريدة أخبار الخليج، "أتمنى لا بل أترجى جميع من لهم باع –يقصد شأن- في تحديد مواعيد الامتحانات، اختيار أوقات مناسبة تهم مصلحة الطالب"، ووصف ذلك: "وهذا بما لا شك فيه لا يشكل أدنى صعوبة تثقل كاهن الجامعة في شيء، فالمسألة مسألة تقديم أو تأخير أيام ليس إلا" !!
أما سبب الطلب فيختصره عنوان المقال (يا جامعة البحرين: الامتحانات النهائية في قلب أجواء عاشوراء.. لماذا؟!). أنا، وعن طلبة كُثُر في في مختلف كليات الجامعة، نقف مع هذه المطالبة بمراعاة أوقات الامتحانات ولكن "نتمنى، بل نرجو" أن يضاف إلى "أجواء عاشوراء" ليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان، فكما نعلم، وأحسب أننا متفقون، أنها أفضل ليالي السنة، فيها ليلة خير من ألف شهر. وأنقل أيضاً مطالبة، لم تصلني بعد! من إحدى الطالبات، وعن عدد من الطلبة في مختلف كليات الجامعة، بأن يضاف إلى ذلك، الأيام الأولى من شهر ذي الحجة، فهي أفضل الأيام في السنة، وأجر العبادة فيها مضاعف! ومن المؤكد أن هناك طلب ثالث ورابع وخامس في الطريق !
ربما لا زال شعور "ممثل عن الطلبة، كل الطلبة" يتملكني، لذا لا أقول كما قال الطالب "فلتعمل الجامعة استبياناً لجميع الطلبة على إقامة الامتحانات في أجواء عاشوراء ولنرى نسبة القبول ونسبة المعارضة!"، وإنما أراعي مصالح جميع الطلبة، وخوفاً من "تسلط الأكثرية" الذي يهز أركان عدل الديمقراطية، فلن أعتمد الاستبيان وسيلة، وإنما يجب أن نراعي الجميع، مهما قل عددهم أو كثُر، ففي جامعتنا نصارى، يجب أيضاً أن نأخذ أعيادهم ومناسباتهم الدينية ونضعها في الحسبان عند اختيار أوقات الامتحان. وكنت أعرف طالباً بهائياً، ربما لا زال هناك غيره، هؤلاء أيضاً يجب أن توضع "أجواء" مناسباتهم في الحسبان، ففي النهاية المسألة "مسألة تقديم أو تأخير أيام ليس إلا" !!
يتساءل الطالب "فلا أعلم وأين ألوذ لكي أذاكر وامتحاني في يوم ثامن محرم …. ناهيك عن أن بيتنا قريب من خمسة مآتم تقريباً". عزيزي، إني والله أشاركك المعاناة بفارق بسيط، فأنا لا أعلم ولا أين ألوذ لكي أذاكر، أو أقرأ، أو أنعم بلحظات هادئة، في بيتي، لا في ثامن محرم فحسب، إنما في معظم أيام السنة! وليس بيتنا بالقريب جداً من المأتم، أو المأتمين، أو الثلاثة. ولكن قانون العويل والصراخ، عفواً مكبرات الصوت، يقضي على المسافة، كقضاءه على أدنى سلوكيات الأدب والاحترام.
مطالبتك الرائعة هذه يا عزيزي ضلت طريقها، يجب أن تذهب لمن يقف خلف مكبرات الصوت، ليستشعروا ما تسببه هذه المكبرات من مضايقة وسوء، وأنا متأكد أن لو نصحهم غيرنا –أنتم مثلاً- سيبدأون في التفكير بالأمر بجدية. ومتأكد أيضاً أنهم بما يملكون من علم وفقه وحكمة ومراعاة لأبناء البلد -أنتم على الأقل- فسوف نرى حلاً لهذه المعضلة. وكما قلت "فالحضور واجب والدراسة أوجب"، أزيد: وكذلك احترام الآخرين، وعدم ازعاجهم وإيذائهم أوجب.
 

ليست مجرد تجربة (13)

uobsc.com
أي مؤسسة أو هيئة قامت على أساس التمثيل، لأي شريحة كانت، أهم عامل من عوامل نجاحها هو التواصل الفعال مع من تمثلهم. لا أدري لماذا لم أستطع أن أفهم يوماً كيف يمكن لمجلس يمثل ما يقارب 18 ألف طالب وطالبة من التواصل مع هذا العدد الهائل، واستقبال المشاكل والمقترحات والملاحظات دون تواصل الكتروني! ولم تخطر في بالي آلية إخبار الطلبة بأنشطة وفعاليات المجلس، ونشر تغطياتها دون وجود موقع الكتروني! قد يُقال أن الجرائد، والمنتديات الالكترونية، والملصقات على الجدران في كليات الجامعة تفي بالغرض، أما أنا فلم أتقبل فكرة عدم وجوع موقع الكتروني للمجلس كأبسط، وأسهل، وأوفر، وأنجع أداة تواصل مع الطلبة وغيرهم، داخل وخارج الجامعة.
