أحمد كيسنجر !

nawaf1أقف وراء العديد من التحركات الخفية، وأوجه عدد كبير من الشباب، وأخطط لانقلابات ومؤامرات، هذا ما يظنه عدد لا بأس به من الشباب، خاصة طلبة وطالبات الجامعة. فتصلني “سوالف” كثيرة في هذا الصدد، تُضحِك حتى من فقد شهيته للضحك !
حكايات كثيرة، ولكني سأتطرق إلى بعضها..
خلال فترة الانتخابات، كان يتصل بي أحد الأخوة في اليوم أكثر من مرة، ولأني أعلم بأنه يريد أن يكلمني في موضوع الانتخابات، فلم اجاوب اتصالاته المتكررة. فاجأني يوماً بعد اتصال من اتصالاته برسالة قصيرة SMS: (بو سلطان كل الأمور ماشيه تمام التمام.. وقفتك يا الشيخ تاج على راسي ووسام على صدري فديت خشمك)!!! عاد أنا ما عطلت، عشت الدور ورديت عليه: (الله يوفقكم لكل خير) دون أن أعلم والله عن أي وقفة يتكلم !!
سالفة ثانية.. تنقل لي إحدى الأخوات، كلام قاله لها خبير حكيم: (الحربان عارف يلعبها صح، منزل في كل مكان واحد من “صوبه”). فسألته الأخت: (من بالتحديد؟!). فأجاب بخبرة وحكمة وعبقرية، أضف إليها هذ المرة الثقة المطلقة: (إبراهيم النامليتي في الهندسة، وعثمان الخان في الآي تي)!! جميلٌ جداً أن أحصل على هذا اللقب “عارف يلعبها صح” من شاب عادي، فكيف به لو أتاني من خبير حكيم ؟!
قصة أخرى.. اجتمع عددٌ من الخبراء الحكماء –والقصة على ذمة الراوي وهو أحدهم- لمناقشة الأوضاع الانتخابية. وجاء الدور على جمعية كلية الهندسة. أستعرض الخبراء الحكماء أسماء من ينوي ترشيح نفسه لرئاسة الجمعية من أعضاء مجلس الإدارة، للترجيح بينهم والاتفاق على اسمٍ لينال شرف الدعم الخبير الحكيم، وكان من بين المرشحين صديقي إبراهيم النامليتي، قلت صديقي؟! يكفي ذلك سبباً لعدم حصوله على شرف دعمهم، فتم استبعاده، هكذا بكل بساطة !
المضحك في الموضوع أنه لم يكن من بين المجتمعين شخص واحد من كلية الهندسة! ولا واحد! ولا حتى من أولئك الأكثر خبرة وحكمة !
دعوني أخبركم، ولا يهمني والله صَدَّقَ من يُصدِّق، أو لم يصدق من لا يريد أن يُصدِّق. عثمان الخان، بعد أن رشح نفسه أخبرني في حديث عارض أنه تقدم للترشيح، ولم يخبرني قبلها عن نيَّته في ترشيح نفسه أبداً. إبراهيم النامليتي أستشارني في موضوع ترشيح نفسه، فكان رأيي أن لا. ولكن صديقي العزيز النامليتي، له عقل يعقل به، منه وحده –عقله- يصدر قراره الأخير، بعكس ما يراه البعض بعيون طبعهم، وقرر أن يخوض التجربة. مع ذلك قيل أن الحربان وراء ترشح النامليتي، بل الحربان يريد أن يوصله لرئاسة المجلس!! أرجوكم لا تخبروا أخونا الخبير الحكيم ذاك عن هذا الموضوع، حتى لا أنتقل من (لاعبها صح)، إلى (لم يلعبها صح) أو (مو عارف يلعبها) !
تذكرت الآن قصة صديقي الآخر رمزان النعيمي، مخطئ من يظن أن رمزان خسر منصب رئاسة مجلس الطلبة الأخير لسبب طائفي، فقد رشح نفسه لهذا المنصب وخسر أمام زميله، أخي حبيب المرزوق، ولكنه لم يخسر لأن الأعضاء الشيعة أكثر من السنة، كما قد يظن البعض، أبداً، فمحمد الصفار وغيره، صوتوا لرمزان وهم شيعة، ولكن رمزان خسر رئاسة المجلس لسبب وحيد، يعرفه هو قبل غيره، وهو بسبب صحبته لبوش، أقصد نتنياهو، أقصد شارون، أقصد الشيطان الأكبر، أووووه! عفواً عفواً.. أقصد الحربان، وأولمرت، أقصد توني بلير، أقصد موغابي، أقصد الشيطان الرجيم، أووووه! عفواً عفواً.. أقصد الحربان، يجب أن ينال هو وزمرته كل خسارة ممكنة !!
هل هناك فعلاً في أصحابي خلل ما؟! هل يعقل أن يتشارك كلهم في هذا الخلل حتى لا ينالوا شرف ثقة بعضهم الغالية؟! لا شك أن الأمر ليس كذلك، ولكنه المنطق –وأرجو أن يكون هذا هو السبب الوحيد- الذي يقول، لا بد من وجود “فريق آخر” نمايزه عن الآخرين، لخلق منافسة حتى نوصل من نريد، سواءاً أكان هناك في الحقيقة فريق أم لم يكن، فينبغي أن نوجد شماعة “فريق”، ونعلق عليها أسباب رفضنا لمن نريد أن نرفضه، فكانت الشماعة: (الحربان)، ثم تطورت قليلاً: (هذا من جماعة الحربان)، ولأن عدد غير المرغوب فيهم صار أكثر من عدد أصدقاء الحربان، تطورت الشماعة أكثر –من دون مبالغة- لتشمل المزيد: (هذا صديق لجماعة الحربان) !!
المشكلة أن أتباع الحربان بهذه الطريقة فاقوا أتباع ‘أوباما’! وباتت هذه الحجة حجة سخيفة مكشوفة. لذا أنصح بجعل شماعات إضافية، وعدم الاكتفاء بهذا الحربان، حتى تشمل هذه الشماعات كل من هو خارج الرغبة الحكيمة الخبيرة للسادة الحكماء الخبراء. لدي أسماء شماعات مقترحة إن شئتم، فلن أبخل بها.
وهكذا جعل مني القوم كيسنجر صغير، يخطط لكل صغيرة وكبيرة، ولكل أمر تافه -لا أظن أن كيسنجر خطط لأمور تافهة- حتى أصبحتُ السبب وراء كل خسارة، وكل فشل، وكل نجاح لا يعجبهم! من فعل ذلك؟ الحربان. من يقف وراء هذا الانقلاب؟ الحربان. أصحاب من أولئك؟ الحربان. من وزَّع فلوس على المرشحين؟ الحربان. من فعل ومن خرَّب ومن “لخبط”؟ الحربان الحربان الحربان !
هل كتبت لدفع تهمة؟ أو إعلان براءة؟ أبداً. فكل الحقوق، والأخلاق، والمبادئ، والقيم، الثابت عليها، وغير الثابت عليها، تبيح لي، تماماً كما تبيح لغيري، أن أخطط وأوجه و”أتكتك”، ولكني أكتب معذرة لأحبابي، أصدقائي، الذين يحسبهم البعض عن قصد، وعن دون غير قصد –فججوها عاد انتوا!- على الحربان في كل موقف وتصرف يتصرفوه، وكأن أصدقائي لا يملكون عقولاً، أو أنهم كالأغنام يسيرهم الراعي يمنة ويسرة، حسب توجيهات أمير القطيع! حاشاهم.
سُئل أخ ٌ عزيز عن سبب خسارته منصب رئاسة جمعية طلابية، فقال في نهاية المطاف: (كله من الحربان) ! وأنا والله لا أعرف أحداً غيره في إدارة جمعيته، ولا لي أي علاقة بأي أحدٍ منهم. غفر الله له.
شكرتني طالبة في حفل ختام إحدى الفعاليات، فسألتها لاحقاً طالبة أخرى، بشيء من الاستغراب الممزوج باستنكار بريء: (انتي تبع الحربان؟!) !!
فكـرة مقترحـة
ربما الـ Facebook يسهل على الخبراء الحكماء معرفة أتباعي المساكين، ليتم إدراجهم “بحكمة” ضمن قائمتهم السوداء! فبإمكانكم يا خبراء يا حكماء يا محترمين، أن تَطَّلعوا بسهولة على قائمة أصدقائي في الـ Facebook، كما وبإمكانكم إرسال رسائل استفهامية لكل صديق -وصديقة!- في قائمتي: (الحربان ضمن قائمة الفرند لديك!! يا للهول!! هل أنت من جماعة الحربان؟!). وإذا ‘حبيتوا تمصخونها شوي’ أضيفوا: (اتق الله يا أخي واحذفه فوراً من قائمتك!). ولكن أرجوكم ابتعدوا عن صديقتي الطباخة الألمانية Jana، أعني أختي في الإنسانية، وهل تفرق أختي في الإنسانية عن “صديقتي”؟ يعتمد على تعريفنا للصداقة هنا! ليس هذا موضوعنا، المهم، أرجو أن تبتعدوا عنها، فهي لا تريد أن تستمع لتخلفكم الأشد تخلفاً من جدار برلين، والذي سيتداعى كما تداعى هذا الأخير.
قبل أربعة أعوام، التقيت بالدكتور فريد هادي، قبل أن يصبح رئيساً لقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في كلية الآداب، في لقاء ودي صريح، أخبرته عن رغبتي في الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يجعلني تابعاً لجماعة معينة دون سواها في نظر الناس. فقال لي: (إنك لن تسلم من ذلك أبداً، فإن أنشأت جهةً مستقلة في المستقبل، سيحسبكم الناس على هذه الجهة أيضاً!). وصدق الدكتور فريد، فمسألة أن يحسبني من يحسبني على هذه الجماعة أو تلك، أصبح أمراً اعتيادياً متوقعاً، ولا يثير تحفظي لكثرة تكراره، ولكن ما لم أتوقعه يوماً، أن أكون أنا جهة مستقلة بذاتها، يُحسب أصدقائي، وغير أصدقائي عليها !
ختاماً.. نصيحة، يسعدني كثيراً أن تتقبلوها مني ولو على مضض، وإذا استعصى عليكم ذلك، تخيلوا أنها جاءت من غيري وتقبلوها! كُفُوا أرجوكم عن هذه السخافة، ولا “تخلوني آصدق روحي” بأني إلى هذه الدرجة من الأهمية والتأثير، ترى مشكلة إذا صدقت روحي! وتراها والله “مو حلوة” بحقكم، فلست الوحيد من يضحك على هذه التصرفات.
هداني الله وإياكم.. ووفقنا لكل خيـر..

