أوطان افتراضية

Getty

أحمد الحربان – العربي الجديد

في خضم تفاعلنا العجيب الغريب مع قضايا الشأن العام على وسائل التواصل الاجتماعي، انقدحت في رأسي اﻷقرع فكرة، ربما يلتقطها بعضُ السيّارة من مبرمجي برامج الجوال، فيخترع لنا برنامجاً يُنفّذها.

بما أننا شعوب نتكلم عن الديمقراطية أكثر من أولئك الذين يمارسونها، ولو جزئياً، ونحلل القضايا اﻹقليمية كتحليل طفلين على مباريات الدوري اﻹسباني وهما ينتظران “الكيدز ميل” في المطعم، ولنا رأي في كل صغيرة وكبيرة، وإن كان هذا التفاعل الزائد ليس منقبةً إلا أنه لا يمكن أن يكون عيباً محضاً في الوقت نفسه، فالناس تتفاعل ﻷنها حصلت على ما يُكبّر أصواتها الكترونياً، أو لأنها تريد أن تقول، ولا تستطيع: يا أيها الذي لا يُرينا إلا ما يرى.. هذا ما نراه، فالعبارة كثيراً ما تكون في القضايا الإقليمية والمعنى حيثُ الوطن نفسه.

الفكرة، أن نُوجد لنا حياةً الكترونية رديفة لحياتنا الواقعية، كما يفعل الكُتّاب في رواياتهم، فضاءً موازياً ليومياتنا وهمومنا وأفكارنا، ولكن تلك التي تتعلق بداخل الوطن لا خارج حدوده، نحقق فيه مشاركة أكبر في صنع القرار، وسلطة أقوى في مراقبة المال العام وأداء الأجهزة الحكومية، وفسحة أرحب للتعبير الحر عن الرأي، وذلك عن طريق برنامج نحمله في هواتفنا الجوالة، تضمنا في أحزابٍ افتراضية إن شئنا الإنضمام، نتواصل لكتابة برامج انتخابية، وتفتح لنا صناديق اقتراع افتراضية أيضاً لنُرشّح أو نترشح لمناصب قيادية، تُطرح البرامج، وتُفتح المساحات للنقاش، على أن يُربط البرنامج في كل بلد بمؤسساته وأخباره، ليتماهى اللاعبون -وسأقول لاعبون لأننا نريده أن يكون لعبة، وأن نخترع فيه بعض المزايا البوكيمونية الداعية للإثارة واﻹدمان- مع الواقع، كتفاعل مباشر مع قضايا الشأن المحلي ولكن في نفس الوقت يكون تفاعلاً افتراضياً، بعيداً عن أي سلطة إلا سلطة الرأي والفكرة وقوانين اللعبة المستمدة من أرقى التجارب الإنسانية في مجال إدارة الدول وسياستها.

تتطور اللعبة، لتشبك وطن بآخر، عبر تحالفات واتفاقيات، تُعرض على البرلمانات المنتخبة في كل وطن، ويتم التصويت عليها، ويُلتزم بها بحكم قانون اللعبة الدولي، صادرات وواردات، عملات وأسعار صرف، أسواق مفتوحة وأخرى مغلقة، وغيرها الكثير والكثير يمكن إضافته.

تخيلوا شاب في عمر الخامسة عشرة، يتعلم قراءة الموازنة الحكومية، ويدخل مع أصحابه في مفاوضات تجارية، أو يقترح برامج ومشاريع، أو يثير تساؤل حول أرقام غريبة، ويدقق على أداء مؤسسات وطنه الافتراضي، عن طريق لعبة في هاتفه الجوال!

