وجوه

تبددت سعادته بحصوله على ترقية مجانية لدرجة رجال الأعمال عندما رأى من سيكون جاره وهو يرفع حقيبته ليضعها في الرف. لم يكن بحاجة إلى الهدوء بقدر عدم قدرته على التفاعل. فشل قبل وصوله في أن ينام أكثر من ربع ساعة، بدأت الرحلة للتو، التي امتد طولها إلى رحلة الشتاء والصيف منذ عام تقريباً. ظلام الواحدة بعد منتصف الليل في الخارج، وظلام عتبات كآبة تملأ صدره، كيف سيمضي الوقت وهذا لا يكف عن الحديث؟ سأل نفسه.

بعد تحية وسلام، وابتسامة اجتهد في أن تكون طبيعية، انطلق الرجل كعادته..

  • بديت أتعب، أسبوعياً على هذي الرحلة، أتملل لو جلست الويك اند هناك وعندي عايله هني، شاسوي!
  • الله يعين.
  • الخميس وصلت وبس مع الولد.. الجمعة اعتذرت من الشباب وقلت لهم الي وده يشوفني يشرفني البيت.. ما فيني شدة أطلع. يقولون ترمب متصل طالب يحلونها.
  • العشم في ترامب.
  • مضحك مبكي الوضع.. اقول لك قبل يومين كنت اسولف مع صديق فلسطيني وكان يكلمني عن معاناتهم في الضفة إذا بيطلع مشوار من مدينة لثانية، مشوار النص ساعة مرات ياخذ منهم ساعات. قلت له احنا بعد مشوار النص ساعة صار ياخذ منا ساعات. استغرب وقال بس ليش؟! احنا عشان عندنا يهود انتوا ليش هالقصة؟! قلت له عشان عندنا مسلمين!

حتى الكوميديا سوداء مظلمة هذه الليلة، ولكنها رغم ذلك مضحكة. رد بعد ضحكة قصيرة جداً:

  • الله يعين

ممنياً نفسه بأن يكون جاره قد مرت عليه المقولة التي تقول بأنك إذا سمعت محدثك يقول “الله يعين” ثلاث مرات متتالية فالأفضل أن تتوقف عن الحديث وتتركه في حال سبيله أو في سبيل حاله، لا يهم. أغمض عينيه في محاولة واضحة للنوم. جاراه جاره، وكان الصمت حتى وصلا إلى مطار الكويت.

عند مكتب تحويل الرحلات، وقف وحيداً ينتظر طباعة بطاقة صعود الطائرة الثانية، طَلَّ رجلٌ على الموظف الذي قال له مباشرة:

  • يجب أن تنتظر يا سيدي، راجعنا الساعة 11 صباحاً.. انتظر هنا إلى ذلك الحين

وكانت الساعة لم تتجاوز الثانية والنصف بعد منتصف الليل. استغرب من طول مدة الانتظار التي يجب أن يقضيها هذا الرجل وعائلته فسأل الموظف بعد أن انصرف الأخير:

  • ما قصته؟
  • هذه عائلة سورية جاءت إلى هنا لكنها لم تحصل على تأشيرة دخول، لذا يجب عليهم أن يرجعوا على نفس الطيران في الرحلة القادمة إلى دمشق.

التفت إلى العائلة التي تجلس على صف مقاعد ليس ببعيد، الأم في عقدها الرابع، الابن في سن المراهقة، صغيرة نائمة على كرسيين، والأب الخمسيني يمشي ذهاباً وإياباً، يفكر أو لا يفكر في شيء. شيء غريب في وجوههم دعاه للتحديق فيها مرة أخرى من حيث يقف، إنها خالية من أي تعبير، لا امتعاض، لا ترقب، لا رجاء، لا شيء أبداً، لولا أنهم أحياء أمامه لقال أنها وجوه موتى! يا الله ماذا مرت به هذه الوجوه حتى تفقد كل رصيدها من المشاعر أو الحياة؟! وجوه ضاق عليها وطنها، أو ربما سقط عليها سقفه ونجت بأعجوبة. وجوه لم يُرحب بها هنا. تباً لهنا وهناك!