رسالة إلى القمر

njmt Qatar
أم عبدالرحمن..
أستـاذة فاضلـة من قطر..
تعرفت عليها منذ ما يزيد على أربع سنوات..
كما تعرّفت عائلتي على عائلتها..
ولها فضل كبير علي..
لها أهدي هذه الأبيات..
(( رسـالة إلى القمـر ))
 
 750ima
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كَم في جمالِكَ تَغَنَّوا يا قَمَر..
ومشاعرُ العشاقِ إليك قاصدة
 
أجملُ مَن في السماءِ استَقَر..
وصفوك منذ العصور البائدة
 
صاغَ الأدباءُ فيكَ شعراً ونثر..
أعلنُ أنا اليوم كسر القاعدة
 
سماؤنا ملأى نجوماً كالدرر..
بُعدُها أخفى روعتها السائدَة
 
لو دنت لاستحقَّت وَصفَ البدر..
وسلعةُ القمرِ لغدَت كاسدة
 
هكذا حال من تَخَفَّت في قطر..
نجمةٌ في سماءِ القلبِ رائدة
 
صدفةٌ حلوة جمعنا بها القدر..
وغَدَت قلوبُنا ذاهبةً وعائدة
 
من متمردٍ عليك أسمع يا قمر..
كلمةً تقرِّبُ لكَ المعنى والفائدة
 
إذا كان الصحنُ كبيراً وأَبهَر..
لا يعني أنه ألذُّ ما في المائدة !
 
 
لم أعرض هذه الأبيات على أصحابي الشعراء لتعديل ما فيه من “تكسّر” إن وجد، – وهذا ظني في ما كتبت- فإني أرى كما “الثوب حلاته رقعته منه وفيه”.. كذلك هذه الأبيات “حلاة الأبيات رقعتها منها وفيها” !

ملائكـة وشياطيـن

1ارتمت رواية شيفرة دافنتشي (The Davinci Code) في الغرفة مدة طويلة، وفوقها عدد لا بأس به من الكتب التي تنتظر أن ينتشلها صاحبها –أنا- وأن يعيد إحياؤها من خلال قراءته لها. سبب واحد دعاني لشراء هذه الرواية، شهرتها والضجة التي أثارتها. وسبب آخر شجعني لذلك، التخفيض –الوهمي- الذي وضعته المكتبة لعدد من الكتب، عند زيارتي لها في ذلك اليوم، ومن بينها هذه الرواية، وعلى الرغم من “وهمية” التخفيض إلا أنه دفعني للشراء، فن التسويق! وكانت أضخم رواية أقتنيها حتى ذلك الوقت، فعهدي بقراءة الروايات جد حديث –قرأت أول رواية في 2007، “الجنية” لغازي القصيبي-.
من عادتي أن أصطحب معي كتاباً أو أكثر في السفر، ووقع الاختيار على هذه الرواية مع كتاب آخر، ولأني نسيت هذا الأخير في الطائرة هناك، أصبحت قراءة الرواية قريبة جداً بعد طول انتظار، فقرأت نصفها تقريباً على ضفاف النيل، وأكملتها بعد العودة إلى الوطن. سؤال، إذا كان سفري قليلاً، هل من حقي أن أسمي اصطحابي لكتابٍ معي عادة ؟!
شيفرة دافنتشي.. آسرة بكل معني الكلمة. أظن بأني سأظل حتى اليوم جاهل لتلك الملعومات الكثيرة التي تضمنتها لولا قراءتها. ورغبت كثيراً بعدها في مشاهدة الفيلم الذي صور الرواية، وبعد مشاهدتي إياه أصبت بإحباط، فالرواية في جمالها ودقة تصوريها للأحداث فاقت الفيلم بمراحل كثيرة !isbn99
لذا لم أتردد في شراء رواية ثانية لدان برون “ملائكة وشياطين“، رغم أنها أكبر من الأولى بسبعين صفحة (570 صفحة)، خاصة وأن بطلها نفس بطل الرواية الأولى، بروفيسور من جامعة هارفرد متخصص في الرموز الدينية وتحليلها، السيد روبرت لانغدون.
انتهيت قبل يومين من قراءة الرواية، وهي أيضاً رائعة للغاية، بل ربما أكثر من الأولى بقليل. باختصار تتكلم عن الصراع بين باباوات النصارى والعلماء، أو بين الدين النصراني والعلم. يكشف الكاتب في روايته تاريخ هذا الصراع بتفاصيل عجيبة، ويطرح آراء متباينة في هذه القضية من خلال الحوار الدائر بين شخصياتها، كما ويبين خطأ تفسير الدين –دينهم هم- الذي أدى إلى تطرف العلماء وسعيهم لتقويض دور الكنيسة كردة فعل لموقف الكنيسة من العلم والعلماء وآرائهم.angels
إعداداً لكتابة هذا المقال، بحثت في الانترنت عن “الطبقة المستنيرة”، الطبقة المتخلخلة في الماسونية والتي تحارب الكنيسة كما جاء في الرواية، فوقعت على مقال في إحدى مدونات مكتوب يتناول قصة الرواية باختصار، لذا لن أعيد الجهد، وأترككم مع الرابط أدناه لمن أراد معرفة المزيد عن الرواية.
الخبر الجديد هو أن “توم هانكس” بطل فيلم The Davinci Code يصور حالياً فيلم “ملائكة وشياطين” ومن المؤكد أنه سيثير ضجة كسابقه. ومن المؤكد كذلك أنه لن يغني أولئك القراء الذين يحبون عيش تفاصيل القصة من قراءة الرواية.
وهذا موقع الكاتب دان براون > هنــا <
الجميل في الموقع أنه يحتوي على صور الأماكن التي دارت فيها أحداث القصة، وقراء الروايات وحدهم يعلمون الشغف لرؤية مكان أحداث رواية عاشوا تفاصيلها وأسرتهم أحداثها.
وكما قررت من قبل أن أشتري كل روايات صاحب أول رواية قرأتها، القصيبي، وتقريباً فعلت، وتقريباً كلها قرأت، كذلك سيكون الحال مع دان برون !
للذين يقرأون.. إذا ما نويتم قراءة الرواية، فلا تقرأوا ملخص القصة في الرابط الذي وضعته لكم أعلاه، وإلا ستفقدون معظم الإثارة التي فيها، هذا إذا لم تفقدوها كلها !
مع تمنياتي لكم بأوقات ممتعة مع “ملائكة وشياطين“..
 

الشركات والعالم المسطّح

كيف تستطيع الشركات تدبر أمورها
في هذا الفصل يضع الكاتب سبع قواعد، على الشركات أن تضعها في الحسبان لتتمكن من تدبر أمورها في العالم المسطح، واعتمد على تدليل كل قاعدة بقصة من قصص النجاح التي نقلها من أصحابها، لن أتطرق لها كلها، ولكني سأركز على قصة ARAMEX ..
 
القاعدة الأولى: عندما يتسطح العالم – وتشعر بالتسطّح – تعرّف جيداً إلى نفسك ولا تحاول بناء الجدران.
 