هل كانت أنشطة المجلس وتحركاته بتلك الكمية والأهمية التي تدفعني دفعاً لتبني فكرة الموقع والتحرك عليها سريعاً قبل أي مشروع آخر، أم العدد الهائل للطلبة الذين ينبغي أن نفعّل التواصل معهم هو السبب، أم لسبب شخصي، وهو شغفي بأدوات وبرامج الاتصال، وعملية التواصل عموماً؟ ولهذا الموضوع قصة أخرى.
كنت ولا أزال أستخدم جميع أدوات الاتصال التي من الممكن استعمالها، أستقبل الإيميل والفاكس بواسطة هاتفي المحمول، أوقفت خدمة الفاكس مؤخراً لتعذر الخدمة مع جهازي الجديد ليس إلا، هذا الجهاز المزعج الغالي على النفس كثيراً، هل هناك أحد لا يحب هاتفه النقال؟! أشك في وفاء من لا يفعل! من خلاله حتى "المسنجر" كنت أستخدمه متى وأين كنت، براحة لا تقل كثيراً عن تلك التي يوفرها الكمبيوتر الثابت أو المحمول، لوجود لوحة المفاتيح الصغيرة. أذكر مرة بدأت حواراً بالمسنجر باستخدام الهاتف منذ أن خرجت من المكتب في مقر المجلس بالجامعة، حتى دخلت "حوش" البيت! مستغلاً طول مسافة الطريق – من الصخير حتى عراد – في هذا الحوار الشيق بطبيعة الحال! نعم نعم، وأنا أسوق السيارة! أعتذر مقدماً عن إجابة السؤال المغرض: مع من كنت تتحدث؟!
لماذا هذا الهوس وهذا التواصل الدائم، الطارد للهدوء والسكينة في أحيان كثيرة؟ لم أكن رئيساً تنفيذياً لشركة، ولا مديراً صغيراً في دائرة حكومية، لأجعل من نفسي جهة معرضة لإزعاج التواصل في أي لحظة وبأي وسيلة. لا أدري، ربما لأنني لا أريد أن أترك لأي معلومة، تافهة كانت أم مهمة، ثقافية كانت أو اجتماعية، أو في أي مجال يمكن تصنيفها، لا أريد أن أترك لها أي عذر ولو كان صغيراً أن تمتنع من الوصول إليّ. كذلك البشر، يجب أن أصل إليهم متى أريد، بأي طريقة كانت (اتصال، إيميل، مسنجر، فاكس)، كما هم من حقهم ذلك. إلا أني بعد فترة تعلمت تلك العادة التي لو علمت أن غيري يفعلها بي لحملت في خاطري عليه، عدم الرد على الاتصال، والاتصال لاحقاً، دون مبرر مقنع سوى أني لا أريد أن أحدّث أحداً في تلك اللحظة. كما تعلمت أن أغلق الهاتف لمدة يوم أو يومين بين فترة وأخرى! لا لكثرة المتصلين، ومن أين لي بمتصلين كُثُر؟! إنما لشدة الحاجة للانقطاع عن أي اتصال، في فترات بسيطة متفرقة.
نعود للموقع الالكتروني، ظهرت أول عقبة، وهي أن المشروع ببساطة لا يقع ضمن اختصاصات لجنتي، لجنة الخدمات الطلابية، بل هو بطبيعة الحال من ضمن اختصاصات اللجنة الإعلامية. كيف أتخلص من هذه العقبة "المضايقة" التي يفرضها تقسيم عمل المجلس (لجان) في مشروعي هذا، تلك المضايقة التي كثيراً ما يطلق عليها زوراً وبهتاناً تعاون مع لجنة أخرى !
رئيس اللجنة الإعلامية صديق مقرب، وهو أحد الطهاة الثلاثة في مطبخنا الخاص للقرارات الطلابية البريئة حينها، نايف الكواري، كيف أتخلص من "مساعدة" صديقي نايف والعمل على مشروع الموقع بكل راحة وحرية؟! يهمني دائماً وأبداً الحرية المطلقة، المطلقة، عندما أعمل على أمرٍ ما. وهذا ما صَعَّبَ على البعض لاحقاً العمل معي، أعني أولئك الذين يظنون أنهم ولدوا ليكونوا دوماً وفي أي مكان قادة! سأتعرض قليلاً لهذا الأمر الهام فيما بعد.