قد يدفعنا برنامج كهذا للالتفات إلى الجار المُضطهد بسبب رأي قبل أن تُحارب بنا مواقفنا عند قضايا تبعُد عنا آلاف الكيلومترات، ربما نجعل من هوس المتابعة والتفاعل أكثر فائدة وتأثير فنراقب أداء الوزارات وسياسة الهيئات وعمل المسؤولين عن مصالحنا ومصالح المواطنين المباشرة، قبل أن ننتقد تشكيلة حكومة بلد لا نجرؤ على زيارته، أو أن نغوص في مناكفات بيزنطية عن الفرق بين حزبٍ وآخر يقع كليهما في بلدين منفصلين لا ننتمي لأيٍ منهما!

قد يقول قائل بإن “هاشتاق” تويتر يكفي، ولكن “الهشتقه” في رأيي لا تتجاوز في أغلب أحيانها ثقافة التسطيح ومبارزات إثبات الرأي، ولكن اللعبة، ذات الأمد الطويل والتي تُتابع باستمرار، كتلك التي يبني بها المتسابقون مدنهم، أو يزرعون ويحصدون حقولهم، أو يكوّنون جيوشهم ويدخلون في تحالفات مع أخرى، ينغمس فيها المتسابقون بفكرهم وتفاعلهم ومتابعتهم، لعبة كهذه ستكون أكثر تأثيراً، وربما ينعكس أثرها على أرض الواقع.. ربما!

لم أتعب ذهني في اﻵثار الاجتماعية المترتبة على تدشين لعبة كهذه، وليس بالضرورة أن تكون إيجابياتها أكثر من سلبياتها، فمواقع تواصل الاجتماعي مثلاً، قربتنا فعلاً، لكنها لم تزد علاقة المتخاصمين غالباً إلا خصومة وشقاق! أقول رغم ذلك، تظل فكرة جديرة بالالتفات، فليرسلها أحدكم لمشاركين في مسابقات الهاكاثون، مع التنبيه إلى ضرورة أن تكون خوادمها في ملاذات “معلوماتية” آمنة، تحفظ خصوصية اللاعبين، فلا يخفى عليكم أنها -الخصوصية- في لعبة كهذه تزداد وتتأكد حاجتها.

أعداد المواطنين في الدول العربية في ازدياد، وتفاعلهم مع المتغيرات المتسارعة والخطيرة في ازدياد أيضاً، الأمر الذي يدفع موصدو الأبواب إلى إغلاقها خوفاً وتوجساً وريبة، قد تكون لعبة “أوطان” المقترحة هنا حلاً، يبني المواطنون المتسابقون فيها أوطانهم، ويمارسون وطنيتهم، بالطريقة التي يشعرون وأن كرامتهم وإنسانيتهم تدعوهم لها. هل الكرامة افتراضية؟

ذكريات ضالة

IMG_20160724_164325

كيف تشكلنا الطفولة.. ترسمنا وتحدد ملامحنا النفسية؟ كيف لتلك المواقف التي لا نلتفت لها اليوم، تذبذب علاقتنا بالصديق الذي نحب، خوفنا من ابن الفريج قوي البنية، خفقة القلب الأولى لابنة الجيران أو الطالبة في المدرسة المجاورة، كيف غاصت تلك التفاصيل عميقاً في أنفسنا، ووضعت أساسات بنيان ذواتنا؟ كيف لها في الوقت نفسه أن تعيد أطلال تلك الذكريات ببناء نفسها، أن تفور من الأعماق فجأة بعد أن طمرتها أيامنا بالمشاغل والمتاهات، وإذ بها تُشيّدُ نفسها بنفسها، تقف أمامنا، ونقف نحن أمام أنفسنا، وربما تغيرنا مرة أخرى، وهي التي شكلتنا بدايةً!