القاعدة الثانية: على الصغير أن يتصرف كالكبير… من طرق ازدهار الشركات الصغيرة في العالم المسطح تعلم كيفية التصرف كالكبار. ومفتاح تصرف الصغار كالكبار سرعة الاستفادة من كل أدوات التعاون الجديدة للوصول إلى مسافة أبعد بسرعة أكبر وعلى نطاق أوسع وأعمق.fadiga
وفي هذه القاعدة تناول الكاتب قصة فادي غندور، مؤسس وصاحب شركة ARAMEX. كثيرٌ منا يعتقد أن هذه الشركة أميركية أو أجنبية على الأقل، وأنا واحد ممن اعتقدوا ذلك، واكتشفت لاحقاً أنها شركة عربية، حينما وقع الاختيار على فادي غندور ليكون المتحدث الرئيسي لملتقى إدارة الأعمال الأول في جامعة البحرين (مايوم 2006). ARAMEX كما أشار الكاتب أول شركة عربية تدرج في ناسداك، بل الشركة العربية الوحيدة التي أدرجت فيها !
اتفق غندور مع شركة إيربورن إكسبرس الأميركية، على توصيل طرودهم في الشرق الأوسط، بدلاً من تسليمها لمنافسين عالميين مثل DHL، واستفادت ARAMEX من نظام إيربورن المحوسب للتتبّع والتعقب، بل اعتمدت عليه وأصبحت تتتبع طرودها باستخدام الغرفة الخلفية في إيربورن. إلى أن أتقن موظفو ARAMEX النظام واستخدمتهم إيربورن في تركيبه في كل أنحاء العالم، واشترت الأخيرة 9% من ARAMEX لتوثيق عرى العلاقة. ارتفع عدد الموظفين في ARAMEX إلى 2300 موظف بدون أي عقود حكومية كبيرة !
اشترى غندور وشركة من دبي في أوائل 2001 الشركة من المساهمين، وذلك بعد الضربة التي تعرضت لها ناسداك بسبب إنهيار فورة الانترنت.
في 2003 اشترت DHL شركة ايربورن! وأعلنت أيربورن في يناير 2004 أن نظامها للتتبع والتعقب –الذي تعتمد عليه ARAMEX– لم يعد متاحاً لشركائها في التحالف سابقاً. بعدها سعى غندور لإيجاد تحالف آخر، واجتمع مع كل الشركاء الرئيسيين في المجموعة، وعملت ARAMEX على تطوير برمجية في الأردن للحلول محل نظام إيربورن. “أبلغهم فادي أن الفأر سيحل محل الفيل”. يقصد بأن ARAMEX ستأخذ محل ايربورن.
يقول فادي: “إننا نقوم الآن بإدارة هذه الشبكة العالمية المكوّنة من أربعين شريكاً متحالفاً، ونغطي كل المناطق الجغرافية في العالم. لقد وفرنا الكثير من المال… فكل ما تحتاج إليه في نظامنا القائم على الوب هو برنامج تصفح وكلمة مرور للدخول إلى شبكة آرامكس، وفجأة تجد أنك ولجت إلى نظام عالمي للشحن”.
ويقول أيضاً: “إننا مؤسسة مسطحة جداً … ليس هناك أكثر من طبقتين إلى ثلاث طبقات بيني وبين أي موظف في الشركة. ولكل موظف في حقل المعرفة في الشركة حاسوب متصل بالانترنت وبريد الكتروني. ومن حاسوبك هنا يمكنني النفاذ إلى شبكتنا الداخلية وأعرف ما الذي يحدث بالضبط في المؤسسة بدون أن يقدم إلي الموظفون الكبار التقارير”.
“باختصار، استفاد فادي غندور من عدة أشكال جديدة من أشكال التعاون –سلاسل التوريد والتلزيد إلى الخارج والتلزيم في الداخل- لجعل شركته الصغيرة التي يبلغ حجم أعمالها 200 مليون دولار في السنة شركة كبيرة جداً. أو كما عبّر عن ذلك باسماً: (كنت كبيراً محلياً وصغيراً على الصعيد الدولي، وعكست ذلك)”.
 
القاعدة الثالثة: وعلى الكبار التصرف كالصغار… فمن الطرق التي يتعرف فيها الكبار الازدهار في العالم المسطح تعلم كيفية التصرف حقاً كالصغار عن طريق تمكين عملائهم من التصرف كالكبار.
كابلان، الرئيس التنفيذي لشركة E*TRADE: “انقلبت الأمور من تحكم الشركات بسلوك المستهلكين إلى تحكم المستهلكين بسلوك الشركات. تغيرت قواعد الاشتباك، وإذا لم تستجب لذلك وتقدم للعملاء ما يريدون، سيقوم بذلك أحدهم وسيقضى عليك”.
“تعامل فادي غندور مع التقارب الثلاثي بأخذ شركة صغيرة ووضع استراتيجية لكي تتصرف كشركة كبيرة جداً، وحافظ متشل كابلان على بقاءه بأخذ شركة كبيرة وجعلها تتصرف كشركة صغيرة جداً بحيث يتمكن العملاء من التصرف كالكبار”.
 
القاعدة الرابعة: أفضل الشركات هي أفضل المتعاونين. فستزداد في العالم المسطح الأعمال التي تنجز عن طريق التعاون داخل الشركات وفيما بينها، لسبب بسيط جداً: ستصبح الطبقات التالية لإنشاء القيمة – سواء في التكنولوجيا أم التسويق أم الطب الحيوي أم الصناعة – معقدة جداً بحيث لن تتمكن شركة أو دائرة واحدة من إتقانها بمفردها.
فيفيك بول، رئيس ويبرو: “في الأيام الخوالي، ربما كنت تحدث نفسك عندما تنشئ شركة، (آمل أن نصبح شركة متعددة الجنسيات خلال عشرين عاماً). واليوم تحدث نفسك بأنك ستصبح متعدد الجنسيات في اليوم الثاني. اليوم تنشأ شركات من ثلاثين موظفاً، عشرين منهم في سيليكون فالي، وعشرة في الهند… وإذا كنت شركة متعددة المنتجات، فقد تكون لديك بعض العلاقات الصناعية في ماليزيا والصين، وبعض التصميم في تايوان، وبعض العملاء للدعم في الهند والفلبين، وربما بعض الهندسة في روسيا والولايات المتحدة”.
 
القاعدة الخامسة: تحافظ أفضل الشركات على عافيتها بفحص نفسها بالأشعة ثم بيع النتائج إلى العملاء.
“أفضل الشركات اليوم تفحص نفسها بالأشعة بانتظام، لتحديد مجالاتها المناسبة وتقويتها وتلزيم الأشياء غير المميزة –أي تلك التي يمكن أن يقوم بها الآخرون وبتكلفة أقل، وربما جودة أعلى-“.
 
القاعدة السادسة: أفضل الشركات تلزم أعمالها إلى الخارج لتكسب، لا لتتقلّص. وهي تلزّم الأعمال لكي تبتكر بسرعة أكبر وبأقل تكلفة وتنمو أكثر، وتكسب حصة في السوق، وتستخدم مزيداً من الاختصاصات المختلفة – لا لتوفير المال بصرف العاملين.
يقول الكاتب: “لاشك في أن هناك شركات تقوم بتلزيم أعمال جيدة ومستعدة للقيام بذلك لتوفير المال وتوزيعه على مساهميها وإدارتها. والاعتقاد بأن ذلك لا يحدث أو لن يحدث هو اعتقاد ساذج. لكن الشركات التي تستخدم تلزيم الأعمال إلى الخارج كأداة لخفض التكاليف بالدرجة الأولى، وليس لتعزيز الإبداع وتسريع النمو، هي الأقلية لا الأكثرية -هذا زعم الكاتب، ولم يدعمه بأدلة!- ولن أتطلع إلى امتلاك أسهم في أي منها –أقول لا يتحلى الجميع بهذه المثاليات، وسيتطلع غيرك!-. إن أفضل الشركات هي التي تبحث عن طريق لاستغلال أفضل ما في الهند وأفضل ما في نورث داكوتا مع أفضل ما في لوس أنجلس … والشركات التي تقوم بتلزيم الأعمال ينتهي بها الأمر إلى الحصول على حصّة أكبر في السوق وزيادة عدد موظفيها في كل مكان لا تقليلهم”.
نلاحظ أن الكاتب يقول بأن استغلال أفضل ما في الهند وما في مناطق أخرى في العالم هو معيار الأفضلية في الشركات. ولكن في اعتقادي أن الواقع يقول بأن الأفضلية للشركات التي تحقق نسبة أكبر من الأرباح لترضي الإدارة والمساهمين، وبالتالي فهي تبحث عن طريق لاستغلال أرخص ما في الهند، وأرخص ما في الصين، وأرخص.. وأرخص..
 
القاعدة السابعة: التلزيم ليس لبنديكت أرنولدز فحسب، إنه للمثاليين أيضاً.jeremy
يروي الكاتب هنا قصة شاب اسمه هونكستاين تخرج من هارفرد، وعمل في شركة ماكنزي الاستشارية، وفي رحلة مع أصدقاءه إلى كمبوديا، رأى قلة فرص العمل مع انتشار التعليم الانكليزي ومقاهي الانترنت. ومن منطلق اجتماعي قام هذا الشاب بعد توفير قرض صغير ومنحة مساوية له، بتأسيس شركة لإدخال البيانات لا تتوخى الربح، تتولى إدخال البيانت لشركات أميركية -طباعة ملفات قديمة جداً ترسل بواسطة الانترنت على شكل صورة أو PDF إلى صيغة رقمية كالـ Word تمكن الشركات في أميركا من حفظها وسهولة البحث فيها-.
يقول هنكوستاين: “كان هدفنا كسر الحلقة المفرغة هناك حيث يضطر الصغار إلى التسرب من المدرسة لإعالة أسرهم. وقد حاولنا ريادة التلزيم المسؤول من الناحية الاجتماعية. ولم تكن الشركات الأميركية التي تعمل معنا توفّر فقط المال الذي يمكنها اسثماره في مكان آخر، بل كانت تساهم فعلياً من توفير حياة أفضل لبعض المواطنين الفقراء في العالم”.
 