جاء تبريري العجيب لأدس نفسي في اختصاص لجنة نايف، بعد أن أصبح واضحاً بأني سأعمل على المشروع، فقلت له: (سيقدم الموقع عدد من الخدمات والتي من أهمها استقبال الشكاوى والمقترحات ومتابعتها مع الجهات المعنية في الجامعة، والرد على أصحابها، وهذا كما تعلم من اختصاص لجنة الخدمات، لذا نسعمل سوياً على هذا المشروع!). لمد يُبدِ نايف أي تحفظ، بل رحب بكل كرم! شعرت بأنه كان متيقناً من أن صاحب الفكرة هو الأكثر تحمساً لها، والأقدر على تحويلها واقعاً بالشكل المطلوب. ألم أقل سابقاً أن لجنة الخدمات الطلابية بإمكانها أن تنفرد بمعظم أعمال المجلس! أدرك نايف عملياً فيما بعد أن كلمة "معاً" جاءت فقط من باب الذرابة كما يقولون!
كتبت تصوراً، وعرضته على متطوعين من طلبة الإعلام، شارحاً لهم آلية العمل، ليباشروا في تحديث الموقع يومياً بعد تدشينه. طلبت من عمادة شئون الطلبة تنظيم دورة للمتطوعين في كتابة الخبر الصحفي. دورة كتابة الخبر الصحفي لطلبة إعلام؟! للأسف نعم. جودة مخرجات قسم الإعلام في جامعتنا، خاصة تخصص الصحافة، لم أجده بالمستوى المطلوب، رغم تفاني إدارة القسم وإخلاصها في العمل. طبعاً هناك عدد لا بأس به من المتميزين، لكنه في نظري لم يكن كافياً.
وبمساعدة جبارة من الصديق العزيز عثمان الخان، ومعه محمد مصيقر، وإبراهيم النامليتي، تم تصميم  الموقع الالكتروني، وعرضته على رئيسة الجامعة التي وافقت بدورها على تدشينه.
الدكتورة مريم بنت حسن آل خليفة، رئيسة جامعة البحرين سابقاً، كانت علاقتي بها أكثر من رائعة، كنت حينما أجلس معها أنسى أني مع رئيسة جامعة، أحس بأني أجلس مع أمي، بل جدتي! كانت تصر: "انتوا إلا يهال!" فأدخل في نوبة ضحك عارمة. نتحدث في أمور بعيدة عن العمل الطلابي، وأحياناً بعيدة عن الجامعة أيضاً. اكتشفت أن ذلك يمثل إحدى الوسائل الفعّالة في الحصول على مكانة وحظوة عند المسئولين. ثقتها الغالية بي، كانت مفتاحاً سحرياً للعديد من القضايا. أذكر مرةً أن عميدة شئون الطلبة أيستْ من الحصول على موافقتها لإقامة أصبوحة شعرية للشاعر المعروف عبدالرحمن العشماوي، فرمت الكرة في ملعبي: حاول معها أنت. وبعد جلسة كانت فيها الأحاديث الجانبية أكثر من غير الجانبية، كالعادة، رجعت للعميدة: لقد وافقت الرئيسة. تفتح العميدة عيناها وتبتسم: لا يا شيخ!!
بقي شيء مهم، كثيراً بالنسبة لي، إدارة الموقع، يجب أن أكون مديراً للموقع بصفة رسمية حتى لا يعترض معترض في المستقبل على هذا الأمر ويسأل: من اختارك مسئولاً على الموقع؟! فكتبت رسالة لرئيسة الجامعة، موقعة من رئيس المجلس، جاء فيها: (ولا شك أننا موافقون على تدشين هذا الموقع، وعلى أن يكون الطالب/ أحمد الحربان المشرف العام عليه…). ثقة صديقي رئيس المجلس هو الآخر تغنيه من مراجعة المكتوب، فيوقع على الرسالة، وغيرها من رسائل مباشرة. ما شأن ثقتي الزائدة في ثقة الآخرين بي! هل هذا نوع من النرجسية؟! وهابي نرجسي هذه المرة؟! الله أعلم! ترسل رئيسة الجامعة لعميدة شئون الطلبة بالموافقة على تدشين الموقع وعلى أن أكون مشرفاً عليه.
بدأت بعدها في مراسلة الشركات في محاولة مني للحصول على جهة تتبنى الموقع، وتقدم دعماً مادياً للقيام بحملة إعلامية للموقع، نشجع من خلالها الطلبة على إيصال الشكاوى والمقترحات عبره، ولمكافأة الفريق الذي صمم الموقع، ولتقديم مبالغ رمزية للذين سيعملون على تحديث الموقع فيما بعد، ولشراء بعض الأجهزة الالكترونية التي يحتاجونها.
نتج عن هذا التحرك اجتماعاً مع شركة "زين" للاتصالات، وبدأت الأفكار الرائعة تحوم في رأسي حول تطوير الموقع، وربطه بالهاتف النقال، وإرسال الرسائل النصية للطلبة من خلاله، وغيرها من الأفكار. كانت "زين" حينها في مفاوضات مع إدارة الجامعة حول مشروع أكبر بكثير، وقد أحسوا أنهم لن يصلوا مع إدارة الجامعة إلى نتيجة مُرضية، فأركنوا موضوع موقع المجلس جانباً إلى أن يصلوا إلى اتفاق مع إدارة الجامعة. وطارت الأفكار من غير رجعة، فلم يتوصلوا إلى اتفاق إلا بعد أكثر من سنتين، عندها تركت المجلس، ولم يعد للموقع ذكر!