رواية جميلة جداً، عبدالله كاتب رائع، كتابته تحتوي على صور شاعرية وأفكار والتفاتات مبهرة.
ستكون من ضمن القائمة التي أنصح السائلين بقراءتها..
4/5

المزاج والرياضة

20151106_162938

أحمد الحربان – العربي الجديد

أجري على كورنيش الدوحة مستمتعاً بالجو المعتدل، أتذكر أمراً أحزنني، أنشغل عنه بأضواء العمارات هناك في الضفة الأخرى مرة، وبالإضاءة الساحرة لمتحف الفن الإسلامي مرة أخرى، ولكنه يأبى الانصراف ويزداد حضوراً، إلى أن شعرت بأن قلبي لا يقوى على ضخ ما يكفي من الدم للمواصلة، أو أن كريات الدم الحمراء احتجَّت فألقت ما تحمله من أوكسجين.. لا تقوَ العضلات عل تلبية رغبتي في استمرار الاندفاع قُدُماً، فأتوقف عن الجري وأواصل مشياً.

في يومٍ آخر، أشعر بالنشاط الزائد قليلاً، فقد نمت جيداً ليلة البارحة، أستعد للتوجه إلى النادي الصحي، فجأة أشعر بأن مزاجي ليس رياضياً، أغير ثيابي مرة أخرى، وأذهب إلى المقهى مصطحباً الجهاز، وأكتب..

يشاغبني المزاج كثيراً، قبل أو أثناء ممارسة الرياضة، أما الإحباط فيتمكن مني فترة طويلة إذا ما خسرت المباراة، يوم أن كنت لاعب كرة طاولة، تجدني أقرر فجأة بعد خسارة من الخسارات: سألعب تنس أرضي!

أنا أدعي، وهذا مجرد إدعاء –رغم إيماني بصحته- بحاجة إلى من يثبته علمياً، بأن الرياضيين اﻷبطال، أولئك الذين يحققون المراكز المتقدمة في أي رياضة، لا يؤثر فيهم المزاج قدر تأثيره على أقرانهم، وأن لديهم قدرة على تجاوز تأثيراته السلبية، أو أن الأمر يحصل هكذا دون بذل انتباه أو بذل جهد. ربما قوة الشغف تخفف من حدة تقلب المزاج، فلا وقت للالتفات إليه، لا وقت إلا للتمرين، ولا جهد إلا للرياضة، في سبيل الفوز والمجد، أو لحالة عاشوها خلال طفولتهم تقلل من تأثير أي موقف في مزاجهم لاحقاً، أو لأي سبب آخر.

كثيرة هي الدراسات التي تناولت علاقة المزاج بالأداء الرياضي، إلا أني وقعت على مقالة تتناول إشكالية هذه الدراسات، لا تتلخص فقط في معيار قياس الأداء الرياضي، بل في ضعف كفاءة دراسة المزاج، وتداخل مؤثرات أخرى غير المزاج قد تؤثر على الأداء، كالعواطف، وطبيعة شخصية الرياضي، والإثارة، والتوتر، وغيرها.

بالنسبة للتوتر، أذكر فيما أذكره أني كنت ضمن الثلاثة الذين لعبوا في المباراة النهائية ضد نادي سار -النادي الوصيف ذلك العام، نادي البحرين بطلاً- عندما كنت لاعباً لكرة الطاولة، وكرة الطاولة من الألعاب التي تؤثر فيها أية اهتزازة لليد، كلعبة البليارد أو الغولف مثلاً، ونظراً لحساسية المباراة فقد كنتُ متوتراً، وكانت يدي تهتز بشدة، خسرت. بعدها بأيام قليلة كانت البطولة المفتوحة، حيث كل لاعب يلعب لنفسه وليس ضمن فريق، فخسارته تقصيه من التأهل، وفوزه يقدمه خطوة إلى الأمام. لعبت ضد من هزمني في تلك المباراة الأخيرة، وكنت ألعب براحة تامة، فلم أكن تحت أي ضغط، ولا حتى الخوف من الخسارة والخروج من المنافسة في بداياتها، هزمته بسهولة، الأمر الذي أغاض صديقه اللاعب الأبرز في نفس النادي، والذي صادف وتقابلنا في المباراة قبل النهائية، فألحقته بزميله خارج البطولة، فطار مضاربه نرفزةً بعد النقطة الأخيرة ليُحدث ثقباً في سقف صالة الاتحاد، وما خسرت يومها إلا أمام صديقي البطل حمد بوحجي في المباراة النهائية، فكان ذلك آخر مركز أحققه في مسيرتي مع المضرب: الثاني فئة العموم على البحرين.