أريد كلمات !

من المهم جداً قراءة ( مع عون ! ) قبل قراءة هذا المقال
أمعن الشيخ نظره في صفحاته الالكترونية البيضاء، تجعدت جبهته، وكأنه يعتصرها لتسيل منها الأفكار، وبعد يأسٍ، صرخ :
         عون.. عون.. أين أنت يا عون ؟ عووون !
     انقطعت أشعة الشمس، فحل في الغرفة ظلامٌ خفيف، دخل رجل من النافذة مسرعاً، وكأنه ضابط صفٍ، جاء ليؤدي تحية عسكرية أمام قائده مع إشراقة شمس يوم عمل جديد، امتثل عون أمام شيخه، وبعد أن عادت أشعة الشمس لتغمر الغرفة من جديد، قال :
         نعم شيخي.. نعم.. أعذرني، كنت أشرب كوباً من شاي الحليب مع أم أحمد !
         عون أنقذني.. أسعفني.. ألهمني..
         ما بك ؟! أرعبتني.. خرعتني.. “صروعتني” !
         أريد أن أكتب أي شيء.. أي شيء يرسم ابتسامة على ثغر سيدتك الجميل.
         ما هذه الرغبة العجيبة ؟!
         عون.. لقد كنت سبباً في كسر خاطرها، وأود إجباره بكلمات.. أي كلمات.
جلس عون على الكرسي المقابل للمكتب، وكعادة عينيه حينما يمزح مع شيخه، لمحت ببريق خبيث ممزوج بدعابة شقية، علامة المزاح الذي لا يكون إلا بين الكبار، وقال :
         وهل أنا من يعلمك ما هي الكلمات التي تُجبر خاطر الفتاة إذا انكسر ؟!
ثَبَتَ وجه الشيخ، ونزلت عيناه لتنظر إلى سطح المكتب، وكأنها رجلاً ينكّسُ رأسهُ معترفاً بذنبٍ عظيم. صمت قليلاً.. ورفع عينيه لينظر في عين عون مباشرة، فرأى ذلك البؤبؤ المتسع، وكأنه يقول: (أعرفك تماماً يا هذا).. أضاف الشيخ :
         ولكن يا عون إني.. إني..
عون الذي لا يقوى أن يرى شيخه حزيناً، تَدَخَّلَ قبل أن ينطلق شيخه في خطبة جديدة يلوم فيها نفسه :
         إنك بركان نشط لا يهدأ من العواطف.. إنك كتلة ملتهبة من الأحاسيس.. إنك ملحمة مشاعر مستمرة.. لا تهدأ ولا تستكين.. أعلم يا شيخي أعلم.. ولكن يجب أن تعلم..
         عون.. أعلم ما يجب أن أعلمه.
         إذاً لنفكر في الأمر الذي طلبتني من أجله.
         ما هو ؟! تخيل لقد نسيت.. نسيت !
         شيخي يريد أن يكتب كلمات ترسم البسمة على ثغر سيدتي الجميل.
بانفعال شديد، صرخ الشيخ:
         عون.. لا عليك من ثغر سيدتك.
         رجعنا مرة ثانية للحساسية المفرطة ؟!
         عون.. لا أسمح لك باستغلال نقاط ضعفي، لا تصف سيدتك أمامي مرة ثانية، مفهوم ؟
         أنت من قلت (أريد أن أكتب أي شيء.. أي شيء يرسم ابتسامة على ثغر سيدتك الجميل).
         لا عليك بما قلته أنا، والآن ساعدني في اختراع كلمات مناسبة.
         آسف شيخي على إزعاجك.
         لا تتأسف، ولتكن آخر مرة، آخر مرة، واضح ؟
         حاضر شيخي.
         دعنا نفكر في كلمات مناسبة الآن. لحظة، قبل ذلك، ألا ترى أنك “مصختها” بشيخي هذه ؟
         ها ها ها، اتفقنا مسبقاً على أن أخدمك ما استطعت إلى ذلك سبيلا، بشرط أن أناديك بالاسم الذي أريد.
         ولم تجد اسماً أفضل من “شيخي” ؟ كلمة أكثر شبابية على الأقل ؟
         في وجهة نظري أن كلمة شيخ، من شاخَ يشيخُ شيخاً، هي أنسب كلمة لك. فأنت شائخ ومشيوخ وشيوخي! وكما تعلم أني عندما أناديك بشيخ، أو شيخي، لا علاقة لذلك بتاتاً بالمشيخة الدينية، ولا المشيخة الخليفية! تستطيع أن تقول أنها مشيخة احترامية تقديرية لا غير.
         من الأفضل أن نرجع لموضوعنا ونفكر في كلمات مناسبة.
         امممم… صولاجيعان خابئيسان بقشك بقشك.
         ما هذا يا عون ؟!
         أرى أنها كلمات مناسبة.
         عون.. أين عقلك اليوم؟! سأكتب لسيدة بنات آدم.. لا لسيدة بنات الجان !
         آه صحيح، عفواً عفواً شيخي، أعذرني.. لقد شغلني ذكرُ…
         ذِكرُ ماذا ؟!
         دعنا من الذي شغلني ذكرُه. وأضاف في نفسه (ستقتلني إن قلت لك!).
         طيب.. ما معنى الكلمات التي قلتها ؟
         صولاجيعان خابئيسان بقشك بقشك ؟
         نعم.
         أخشى أن أترجمها، فتنقلب بلغة بني الإنسان سحراً أسوداً يصعب عَلَيَّ إبطالُه لاحقاً، فأحمل فوق أوزاري أوزارا !
         لا لا.. لا تترجمها إذاً، يكفيني مفعول سحر سيدتك، الحمد لله الذي منحني شيئاً من عقل ويقين لأقوى على التعايش معه! أخاف أن تضيف فوق سحرها سحراً فأنقلب قطاً !
ملأ عون أجواء الغرفة بضحكاته العالية، وشاركه الشيخ الضحك. قال عون :
         بالمناسبة، أود أن أخبرك بقصة حصلت لي منذ فترة بسيطة.
         تفضل..
         اتصل بي شخص وحدثني بلغتكم الأخرى، أقصد الانجليزية، فتعلمت الانجليزية في ثوانٍ قبل أن أسأله: (من معي؟). فقال: (سيرغي برين). سألته: (ومن يكون حضرة السيد سيرغي برين). قال: (الذي أسس مع صاحبه لاري بيج أشهر شركة في العالم). قلت: (تشرفنا.. وما هي أشهر شركة في عالمكم؟). قال: (غوغل). قلت: (وفي أي مجال تعمل شركتكم). قال: (إنها صاحبة أكبر محرك بحث..). قاطعته:(أهاااا.. تذكرت، تقصد الشركة التي جعلت من الكسالى مثقفين، يعرفون كل شيء، بمجرد ضغطة زر؟!). قال: (تماماً). قلت: (أود أن أخبرك بأنك لو كنت في عالمنا لكنت من أكبر الفاشلين، فلا حاجة لنا بمحركات بحثكم، عقولنا تغنينا..). قاطعني وكأنه أراد أن يرد مقاطعتي السابقة!: (سيد عون، أتصلت بك لأعرض عليك عرضاً). ولأنني كنت مشغولاً كما تعلم يا شيخ، حاولت أن أنهي المكالمة بسرعة، فتوقفت عن استفزازاتي المعهودة وسألته: (ما هو العرض؟). قال: (نحن نقدم خدمة ترجمة الكلمات والنصوص مجاناً على شبكة الانترنت، من أي لغة، وإلى أي لغة، ولدينا رغبة عارمة لإضافة لغة بني الجان ضمن اللغات المدرجة في خدمتنا، إذا أعنتنا على ذلك ستحصل على 500 مليون دولار). ضحكت وقلت: (الدولار لا يساوي شيئاً يا لصوص، إنه مجرد ورقة. لا توجد أوزان من ذهب تعادل الدولار المعروض في السوق، قلبتم اقتصاد الكرة الأرضية إلى كازينو يا مجرمين!). أشعر بأنه مَلَّ من “تفلسفي” الزايد وقال: (عون، أرجو أن يظل الاحترام متبادل. حسناً، سنعطيك 500 مليون من أي عملة تختارها، اليورو، الين، البوند، أي شيء).
قاطع الشيخ عون، وسأله :
         ماذا حصل في النهاية، قل لي أنك قبلت العرض..
         بالطبع رفضت.
         رفضت ؟!!
         شيخي الفاضل، قلت لك بأن كلماتنا أخشى أن تتحول سحراً أسوداً إذا ترجمتها إلى لغتكم.
         يا مغفل 500 مليون! 500 مليون!
         شيخي الكريم، هناك من هو مستعد أن يدفع نفس المبلغ لفك سحرٍ أبتلي به، أتريد أن أغمر الكرة الأرضية سحراً بموافقتي على هذا العرض؟! أتريد أن يتعلم الجميع السحر بضغطة زر كما يتعلمون صناعة القنبلة بضغطة زر؟!
         لا لا.. أشكر رفضك لهذا العرض المغري، وأقدر تضحيتك في سبيل المحافظة على كوكبنا الذي يحتضر.. دعنا من هذا الموضوع.. ولنرجع لموضوعنا..
         ما هو موضوعنا ؟
         نسيت؟! أريد كلمات مناسبة أكتبها لسيدتك..
         عندي فكرة، أتذكُر جيداً الكلمات التي قلتها لك منذ قليل ؟
         صولاجيعان خابئيسان بقشك بقشك ؟
         نعم، أجدها كلمات مناسبة كما قلت لك، أكتبها لها.
         ولكن سيدتك لن تفهمها !
         ربما يتبرع جنيٌ آخر يوماً ما، وتقدم غوغل خدمة ترجمة لغة الجان، فلتترجمها حينها..
         ولكن..
         لا تخشَ، هذه الكلمات لن تتحول إلى سحراً أسوداً إذا ترجمتها هي.
         قد تتحول إلى سحر إذا ترجمتها أنت لي، ومن المؤكد أن لا تتحول إلى سحر إذا ترجمتها هي! لماذا هذا التمييز العنصري في لغتكم؟! يا لكم من غرباء !
         تمييزكم أكثر غرابةً وسخرية.
         كيف ؟!
         سمعتُ ذات يومٍ، وأنا أطوف في إحدى أزقة المحرق وأنشد أنشودة (ولهان يا محرق.. وآطوف في السكة.. محدن عرفني فيج يا محرق شدعوه) !..
         لحظة، لحظة، أولاً أنت جني، من تريد أن يعرفك في شوارع المحرق ؟!
         ثانياً ؟
         ثانياً، هذه أغنية قديمة وليست أنشودة.
         أولاً، لم أقل (محدن عرفني فيج “من الإنس” يا محرق شدعوه)، يا أخي محدن عرفني من الجن حتى!. وثانياً، يصعب علي التفريق اليوم بين أغانيكم وأنادشيكم، وطرب كوم ونشيد كوم.
         طيب.. طيب.. أكمل..
         المهم، وصلت إلى ما يمسى بـ (فريج كريمي) وسمعت عن طبقٍ يحضّره العجائز هناك، شيئاً منه للنساء فقط، محرمٌ على الرجال، تخيل محرم! وشيئاً منه للرجال فقط، محرمٌ على النساء، تخيل محرم! يسمونها “دارمونّده” !
         ها ها ها.. هذه عادات جاهلية، بعض النساء العجائز من “الهولة” و”العجم” لا زلن يتمسكن بها.
         ولكنه نوع من أنواع التمييز يا شيخ !
         طيب.. طيب.. اطرح موضوع التمييز جانباً الآن. دعني أسألك، إذا ما ترجمت سيدتك هذه الكلمات فلن يصيبها ضرر، لا من سحر أسود، ولا أزرق، ولا أقحواني، ولا غيره؟ أمتأكدٌ أنت ؟
         نعم متأكد، لن يضرها بإذن الله.
         وهل متأكد من أنها كلمات مناسبة ؟
         متأكد.
         وإذا سعيت أنا لمعرفة ترجمتها ؟
         لا أنصحك شيخي، أرجوك لا تفعل.
         ما الذي سيحدث إن فعلت ؟
         ستنقلب فأراً قبيحاً !
امتلأ وجه الشيخ حيرةً وغضباً وقال صارخاً :
         أغرب عن وجهي يا عون.
         ها ها ها، قبل أن أذهب، أود أن أخبرك بأني سعيد جداً اليوم، لأنك أنت سعيد، لا حرمني الله سعادة سعادتك يا سعادة الشيخ.
ابتسم الشيخ، وقال :
         شكراً صديقي العزيز.. أتركني لوحدي الآن.
خرج عون من الباب مسروراً.. وفتح الشيخ كتاباً يقرأ فيه..
 