بمساعدة لا تقل في جبروتها عن المساعدة الأولى، من الخان أيضاً، تم تطوير الموقع في السنة التالية بعد أن أصبحت رئيساً للمجلس، فاعتمدت عليه اعتماداً كلياً في نشر أخبار المجلس وفعالياته، وفي الإعلان عن أي فعالية أو نشاط، وفي استقبال المقترحات والشكاوي، وكان كل تحديث يصل للقائمة البريدية الخاصة بالموقع. أعتقد أن الأمر سَهَّلَ على بعض الصحفيين كثيراً في الحصول على مادة صحفية جاهزة بدل الجري وراء أعضاء المجلس لمعرفة أمر ما. بل إذا ما اتصل أي صحفي أو صحفية كنت أوفر عليه وعلى نفسي الوقت، وأحيله على الموقع مباشرة. وكان الموقع كذلك ينشر محاضر اجتماعات المجلس أولاً بأول، ليعلم الطلبة ما يدور في هذه الاجتماعات، ويعرفوا مَن مِنَ الأعضاء يسعى في خدمتهم، ومن لا يُذكر اسمه في المحضر سوى في قائمة الحضور !
وَقَفَت مرة إحدى الطالبات في لقاء حول المجالس الطلابية أقيم خارج الجامعة، تنتقد فيه غياب أعضاء المجلس، وصعوبة الوصول إليهم. فقلت لها بأننا طبعنا ووزعنا 20 ألف بطاقة، وألصقنا بوسترات في كل كلية، وصرحنا في الجرائد، إعلاناً عن الموقع للتواصل مع الطلبة، ماذا نستطيع أن نفعل أكثر؟! وبعد الرد وإيضاح مسائل أخرى، أصبحت شبه متحدث جانبي في ذلك اللقاء، الذي كان متحدثه الرئيسي الأستاذ محمود حافظ، رغم ذهابي إليه من غير دعوة !
أما اليوم فـ" أين الموقع الالكتروني لمجلس طلبة جامعة البحرين؟.. لماذا لا نجد تعريف المجلس وأهدافه وأسماء أعضاءه ومعلومات تواصلهم، وكل ما يتعلق به في الشبكة المعلوماتية، ليتعرف العالم على أنشطة طلبة جامعتنا الوطنية، وليكون مرجعاً لأخبار النشاط الطلابي بالجامعة؟
حُرم الطلبة من خدمات كثيرة كان يقدمها موقع مجلس الطلبة الالكتروني … كل هذه الخدمات باتت معطلة، بعد أن عصفت بالموقع ريح البيروقراطية، بتوجيه إدارة الجامعة لأن يكون الموقع تحت إدارة وإشراف مركز تقنية المعلومات، بعد أن كان مستقلاً بإدارة وإشراف المجلس مباشرة. وإني على يقين بأن خدمات الموقع كانت ستتطور، ولكن هذا ما تفعله "مطبات" التعطيل التي تحد من سرعة عجلة النشاط الطلابي، والتي يبذل أخواننا أعضاء المجلس كثيراً من وقتهم وجهدهم في سبيل الدفع بها وتطويرها.
لقد جاء هذا التوجيه حينما كنت رئيساً للمجلس، وقد اعترضت على الأمر شفهياً لعلمي بأنه سيعرقل مسيرة هذا الموقع الحيوي، وأنه ليس كما قيل لي بأن الإجراء بسيط وسيواصل الموقع في تقديم خدماته دون أي تعطيل، وها هو الموقع قد توقف تماماً، فضلاً عن أن يقدم أي خدمة !
إن من أهداف المجلس دعم الأنشطة الطلابية، و المساهمة مع الجامعة في تطوير الخدمات الطلابية، و المحافظة على منجزات الجامعة والمساهمة في رفعة شأنها، وغيرها من أهداف جميلة تحتاج إلى آلية سهلة وميسرة تتناسب وحياة الطلبة الجامعيين أعضاء المجلس بما يحكمهم من وقت محدود، ومن أهم هذه الآليات وجود قنوات تواصل فعالة، تربط أعضاء المجلس بطلبة الجامعة المقدر عددهم حوالي 20 ألف طالب وطالبة! لمعرفة الآراء والمقترحات والشكاوي، ولنشر أخبار الفعاليات والأنشطة والقرارات والتوصيات الصادرة، ولا نجد آلية أكثر فاعلية وسهولة لهذا التواصل من الموقع الالكتروني.
