درس التوحيد
خطرت في بالي فكرة، الوسيلة التقليدية، لا أصفها بالتقليدية من باب الذم، درس شرعي في مسجد الجامعة! شرعت في تنفيذ الفكرة، بدأت بقراءة كتاب التوحيد في مسجد الجامعة يومي الأحد والثلاثاء بعد صلاة الظهر، مع إضافة بعض التعليقات والفوائد التي ألخصها قبل الدرس! كنت ألخص هذه التعليقات والفوائد من ثلاثة شروح للكتاب ليلة الدرس. وكتاب التوحيد كتاب مشهور في العقيدة للشيخ محمد بن عبدالوهاب، يتناول فيه مسائل هامة في علم التوحيد.
بعد يومين فقط، ازدادت الحلقة اتساعاً لتحوي فيما يقارب العشرين طالباً. فرحت كثيراً بهذا الدرس، لأني أتعلم أموراً كنت أجهلها من خلال التحضير، وللقبول الذي لاقاه، فقد كان الأخوة حريصون على الجلوس والسماع، هل ذلك لقصر مدته، لا يتعدى خمسة عشرة دقيقة، أم هو تعطش لهذه النوعية من الدروس، أم أن فارق السن المعدوم بين مقدم الدرس وبينهم هو أبرز الأسباب التي تقف وراء هذا القبول، الله أعلم!
أرجو أن أكون صائباً إن قلت: لم تكن الثقة المفرطة في النفس التي جعلتني أقدم هذا الدرس، الذي كان من المفترض أن يقدمه طالب علم متمكن نوعاً ما. صحيح أني لم آتي بجديد، كان الدرس مجرد قراءة من كتاب إضافة لنقل تعليقات مختصرة من عدة شروح، إلا أن هذا الأمر أيضاً لا يقوم به إلا طلبة العلم، الذين على الأقل أنهوا دراسة الكتاب نفسه، ولا يتصدر له جاهل مثلي، يدرس المسألة الواحدة ويشرع في تعليم غيره إياها!
ما قمت به – في نظري – فيه خطأ وصواب، بغض النظر عن نسبة الخطأ ونسبة الصواب، فالخطأ هو الاستعجال، هذه الصفة الشديدة الملازمة لي، تدخلت من غير استئذان في أغلب قرارات حياتي، وأخدع نفسي وأخدعكم إن قلت أني اليوم تخلصت منها تماماً. أما الصواب فهو السعي لتبليغ "ولو آية" ودفع زكاة أي بضاعة من العلم حتى لو لم تبلغ النصاب، إن كانت هناك بضاعة أصلاً!
في الواقع لم أبدي أي محاولة لإخفاء الدرس لأني كنت أظن بأن الأمر عادي جداً، ومن سيمنع مجموعة من الطلبة تجتمع على تدارس مسائل شرعية في مسجد الجامعة؟! تبين لي لاحقاً أني لا أملك حينها الجهل المركب في ميدان العمل الطلابي فحسب، بل حتى في قوانين الجامعة، المكتوبة وغير المكتوبة! وما إن دخل الدرس أسبوعه الثاني أو الثالث، لا أذكر تحديداً، حتى انتبه له رئيس الجامعة الدكتور ماجد النعيمي، الذي كان حريصاً على أداء الصلاة في المسجد. بعد ربع ساعة من ملاحظته لتلك الحلقة التي اجتمعت بعد الصلاة في طرف المسجد، رن هاتفي النقال: ( معك سكرتيرة الدكتور محا الدين، عميد شئون الطلبة، العميد يرغب في رؤيتك هل بإمكانك الحضور الآن؟ ). قلت: ( نعم، أنا قادم ). لا أظن بأني كنت أحتاج لحدس خارق لتخمين الموضوع الذي طلبني العميد من أجله. وأنا في طريقي لمكتبه تيقنت بأن الدرس الذي انتهينا منه منذ قليل سيكون الأخير.
كعادته حين يلقي كلمة عمادة شئون الطلبة في افتتاح البرامج والفعاليات، ألقى علي العميد محاضرة طويلة، حذرني فيها بأن هذا الدرس سيقود إلى تفرّق الطلبة كما تفرّق المسلمون إلى جماعات في زمن ما غابر، وصارت كل جماعة (أصحاب المذاهب) تصلي صلاة منفردة عن الأخرى في الحرم المكي!! لم أماطل، ولم أجادل، تعهدت فوراً أن الدرس الذي قدمته اليوم سيكون الأخير. وهكذا بفن بعض الإداريين المعهود، خاصة أولئك الذين يكبرون الطلبة كثيراً، تم احتواء الأزمة، ودفع الخطر المحدق الذي كاد يسببه درس صغير في مسجد الجامعة!