مع عون !

على “يمين” المدونة تصنيفات عدة..
وضعها الكاتب[1] ليدرج تحتها مقالاته المتواضعة الصياغة والمضمون.
(( مع عون ! ))
تصنيف جديد..
يسعى الكاتب من خلاله أن يحافظ على بقعة “الخيـال” في دماغه حيةً طرية..
بعد أن طاف العقدين والنصف من عمره..
في محاولة منه لتدريب “خيـالـه” قبل أن يوهن ويضعف..
وفي محاولة منه لدهن “خيـالـه” قبل أن يصدأ و”يجيّم”[2]..
 
لذا كل ما تقرأونه في (( مع عون ! )) يتعلق بالخيـال
ولا علاقـة له  >> لا من قريب ولا بعيد < < بيوميات الكاتب.. ربما !
 
قد يتطرق الكاتب لشيء من حادثة هنا.. أو قضية هناك..
ولكن فيما يتعلق بحياته الشخصية فإنها بعيدة عن ما سيُكتب في هذا القسم..
فأنصح المتابعين.. عدم إجهاد الأذهان في محاولات الربط !
وتذكروا: إن بعض الظن إثم !
 
عـــون
عرّفتـه في مقال سابق :
شخصية جني.. اختراع من اختراعاتي الفاضية !
ظهر في قصص قصيرة كثيرة.. مكتوبة وغير مكتوبة.. وأغلبها ممنوع من النشر..
سأنشر هنا ما يسمح لي الرقيب الذاتي بنشره ! ربما أكتب شيئاً عن سيرته الذاتية لاحقاً !
وأكتفي بهذا التعريف حتى الآن على الأقل
 
أخيـراً
نصيحـة ثانيـة..
على من لا يحب أن يقرأ سوى المقالات الجادة أن يبتعد عن هذا القسم
 
وشكــراً
 
 


[1] لا أعني بكلمة “الكاتب” كاتب ! ولكني أقصد كاتب مقالات هذه المدونة فقط. فلم نصل إلى المرحلة الكتابية حتى نتشرف بلقب “كاتب” !
[2]يجيّم: كلمة عامية تعني عدم استطاعة تحريك الآلة بعد أن كانت سهلة الحركة، بسبب قلة الاستعمال أو قلة الزيت، تروس الدراجة الهوائية إذا توقفت عن السير مثال جيد.

