"خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها"، "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار"، كل هذه أحاديث في فضل حفظ كتاب الله تعالى، ولكن هل هذا يعني أن حافظ القرآن يُقدم على إخوانه المسلمين في جميع المواطن؟
بمعنى آخر، هل يقدم حافظ القرآن على الطبيب عند إجراء عملية جراحية، أو على المهندس عند تصميم مشروع عقاري، أو على الميكانيكي عند تصليح سيارة مثلا، فقط لأنه حافظ للقرآن؟! طبعاً لا، وهذا لا يعني أنه لا يوجد طبيب بارع، أو مهندس مبدع، أو ميكانيكي مؤهل حافظ للقرآن، فقط حتى لا يفهمني البعض خطأ.
لم استغرب من تزكية أحد الأخوة لأحد المترشحين لمجلس الطلبة وتفضيله إياه على سواه بقوله "إنه حافظ للقرآن"، لأنه وللأسف قد اعتدنا تقديم المتدينين على غيرهم في أي مجال كان، سواء كانوا مؤهلين لهذا المجال أم لا، وذلك لأن هناك من علمنا – مباشرة أو بلسان حال- هذه القاعدة التي ما أنزل الله بها من سلطان، مستغلاً حبنا للدين وللمتدينين.
ليس مجلس الطلبة مركزاً لتحفيظ القرآن الكريم وتجويده وتدارس علومه ليكون حفظ القرآن هو الميزة التفاضلية التي نفضل بها مرشح على آخر، إنه عمل طلابي، يحتاج من أعضاءه للعديد من المهارات، خاصة القيادية منها، من حكمة في قرار، وطلاقة في لسان، وحسن في تدبير، ورؤية في تخطيط، وإتقان في عمل، ورسالة في نشاط، وغيرها.
ينبغي علي أن أنبه –حتى لا يئول كلامي متأول- بأن ما ذكرته لا يعني أبداً بأن حافظ كتاب الله لا يصلح لمكان سوى حلقات تحفيظ القرآن، هناك الكثير من المبدعين في شتى المجالات هم من حفظة القرآن، بل زاد حفظهم للقرآن من إبداعهم وتفوقهم، إنما ما عنيته بأن كون الشخص حافظاً لكتاب الله لا يؤهله مجرد ذلك لعضوية مجلس الطلبة أو لأي منصب آخر، إنما هناك كفاءة يجب أيضاً أن تراعى، فربما يكون الشخص مؤهلاً، وربما لا يكون. فإن كان مؤهلاً فنور على نور، وإن لم يكن فمن الإساءة له ولما يحمله من علم توليته لما ليس هو بأهل له.
وضع الندى في موقع السيف مضر كما وضع السيف في موقع الندى
التدين والصلاح لا يكفي، نعم لا يكفي، فقد "كان أبو ذر رضي الله عنه، أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم {يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم}. رواه مسلم. نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية؛ لأنه رآه ضعيفا. مع أنه قد روي: {ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء، أصدق لهجة من أبي ذر} {وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل استعطافا لأقاربه الذين بعثه إليهم، على من هم أفضل منه وأمر أسامة بن زيد، لأجل ثأر أبيه}. ولذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة، مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه، في العلم والإيمان." من كتاب السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
لا أقصد في مقالي الوقوف ضد أحد المترشحين، أو مع آخرين، إنما تصحيح مفاهيم، وفي نفس الوقت تحذير من استغلال العاطفة الدينية لدى الطلبة استغلالاً خاطئاً، وإذا ما أردنا أن نزكي أحد المترشحين يجب أن نزكيه بما يحمله من مؤهلات تجعله أهلاً لعضوية المجلس.
همسـة: لا قلب أنقى من قلب يحمل في جوفه كتاب الله وهو خاشع؟ ولا رجل أفضل ممن جعل القرآن خُلُقَه؟ فهنيئاً ثم هنيئاً ثم هنيئاً لمن يحفظ كتاب الله ويعمل به.