أعود لموضوع المزاج، شخصياً لا أحتاج إلى دراسة من جامعة أمريكية أو أوروبية حتى تُقنعني بأن للمزاج أثر مباشر على الأداء، لا في المنافسة فحسب، بل حتى خلال التمارين والتدريبات اليومية، والتي من شأن تأديتها على الوجه الأمثل والأكمل أن تُحدث الفارق.

كيف تتحكم في مزاجك، أو كيف تخفف من تأثيراته السلبية على الأداء في الرياضة أو العمل أو ممارسة ما تحب من هوايات؟ هذ حكاية أخرى..

رابط المقال على العربي الجديد: هنـا

خَيّب ظن المرآة وكُن عتمة

20160412_215854

ﻻ تجتهد في التلوين

إذا ما اعتادت المرآة عكس أيامك بالرمادي فقط

لا تُجهد نفسك لتكون أكثر كمالاً ما استطعت.. لا تنسَ إنسانيتك..

ألم يغالبك الملل وأنت تنتظر انعكاس جمالك الصادق..؟

ألم يُتعبك الضجر وأنت تنتظر صدى صدقك الجميل..؟

مارس نقصك

جرّب تقصيرك

استرح قليلاً والتفت لنفسك وجهلك

لا بأس بقليل من الحقارة المحترمة

ولا ضير بشيء من اﻷنانية المتعالية

أنت إنسان.. سعيك الدائم للكمال سيطغى عليك ويجعلك شيطاناً كاملاً في يومٍ ما..!

لا تقمع شياطينك، أثبت التاريخ القديم والحديث أن القمع ليس حلاً..

روّضها، وتصالح معها، التصالح استراتيجية يعتمدها المتحاربان في بعض الظروف، رغم عمق الكراهية..

إذا يأست يوماً، خيّب ظن المرآة..

اقطع طيوف ألوانك، وكُن عتمة..

..

عزيزي القارئ، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تلتفت للهراء المكتوب أعلاه.

لو أنها لا تُأوَّل

20160610_201644

لو أن اﻷحلام لا تُأوَّل..
لقصصتُ أحلامي،
لحكيتها لطاعنٍ في السنِ غريب،
أو أسررت بها لصديقٍ ونحن مشغولان في التفتيش عن شيء نتكلم فيه،
لو أنها لا تُأوَّل..!

فكرتُ يوماً في كتابة كل حلم واضح يزورني كحقيقة
لا أجمل من فانتازيا رسائل المنام
ولا أصدق منها..
الرعب كل العرب في صدقها..!
فكرت في كتابتها،
ولكن الخوف من تداعيات تأويلها.. دوماً يمنعني.

ما أثقل ما يُحبس في النفس،،
حتى ولو كان حُلماً

#بوح

زاوية الدرج

DSC00114-01

البارحة وأنا نازل من الطابق الأول، وفي ذراعي ابني سعود، وقعت عيني على تلك المساحة المربعة.. إحدى زوايتي سلم منزلنا الدافئ في عراد، والذي يتكون من ثلاثة أضلع مُشكلة مستطيلاً، ضلعه الرابع ضلعان مُتراكبان، واحد في الدور الأرضي والثاني في الدور الأول..

وقعت عيني على تلك الزاوية، وطفحت إحدى الذكريات التي لم يستطع النسيان التغلب عليها بعد.