معكم يا “التغيير الطلابية”.. ويا حمزة

قرأت في جريدة الأمس خبر إنسحاب مرشح قائمة “التغيير الطلابية” من انتخابات كلية التعليم التطبيقي، وذكرت القائمة سبب ذلك في بيان أصدرته، وهو أن إدارة الجامعة قد فتحت باب الترشيح مرة أخرى بعد أن انتهاء المدة، معللة ذلك، على لسان عميد شئون الطلبة -كما جاء في البيان-، أن السبب وراء إعادة فتح باب الترشيح هو قلة عدد المترشحين !
وترد القائمة على السبب الذي ذكره العميد، بأنه “سبب غير مقبول لا يحترم عقول الطلبة ولا الرأي العام لأن هناك مرشحين اثنين تقدموا لانتخابات كلية التعليم التطبيقي خلال المدة التي قررتها إدارة الجامعة سابقاً .. كما حُسِمَت كل من كليتي التربية والآداب انتخاباتهما الأخيرة بالتزكية”.
إذا صح ما جاء في البيان، وأغلب الظن أنه صحيح، فلم أعهد من الأخوة في “التغيير الطلابية” سوى الصدق والوضوح، فإني أوافق القائمة فيما ذهبت إليه من سحب مرشحها احتجاجاً على هذا التصرف، لأنه بالفعل خطأ فادح، لا داعي ولا مبرر له أبداً. وأتمنى وأرجو من إدارة الجامعة إعادة النظر في الأمر، واعتماد المترشحين الاثنين السابقين فقط. طبعاً، وللأسف، أستبعد تراجع الجامعة عن قرارها الأخير.
وأوافق الأخوة في دعوتهم الجامعة “إلى إعادة النظر في لائحة تنظيم الجمعيات العلمية والأندية الطلابية بما يضمن فعالياتها بعيداً عن التأثيرات الطائفية والفئوية”.
كما أتفق تماماً مع الأخوة، في توصيفهم للواقع التي تعيشه الجمعيات الطلابية بالواقع غير الصحي، إلا أنني أختلف، هنا فقط، في المثال المضروب على ذلك، فالأخوة يرون أن حذف عدد من عضويات الطلبة –في إشارة إلى جمعية تقنية المعلومات- حادثة مَرَضية. وقد زاد اللغط حول هذا الموضوع في الانتخابات الأخيرة، وأُتهم الأخ العزيز حمزة طالب، رئيس الجمعية الأخير بما أتهم به. وهذا هو الموضوع الثاني الذي أود التطرق إليه هنا..
لماذا أُعتُبِرَ حذف العضويات –يقول البعض أنها أكثر من 200 عضوية- حادثة مَرَضية، بينما لم يعتبر تسجيل كل هذه العضويات، وكلها لطلبة من طائفة واحدة، وبتوجيه واضح، حادثة مرضية؟! بل إنها الحادثة السرطانية فضلاً عن كونها مَرَضية.
لا نرى نشاطاً ولا تحركاً طول السنة، ثم يأتون “لغزو” الجمعية، فقط لقلب إدارتها من “سنية” إلى “شيعية”!! أين أنتم طول العام الدراسي؟! لماذا لم تتعاونوا مع الجمعية لتنظيم فعاليات تخدم الطلبة؟! بل لماذا لم يرَ الطلبة وجوهكم ضمن الحضور،حضور على الأقل، في الفعاليات التي تنظمها الجمعية؟! بدلاً من هذا التحرك البغيض، والذي لا يخدم العمل الطلابي بأي حال.
ثم من قال أن العضويات تم قبولها ومن ثم أُسقطت؟! إنها لم تُقبَل من أساس. للجميعة مجلس إدارة، أحال الأمر لمزيد من الدراسة والنظر، ولكن أمين السر تحرك منفرداً ورفع العضويات لمدير الأنشطة الطلابية قبل أن تبت الإدارة في شأنها بقرار، وتم قبولها هناك بعد أخذ رأي المستشار القانوني، دون أن يخبروا المستشار بأن العضويات المقدمة لم تبت فيها إدارة الجمعية بقرار بعد. ولهذا السبب سقطت حركة الأخوة الملتفة، لا العضويات.
وخيراً فعل الزميل حمزة برفض قبولها، أو بتأجيل قبولها على الأقل، وذلك حمايةً لطبيعة دور الجمعية، وحمايةً للعمل الطلابي من هذا التوجه الهدام. لماذا؟ لأنه وكما ذكرت، لم يأتي هؤلاء حباً في العمل الطلابي، وتضحيةً له، ليعم خيره على أكبر عدد ممكن من طلبة الكلية، إنما فقط للحصول على رئاسة الجمعية، وزيادة عدد الأصوات الحاسمة داخل المجلس، التي تختار الرئيس.
نشكرك حمزة على تصديك لهؤلاء، الذين انكشفت نواياهم، وتقديمهم للطائفة على الطالب. فالفيديو الذي أنتشر على نطاق واسع (أنظر هنا) –وصلني من خارج البحرين- والذي يردد فيه من يردد “إحنا شيعة وللأبد وهذي عقيدتنا!”، أغلب أولئك هم من الطلبة المتباكين على عدم قبول عضويتهم في الجمعية، ولا أدري ما مناسبة العبارات التي رددوها؟! “حشه” مو انتخابات طلابية ذي !!
في المرات القادمة أقترح عليهم أن يقفوا طابوراً واحداً، وليحضر أحدهم سيفاً ليخدش روؤسهم، وليعلنوها حيدر! وليكتب الكاتب، ويصرخ الخطيب، وليربطوا بربط عجيب غريب، وهم فنانون في ذلك بلا ريب، بين ما جرى في الجمعية من عدم قبول العضويات بمظلومية الزهراء!!! رضي الله عنها وأرضاها. يجب أن أقول بأني لا أعمم كلامي هنا، ولا أقصد به كل الشيعة.
أتمنى من إدارة الجامعة محاسبة هؤلاء، فإذا لم يكن فعلهم هذا تحريضاً طائفياً ممنوعاً داخل الجامعة، فما هو التحريض الممنوع؟ وقليلٌ في حقهم أن يمنعوا من عضوية أي جمعية أو نادي في المستقبل. “فشلتونا” خارج البحرين قبل داخلها.

البلدان النامية والعالم المسطّح

لخصنا في مقال سابق (أميركا والعالم المسطح) فصلاً من فصول كتاب (العالم المسطح للكاتب والصحفي الأميركي توماس فريدمان، ونلخص في هذا المقال الفصل الذي يليه..

121080

البلدان النامية والعالم المسطحَّ
“يركز هذا الفصل على نوع السياسات التي يجب على البلدان النامية اتباعها لإقامة البيئة الملائمة لازدهار شركاتها ورواد أعمالها في العالم المسطَّح، رغم أن العديد من الأمور التي سأذكرها تنطبق على العديد من البلدان المتقدمة أيضاً”.
يشير المؤلف إلى أن على الدول النامية أن تحاسب ذاتها، وتكون صادقة في ذلك، لترى موقعها من البلدان الأخرى، ومن عوامل التسطيح العشرة، وهي عوامل تطرق إليها الكاتب بإسهاب في نصف الكاتب الأول. يقول: “ولهذه الغاية، أعتقد أن العالم اليوم يحتاج إلى نادٍ يمكن صياغته على غرار نادي المدمنين المغفلين على الكحول. ويمكن تسميته البلدان النامية المغفلة”.

111fri

ثم يستطرد الكاتب في شرح وجهة نظره حول ما يمكن أن تفعله الدول النامية، وحتى بعض الدول الصناعية، وهو ما أسماه (الإصلاح بالتجزئة)، وعدم الاكتفاء (بإصلاح الجملة).

إصلاح الجملة : “فتح بلدك أمام التجارة والاستثمارات الأجنبية وإجراء بعض التغييرات من الأعلى على سياسة الاقتصاد الكلي، كخصخصة الصناعات المملوكة للدولة، وتحرير مرافق الخدمات العامة من القيود، وخفض التعريفات الجمركية، وتشجيع الصناعات التصديرية، إلخ”.
“لكن العالم بدأ يصغر ويتسطّح، ما مكّن الصين من التافس في كل مكان مع الجميع على مجموعة واسعة من المنتجات الصناعية، ومكّن الهند من تصدير أدمغتها إلى كل مكان، ومكّن الشركات من تلزيم أي عمل إلى أي مكان، ومكّن الأفراد من التنافس على الصعيد العالمي كما لم يحدث من قبل، ولم يعد الإصلاح جملة كافياً لإبقاء البلدان على مسار النمو المستدام”.
الإصلاح بالتجزئة : “ينطوي على النظر في أربع جوانب رئيسية في مجتمعك: البنية التحتية، والمؤسسات التنظيمية، والتعليم، والثقافة. وتقوم فكرة الإصلاح بالتجزئة على تمكين العدد الأكبر من شعبك من الحصول على أفضل الأطر القانونية والمؤسسية التي يتم الابتكار من خلالها واطلاق الشركات واجتذاب الشركاء لمن يريد التعاون مع الآخرين في العالم”.
يستخلص الكاتب بعد استعراض لبعض ما جاء في دراسة شملت أكثر من 130 بلداً بعنوان (مزاولة الأعمال في سنة2004) أعدتها المؤسسة المالية الدولية، ما يدعوه لائحة تدقيق من خمس نقاط للإصلاح بالتجزئة، ويضيف عليها هو اثنتين من عنده:
1.     التبسيط والتحرير من القيود حيثما أمكن في الأسواق التنافسية.
2.     تعزيز حقوق الملكية.
3.     توسع استخدام الانترنت للوفاء بالأنظمة.
4.     خفض تدخل المحاكم في مسائل الأعمال.
5.     جعل الإصلاح عملية متواصلة.
6.     توسيع فرص حصول السكان على التعليم على كافة المستويات.
7.     الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية (الطرقات والموانئ والاتصالات والمطارات).
ويتسائل الكاتب: “لماذا يستطيع بلد التغلّب على هذه العقبة التي تواجه الإصلاح بالتجزئة، حيث يستطيع القادة تعبئة الموظفين والرأي العام خلف هذه الإصلاحات الجزئية الأشد إيلاماً, فيما يتعثر بلد آخر؟”
وتندرج إجابته على تساؤله تحت عنوانين فرعيين:
المسائل الثقافية: العولمة المحلية
“مقدار اتجاه ثقافتك نحو الخارج: ما درجة انفتاحها على المؤثرات والأفكار الأجنبية (العولمة المحلية)؟ … كلما كانت لديك ثقافة تتعولم محلياً بصورة طبيعية –أي كلما ازدادت سهولة امتصاص ثقافتك الأفكار وأفضل الممارسات الأجنبية ودمجها في تقاليدك- تعاظمت الأفضلية التي تتمتع بها في العالم المسطح. لقد كانت القدر الطبيعية على العولمة المحلية من مواطن قوة الثقافة الهندية والثقافة الأميركية والثقافة اليابانية، ومؤخراً الثقافة الصينية. الهنود على سبيل المثال لديهم وجهة نظر مفادها أن المغول قدموا ورحلوا، والبريطانيون قدموا ورحلوا، ونحن نأخذ الأفضل ونترك الباقي، لكننا لا نزال نأكل الكاري، ولا تزال نساؤنا يرتدين الساري، وما زلنا نعيش في وحدات عائلية موسعة شديدة الإحكام. وتلك هي العولمة المحلية بامتياز”.
الأمور غير المحسوسة
“ما مقدار وجود احساس بالتضامن الوطني والتركيز على التنمية، وما مقدار الثقة داخل المجتمع في التعاون مع الأجانب، وما مقدار اهتمام النخبة في البلد بالجماهير واستعدادها للاستثمار في الداخل، أو عدم اهتمامها بفقراءها واهتمامها بالاستثمار في الخارج؟”.
“إننا نعرف الصيغة الأساسية للنجاح الاقتصادي – الإصلاح جملة، يليه الإصلاح بالتجزئة، بالإضافة إلى الحكم الصالح والتعليم والبنية التحتية والقدر ة على العولمة المحلية. لكن ما لا نعرفه وما كنت سأعبئه في قنانٍ وأبيعه لو كنت أعرفه، هو الإجابة عن سؤال لماذا يمكن أن يبادر بلد إلى القيام بكل هذه الأشياء –يقصد التطور والنمو- بطريقة مستدامة ولا يبادر إليها بلد آخر؟“.
جواب هذا السؤال هو ما يسميه الكاتب (الأمور غير المحسوسة)، ويقول أنها تتسم في مزيتين:
1.     قدرة المجتمع على الاجتماع معاً واستعداده للتضحية من أجل التنمية الاقتصادية.
2.     وجود قادة في المجتمع لديهم رؤية تمكنهم من معرفة ما الذي يجب عمله من ناحية التنمية والرغبة في استخدام السلطة للدفع من أجل التغيير بدلاً من إغناء أنفسهم والمحافظة على الوضع القائم.
ويضرب مثالاً: “ويبدو أن بعض البلدان (مثل كوريا وتايوان) قادرة على توجيه طاقاتها نجو أولوية التنمية الاقتصادية، في حين ينصرف اهتمام بلدان أخرى (مثل مصر وسوريا) على الإيديولوجية والنزاعات المحلية”.
ثم يعقد الكاتب مقارنة بين المكسيك والصين لتوضيح وجهة نظره. إذ أن المسكيك مع المبادرات الإصلاحية التي أطلقتها، ورغم قربها من أكبر اقتصاديات العالم (الولايات المتحدة)، وبالرغم من اتفاقية (النافتا)، إلا أن الصين تفوقت عليها بمراحل رغم ابتعادها عن الولايات المتحدة.
الديمقراطية قد تكون عائقاً أمام الإصلاح بالتجزئة“. يذكر الكاتب ذلك بعد مقارنة المكسيك بالصين، فالمكسيك لديها نظام ديمقراطي، لكن المبادرات الإصلاحية التي أطلقتها تأخرت في البرلمان. بينما الصين مع نظامها الشمولي تتفوق! والسبب “يوجد لديها مؤسسات دولة قوية وجهاز بيروقراطي قادر على ترقية الكثير من الأشخاص بناء على الجدارة إلى مواقع صنع القرار الأساسية، كما أن لديها روحاً معنوية عالية”. فالصين بنظامها “تستطيع أن تتغلب على أصحاب المصالح والممارسات القديمة”، بينما على “رئيس المكسيك الذي يريد إجراء تغييرات أن يجمع عدداً كبيراً من أصحاب المصالح لتنفيذ الإصلاح يزيد كثيراً عما كان يحتاج إليه أسلافه المستبدون الذين يمكنهم القيام بذلك بإصدار مرسوم”.
ولكن الكاتب لا يقطع بهذا الاستنتاج، “هناك ديمقراطيات تحظى بنعمة القادة القادرين على إقناع شعوبهم وتركيز اهتمامها على الإصلاح بالتجزئة، يتذكّر المرء مارغريت تاتشر في انجلترا”.
يختم الفصل بهذه الفقرة المهمة، “قال ويل روجرز قبل وقت طويل: (إذا كنت على المسار الصحيح، فستُدهس إذا اكتفيت بالجلوس هناك). وكلما ازداد تسطّح العالم، تعاظمت سرعة حدوث ذلك. لقد وضعت المكسيك نفسها على الطريق الصحيح عن طريق الإصلاح بالجملة، ثم اكتفت، لأسباب كثيرة محسوسة وغير محسوسة، بالجلوس هناك وتأخّر الإصلاح بالتجزئة. وستُدهس المكسيك أكثر كلما طال مكوثها هناك. ولن تكون الوحيدة”.
 