سخرت وجوههم الساكنة من حزنه بشدة، وبصمتٍ مطبق زجرت كل ضيقٍ فيه، تضاءلت كآبته أمامها، وتَقَزَّم هَمُّه. استلم بطاقته، ومضى مردداً في نفسه.. عندنا مسلمين.

الصورة: بورتريه سوري للفنان نذير إسماعيل

لا شيء من الإثارة هنا

يقولون بأن الرجال مسؤولون عن صنع الإثارة، يهمسون للانتباه أن التفت. والإثارة تأتي بصور لا حصر لها..

لكن لا شيء منها هنا يا سيدتي.

شعرٌ متقصف إذا ما طال، بعض الخطوط البيضاء تتحرش به مؤخراً. كرشٌ ليس بالعظيم هيبةً، ولا بالغائب رشاقة. عينٌ فيها انحرافٌ بسيط، وفكرٌ انحرافه ليس بأبسط. حديثٌ مُملٌ خالٍ من الحكايا والقصص، لا تجارب ولا ذكريات، أنتِ على موعدٍ مع صمتٍ طويل وكلماتٍ قصيرة إذا ما قررتِ دعوتي لكأسِ نبيذ، بالإضافة إلى اعتذارٍ عن شربه! أمارس الرياضة بصورة متقطعة، أجري مسافاتٍ طويلة لكني أجهل الرقص، فلا تعرف يدي مصافحة خصركِ، ولا رجلي متابعة ساقاكِ، إذا ما مددتِ يدك دعوة. أسافر، لكني لست بارعاً في السفر، أجلس في نفس الزوايا، وأنشغل بكتاب، أو أتشغال بتصفح بعض المواقع. ليس هنا ما يثير الانتباه، أو يدعو للالتفات.

زاوية لا تُرجع الصوت صدىً، ومُتكأٌ أكثر من عادي.

آه نسيت.. الابتسامة، هل رأيتِ أكثر منها اصفراراً؟!

كتابتك مادة أولية.. 

20180109_122501-01

اليوم، انت فقط أكتب، تكلم..

وهناك عدد لا بأس به سيلتقطون قولك، يحللونه ويفسرونه وأحياناً يأولونه، ويرسمون سطوراً من خيالاتهم ليحشروا أمراضهم بينها، ثم ينسبونها لك.

أرجوك اكتب شيئاً.. فمهنة البعض تعتمد على ما تصرح به، كلماتك مادة أولية، تتوقف صناعة كاملة حال غيابها! 

 

في الجمهور و”الجماهيرية”..

“هذا الأحمر شاقني.. يا ناس دلوني عليه.. “

من المشاهد المحفورة عميقاً في ذاكرتي، حماس التشجيع مع رابطة “الذيب الأحمر”، خصوصاً عندما يلعب الفريق مع أحد الأندية المنافسة، الرفاع الغربي أو الأهلي مثلاً، كان حصولي على علم أحمر قبل دخولي المدرجات من أحد قادة الرابطة، بمثابة حضور مضاعف بالنسبة لي، وكان التصفيق والهتاف خلف المايسترو “بوثنوه” متعة استثنائية وتأكيد ولاء محرقاوي أصيل، حتى أني كنت أُفضل “الكراش” الأحمر مع ساندويش الجبن الذي أنتظر في صفٍ غير منتظم طويل لشرائه من الكافتيريا خلال الاستراحة بين الشوطين، وإذا نفد الأحمر أقبل بالأسود مُرغماً. وإذا ما أسعدنا الأحمر بفوز، فإن حماسنا يطير بنا عالياً، يحط بنا على دوار “الكازينو” في المدينة العريقة، منتظرين لاعبين الفريق لنفرح ونُغني بهم وبفوزهم.

