عندما يصمت القانون يعلو النعيق

IMG-20140318-WA0008

بعد أن ضحك الناس على تفاهاتهم وغباءهم قبل أكثر من عام حينما روجوا كذبة وإشاعة أن هناك مجموعة من الشباب السني تُخطط للانقلاب على النظام البحريني، والتي عُرفت لاحقاً بين الناس في البحرين بكذبة 30 ديسمبر، التاريخ الذي زعموا بأنه موعد الانقلاب. يطل هؤلاء أصحاب المصالح المادية،الذين يقتاتون على نشر اﻹشاعات والسعي بالفتنة مرة أخرى، وستستمر طلاتهم إلى أن يأخذ القانون مجراه في وطني، الذي ينزف من جراء تعطيل القوانين.

وصلتني يوم أمس رسالة من أحد اﻷصدقاء حول تغريدات نشرها حساب من الحاسابات التابعة لـ”الفصيلة النادرة” التي أشرتُ إليها أعلاه، يقول فيها عني “صحفي في قناة الجزيرة الرياضية” و”اخونجي معروف” و”حلقة وصل رئيسية بين أخونجية الخليج العربي” و”يشكل خطورة كبيرة على اﻷمن الوطني اﻹماراتي” و”يعمل لدعم الاخونجية الإماراتيين” ويتساءل “لماذا تسمح السلطات اﻹماراتية للإخواني أحمد الحربان موظف قناة الجزيرة بدخول أراضيها“.. وكأن اﻷمن اﻹماراتي يعتمد عليه وعلى أمثاله المتخفين خلف اﻷسماء المستعارة في معرفة ما يشكل خطراً على أمن البلاد !

أنا لا أنتمي لجماعة اﻹخوان المسلمين، لا في البحرين ولا في غيرها من الدول، وليس لدي أي ارتباط لأي تنظيم سياسي، ولو كنتُ أنتمي لجماعة اﻹخوان المسلمين لما أنكرت ذلك، فما الخوف من إعلان انتمائي لجماعة في أحضان السلطة في البحرين، بل منهم أعضاء في السلطات الثلاث، التشريعية كنواب، والتنفيذية كوزراء، والقضائية كقضاة، وهذا ليس سراً. وما اختلافاتي الكثيرة معهم في العمل الطلابي خلال ترأسي لمجلس طلبة جامعة البحرين إلا دليل على كذب هذه اﻹشاعة، وإلا كيف لي أن أختلف على رؤوس اﻷشهاد مع توجهات جماعة أنتمي لها حزبياً؟! وجميع من عاصر تلك المرحلة يعرف ذلك تمام المعرفة. ومع ذلك فهناك صداقات وعلاقات أخوية قائمة على الاحترام المتبادل مع كثير من شباب اﻹخوان، رغم عدم انتمائي وارتباطي بتنظيمهم السياسي.

في الحقيقة لا تهمني هذه اﻹشاعات ولا “الفصائل النادرة” التي تنشرها، فكل المجتمعات تنضح بالحُثالة والتافهين، ويعلو نعيقها أكثر حينما يصمت القانون، ولكن ما يحزُّ في نفسي كمواطن بحريني، هو العجز أو التعاجز الذي نراه من أعلى الهرم إلى أدناه في تطبيق القانون، وعدم اتخاذ أي إجراءات تُجنب المجتمع من مخاطر الإشاعات والفتن وتحفظ كرامة الناس والعوائل البحرينية !

جودت سعيد والمهدي المنتظر

20140224_115652_4_1
جودت سعيد

لم تشغل قضية الاعتدال والتسامح واللاعنف مفكراً إسلامياً معاصراً، كما شغلت فكر الشيخ جودت سعيد وأطروحاته الإسلامية، حتى أصبح يمثل تياراً خاصاً من تيارات الفكر الإسلامي المعاصر المناهض لفكرة العنف والتطرف، في وقت صعدت فيه الأفكار الجهادية والمتطرفة للحركات الإسلامية السلفية إلى واجهة النشاط السياسي الإسلامي لتلك الحركات، خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

لكن ذلك ومع هذه الدعوة للاعنف لم يمنعه من أن يقف ضد الاستبداد والديكتاتورية على خلاف الكثيرين من رجال الدين، وإن ظل ينادي بالمقاومة السلمية لتلك الديكتاتوريات العسكرية، كما هو الحال بالنسبة إلى موقفه من الثورة السورية الذي اعتبر ملهما للكثيرين من الناشطين السلميين الذين قادوا الانتفاضة السلمية في شهورها الأولى ضد النظام، والذي لم يتورع عن ممارسة كل أشكال العنف لإسكات صوت الثورة والقضاء عليها.