“إقلاع” وجامعة البحرين

1000حضرت يوم الخميس، 15 مايو 2008، ندوة بعنوان “إقلاع نحو مستقبل نجوم الاقتصاد”، تشارك فيها الجهات التالية: غرفة تجارة وصناعة البحرين (لجنة شباب الأعمال)، بنك البحرين للتنمية، وزارة الصناعة والتجارة، منظمة اليونيدو، هيئة تنظيم سوق العمل، وصندوق العمل. تهدف إلى ترسيخ مفهوم العمل الحر لدى الشباب، وحثهم على الولوج في هذا العالم المليء بالتحدي والإثارة، وإطلاعهم على المساعدات التي تقدمها هذه الجهات المشاركة لأي شاب طموح لديه فكرة ينوي لجعلها واقع.
من خلال الأحاديث الجانبية التي تلت الندوة، علمت بأن انطلاق برنامج “إقلاع” كان من المقترح أن يكون في جامعة البحرين، كون البرنامج موجه خصيصاً لطلبة الجامعات، ولكن إدارة الجامعة رفضت ذلك بسبب غريب عجيب، استعصى عليَّ فهمه: البرنامج يقدم دعاية موجهة للطلبة لجهات خارج الجامعة !!!
لا أريد أن أذكر اسم الإدارية التي جاءت بهذه الحجة العجيبة لرفض إقامة هذا البرنامج في حرم الجامعة، ولكنها تمثل في قرارها هذا إدارة جامعة البحرين، حيث أوجه اللوم والعتب.
هل تعلم هذه الإدارية أننا في ملتقياتنا الطلابية التي ننظمها، نسعى جاهدين لتوفير الدعم والرعاية لإقامة مثل “إقلاع” ؟! لأنها تقدم خدمة حقيقية للطلبة، حيث تجمع لهم المعلومات، والجهات، والأشخاص المعنيين، في مكان واحد، ووقت واحد، ليقدموا حقيبة معلوماتية متكاملة للطلبة حول موضوع الفعالية.
ملتقى إدارة الأعمال الأول (6-8 مايو 2006)، أول ملتقى طلابي، وبداية مسيرة الملتقيات الطلابية المتخصصة في الجامعة، بذل المنظمون فيه ما بذلوا من جهد، لتجميع الجهات المعنية وذات الصلة بموضوع الملتقى “العمل الحر والمشاريع الصغير والمتوسطة”، واستمر الملتقى لمدة ثلاثة أيام، كلفنا أكثر من 12 ألف دينار.
“إقلاع”.. اختصار غير مخل لذلك الملتقى، تقدمه هذه الجهات، بسعي وتنظيم مشكور من لجنة شباب الأعمال بغرفة التجارة والصناعة، يقدمه فريق العمل مجاناً، ولكن إدارة الجامعة ترفضه! رغم ما فيه من فائدة للطلبة !
ما “يرفع ضغطك” هو أن قرار خاطئ، مبني على حجة أكثر خطئاً، صادر من إدارية، تمنع عشرات، أو ربما مئات من الطلبة، من الاسnewpicتفادة من فعالية كهذه.
أدعو الطلبة إلى حضور “إقلاع” في المرات القادمة، حيث سيعيد فريق العمل تنظيمه داخل جامعات البحرين، والتي أبدت شكرها وتقديرها لإماكنية إقامة الفعالية داخل حرمها، لأنها تعلم قيمته وفائدته، وهذا ما تجهله إدارة جامعتنا الوطنية !
شكراً لفريق العمل، والجهات المشاركة، وشكر خاص لرئيس فريق العمل وصاحب فكرة “إقلاع”، السيد فيصل عبد الله، الذي تبرع من جيبه الخاص لتغطية تكاليف الفعالية، ليأخذ بيد الشباب الطموح نحو النجاح في العمل الحر.
أما إدارة جامعتنا.. فلا تعليق !
 