ذات ليلة، بعد عودتنا من إحدى المباريات، سألت أبي ذاك السؤال الذي ظل حاضراً لمدة طويلة: كيف للآخرين أن يشجعوا نادياً غير المحرق؟! كيف لهم أن يشجعوا نادي الأهلي مثلاً؟! وكان سؤالي المليء بالدهشة حقيقي جداً، وتبرير تشجيع فريق غير المحرق أشبه بالخيال. السؤال لا زال حاضراً، ولكن غابت الدهشة بعد أن كبرت قليلاً.

خلال المرحلة الابتدائية، انضم أقرب أصدقائي إلى فريق نادي البحرين لكرة الطاولة، اختاره المدرب الصيني مع آخرين بعد جولة تفقدية على عدد من الفصول لمعرفة من يرغب بممارسة اللعبة والالتزام بالحصص التدريبية. ذهبت لنادي البحرين بنفسي محاولاً الالتحاق بالفريق، وقد كان لي ذلك مع بداية العطلة الصيفية في ذلك العام، واستمريت في لعب كرة الطاولة بعدها سنوات عديدة، حققت فيها عدد من البطولات وكنت ضمن فريق المنتخب البحريني، ومثلت بلادي في مشاركات خليجية وعربية، أما صديقي ذاك، فلم يستمر مع اللعبة أكثر من أشهر قليلة. هناك غابت دهشة سؤالي القديم، وعرفت ماذا وكيف يكون أن تشجع فريقاً آخر غير المحرق، فقد كان المحرق مُنافساً لفريقنا على المراكز الأولى. بل وصل بي “الوعي التشجيعي” إلى حالة تفكيكية، فكنت مثلاً أشجع فريق نادي البحرين في كرة الطاولة وكرة اليد، ولكن في المقابل أشجع نادي المحرق في كرة القدم!

لم أنظر إلى الأمر بأنه خيانة للنادي الذي أنتمي إليه، ولم يكن لدي أي صراع داخلي أو استغراب حول الأمر، ولم أكره مشجعي نادي المحرق الذين كانوا يتمنون هزيمتنا في كرة الطاولة، وكنت أصفق معهم في مباريات كرة القدم!

الرياضة ليست لعبة واحدة، واللعبة ليست كل النادي، والنادي ليس كل شيء، واللاعبين يتنقلون من نادي إلى آخر، بل حتى الإداريون كانوا ولا زالوا يتنقلون من نادي إلى آخر، والأندية تتنافس لا تتصارع، والجمهور وحدهم من يظلون في نفس الجهة يهتفون ويصرخون، وبما أن هناك جمهور فهناك تعصب ولا شك، قل أو كَثُر، تعصب يحاول أن يُقحم كل شيء في منافسة ما في لعبة ما ستنتهي خلال سويعات! كل هذه المعاني عشتها وتطورت في وجداني، ساعدتني لاحقاً على فهم كثير من الأمور ذات العلاقة، من قريب أو بعيد.

خصومة لا عداوة – غسان الشهابي

14055131_10155300134179968_2959744115575533494_nوجدت هذا المقال الرائع للكاتب والصحافي البحريني القدير الأستاذ غسان الشهابي على صفحته في Facebook، ولأني لم أجده في البلاد، الجريدة التي يكتب فيها، ارتأيت أن أنشره هنا، لأوصل هذا الصوت العاقل والرزين إلى أكبر قدر ممكن من القراء. فإن هذا المقال لا يمثل كاتبه فحسب، إنما أغلبيه صامتة في البحرين، من كُتّاب وصحافيين وغيرهم من متابعين للأزمة الخليجية الراهنة، التي نسأل الله أن تنقشع عاجل غير آجل.

مقال غسان الشهابي – الخميس 20 يوليو 2017

خصومة لا عداوة

من المرات القليلة، بل النادرة جداً في حياتي هذي التي أفلحت فيها أن أقول (لا)، وذلك عندما أدعى منذ أسابيع عبر وسائل إعلام مختلفة للإدلاء برأيي في المسألة القطرية، أو المسألة الخليجية، أو لنسمّها من نشاء، فما هي إلا جزءٌ من البلاء.