جاءت أمي من المطبخ في فورة غضب ليست بغريبة، وفي يدها ملعقة بلاستيكية كبيرة برتقالية اللون، مخرومة في منتصفها، تلك التي تُستخدم لتحريك العصير في الإبريق، لتوزيع لبّه على كافة جزيئات الماء الذي يحتويه بدلاً من أن يتركز في القاع، أو لإسراع تبريده بالثلج الذي رُمي فيه تواً.. جاءت أمي مُسرعة، ولما قطعت الضلع الأول من أضلع السلم، أصبحتُ في متناولها، فوق ذاك المربع، وأنا في العتبة التي تليها، رفعت الملعقة لتهوي بها على كتفي، ولكني أمسكت بيدها قبل أن.. فرفعت الأخرى الخالية من أي سلاحٍ أبيض، أو برتقالي، فأمسكتها أيضاً، وظلت أيدينا مشتبكتين في العالي ثوانٍ لم أعدها، فقلت لها: “لم أعد طفلاً لكي تضربيني في كل مرة..” بغيضٍ أنزلت يديها، وعادت إلى المطبخ، لتُكمل إعداد وجبة الغداء اللذيذة التي أكلناها تلك الظهيرة. ربما أعدَّتها بغيض أو استغراب، لا أدري، ولكني اليوم متأكد بأنها أعدتها بحب. ومن يومها توقفت أمي عن ضربي !

أمي.. عن كل سبب دفعتك فيه لتقويمي ضرباً.. آسف بحجم الكون، وحجم كل الحب.

اليوم، وبعد أن كتبت هذه الكلمات، استغربت أمي طلبي بأني أريد أن التقط معها صورة سريعة على الدرج.. أردت أن تجمعنا صورة في نفس الزاوية ضاحكاً على موقف محفور في ذاكرتي منذ 18 عاماً !

خوالي.. وشيء من الذكريات

image

من اليمين:

عبدالله – جمعتنا كرة تنس الأرضي أوقات طويلة، إلا أننا كنا نعتبرها كرة قدم، كان مرماي عبارة عن باب حمام الصالة، أما مرماه فكان أكبر بكثير: مكتبة بيضاء عريضة، مزخرفة بحواف ذهبية، يتوسطها جهاز التلفاز، وهي مكتبة انتشرت في أغلب بيوت البحرين تقريباً! أما “محسن الجمعان” فقد كان حاضراً في أغلب هجمات الخال: ايوه محسن الجمعان.. ويعدي ويعدي.. وقوووول!

محمود – أكبرهم، تكبره من العائلة أمي. صاحب البرامج والفرفشه والطلعات. كثيرة هي الذكريات، إلا أن أكثرها رسوخاً فسكة البر، في الذهاب إلى المخيم، أو مجرد التجول فيه خلال موسم التخييم، وأنا جالس مع اﻵخرين في سيارته الشفرلوية الذهبية على المقعد الخلفي، ونسمع جميعنا بهدوء غريب: محال محال محااااال عمر المحال ما يصير.. عمر المحال ما يصير..!

أحمد – الخال الذي كان يدرس في أميركا، ومغامراته كانت غريبة غرابة تلك البلاد يوم ما كانت غريبة! مرة أحضر لنا هدايا من ديزني، وكانت قبعة ميكي ذات اﻵذان الدائرية الصلبة شيء غريب ورائع وجدير بكثير من الاحتفاء والفشخره أمام اﻷطفال اﻵخرين!

محمد – بنظارته الطبية الكبيرة، يحبس نفسه في غرفة بالطابق اﻷول.. يدرس. وكان ينزل بين حين وحين، وفي الليل يجهز له عصيراً ليرجع به إلى غرفته. تطفلت مرة وفتحت غطاء الخلاط قبل أن يتوقف، فطاش منه ما كان من المفترض أن يكون موزاً بالحليب. خافت علي جدتي -رحمها الله- من ردة فعله. أذكر ليلتها مقدار النرفزة التي سببتها له، والغيظ الذي كتمه باجتهاد عجيب!

مغناطيس عطلان

140569571

١

المكان: الطريق الساحلي عائداً من سميسمة متوجهاً إلى الدوحة، فوق الدراجة الهوائية. سيارة تخفف من سرعتها، واضح أن من فيها يتابع حماسي اﻵن، توقف بجانب الطريق أمامي بمسافة، مررت بجانبه مستمراً في طريقي، أعاد الكرة مرة أخرى، في المرة الثالثة خفف من سرعته، فتح نافذته وألقى التحية، أعطيته رقم هاتفي بعد حوار مقتضب طلب خلاله مساعدتي في التعرف على رياضة ركوب الدراجة أكثر ومن أين يحصل على دراجة مناسبة.