بهذه المقدمة أعلاه نشرت جريدة العرب اللندنية نبذة عن جودت سعيد، المفكر السوري الذي ولد في الجولان عام 1931، وله العديد من الكتب منها: فقدان التوازن الاجتماعي، كن كابن آدم، رياح التغيير، وغيرها. (لقراءة بقية النبدة هنـا)

تشرفت بلقاء هذا الرجل خلال زيارتي أسطنبول الشهر الماضي، وقد قص علينا قصة.. يقول فيها:

“دُعيت إلى ندوة للتحدث عن المهدي المنتظر، فقلت ماذا أقول وأنا لستُ من المؤمنين بهذا اﻷمر -كثير من المفكرين اﻹسلاميين لا يؤمنون بصحة موضوع المهدي المنتظر، ويرون بأن اﻷحاديث الواردة فيه موضوعة، أو ضعيفة على أقل تقدير-، ذهبتُ وعندما جاء دوري قلتُ لهم بأن مهديكم المنتظر قد خرج.. ألا تعلمون؟! وبعد أن عم الاستغراب الحضور، أخرجت لهم هذه الورقة -التي يحملها في الصورة- وقلت لهم، هذا هو مهديكم المنتظر..” !

بهذه الحركة الساخرة يلفت هذا المفكر المنتظرين لحل مصائب هذه المنطقة التي يتقاتل الناس فيها إلى أهمية استقراء تجارب الآخرين والاستفادة منها، ولا داعي للإطالة هنا في الحديث عن الاتحاد الأوروبي والحروب التي دارت بين دوله، ومقارنة ذلك بما يجمعنا نحن في الوطن العربي من قواسم كفيلة للبناء عليها.

في الأمس القريب كنا نوجه رسالة أهمية الوحدة إلى الدول العربية، اليوم للأسف ضاقت الدائرة أكثر، فنقول: من جودت سعيد إلى قادة دول مجلس التعاون الخليجي، أنتتظرون مهدياً آخراً أنتم أيضاً؟ ألا نستفيد من تجارب الآخرين ؟!

الخسائر الفادحة للرأي المكتوب

سألته لماذا يكتب دائماً روايات بدلاً من كتابة أعمال غير روائية.

قال: “الرواية أأمن. معظم الموضوعات التي أطرحها في رواياتي محل جدل وخلاف. فيتنام، هاييتي، الثورة المكسيكية. كثير من الناشرين سيخشون نشر عمل غير إبداعي عن هذه الموضوعات” أشار إلى صحيفة نيويورك تايمز … وقال: “مقالات صحفية مثل هذه قد تتسبب في خسائر فادحة وابتسم وأكمل: “بالإضافة لذلك، أحب كتابة الرواية. إنها تمنحني كثير من الحرية في الإبداع”. ثم نظر لي بانفعال وقال: “المهم في الأمر أن تكتب عن أشياء ذات أهمية. مثل مقالتك العالمية عن القناة”.

اقتباس من كتاب (الاغتيال الاقتصادي للأمم: اعترافات قرصان اقتصادي)، وهو جزء من حوار دار بين كاتبه جون بيركنز والكاتب جراهام جرين.

ذكرتني هذه الفقرة التي مررت عليها هذا المساء بـ “الخسارات الفادحة”، أو هكذا حسبها بعض أصدقائي، عندما كنت أُدروِشُ وأكتب بعض مقالات الرأي، خاصة تلك التي كانت تتناول أداء الجماعات الإسلامية في البحرين. أعترف بأني خسرت بعض الشيء، ولكني كنت أظن، وصح بعد أمدٍ ظني، بأنه لا مانع من أن أكتب ما أراه مناسباً حينها، مع مراعاة الأسلوب، خاصة إذا كانت الفكرة جديدة أو صادمة نوعاً ما، فتزداد حينها أهمية أسلوب الكتابة. أعترف أيضاً.. كان أسلوبي استفزازياً.