في البداية قلت (لا) لأنني ظننت أنها سحابة صيف، لن تكون مثقلة، وسرعان ما يطردها الهواء الساخن وتنقشع وتعود الشمس للإشراق من جديد.. ولما طال الأمد، وتعقّدت الأمور، صارت الـ (لا) أكثر تأكيداً من ذي قبل خصوصاً وإذ أرى متدفّقين على شاشات المحطات، من مع ومن ضد، تحسب أنهم ينامون ويصحون في الاستديوهات، ينتظرون أي تصريح أو ملمح ليعلّقوا عليه لصالح البلد الذي يتبعونه، بفهم أم بغير فهم.

أزمة بدأ أمدها يطول، وفي البداية هبّ كل طرف وراء ما قاله حكّامه، لأن الناس – أو جُلّ – على دين ملوكهم، فقام العقلاء من المجتمعات ليقولوا: (لا)، لا تنزلقوا فتهلكوا… إنّ السياسيين إنْ أرادوا يكبّرونها كبّروها، ويصغّرونها فتصغر إن أرادوا، ولكن ما شأنكم أنتم؟ وبالفعل كأن الأمر تراجع إلى حين، ولكن علا الموج وارتفع، وعاد الناس يجرّحون في بعضهم البعض، ويدّعون على بعضهم، وبحثوا في قيعان نفوسهم ونفسياتهم، ليستقلبوا أسوأ ما لديهم من ألفاظ سيئة ومسيئة ضد الأطراف الأخرى، ويستقبلوا غدهم المظلم ببيعهم أمسهم الزاهر. لا تذهبوا بعيداً، فكم من صراعات عربية انتهت بالقبلات والأحضان، خذوا لديكم من “أيلول الأسود” الذي راح ضحيته آلاف، بقي الأسى في نفوس من دفن ذووهم، أما الزعماء فالتقوا بالأحضان والابتسامات العريضة، والقبلات، إلى حروب الأمس، والزعماء الذي خرجوا من الباب وعادوا من الشبّاك، حيث اختلفوا، وموّلوا الحروب، وتآمروا على بعضهم، وتصالحوا، وأعادوا الكرّة مراراً، وتصالحوا، أما الذين يذهبون فهم من لا وجوه لهم، ولا أسماء، ولا كيانات، ولا بواكي لهم إلا نساءهم، فلمَ هذه الحميّة الحمقاء؟ لم لا تترك الأمور إلى من يسيّرونها بحسب ما لديهم من أوراق، حتى تنتهي المسألة كلها بالحلول التي لا شأن لكم باختيارها، عبر الآليات التي لن يكون لكم رأيٌ فيها أساساً، فلم هذا الهوَس الظاهر والباطن في العداوة والاستعداء.

نبالغ في تلبّس سمات التديّن ومظاهره، وفي القليل منّا تقرّ المعاني العميقة للدين، ألم يقل رسولكم إن من علامات المنافق “إذا خاصم فجَر”؟ أليس الذهاب إلى استخراج الأوراق القديمة، التلويح بما تم السكوت عنه أيام الرخاء والارتخاء ضرباً من الفجور؟ الحقّ لا يُجزَّأ ولا يُجمّد ليُخرَج من الثلاجات، ويسخّن في المايكرويف الإعلامي “على السريع”، ليقدّم للجمهور الذي بات يلتهم كل ما يقدّم له، لأن ليس بين الوجبة والوجبة وقت ومسافة للتفكير وإعداد وجبة صحّية تجبّ ما قبلها، وتتصدى فكريّاً لما بعدها.

نحن هنا في البحرين خصوصاً، من دون أهلنا في الخليج، مررنا بالدرس الأقسى، وافترضنا أننا تعلمنا من حدّه الأقصى، رأينا كيف هدأت الأمور الأمنية، وتغيّرت المعادلات، وجلس الخصوم إلى طاولات الحوار، فعادت المياه إلى مجاريها، ولكنها ما عادت صالحة للشرب بسبب ما فعله الناس بالناس، وكيف تصرفوا تجاه بعضهم، وكيف استخدموا أقذع الأسلحة النابية ضد أهليهم، ولكن يبدو أننا نسينا الدرس وأيامه، فكيف بمن لم يكتووا بنيرانه وآلامه!