أما عن تحديث مادة الموقع، من إدراج الأخبار، ووضع الإعلانات، وغيرها، فإنه من الطبيعي، ولتوضيح وجهة نظرنا نضيف: بل يجب وينبغي، أن يكون بيد المسئولين عنه والمكلفين بمتابعته من قبل المجلس، أعضاء من اللجنة الإعلامية عادة، وسيفقد الموقع فاعليته متى ما قامت بهذه المهمة أي جهة أخرى، كمركز تقنية المعلومات مثلاً، كما تريد الجامعة. فالفاعلية تحتاج إلى تحديث مستمر وفوري مع مجريات الأحداث من أنشطة وفعاليات واجتماعات وغيرها، وإشراف وإدارة مركز تقنية المعلومات على الموقع الالكتروني الخاص بالمجلس تعقيد لا نجد له أي مبرر، ويتعارض مع روح أهداف تأسيس المجلس، والتي نصت أحدها على "تنمية الروح القيادية بين الطلبة وإتاحة الفرصة لهم للتعبير المسئول عن آرائهم".
ومن خلال نشاطي الطلابي، ما رأيت من إدارة الجامعة إلا التعاون والتفهم لكل ما نطرحه من وجهات نظر، لذا نرجو منها إعادة النظر في مسألة تبعية موقع المجلس لمركز تقنية المعلومات…"[1].
لا أذكر أني أصدرت تقييماً مكتوباً حول أداء المجلس في دورته الخامسة، تجنباً لأي فهم خاطئ، لقناعات شخصية خاطئة، ربما لا زال يحملها بعض الأخوة. لكني أرى أن إدارة المجلس تساهلت كثيراً مع إدارة الجامعة في موضوع الموقع، فلم تكن المطالبة به بالمستوى المطلوب، ولو كنت مكانها لعقدت اجتماعاً تلو الآخر مع رئيسة الجامعة لا لموضوع غير موضوع الموقع، يجب أن تقتنع! وإذا فشلت – وأنا أشك في ذلك، فلم يكن إقناع الرئيسة بالمهمة الصعبة أو المعقدة أبداً – لما ترددت في تدشينه دون إخطار إدارة الجامعة، ولجعلت فريقاً خاصاً به ليسوا من أعضاء المجلس. ماذا ستفعل الإدارة حينها إذا رأت هذا الإصرار؟! بل ماذا يمكنها أن تفعل؟! فالموقع لا يدار من قبل الأعضاء، بل من قبل طلبة متطوعين لا تعرف الإدارة هوياتهم، كغيرهم من المشرفين على الأقسام الجامعية في المنتديات الالكترونية الكثيرة. لكن للأسف اختفى الموقع، الذي اعتبرته إحدى النقلات النوعية للمجلس في دورته الرابعة، بانتهاء تلك الدورة !
 
 


[1]مقال سابق نشر في صحيفة محلية بعنوان (أين الموقع الالكتروني لمجلس الطلبة ؟!).

أصحاب “المنسف” هم الفائزون !

"معلومات خاطئة: صدمني ابني البالغ من العمر التاسعة، عندما كنت أراجع معه درساً فيالدين، من خلال تفسير بعض الآيات الكريمة، حين سألته: هل تعرف من هم الكفّار؟فأجابني بأنهم المسيحيون. فقلت له: من الذي أدلى لك بهذه المعلومة؟ فقال لي: إنجميع الطلاب في المدرسة يقولون ذلك. وربما خشي أن يقول لي إن مدرسته هي التي أدلتله بتلك المعلومات الخاطئة. فنحن نعلم بأن الكفار أو المشركين بالله جلّت قدرته، همعبدة الأصنام في الجاهلية، وهم من تم ذكرهم في معظم الآيات القرآنية، وليسواالنصارى أو اليهود ممن نزلت عليهم الرسائل السماوية، وإلا صححوني ان كنت مخطئاً".
ذكَّرني هذا المقطع من عمود الأستاذ قحطان القحطاني في جريدة أخبار الخليج، بقصة صدمتني أيضاً مع صديقي المغربي مراد..
كنا بولاية Rohde Island، قبل أن نعود من آخر زيارة لبرنامج ذلك اليوم، كان أمام الجميع خياران لبرنامج الغد، الأول زيارة الأسرة الأردنية وأكل المنسف (طبخة أردنية)، بدعوة من الأستاذة "سناء"، أردنية تعمل مُدرسة هناك، وقد التقيناها في زيارتنا للمدرسة التي تعمل فيها. أما الخيار الثاني فحضور احتفال الطلبة اليهود بعيد رأس سنتهم (Rosh Hashanah). حفزني كثيراً صديقي المغربي مراد لحضور احتفال اليهود من باب الإطلاع والمعرفة، وأنها فرصة قد لا تتكرر معي مرة أخرى، أما هو فقد حضر مثله مرتين في المغرب. لم أتشجع للفكرة، ومع إصراره، قلت أتأكد من جواز حضور احتفالهم أولاً ثم أفكر بالأمر.