أذكر أيضاً بأني جربت مرة وكتبت عن موضوع سياسي في قالب قصة قصيرة، وبصراحة لم تكن القصة القصيرة أأمن من المقال الصحفي. ربما لأني لم أستخدم الرمزية بما فيه الكفاية، وكل ما فعلته هو رسم توأم للواقع مع تفاصيل مُتخيلة وأسماء مستعارة !

الأسبوع الماضي كانت تختمر في رأسي بعض الأفكار، وكنت أنوي الرجوع لكتابة مقالات الرأي مع محاولة الالتزام بذلك، ولكن التجاذبات الحادة الناتجة عن موضوع سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من قطر، ومتابعتي اللاشعورية لتطورات الحدث، دفعتني لا إرادياً إلى تأجيل الأمر.

السؤال، في ظل الهجمة الأمنية المرتدة، التي جاءت بعد أحداث الربيع العربي، هل سنشهد استخداماً أكثر للفنون، ومنها فن الرواية، للتعبير عن الرأي المعارض للأنظمة والحكومات في المنطقة ؟

من فيلم “300 صعود إمبراطورية” إلى قادة دول الخليج العربي

300-Rise-of-an-Empire-Wallpaper-Picture-1024x576

شاهدت ليلة البارحة فيلم 300: Rise of an Empire وهو يُكمل قصة الفيلم السابق 300، والذي كان نقلة نوعية كبيرة في إخراج المشاهد القتالية.

وردت جملة في الفيلم، دفعتني لكتابة هذه التدوينة القصيرة، لقربها من واقع الخطر الفارسي والتشرذم العربي الخليجي، وهي رد القائد الأثيني ثيميستوكليس على صديقه الذي يحارب بجانبه بعد الانتهاء من أول جولة من المواجهة البحرية التي خاضوها مع الاسطول الفارسي، وقد كان السؤال:

“إلى متى تظن أنه يمكننا صدهم؟!”

فكان رد القائد الأثيني:

لكي تنجح خطتي.. إلى أن تتوحد أسبرطة مع اليونان“.

وقد رفضت جورجو ملكة أسبرطة التوحد بادئ الأمر والمشاركة مع القوات اليونانية في صد المد الفارسي، واصفةً أن هذا التوحد ما هو إلا لتحقيق حلم ثيميستوكليس لتوحيد اليونان، ولم ترضخ إلا بعد أن أقنعها بالثأر لزوجها الذي مات مع رجاله الشجعان في مواجهة انفرادية خاسرة، صور بطولتها فيلم 300.

301
ثيميستوكليس قائد الجيس اليوناني، وجورجو ملكة أسبرطة

لم يتمكن اليونانيون من هزيمة الفرس إلا بعد أن انضم لهم الأسبرطيون، حينها فقط استطاعوا تدمير الاسطول البحري الضخم لملك الفرس زركسيس، الذي قال: “لا شيء سيوقف زحف امبراطوريتي” !

ومن الفيلم إلى قادة دول مجلس التعاون.. الخطر الذي يواجه دول مجلس التعاون أكبر بكثير من أي أمر آخر يدعوكم إلى الفرقة !

ملك/إله الفرس يستعرض أسطوله البحري الضخم
ملك / إله الفرس يستعرض أسطوله البحري الضخم

لأن أي كلام عن الأمل يبقى نوع من الوقاحة..

859186_460873970652274_1001146733_o

في الطائرة ليلة البارحة عائداً من اسطنبول، شاهدت فيلم فبراير الأسود، لم أشاهد فيلماً عربياً منذ مدة، ولم أشاهد فيلماً عربياً مثل هذا منذ مدة أطول !

يصور الفيلم قصة عائلة رجل عالم في علم الاجتماع، توصل هو وعائلته إلى حقيقة تقول بأنهم لن يكونوا في أمان في وطنهم “مصر” ما لم ينتموا إلى واحدة من فئات مجتمعية ثلاث، لا يعيش أي فرد “مطمئن على كرامته وحياته وأسرته” ما لم يكن منتسباً لإحداها، وهي كما ذكرها رب العائلة:

  • منظومة الجهات السيادية (الحكومة، أمن الدولة، المخابرات بأنواعها)
  • منظومة العدالة (القضاء، النيابة، الشرطة)
  • منظومة الثروة (تتعامل وتكاد أن تشتري المنظومتين السابقتين)

فتخطط العائلة، وتتنافس مع عائلة قريبة لها، للوصول والانتماء إلى إحدى هذه المنظومات حتى تحقق الأمن والتقدير والمواطنة التي تنشدها. أو، السعي لتنفيذ اقتراح آخر، الهجرة والحصول على جنسية دولة من “الدول المحترمة.. الي الناس فيها متساويين”.