20121491_10156553465669968_6960544382652006186_o

فترة

20161223_154158

لم أعد أجيد ترتيب الكلمات كما أفعل، وأشعر دون أن أختبر نفسي بأني لم أعد أجيد الحديث أيضاً..! لاذكريات واضحة، لا مغامرات تستحق، لا اقتباسات أحفظها، أحرِفُها قليلاً لأرويها دون إحالة مرتاح الضمير.

أشكُ بأني فقدت الكثير، وما ترتيب الكلمات إلا تجلي.

لماذا هذا الحكم القاسي “لم أعد”؟ قد تكون مجرد فترة طبيعية تأتي بعد شِرَّة، إلا أن الفترة طالت.

هل فعلاً طالت؟ أم أني وبدافع لا إرادي، صرت أمطط اللحظات حد التمزق إلا قليلاً، أُبطِئُ من المشاهد المارة أمامي، فتصبح اللحظة ثانية، والثانية دقيقة، والدقيقة ساعة، والساعة يوماً، واليوم شهراً؟ لماذا؟ لا أدري. أُُحمّلُ الدقائق ما لا طاقة لها به من فعل العقل وأفعال القلب، من القلق، ومن الخوف المرافق للاحتمال الدائم.. هذه الأخيرة.

هل أخسر بذلك الراهن من وقتي، بغيابي في المعاني غير الظاهرة، في ما وراءه من بعدٍ بعيد عن الزمان والمكان، فأخسر نفسي بعضاً فبعضاً، أم أني بكل ذلك أعيش في كل ما في اللحظات من حياة؟

من نحنُ كنفسٍ وكوجود غير الراهن من أوقاتنا؟ من أنا إذا لم أستطع صف الكلام كلمة بكلمة؟

  • – الصورة: جبل شمس، سلطنة عمان

أوطان افتراضية

Getty

أحمد الحربان – العربي الجديد

في خضم تفاعلنا العجيب الغريب مع قضايا الشأن العام على وسائل التواصل الاجتماعي، انقدحت في رأسي اﻷقرع فكرة، ربما يلتقطها بعضُ السيّارة من مبرمجي برامج الجوال، فيخترع لنا برنامجاً يُنفّذها.

بما أننا شعوب نتكلم عن الديمقراطية أكثر من أولئك الذين يمارسونها، ولو جزئياً، ونحلل القضايا اﻹقليمية كتحليل طفلين على مباريات الدوري اﻹسباني وهما ينتظران “الكيدز ميل” في المطعم، ولنا رأي في كل صغيرة وكبيرة، وإن كان هذا التفاعل الزائد ليس منقبةً إلا أنه لا يمكن أن يكون عيباً محضاً في الوقت نفسه، فالناس تتفاعل ﻷنها حصلت على ما يُكبّر أصواتها الكترونياً، أو لأنها تريد أن تقول، ولا تستطيع: يا أيها الذي لا يُرينا إلا ما يرى.. هذا ما نراه، فالعبارة كثيراً ما تكون في القضايا الإقليمية والمعنى حيثُ الوطن نفسه.