وصلت السكن، ووصلتني بعدها بقليل رسالته، يعلن رغبته مجدداً لممارسة ركوب الدراجة. بعد رسائل أقل من أصابع اليدين لاحظت أن اللغة بدأت تصبح غريبة نوعاً ما، إلى أن جاءت كلمة “فديتك”، اكتشفت حينها الرغبة الحقيقية التي تتملكه.. ربما! تم حظر جهة الاتصال.

من المهم أن أنبه هنا إلى أني أتقبل هذه الكلمة بل أقولها، ولكن من ولأصدقائي المقربين جداً، أما أن تأتيني من شخصٍ غريب وبأسلوب غريب، فالأمر فيه نظر، وهذا النظر قد يختفي لو أتى من الجنس الآخر، مهما بلغت درجة غرابتها!

٢

وقفت في إحدى محطات “وقود” ونزلت من السيارة ﻷشتري شيئاً أشربه، في عودتي قال واحد من ثلاثة في سيارة بجانبي: “لو سمحت، لو سمحت، من وين هذا الجوتي؟”، صحيح أن لونه كان فاقعاً، إلا أنه عادي بالنسبة لحذاء جري، رددت: “اشتريته من دبي”. فرد بغنج مقرف: “حلو لونه.. عجبني”. انتظر رداً مني على ابتسامته، المقرفة أيضاً، فكان أن ركبت سيارتي دون رد، وانصرفت.

٣

قبل مدة قصيرة تواصل أحدهم من موقع الكتروني عربي مشهور، يؤسفه أني كنت قبل يومين في بلد أوروبي هو فيه أيضاً ولم نلتقِ، ويقول بأنه يريد أن يقابلني ليجري حواراً مع شخصية مميزة مثلي! فرددت مستغرباً: ولكن ليس بي شيء مميز. علل تميزي بممارستي للرياضة واهتمامي بنشر ثقافة القراءة وغيرها من أمور أكثر من عادية. بلعت مجاملته ولم أهضمها، وطلبت منه أن يرسل أسئلته عبر البريد الالكتروني فأنا لا أدري متى ستكون زيارتي القادمة إلى أوروبا، فقال ما معناه، وبأسلوب أيضاً غريب: سيكون أجمل لو التقينا وجهاً لوجه! انتهت المحادثة هنا.

٤

مواقف كثيرة غيرها، جعلتني أتساءل: لماذا؟! لا عضلات نافرة مثيرة، ولا خشونة رعاة البقر، ولا أشهر ابتسامة على مواقع التواصل الاجتماعي “تخليني؟!”،  ما المغناطيس العجيب هذا الذي يجعل من مصادفتي ﻷمثال هؤلاء أكثر من مجرد مصادفة؟! وقفت مرة أمام المرآة مطوّلاً أفتش في عيني، هل هناك شيء في الداخل يدعو، ربما اكتشف شيئاً صادماً، ولله الحمد لم أجد.

٥

لا أدري لماذا أكتب هذا الآن، ولكن بما أني كتبت، أحب أن أطمئن زوجتي، قالت قبل يومين بأن الجميع قال لها بأني سأتزوج بثانية بعد أن ترجع هي إلى البحرين وأبقى أنا في قطر، فنحن الرجال لا نُترك وحيدين. وعندما سألتها من تحديداً قال ذلك. ردت: الكل!

اطمئني يا عزيزتي، فكما تعلمين جيداً، مغناطيسي للأسف لا يجذب فيما يبدو إلا أمثال أصحاب المواقف التي ذكرت، وإلى أن ينصلح المغناطيس ويعود طبيعياً ليجذب الطرف الموجب -وليتني أعرف كيف أصلحه- إلى ذلك الحين، فإن ما يقال لك بعيد جداً.