المخرج محمد أمين

الفيلم تأليف وإخراج محمد أمين، وعرفت لما بحثت عنه أنه مخرج الفيلم الكوميدي فيلم ثقافي، الذي يعرفه كثير من الشباب 😉 بالإضافة إلى فيلمي ليلة سقوط بغداد، وبنتين من مصر.

فبراير الأسود.. كوميدي سياسي سهل وساخر، رسالة بليغة تحكي جانب من معاناة المواطن المصري، كما أنه يُبرز التحدي المصري الحالي. يقول بطل الفيلم، الممثل خالد صالح، في نهاية الفيلم التي تُصور بداية إندلاع الثورة وبدء مرحلة انتقالية..

هل مصر حتحب نفسها وحتمشي في طريق العلم، والا حنفظل معفنين زي ما احنا ؟!

إذا قال العالم المصري بالأمس القريب “لأن أي كلام عن الأمل يبقى نوع من الوقاحة..” فإنه يُعلق اليوم هذه اليافطة وهو يرجو: “لو بيفهموا.. لو فيهم حد بيتقي الله حياخذ البلد ذي بطريق العلم” !

أنصح بمشاهدته.. بشدة  🙂

 Trailer

603187_432224093517262_869345141_n

القوة التنفيذية

تُبهرني القوة واﻹمكانات الرهيبة التي يملكها الجهاز التنفيذي في أميركا. أي جهاز تحديداً؟ كل اﻷجهزة.. الحكومية، الثقافية، السينمائية، المالية والاقتصادية.

شخص مثل باراك أوباما، وغيره من أعضاء “المطبخ الاستراتيجي” في الولايات المتحدة، لا أظنهم يُفكرون “كيف سننفذ الأمر إذا ما اتفقنا عليه؟” بل ينحصر مجال تفكيرهم وتأملهم وبحثهم في: “ماذا نريد أن نفعل؟ كيف نحقق توافقاً حول هذا القرار؟ هل نختار الرؤية أ أو الرؤية ب؟” ولا يكترثون ب”كيف سنقوم بالتنفيذ؟”، ﻷنهم يعلمون بأن هناك خلفهم يقف أقوى جهاز بشري تنفيذي على وجه اﻷرض، ينتظر فقط القرار واﻷمر ليقوم بالتنفيذ .

كاتب الفيلم في هوليوود أيضاً، بعد أن وصل إبداعهم في الانتاج والتصوير واﻹخراج ما وصل إليه، لن يهتم كثيراً وهو يكتب فيلمه بإمكانية إخراج المشهد الذي يكتبه على الشاشة من عدمها، ﻷنه يعلم بأن فريقاً من المحترفين سيقومون بالمطلوب، بل ربما يُخرجونه أفضل من تصوّره وخياله !

لستُ شاذاً عن كثير من الناس، لا بُد أن تخطر على بالي مقارنتنا بهم..

نقف عاجزين أمام كثير من اﻷفكار دون تنفيذها، بل وعاجزين أمام كثير من المحن والمصائب، لماذا؟ ﻷننا مشغولون بالحديث حول الفكرة، والخطة الاستراتيجية، والرؤية، ومشغولون اليوم أكثر بانتقاد، وأحياناً محاربة، فكرة ورؤية اﻵخرين. طبعاً لا تشمل اﻵخرين هنا الصهيونية العالمية، أو غيرها ممن يتحدانا ليل نهار، بل تنحصر على القريب أو ابن العم أحياناً! أما العمل والتنفيذ، فهذا دونه إيمان وتعب وتضحيات.

معظم المشاريع الكبيرة في الخليج تقف خلفها عقول وخبرات ومهارات أجنبية، تأتي طبعاً بعد الرأس المال والقرار المحلي، ليست المشاريع العمرانية فقط، بل حتى أفكارنا ورؤانا، صار غيرنا يقوم بنشرها والترويج لها عبر شركات الدعاية والعلاقات العامة اﻷجنبية !

دوائر صناعة القرار في الخليج العربي مثلها في الولايات المتحدة، لا تفكر في “كيف؟” ففي النهاية ستقوم شركة أجنبية عريقة بالتنفيذ، طبعاً بعد أن يحصل بعضهم على نسبة “إقرار المناقصة” !