الفكرة، أن نُوجد لنا حياةً الكترونية رديفة لحياتنا الواقعية، كما يفعل الكُتّاب في رواياتهم، فضاءً موازياً ليومياتنا وهمومنا وأفكارنا، ولكن تلك التي تتعلق بداخل الوطن لا خارج حدوده، نحقق فيه مشاركة أكبر في صنع القرار، وسلطة أقوى في مراقبة المال العام وأداء الأجهزة الحكومية، وفسحة أرحب للتعبير الحر عن الرأي، وذلك عن طريق برنامج نحمله في هواتفنا الجوالة، تضمنا في أحزابٍ افتراضية إن شئنا الإنضمام، نتواصل لكتابة برامج انتخابية، وتفتح لنا صناديق اقتراع افتراضية أيضاً لنُرشّح أو نترشح لمناصب قيادية، تُطرح البرامج، وتُفتح المساحات للنقاش، على أن يُربط البرنامج في كل بلد بمؤسساته وأخباره، ليتماهى اللاعبون -وسأقول لاعبون لأننا نريده أن يكون لعبة، وأن نخترع فيه بعض المزايا البوكيمونية الداعية للإثارة واﻹدمان- مع الواقع، كتفاعل مباشر مع قضايا الشأن المحلي ولكن في نفس الوقت يكون تفاعلاً افتراضياً، بعيداً عن أي سلطة إلا سلطة الرأي والفكرة وقوانين اللعبة المستمدة من أرقى التجارب الإنسانية في مجال إدارة الدول وسياستها.

تتطور اللعبة، لتشبك وطن بآخر، عبر تحالفات واتفاقيات، تُعرض على البرلمانات المنتخبة في كل وطن، ويتم التصويت عليها، ويُلتزم بها بحكم قانون اللعبة الدولي، صادرات وواردات، عملات وأسعار صرف، أسواق مفتوحة وأخرى مغلقة، وغيرها الكثير والكثير يمكن إضافته.

تخيلوا شاب في عمر الخامسة عشرة، يتعلم قراءة الموازنة الحكومية، ويدخل مع أصحابه في مفاوضات تجارية، أو يقترح برامج ومشاريع، أو يثير تساؤل حول أرقام غريبة، ويدقق على أداء مؤسسات وطنه الافتراضي، عن طريق لعبة في هاتفه الجوال!

قد يدفعنا برنامج كهذا للالتفات إلى الجار المُضطهد بسبب رأي قبل أن تُحارب بنا مواقفنا عند قضايا تبعُد عنا آلاف الكيلومترات، ربما نجعل من هوس المتابعة والتفاعل أكثر فائدة وتأثير فنراقب أداء الوزارات وسياسة الهيئات وعمل المسؤولين عن مصالحنا ومصالح المواطنين المباشرة، قبل أن ننتقد تشكيلة حكومة بلد لا نجرؤ على زيارته، أو أن نغوص في مناكفات بيزنطية عن الفرق بين حزبٍ وآخر يقع كليهما في بلدين منفصلين لا ننتمي لأيٍ منهما!

قد يقول قائل بإن “هاشتاق” تويتر يكفي، ولكن “الهشتقه” في رأيي لا تتجاوز في أغلب أحيانها ثقافة التسطيح ومبارزات إثبات الرأي، ولكن اللعبة، ذات الأمد الطويل والتي تُتابع باستمرار، كتلك التي يبني بها المتسابقون مدنهم، أو يزرعون ويحصدون حقولهم، أو يكوّنون جيوشهم ويدخلون في تحالفات مع أخرى، ينغمس فيها المتسابقون بفكرهم وتفاعلهم ومتابعتهم، لعبة كهذه ستكون أكثر تأثيراً، وربما ينعكس أثرها على أرض الواقع.. ربما!

لم أتعب ذهني في اﻵثار الاجتماعية المترتبة على تدشين لعبة كهذه، وليس بالضرورة أن تكون إيجابياتها أكثر من سلبياتها، فمواقع تواصل الاجتماعي مثلاً، قربتنا فعلاً، لكنها لم تزد علاقة المتخاصمين غالباً إلا خصومة وشقاق! أقول رغم ذلك، تظل فكرة جديرة بالالتفات، فليرسلها أحدكم لمشاركين في مسابقات الهاكاثون، مع التنبيه إلى ضرورة أن تكون خوادمها في ملاذات “معلوماتية” آمنة، تحفظ خصوصية اللاعبين، فلا يخفى عليكم أنها -الخصوصية- في لعبة كهذه تزداد وتتأكد حاجتها.

