لا أحد يستطيع أن ينكر قوة وتميز عمود الأستاذة سوسن الشاعر اليومي، إذ أنها غالبا ما تقف على نقاط لا نجد أحدا يقف عليها، فتطرح الموضوع من جانب فريد، كثيرا ما تضع يدها على الجرح، هذا رأيي. أما في قضايا ما وراء حدود مملكتنا الغالية، فلم أعد أحتمل تخبطها!
في مقال سابق للكاتبة حذرت بطريقتها من التكتل (السني الأصولي المتشدد مع القومي والبعثي) –حسب تعبيرها- وقالت: "الخطورة في هذا التكتل لا تكمن في أنه تشكل لمواجهة السياسة الأمريكية بل إنه تشكل لمواجهة هواجس المد الصفوي في المنطقة أيضاً، وهي هواجس ما لم تسند بأدلة قاطعة وتكتفي بإذكاء الهواجس التاريخية فإنها مصدر فتنة طائفية قاتلة".
والسؤال الذي استوقفني هنا، هل يخفى على كاتبة مرموقة كالشاعر حقيقة المد الصفوي حتى تسأل عن أدلة قاطعة؟! ولو كان موضوع هذا المقال المد الصفوي وخطره لبسطنا الأدلة القاطعة على حقيقته، فهي كثيرة وبات أمره جليا لكل ذي بصيرة (وليس بصر).
ثم "حبت تكحلها عمتها" في مقال تلاه كتبت فيه: " لا اعتراض على تشكيل أي تكتل عروبي إسلامي يجمع أي أطراف وطنية …. إنما بشرط أن تكون أجندته وطنية أولاً وثانياً وثالثاً قبل أن تكون أجندة أممية"، ولا يخفى على القارئ ما في العبارة السابقة من طعن مبطن، وتشكيك في ولاء قيادات وطنية لوطنهم، ولهذا التكتل الذي وكأن يأجوج ممثل أحد قطبيه، ومأجوج ممثل الآخر، فخروجه هو إعلان الفساد والدمار "الأممي"!
وسبحان الله، تطلب الكاتبة أدلة قاطعة على المد الصفوي، في حين أنها تشكك في ولاء هذا التكتل للوطن دون أن يكون هناك دليل واحد على صحة أو داعي هذا الشك. ألا يحق لنا أن نطالب "بالأدلة القاطعة" وإلا نتهم الكاتبة بأنها "تذكي هواجس" بعيدة كل البعد عن الواقع؟ أليس هذا إيقاظ "لفتنة" نائمة، بل لم تولد أساسا؟! لا أنصب نفسي محاميا عن هذا ولا ذاك ، ولكن الكاتبة تقع في نفس الأخطاء التي تحذر (ونحذر نحن) منها.
بلعت هذين المقالين، لكن علقم المقال المعنون بـ (نتيجة الكيل بمكيالين)، اضطرني لشرب كأس من الماء لأخفف مرارة ما أجد!
اتهمت فيه الكاتبة السنة بسكوتهم عن ما يحصل في العراق من حملات يروح ضحيتها مئات بل آلاف الأبرياء، بل استغربت من جرأتها في اتهام هيئة علماء السنة العراقيين حيث كتبت: "…نصرة لهيئة علماء السنة العراقيين الذي هم أيضا تعاونوا بصمتهم وما نطقوا إلا بعد أن فاق الأمر كل تصور وما عاد لسكوتهم تفسير إلا ضلوعهم بتلك الجرائم"! ألا تتابع الكاتبة بيانات واستنكارات الهيئة على موقعهم الالكتروني وفي تصريح قياداتها؟!
وكتبت في نفس المقال متسائلة: " لكننا نتساءل أين غاب هذا النشاط المحموم الذي نراه اليوم في نشر أخبار جرائم قتل السنة وبث خطب بعض علماء الشيعة التي تجيز قتل السنة والمتداولة على الإنترنت اليوم… ألم تكن هناك خطب وأشرطة النحر موجودة؟"
ولعلها قصدت بخطب بعض علماء الشيعة فتوى أحدهم (الشيرازي)، التي قال فيها: "الوهابي الإرهابي الكافر الناصبي الوحشي يجب قتله، وكل من يؤيده بنحو أو بآخر، من رجل دين أو غير رجل دين، يجب قتله، ومن لا يقول بوجوب قتل هؤلاء وبوجوب قتل مؤيديهم فهو علانية يكفر بالقرآن الكريم"!
إني أتحدى الكاتبة أن تأتي بفتوى واحدة لعالم معتبر من علماء أهل السنة تقول بمثل ما قاله الشيرازي. فنرجو من الكاتبة التنبه لهذه الكلمات التي فيها من الافتراء ما فيها.
ثم الكل يعلم الفرق بين الفتوى إذا ما صدرت من عالم معتبر، وبين أفعال يقوم بها أناس من تفجيرات وقتل، فمن الطبيعي أن يكون استنكارنا للأول أشد، دون اعتبار للفئة أو الطائفة التي ينتمي لها، لأن الأول يضفي شرعية على القتل والخراب والدمار، بينما الثاني هو فعل لا نتفق على شرعيته أصلا.
لعل الكاتبة أرادت أن تبين عدم حيادية المواقف، في الصحافة خاصة، وهذا ما أتفق تماما معها فيه، فلكل جريدة توجه، تمثل وترسم خطه أمام الرأي العام، وهذه معضلة حقيقة لا يمكننا تجاوزها، إذ أن الأمر لم يقتصر على الشئون السياسية، فها هي صور فريق النادي الأهلي يصدر في الصفحات الرياضية الأولى بمناسبة فوزه في إحدى الجرائد، بينما نجد الخبر مغمورا بين الأخبار الرياضية في جريدة أخرى، وربما يكون الحال مخالف تماما لكلا الجريدتين إذا ما فاز نادي المحرق! هذه مشكلة، ولكن نأتي ونلقي التهم والافتراءات، مغيبين حقائق لا ينكرها إلا مستكبر من أجل بيان وتوضيح هذه المشكلة خالقين بذلك مشاكل أخرى فلا.
قد يكون التخصص مطلوبا للكاتب مهما بلغت منزلته ومكانته بين الكتاب. الشئون المحلية، والملفات الداخلية، والقوانين البحرينية، تبدع الكاتبة الشاعر أيما إبداع في تناولها، أما الملفات الخارجية، والقضايا الدولية، فأتمنى أن تدعها لغيرها، لتحافظ على تميزها وقوة عمودها.
وفق الله الأستاذة الكاتبة سوسن الشاعر لكل خير.