لا شك في أن هناك جوانب مضيئة، نتمنى أن تزداد يوماً بعد يوم..

وحتى لا أُحمّل الموضوع أكثر مما يحتمل، أردت فقط أن أقول بأننا انشغلنا كثيراً بالجانب النظري في كل شيء، وأهملنا الجانب العملي واﻹداري والتنفيذي، احسبوا تردد كلمات مثل “رؤية” “خطة استراتيجية” “أهداف” في خطبنا ومقالاتنا وأخبارنا وقارنوها بعدد المواضيع التي تتطرق ﻵليات التنفيذ ومدى الاهتمام بها وتفاعلنا معها..

الفكرة لن تُنفّذ نفسها، والرؤية لن يُحييها غير صاحبها.

في معنى التحضُّر.. رسائل للشباب القطري

التحضُّر مصدر تَحَضَّرَ، وجاء في معجم اللغة العربية المعاصرة في معناها: اتِّجاه اجتماعيّ من خلاله يقتبس الناسُ أسلوبَ الحياة الذي يتبعه سكانُ المدن والحضر من حيث النمط الثقافيّ للحياة وكذلك تحويل المناطق الريفيّة إلى مناطق تتبع سلوكَ الحياة الحضريّة ونمطها.

وفي هذا المعنى أرسل رسائل قصيرة إلى بعض الشباب القطري..

ليس التحضُّر أن تملك بلاك بيري بورش أو أكثر من هاتفٍ جوال، ولكن من التحضُّر أن تجعله على الصامت ولا تزعج الجمهور بالحديث من خلاله في قاعات السينما !

ليس التحضُّر أن تركب “رينج” آخر موديل، ولكن من التحضُّر هو أن تحترم الآخرين في الطريق وتستخدم الإشارات إذا ما أردت أن تنعطف يميناً أو يساراً !

ليس التحضُّر أن تنتعل حذاءً من لويس فيتون أو أن تغطي رأسك بشماغ جيفينتشي، ولكن التحضُّر هو أن تمتنع عن التدخين في المجمعات التجارية والمقاهي والأماكن التي يُعلق فيها وبوضوح علامة (ممنوع التدخين) !

ليس التحضُّر أن تُكرم من يغسل سيارتك بخمسة أو عشرة ريالات إضافية، ولكن من التحضُّر أن تمتنع عن رمي مناديلك الورقية من نافذة السيارة في الشارع !

التحضُّر أدب وخُلُق وذوق وثقافة، قبل أن يكون مظهر وشكل. ولماذا علينا أن نَتَحَضَّر؟ لأننا نعيش معاً بثقافاتنا المتنوعة في المدينة، لذا يجب علينا أن نفهم ونتعلم آداب الحياة في المُدُن، والسلوكيات المعيبة والمرفوضة فيها.

أتمنى أن لا تؤخذ رسائلي هذه على محمل الاستهجان والتقليل من شأن الشباب في قطر، هي رسائل ترددت كثيراً في تسطيرها، فكل ما ذُكر هُنا من سلوكيات يشاهدها بصورة يومية المواطن قبل المقيم، إنها ظواهر منتشرة إلى الحد الذي بات الجميع هنا يحسبها من المُسلّمات والأمور الطبيعية والعادية !

في رأيي، ينبغي أن تستنفر الجهات المسؤولة في الدولة للحد من هذه الظواهر السلبية، واستخدام مختلف الوسائل في سبيل ذلك، من تنظيم حملات توعوية إلى تطبيق صارم للقانون (كنشر رجال شرطة قطريين، ومن المهم جداً أن يكونوا قطريين، في المجمعات)، لأنه وببساطة تؤثر هذه الظواهر أبلغ التأثير في الصورة النمطية التي يحملها أي زائر للبلد، كما تؤثر على المزاج والذوق العام للمواطنين والمقيمين فيه.

السوّاح الذين سينكّبون على قطر في عام 2022 سينقلون صورة “الإنسان” القطري، بقدر نقلهم للنهضة العمرانية في البلد، بل سيتحدثون عن مفارقات ومقارنات بين “العمران” و”الإنسان” كما نفعل نحن عادةً عند عودتنا من زيارة بلدٍ ما.