أعداد المواطنين في الدول العربية في ازدياد، وتفاعلهم مع المتغيرات المتسارعة والخطيرة في ازدياد أيضاً، الأمر الذي يدفع موصدو الأبواب إلى إغلاقها خوفاً وتوجساً وريبة، قد تكون لعبة “أوطان” المقترحة هنا حلاً، يبني المواطنون المتسابقون فيها أوطانهم، ويمارسون وطنيتهم، بالطريقة التي يشعرون وأن كرامتهم وإنسانيتهم تدعوهم لها. هل الكرامة افتراضية؟

ذكريات ضالة

IMG_20160724_164325

كيف تشكلنا الطفولة.. ترسمنا وتحدد ملامحنا النفسية؟ كيف لتلك المواقف التي لا نلتفت لها اليوم، تذبذب علاقتنا بالصديق الذي نحب، خوفنا من ابن الفريج قوي البنية، خفقة القلب الأولى لابنة الجيران أو الطالبة في المدرسة المجاورة، كيف غاصت تلك التفاصيل عميقاً في أنفسنا، ووضعت أساسات بنيان ذواتنا؟ كيف لها في الوقت نفسه أن تعيد أطلال تلك الذكريات ببناء نفسها، أن تفور من الأعماق فجأة بعد أن طمرتها أيامنا بالمشاغل والمتاهات، وإذ بها تُشيّدُ نفسها بنفسها، تقف أمامنا، ونقف نحن أمام أنفسنا، وربما تغيرنا مرة أخرى، وهي التي شكلتنا بدايةً!

رواية جميلة جداً، عبدالله كاتب رائع، كتابته تحتوي على صور شاعرية وأفكار والتفاتات مبهرة.
ستكون من ضمن القائمة التي أنصح السائلين بقراءتها..
4/5

المزاج والرياضة

20151106_162938

أحمد الحربان – العربي الجديد

أجري على كورنيش الدوحة مستمتعاً بالجو المعتدل، أتذكر أمراً أحزنني، أنشغل عنه بأضواء العمارات هناك في الضفة الأخرى مرة، وبالإضاءة الساحرة لمتحف الفن الإسلامي مرة أخرى، ولكنه يأبى الانصراف ويزداد حضوراً، إلى أن شعرت بأن قلبي لا يقوى على ضخ ما يكفي من الدم للمواصلة، أو أن كريات الدم الحمراء احتجَّت فألقت ما تحمله من أوكسجين.. لا تقوَ العضلات عل تلبية رغبتي في استمرار الاندفاع قُدُماً، فأتوقف عن الجري وأواصل مشياً.

في يومٍ آخر، أشعر بالنشاط الزائد قليلاً، فقد نمت جيداً ليلة البارحة، أستعد للتوجه إلى النادي الصحي، فجأة أشعر بأن مزاجي ليس رياضياً، أغير ثيابي مرة أخرى، وأذهب إلى المقهى مصطحباً الجهاز، وأكتب..

يشاغبني المزاج كثيراً، قبل أو أثناء ممارسة الرياضة، أما الإحباط فيتمكن مني فترة طويلة إذا ما خسرت المباراة، يوم أن كنت لاعب كرة طاولة، تجدني أقرر فجأة بعد خسارة من الخسارات: سألعب تنس أرضي!

أنا أدعي، وهذا مجرد إدعاء –رغم إيماني بصحته- بحاجة إلى من يثبته علمياً، بأن الرياضيين اﻷبطال، أولئك الذين يحققون المراكز المتقدمة في أي رياضة، لا يؤثر فيهم المزاج قدر تأثيره على أقرانهم، وأن لديهم قدرة على تجاوز تأثيراته السلبية، أو أن الأمر يحصل هكذا دون بذل انتباه أو بذل جهد. ربما قوة الشغف تخفف من حدة تقلب المزاج، فلا وقت للالتفات إليه، لا وقت إلا للتمرين، ولا جهد إلا للرياضة، في سبيل الفوز والمجد، أو لحالة عاشوها خلال طفولتهم تقلل من تأثير أي موقف في مزاجهم لاحقاً، أو لأي سبب آخر.