بحثت عن المسألة في الانترنت، وحصلت على كلام الله في الموضوع مع كلام أهل العلم، الدال على عدم جواز حضور هذه الأعياد. فجاء في رد الشيخ عصام العويد على سؤال مشابه تماماً: (الذهاب لأعياد الكفار وحضورها دون المشاركة في طقوسها حرام بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، فإذا كان هذا العيد من أعيادهم الدينية التي تشتمل على تقديم الصلوات والأدعية الشركية، التي فيها التثليث ونسبة الولد لله تعالى وغير ذلك مما هو من أعظم وأقبح الكفر بالله تعالى؛ فالأمر خطير جداً؛ لأن المشاركة فيها تعني الرضا بها في الظاهر ــ والعياذ بالله ــ وقد قال الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} (140) سورة النساء، هذا فيمن جلس معهم فقط!! … من القرآن: قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (72) سورة الفرقان . قال مجاهد وعكرمة وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وعمرو بن مرة وغيرهم من الأئمة: هي أعياد الكفار…).
فاعتذرت من صديقي، وطلب مني أن يقرأ الدليل، ففتحت له الصفحة وبدأ يقرأ، ثوانٍ قليلة لا تسعفه لقراءة سوى سطرين أو ثلاثة فقط، التفت إليَّ: (تعرف كنت متشككاً في جواز حضور أعيادهم أما الآن فأنا مطمئن). رديت: (لماذا؟!). قال: (لأن هذا الشيخ يقول أنهم كفار، ومن قال أن اليهود والنصارى كفار؟). قلت: (نعم؟!). قال: (اليهود والنصارى أهل كتاب وليسوا كفاراً، هم يؤمنون بوجود الله). قلت: (ولكن كفار قريش أيضاً كانوا يؤمنون بوجود الله!). قال: (لقد قرأت القرآن كله، ولم أجد آية تناديهم بالكفار، إنما أهل كتاب، في جميع الآيات). واستمر نقاش طارت فيه الآيات وتبخرت من الصدمة، فلم يخطر لي ببال أن أواجه هذه الشبه يوماً من أخٍ مسلم على درجة من الوعي والثقافة كما كان صديقي! قفزت آية، قلت: (قال ربك: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة).. أحسست أنه غير مستعد في تلك اللحظة للتخلي عن معلومة مقتنع منها تماماً، فاقترحت تأجيل النقاش حتى العودة، ومواصلته مكتوباً عبر الإيميل. أفضل النقاش في مسائل كهذه كتابة، لصعوبة الاستطراد في مواضيع جانبية بعد تحديد نقاط الحوار الأساسية.
من الواضح فيما بعد أننا، ملبو دعوة "المنسف" كنا الفائزين، فقد تعرفنا على الرجل الكريم عصام، زوج سناء، واطَّلعنا على شيء من حياة العرب هناك، من خلال هذه العائلة الأردنية، التي أحرجتنا كثيراً بضيافتها وكرمها، ناهيكم عن لذة "المنسف" العجيب، الذي أتذوقه لأول مرة. أما أخواننا وأخواتنا الذين ذهبوا للحفل اليهودي، فقد بدوا وكأنهم متطفلين على الحفل، لبرودة الترحيب الذي لاقوه هناك !
عوداً لموضوع كفر اليهود والنصارى، فلن نذكر شيئاً من الأحاديث هنا، ويكفي أن نستعرض بعض آيات كتاب الله، التي لا يخالفنا في صحتها أحد إن شاء الله! وقبل ذلك، هناك من يتحفظ على تكفير من قال أن لله ولد! وهناك من يتردد في تكفير من قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء! بحجة أنهم ولدوا من أبوين يهوديين أونصرانيين، وتربوا في بلد يهودي أو نصراني، فمن الطبيعي أن يكونوا على اليهودية أو النصرانية. نذكِّر هؤلاء أن من وصلته دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن بها فهو كافر، ومن مات ولم تبلغه الدعوة فأمره إلى الله.
قال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)، (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم)، (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم)، وهذه الآية الأخيرة تبين أن هناك من أهل الكتاب من هو كافر. وقال الله: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً. أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً. والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيما)، (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة…)، (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينـزل عليكم من خير من ربكم)، (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون)، وغيرها.
 والموضوع كُتب فيه الكثير، سهل الحصول على إجاباته لمن طلب الحق. ولكن الصعب تقبله هو التهاون واللبس في هذه المسألة المعلومة من الدين بالضرورة !

ذكريات مجلة ماجد

في الصغر، كان يوم الأربعاء أجمل يومٍ في حياتي لسببين بسيطين، الأول: بعده تبدأ عطلة نهاية الأسبوع، الثاني: نزول العدد الأسبوعي الجديد من مجلتي العزيزة "مجلة ماجد" !