ملاحظة مهمة جداً: عندما نقول أنه من التحضُّر إتيان هذا الفعل أو ذاك، فلا يعني ذلك بأن الامتناع عنه يُعد من البداوة الجميلة التي لا يزال الكثير يحب التشبث بعاداتها الإيجابية !

زيارة قصيرة

كان توقيفي لأكثر من ساعة في مطار الكويت فرصة لانتهي من رواية الأخت هيا الكندري (زيارة قصيرة) التي بدأت في قراءتها في مطار البحرين قبل دخولي للطائرة بقليل. اخترت قراءة هذه الرواية بالذات في هذه السفرة بالذات لأنها بالفعل رحلة قصيرة، فهي ليومين وليلة فقط, الآن وقد انتهيت من الرواية الأولى، هل أباشر في قراءة الثانية (مريم)؟ أهدتني الكاتبة الروايتين قبل يومين …

عدت للاب توب من جديد، دخل علي الموظف قبل ربع ساعة وناولني بطاقة هويتي، ومضى معي خارجاً من تلك الغرفة الكئيبة الموغلة في الإهمال، سألته بعد أن طلب مني أن أتبعه:

         كل شيء تمام؟

         انت تعرف ليش احنا وقفناك؟

         لا.. خير؟

         أنت ممنوع من دخول الكويت.

والصدمة تأخذ مجراها على ملامح وجهي:

         ممنوع من دخول الكويت !!

         اي.

         طيب ممكن أعرف السبب؟

         مادري والله، احنا نمشي على النظام الالكتروني، ومبين عندنا انك ممنوع من دخول الكويت، الموضوع صوب أمن الدولة.

         طيب والعمل الآن؟

         راح آخذك إلى مكتب سكرتارية الجوازات ليرتبوا لك إجراءات عودتك.

         طيب ممكن نسأل أمن الدولة عن سبب منعي من الدخول؟

         مكتب أمن الدولة بجانب مكتب سكرتارية الجوازات، ولكن لا أنصحك بأن تسألهم عن السبب.

         مو مشكلة.

وها أنا أنتظر من بعد إجابة متجهمة من موظف (سكرتارية الجوازات) على استفساري عن الخطوة القادمة بقوله (أنتظر على هذه الكراسي هنا وسنخبرك نحن).

عرفت من الضابط المناوب وقد كان أكثر رحابة صدر، بأن الإجراء يقتضي أن أرجع إلى البحرين على أول رحلة لنفس خطوط الطيران التي جئت بها، وكانت طيران الجزيرة، وكانت في الثامنة مساءً.

كان من المفترض أن تكون زيارتي للكويت سريعة جدا، إلا أنها أصبحت أسرع من المفترض، مصحوبة بغموض، سيكشفه لي أصحابي الكويتيون قريباً بعد أن يعرفوا سبب منعي الذي صدمهم هم أيضاً كما صدمني، ومن المتوقع أن يكون لأمرٍ تافه.

يبدو أني سأباشر في قراءة الرواية الثانية الآن..

الثانية ظهراً

13 نوفمبر 2010

 

لاحقاً..

سُمح لي بأن أدخل منطقة السوق الحرة بعد أن قطع لي مندوب مكتب طيران الجزيرة بطاقة دخول الطائرة، دفعت تكاليف تغيير موعد الحجز عما كان عليه في التذكرة الأصلية، وذلك بعد 4 ساعات من الانتظار، وقبل موعد اقلاع الطائرة بساعتين.

خففت الرواية الثانية طول مدة الانتظار، فقد هممت بقراءتها، إضافة إلى حسن معاملة اثنان من رجال الأمن مشكورين الذين قدما لي التمر والقهوة العربية، وأخبراني بأنهما أطلعا على النظام في جهاز الكمبيوتر لمحاولة معرفة عدم السماح لي بدخول الكويت، إلا أن العبارة الوحيدة التي حصلا عليها هي (ممنوع من الدخول)، دون ذكر الأسباب أو أي شيء آخر !

 

لا أريد أمرأة..