كثيرة هي الدراسات التي تناولت علاقة المزاج بالأداء الرياضي، إلا أني وقعت على مقالة تتناول إشكالية هذه الدراسات، لا تتلخص فقط في معيار قياس الأداء الرياضي، بل في ضعف كفاءة دراسة المزاج، وتداخل مؤثرات أخرى غير المزاج قد تؤثر على الأداء، كالعواطف، وطبيعة شخصية الرياضي، والإثارة، والتوتر، وغيرها.

بالنسبة للتوتر، أذكر فيما أذكره أني كنت ضمن الثلاثة الذين لعبوا في المباراة النهائية ضد نادي سار -النادي الوصيف ذلك العام، نادي البحرين بطلاً- عندما كنت لاعباً لكرة الطاولة، وكرة الطاولة من الألعاب التي تؤثر فيها أية اهتزازة لليد، كلعبة البليارد أو الغولف مثلاً، ونظراً لحساسية المباراة فقد كنتُ متوتراً، وكانت يدي تهتز بشدة، خسرت. بعدها بأيام قليلة كانت البطولة المفتوحة، حيث كل لاعب يلعب لنفسه وليس ضمن فريق، فخسارته تقصيه من التأهل، وفوزه يقدمه خطوة إلى الأمام. لعبت ضد من هزمني في تلك المباراة الأخيرة، وكنت ألعب براحة تامة، فلم أكن تحت أي ضغط، ولا حتى الخوف من الخسارة والخروج من المنافسة في بداياتها، هزمته بسهولة، الأمر الذي أغاض صديقه اللاعب الأبرز في نفس النادي، والذي صادف وتقابلنا في المباراة قبل النهائية، فألحقته بزميله خارج البطولة، فطار مضاربه نرفزةً بعد النقطة الأخيرة ليُحدث ثقباً في سقف صالة الاتحاد، وما خسرت يومها إلا أمام صديقي البطل حمد بوحجي في المباراة النهائية، فكان ذلك آخر مركز أحققه في مسيرتي مع المضرب: الثاني فئة العموم على البحرين.

أعود لموضوع المزاج، شخصياً لا أحتاج إلى دراسة من جامعة أمريكية أو أوروبية حتى تُقنعني بأن للمزاج أثر مباشر على الأداء، لا في المنافسة فحسب، بل حتى خلال التمارين والتدريبات اليومية، والتي من شأن تأديتها على الوجه الأمثل والأكمل أن تُحدث الفارق.

كيف تتحكم في مزاجك، أو كيف تخفف من تأثيراته السلبية على الأداء في الرياضة أو العمل أو ممارسة ما تحب من هوايات؟ هذ حكاية أخرى..

رابط المقال على العربي الجديد: هنـا

خَيّب ظن المرآة وكُن عتمة

20160412_215854

ﻻ تجتهد في التلوين

إذا ما اعتادت المرآة عكس أيامك بالرمادي فقط

لا تُجهد نفسك لتكون أكثر كمالاً ما استطعت.. لا تنسَ إنسانيتك..

ألم يغالبك الملل وأنت تنتظر انعكاس جمالك الصادق..؟

ألم يُتعبك الضجر وأنت تنتظر صدى صدقك الجميل..؟

مارس نقصك

جرّب تقصيرك

استرح قليلاً والتفت لنفسك وجهلك

لا بأس بقليل من الحقارة المحترمة

ولا ضير بشيء من اﻷنانية المتعالية

أنت إنسان.. سعيك الدائم للكمال سيطغى عليك ويجعلك شيطاناً كاملاً في يومٍ ما..!

لا تقمع شياطينك، أثبت التاريخ القديم والحديث أن القمع ليس حلاً..

روّضها، وتصالح معها، التصالح استراتيجية يعتمدها المتحاربان في بعض الظروف، رغم عمق الكراهية..

إذا يأست يوماً، خيّب ظن المرآة..

اقطع طيوف ألوانك، وكُن عتمة..

..

عزيزي القارئ، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تلتفت للهراء المكتوب أعلاه.