ماذا أقول عن هذه المجلة الرائعة[1]؟! لن أستعرض قيمتها وما وصلت إليه من إبداع، يكفي القارئ أن يطلع عليها مرةً ليعرف ذلك. ولعل الكثير هنا يشاركوني ذكرياتهم الجميلة مع كم المعلومات الهائل الذي تحمله "زكية الذكية"، ورجلا الأمن المخلصان "خلفان وفهمان", ومشاغبات "موزة" مع أخيها "رشود"، ومغامرات "شمسة ودانة"، ويوميات "كسلان ونشيط"، وغيرهما من أبطال المجلة الذين كانوا أصدقاء ليالي طفولتي الأوفياء، فقد كنت لا أقرأها إلا قبل النوم. أما البحث عن فضولي فتلك متعة أخرى !
كنت أحرص على حل مسابقات المجلة أسبوعياً، وأطوي صفحة الإجابة مع وضع قليل من الصمغ لتصبح ظرفاً جميلاً، أسلمه لوالدي في الصباح ليسلمه بدوره لساعي البريد في عمله، ولا أنسَ تلك العبارة المكتوبة أسفل الظرف "شكراً لساعي البريد".
فزت في المسابقات 12 مرة، وحصل مرة أن ظهر اسمي ضمن قائمة الفائزين في أسبوعين متتاليين! أطيرُ فرحاً عندما أجد اسمي مكتوباً على الورق الوردي هناك، وأقرأه مرات ومرات، استيقظ اليوم الثاني فاقرأه مرات أخرى: أحمد سلطان الحربان – مدرسة عمر بن عبدالعزيز (بعدها طارق بن زياد) – عراد – البحرين.
كم فاجئني خالي عندما سألني يوماً: أنت صاحب المشكلة المعروضة في مجلة ماجد هذا الأسبوع.. صح؟! من ضمن أبواب المجلة، استقبال المشاكل وتقديم الحلول بعد عرضها على مختصين، مع الاحتفاظ بخصوصية صاحب المشكلة بتوقيعها بحروف ترمز لأسمه. أربكني كثيراً سؤاله، لم أقرأ عدد ذاك الأسبوع بعد، ولكن المشكلة التي أرسلتها فيها شيء من الخصوصية العائلية، التي يصعب على من هو في عمري حينها البوح بها! أنكرت أنها مشكلتي! ولكن خالي نظر إلي تلك النظرة الواثقة، ربما لم أكن بارع بعد في إخفاء لفي ودوراني! فتحت المجلة على الصفحة المعنية، وفعلاً، نفس المشكلة موقعه: أ س ح البحرين !
ما على الطفل إلا أن يكتب اسم أستاذه، وعنوان مدرسته، ويرسل ذلك للمجلة، فتصل شهادة تقدير رائعة للأستاذ بعد فترة، ولكم أن تتصوروا فرحة الأستاذ قبل فرحة الطفل نفسه بهذا التقدير غير المتوقع، أذكر أني أرسلت لأستاذين، كما أرسلت لأمي كونها مدرسة لغة عربية !
لم يبقَ إلا أن أحصل على بطاقة (مندوب ماجد)، لأنضم إلى أسرة المندوبين، الذين يمثلون المجلة في مدرستهم أو مدينتهم، وبإمكانهم أن يرسلوا خبراً أو لقاءاً لينشر في المجلة، وقد حصلت على البطاقة بعد انتظار طويل.
أصدقاء من مختلف الوطن العربي، كنت أنتظر ردودهم على رسائلي التي أرسلها لهم، بعد أن أختارهم من صفحة (هواة التعارف) ولا تسألون عن الفرحة التي تغمرني عندما أمسك برسالة وصلت بالبريد وعليها اسمي وعنواني وطابع البلد التي جاءت منه. كانت للمراسلة طعم خاص قضى عليه البريد الالكتروني، ولا أظنه سيعود.
من ضمن أصدقاء المراسلة، الأخ العزيز خالد الساير من الكويت، التي كان لوالدته بعد سنوات، كثير من الفضل في مساعدة أختي الكبيرة لإكمال إجراءات الالتحاق بالدراسة في الجامعة بالكويت. زارتنا عائلته مرة، وزرناهم أكثر من مرة.. ولا زلت على تواصل معه.
ذكريات لا تُنسى.. وهل هناك أجمل من ذكريات الطفولة ؟
 
الجنود العاملين على مجلة ماجد..
غرستم فيني الكثير..
فلكم وافر المحبة والتقدير..
وأعاهدكم أن أربي أبنائي على قراءة هذه المجلة إذا ما رزقني الله يوماً..