في لقاءٍ عابرٍ قبل أسبوع تقريباً، سألتني أبنتي الوحيدة –نعم لدي أبنة، ليست من صلبي ولا من بطن زوجتي فأنا لم أتزوج بعد، وليست أبنتي بالتبني، هي ابنتي وكفى!- عن مشروع الزواج، وهو مشروع أنا في مرحلة التفكير في البدء في التفكير فيه، ولأبسط المسألة: أنا ونفسي نتباحث حالياً، هل أبدأ في التفكير في موضوع الزواج أم أؤجل هذا التفكير إلى حين ؟

قالت لي: (كيف تريدها أن تكون؟). قلت: (لا أدري، لكل رجل ولكل امرأة مساحة من الحرية الشخصية، قد تتقلص، وقد تتسع في حالات، بعد الزواج، وأنا أشعر بأن المساحة التي أحتاجها أكبر بقليل عن مساحة كثير من الرجال، ويجب أن أنبه بأني لست حالة شاذة أو غريبة، فأنا واحد من أولئك الكثيرون الذين يحتاجون لمساحة من الحرية أكبر قليلاً، ولا تعني كلمة "الحرية" هنا ما قد يتبادر إلى أذهان البعض، بل كل ما تعنيه هو أن أعيش في سلام وحيداً دون إزعاج أي أحدٍ كان في أوقات يصعب توفرها بكثرة إذا شاركتني مشاركةٌ مخدعي وبيتي). قالت: (فسر أكثر؟!). قلت باسترسال وكأني أريد أن أوضح كلاً لا يتجزأ: (لا أريد أمرأة تلتحم بي التحام الصمغ اللازق. لا أريد أمرأة تتدخل في حياتي إلى حد الفضول. لا أريد أمرأة تبالغ في بيان وجهة نظرها إلى حد إثارة غدة النرفزة لدي. أريدها على درجة من السلوك الراقي الذي يكفيها به أن تبين وجهة نظرها بكل أدب واحترام، وتقول"هذا رأيي وأنت حرٌ بما تراه وتفعل"، ولا يقلل من عمق العلاقة ولا يؤثر فيها أبداً عدم أخذي برأيها بعد ذلك. أريد أمرأة قائمة بذاتها، لا تنتظر رجلاً لتقوم عليه. فأنا مكملٌ لها وهي مكملةٌ لي، لا ينتهي أحدنا بغياب الآخر). قاطعتني ابنتي: (أشعر بأنك لن تحبها). قلت وأنا واثق بأنها أكثر دراية من غيرها بحجم عاطفة أبيها: (فهمتيني خطأ، القصد أني لا أريد أن أكون في قائمة أولوياتها على الداوم. يقول لي أصدقائي: "يجب أن تكون زوجتك قوية الشخصية، لكي تلجمك لجاماً!"، وأنا أوفقهم فيما يقولون، ولكن قوة الشخصية إن لم تكن مقترنة بسلوك راقي هادئ الطبع، تكون كارثة. كثيرٌ من الرجال يخشون المرأة قوية الشخصية ويتجنبونها، ويحبون المرأة المطواعة التي تبصم على كل رأي يراه زوجها وكل مذهب يذهب إليه، هذا أمر محبب لنفوس الرجال ولا أستثني نفسي منهم، ولكن محبب لنفسي أكثر استقلالية المرأة في الرأي ووجهة النظر، وهذا لا يتنافى مع الطاعة التي تجب عليها، وقليلٌ من يفرق بينهما!).

لم تفهم أبنتي إجاباتي تمام الفهم، أو على الأقل استغربت الإجابات إلى حد يقرب من الإنكار، مما جعلني أقول في نفسي لاحقاً: يبدو أن من أبحث عنها، إذا ما قررت البحث عنها، أكبر من سن أبنتي، فمن الواضح أن أبنتي ومن في سنها –وهي تصغرني بأربعة أعوام- يصعب عليهن فهمي جيداً، هل أبحث عن ناضجة كاملة النضج؟! لا يغيب عن بالي أن كمال النضج يعني قرب انتهاء الصلاحية، وهذا هاجسٌ آخر !

لم تكن المرة الأولى التي تسألني فيها أبنتي عن المواصفات التي تعجبني، ولكنها المرة الأولى التي أتجاوب معها في هذا الموضوع، لماذا تجاوبت؟! هل هي خيانة من عقلي الباطن؟ هل بدأ يفكر في الموضوع قبل أن أتخذ قراراً بالبدء في التفكير فيه ؟! لا أظن.

.. أخذت طبق الحلوى الذي أعدته لي أبنتي، ومضيت، ووعدتني بأن نفكر سوياً في الموضوع، وكثيراً ما يعد الأبناء آباءهم، وكثيراً ما ينسى الأبناء ما وعدوا !