٦

لأصدقائي الهيوس، والمحترمين أيضاً، أقول: لا أحد هنا يرحب بالتعليقات الخادشة، خاصةً في هذا الطقس الشاوي، وإن كان ولا بد، وشعرتم بأن أصابعكم لا تستطيع أن تهدأ قبل أن تخدش، فأرجو أن يكون على الخاص..!

ساعة صفاء

image

قد تكون في وضع لا هدوء فيه، ليس بالضرورة أن يكون إزعاجاً.. ثرثرة الزملاء أو أفراد العائلة، اتصالات اﻷصدقاء، رسائل المعارف على الجوال، تنبيهات البرامج، عناوين اﻷخبار التي ترسلها لك القنوات الإخبارية التي تتبعها، وغيرها كثير.

قد تنجح في قطع الاتصال وتهرب بعيداً عن كل ذلك، لتختلي بنفسك، ولكن هذا لا يعني دائماً أنك مكّنت الهدوء من عقلك، فأحياناً صخب اﻷفكار التي تملئ رأسك، أو ضوضاء التوتر بسبب التزاماتك الكثيرة، أو غيرها من أشياء بين أذنيك.. في عقلك، أو خلف صدرك.. في قلبك، لا تستطيع إسكاتها أو تهدئتها بسهولة.

سيصعب عليك، أحياناً على اﻷقل، إلا أنه ولا بد من أن تُخفض كل هذا الصوت الخارجي، وكل هذه الجعجة الداخلية، لتستطيع أن تستمع لصدى ذلك الهمس الذي يتردد في داخلك، عند إصغاؤك له.. يزداد كشفٌ، تتضح معاني، تكتمل صُوَر، تُستثار مشاعر تدفعك وتحفّزك..
إنه يلهمك وينير لك الطريق، في دروب اخترتها أنت، أو دلك هو عليها، الهمس أعني.. في ساعة صفاء نادرة.

هناك من يتصومع طلبا لمثل هذه الساعات، وهناك من ينعزل ليكتب في انتظار إلهام قد ينساب مع الكلمات، وهناك من يحضر له كوبا ساخنا ويستمع للموسيقى، وهناك من يرتدي حذاءا ويجري..

لتحيا حياة ٲكثر اتزانا وراحة، اكتشف طقسك الخاص بك، وحاول أن لا تكون “صفاءاتك” نادرة..!

الطلياني

image

في الحقيقة أعجبتني الرواية، جريئة نعم، ولم أجد في جرأتها غضاضة. أعجبني حماس بداية الرواية وخفوته في المنتصف وتلاشيه إلى حد ما في آخرها، هذا الإيقاع متناسب وحياة بطل الرواية، من الثورية في فتوّة حياته وهو طالب جامعي، وركود عندما اصطدم بالواقع ومن خلال عمله، حيث صار ترساً صغيراً في جهاز إعلامي للدولة، وبداية الوقوف على أطلال حياته بعد تجاربه في آخرها.

وددت لو أن الفصل اﻷخير من الرواية كان منثوراً بين الفصول كلها، لم أهضم ذكرياته كلها في آخر الراوية رغم سلاستها، أعني لم أستسغ تناولها كلها دفعة واحدة. وتمنيت أيضاً أن يطنب الكاتب أكثر في تأثير تغير موقع البطل في الساحة السياسية وتعاطيه مع الشأن العام، إطنابه في تفاصيل مغامراته مع النساء. التغيير من الحالة الثورية والتفاعل المندفع مع قضايا الشأن العام إلى شيء من اللامبالاة كحال كثير من الشباب العربي اليوم، جانب مهم  فوّته الكاتب إلى حد ما.

عن حياة تونسي، يساري في مرحلة الجامعة، صحفي في جريدة تابعة للنظام لاحقاً، مغامراته كثيرة مع النساء!