 


[1] أول عدد للمجلة صدر في 28 فبراير 1989.. وتصدر أسبوعياً الآن 180.000 نسخة. لمعرفة المزيد عن المجلة: http://www.majid.ae

زمن الخيول البيضاء

من أجمل ما قرأت عن فلسطين كتاب (فلسطين.. التاريخ المصور)، وهو كتاب منتشر للدكتور طارق السويدان، الذي يعرض فيه "قصة فلسطين" بتسلسل تاريخي منظم. لأوقات طويلة تأمَّلت الصور الكثيرة الذي احتواه الكتاب، فالصورة في أحيان عديدة أبلغ من صفحات !
لكنني لم أتأثر بقصة سرقة هذا الوطن كتأثري بكتاب (زمن الخيول البيضاء)، حيث الكلمات تكشف لك ما لا تراه العين المجردة في الصور! وما حرفة الكاتب الفنان إن لم تكن هذه ؟!
زمن الخيول البيضاء.. رواية جديدة للكاتب إبراهيم نصر الله (الطبعة الأولى: أكتوبر 2007)، وهي آخر رواية من سلسلة روايات (الملهاة الفلسطينية) التي يحكي فيها هذا الكاتب المتميز بحق قصة وطن سُرِق، وناس أقتُلَعوا.. بتفاصيل حياة الفلاحين البسيطة، بعيداً عن التحليلات السياسية، والكلام الجاف الذي نقرأه، ونسمعه، ونشاهده ليل نهار في صفحات الجرائد ونشرات الأخبار عن "مدينة الصلاة".
يقول الكاتب في كتاب آخر (أقل من عدو أكثر من صديق.. السيرة الطائرة): "إذا ما أراد الغرب أن يفهمنا حقاً فإن عليه أن يكفَّ عن الاستماع لنفسه، وأن يتركنا نتحدث بصدق عما يحدث فينا، وأن يتقبّل حقيقة قول الصدق حتى وإن لم يأخذ بها في النهاية".  ترجمة هذ الرواية وأمثالها، وتسويقها في المكتبات الغربية، من أبلغ الأساليب في نشر الوعي بمواجع أمتنا هناك، لأنهم شعوب يهتمون بالكتاب وبالقراءة، فهل تعي حكوماتنا ذلك وتخدم هذه الكتب نشراً وتسويقاً على نطاق عالمي؟
من تقريض الناشر على غلاف الرواية: (رواية ملحمية كبيرة يذهب فيها الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله إلى منطقة لم يسبق أن ذهبت إليها الروايات التي تناولت القضية الفلسطينية بهذه الشمولية وهذا الاتساع، مقدماً بذلك رواية مضادة للرواية الصهيونية عن أرض بلا شعب لشعب بلا أرض! تبدأ أحداث الرواية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وصولاً لعام النكبة، محاورة المفاصل الكبرى لهذه الفترة الزمنية الصاخبة بالأحداث بالغة التعدد، والصراع المرّ بين الفلاحين الفلسطينيين من جهة وزعامات الريف والمدينة والأتراك والإنجليز والمهاجرين اليهود والقيادات العربية من جهة أخرى).
في محاولة لبيان قيمة هذه الرواية، هنا شيئاً من ملاحظات الكاتب حولها:
·        في عام 1985 كنتُ أظن أن هذه الرواية هي (الملهاة الفلسطينية)، ولهذا بدأت العمل عليها إعداداً وتسجيل شهادات وتكوين مكتبة خاصة بها، ولكن أفضل ما يحدث أن الأمور لا تسير حسي رغباتنا دائماً، إذا أصبح العمل الطويل عليها هو الباب الذي ستدخل منه خمس روايات ضمن هذا المشروع، وبهذا فالرواية التي كان من المتوقع أن تكون الأولى أصبحت الأخيرة!
·        أنجزتُ العمل على جمع الشهادات الشفوية الطويلة، التي أفادت منها (زمن الخيول البيضاء) بشكل خاص، بين عامي 1985 و1986، حيث قدَّم فيها عدد من الشهود، الذين أُقتُلعوا من وطنهم وعاشوا في المنافي، شهاداتهم الحيّة عن تفاصيل حياتهم التي عاشوها في فلسطين، ومن المحزن أن هؤلاء الشهود قد رحلوا جميعاً عن عالمنا قبل أن تتحقق أمنيتهم الكبرى بالعودة إلى وطنهم.
شهود من أربع قرى فلسطينية حلموا الحلم ذاته وماتوا الميتة ذاتها: غرباء.
لم أتوقع يوماً أني سأعيش حياة الناس البسيطة بهذا العمق! فكيف وهي في زمان ومكان ومنعطف انكسار قرية.. بل وطن.. بل أمة.. إنها فعلاً رائعة !
الأستاذ إبراهيم نصر الله.. كانت هذه الرواية باباً للتعرف على شخصك الكريم، وإذا لم أقرأ كل كتبك (سوى الشعر!) فإني أعدك بأني سأقرأ سلسلة الملهاة كاملة إن شاء الله..
أستاذي.. شكراً جزيلاً لك..