أميركا والعالم المسطح

121080
هذا عنوان أحد أبواب كتاب (العالم مسطح) للصحفي الأميركي المخضرم توماس فريدمان، و”الخَضرَمَة” هنا لا تعني أننا نبصم على كل ما يطرحه من آراء. الكتاب ضخم، يقع في 511 صفحة، يحتوي على الكثير من المعلومات القيّمة، ينتصر فيه الكاتب –طبعاً- لآراءه في قضايا عديدة. وقيمة الكتاب الحقيقية تتمثل في الكم الهائل من شهادات وآراء عدد كبير من الرؤساء التنفيذيين والمدراء في شركات عالمية كبيرة، يصعب على صحفي غير فريدمان أن يصل إليهم ويجمع آرائهم.
“العالم مسطح”، أي انفتاح الدول على بعضها، وذوبان الحدود، وسرعة التفاعل بين الناس في مختلف أنحاء العالم، وازدياد اللاعبين والمتبارين في الملعب العالمي، الاقتصادي والتعليمي والتكنولوجي وغيره من ملاعب تتنافس فيها الدول لإحراز السبق والبقاء في الصدارة، كل ذلك نتيجة الثورة التكنولوجية، باختصار التسطّح مرحلة ما بعد تلك التي كنا نسميها “العالم قرية صغيرة” !
111fri
يأتي هذا الباب (أميركا والعالم المسطح) في منتصف الكتاب تقريباً، وبعد أن انتهيت من قراءة نصفه الأول خطرت في بالي فكرة تلخيص الأبواب القادمة! وما لا يدرك كله لا يترك جله. فشرعت في التلخيص بنقل أهم الفقرات التي توجز الفكرة.
أميركا والعالم المسطح
أميركا والتجارة الحرة
يتحدث الكتاب كثيراً عن تلزيم الأعمال للخارج، بل يمكننا القول أن ذلك هو موضوع الكتاب، وهي عملية نقل الأعمال التي يمكن نقلها إلى أماكن تكون الكلفة فيها أقل –وما استنتجوه أصحاب الأعمال أيضاً أن الجودة تكون أعلى كذلك-، وهي الأعمال التي يمكن تحويلها إلى 0 و1، وهي كثيرة جداً، احتوى الكتاب على عدد كبير من الأمثلة، كمراكز الاتصال، وتصميم البرامج، وغيرها. وفي هذا الباب يناقش الكاتب تأثر الولايات المتحدة من هذه العملية، باعتبارها أحد العوامل التي يجب عدم إغفالها قبل اتخاذ أي وجهة نظر حول مكاسب أميركا من التجارة الحرة.
“السؤال الرئيسي لانسبة لي هو: هل تنقع التجارة الحرة أميركا ككل عندما يصبح العالم مسطحاً جداً ويستطيع عدد أكبر من الناس أن يتعاونوا، ويتنافسوا، مع أولادي؟ يبدو أن العديد من الوظائف ستصبح مفتوحة لمن يشاء. ألن يكون الأميركيون الأفراد أفضلاً حالاً إذا نصبت حكومتنا بعض الجدران ومنعت بعض التلزيم ونقل الأعمال؟”
ثم يناقش المؤلف الرأيين المختلفين حول تلزيم الأعمال، فرأي يرى أن تلزيم الأعمال لم يقتصر في مجال السلع، بل حتى الخدمات أصبحت قابلة للتبادل. وهذا يعني أن أمريكا ودول متقدمة أخرى ستتراجع تراجعاً مطلقاً وليس نسبياً في قوتها الاقتصادية ومستويات معيشتها. ورأي آخر يقول –وهو الرأي الذي ينتصر له المؤلف- : “قد تكون هناك مرحلة انتقالية في بعض الحقول، تتراجع خلالها الأجور، لكن ليس هناك سبب للاعتقاد بأن هذا الانخفاض سيكون دائماً أو في جميع المجالات … والقول إن هذا ما سيحدث هو إثارة لما يسمى نظرية كتلة العمالة، وهي فكرة ترى بأن هناك كتلة عمل ثابتة في العالم وأنه ما أن تُلتهم هذه الكتلة، من قبل الأميركيين أو الهنود أو اليابانيين، لن يكون هناك مزيد من الوظائف المعروضة. وإذا كان لدينا أكبر كتلة من العمل اليوم، وعرض بعد ذلك الهنود تأدية هذا العمل نفسه بتكلفة أقل، فسينالون قطعة أكبر من الكتلة، وسنحصل على قطعة أصغر”.
يواصل مفنداً هذه الحجة “إن السبب الرئيسي لخطأ نظرية كتلة العمل هو أنها تقوم على فرضية أن كل ما سيتخرع قد اختُرع، وأن المنافسة الاقتصادية لذلك مباراة ذات مجموع صفري، أي معركة على كتلة ثابتة”.
تلخص هذه الفقرة رأي الكاتب: “لذلك ستنجح أميركا ككل في العالم المسطح بالتجارة الحرة، شرط أن تواصل إنتاج عمال معرفة قادرين على إنتاج سلع قائمة على أفكار يمكن أن تباع عالمياً وبوسعهم شغل وظائف المعرفة التي ستُستحدث فيما نوسّع الاقتصاد العالمي ونربط بين كل مجموعات المعرفة في العالم. قد يكون هناك حد لعدد الوظائف الصناعية الجيدة في العالم، لكن ليس هناك حد لعدد الوظائف المولّدة عن طريق الفكر في العالم“.
البعيدون المنال
“هناك رسالة واحدة فقط: عليك الارتقاء بمهاراتك على الدوام. فسيكون هناك الكثير من الوظائف الجيدة في العالم المسطح التي يحصل عليها ذوو المعرفة والأفكار”.
يقدم الكاتب نصيحته لبناته: “نصيحتي إليهن في هذا العالم المسطح قيرة جداً وصريحة جداً: (يا بنات، حين كنت أكبر، كان أهلي يقولون لي، “طوم، أنهِ العشاء، الناس في الصين والهند جائعون”. نصيحتي إليكن: يا بنات، أنهين فروضكن المدرسية، الناس في الصين والهند جائعون لوظائفكن)”.
البعديون عن المنال هم الأشخاص الذين لا يمكن تلزيم وظائفهم –نقلها إلى الخارج-، ويقسمهم الكاتب إلى أربع فئات واسعة :
1-    العمال “المتميزون“: أشخاص مثل مايكل جوردان، وبيل غيتس، وغيرهما، لديهم سوق عالمية لسلعهم وخدماتهم ويمكن أن يطلبوا أجوراً عالمية. وهم قلة قليلة.
2-    العمال “المتخصصون“: ينطبق على كل أنواع عمال المعرفة، من المحامين المتخصصين والمحاسبين وجراحي الدماغ، إلى المصممين ومهندسي برمجيات الحاسوب المتقدمة.
3-    العمال “المثبّتون“: الذين يجب أن يعملوا في موقع معين، كالحلاق، النادلة، طباخ، سباك، وغيرها كثير جداً.
4-    العمال “المتكيّفون“: إذا لم تستطع أن تكون أحد الأنواع الثلاثة السابقة لئلا يلزم عملك إلى الخارج. عليك أن تصبح متكيفاً. عليك على الدوام أن تكتسب مهارات جديدة، ومعرفة، وخبرة تمكنك بشكل دائم من أن تكون قادراً على ابتكار القيمة – شيء أكثر من العمل العادي.
“(قابلة للاستبدال) كلمة يجب تذكرها، ففي عالم مسطح هناك “عمل قابل للاستبدال وعمل غير قابل للاستبدال”. العمل الذي يمكن أن يحوّل إلى أقرام بسهولة وينقل إلى مواقع الأجر المتدنية قابل للاستبدال. والعمل الذي لا يمكن أن يحوّل إلى أرقام أو يُستبدل بسهولة غير قابل للاستبدال. رمية مايكل جوردن أثناء القفز غير قابلة للاستبدال. وتقنية جراح مجازة القلب غير قابلة للاستبدال. وعمل عامل في خط تجميع للتلفزيونات قابل للاستبدال الآن. والمحاسبة الأساسية وتهيئة الضرائب قابلة للاستبدال الآن”.
ثم يذكر الكاتب أسرار صلصلة أميركا الحقيقية التي جعلتها في مكانة متقدمة في هذا العالم المسطح، ألخصها في نقاط :
1-    الجامعات الأميركية ونظامها.
2-    كفاءة أسواق رأس المال.
3-    الانفتاح المطلق للمجتمع الأميركي.
4-    نوعية حماية الملكية الفكرية الأميركية.
5-    قانون العمل الأميريكي، الأمثر مرونة في العالم.
6-    أكبر سوق استهلاكية محلية في العالم.
7-    الاستقرار السياسي الأميركي.
8-    أصبحت أميركا واحدة من نقاط الاجتماع العظيمة في العالم.
ولا أود أن يفوتني هنا نقل هذه الفقرة، لمعرفة الفرق في حصاد نظام تعليم الجامعات الأميركية مقارنة بغيرها من الجامعات، “وقد أجرى قسم الاقتصاد في بنك بوسطن دراسة حملت عنوان “إم آي تي[1]: تأثير الإبداع”. ومن بين استنتاجاتها أن خريجي MIT أسسوا أربعة آلاف شركة، مستحدثين 1.1 مليون وظيفة حول العالم على الأقل، ومولدين مبيعات تبلغ 232 مليار دولار“.
ويختم الكاتب هذا الفصل بإنذار الأميركيين: “هل ما زلنا نبذل الجهود؟ هل نهتم بأسرار صلصتنا؟ لا تزال أميركا تبدو عظيمة على الورق … لكن هل نستثمر حقاً في مستقبلنا ونهيئ أولادنا كما يجب للسباق المنتظر؟ … الجواب هو لا”. أتساءل هنا، ماذا عسى يكون جوابنا نحن ؟!
الأزمـة الصامتـة
“يتناول هذا الفصل كيف أننا نحن الأميركيون، على الصعيدين الفردي والجماعي، لم نكن نقوم بما يجب أن نقوم به وما الذي سيحدث على الطريق إذا لم نغيّر مسارنا”.
يركز الكاتب هنا على قضية طلبة الرياضيات الهندسة والعلوم والفيزياء، وتراجع نسبة الحاصلين على الشهادات العليا في هذه المجالات مقارنةً مع دول أخرى منافسة، وفي مقدمتها الصين والهند. ويتناول الموضوع بطرح ثلاثة أسرار قذرة –كما يسميها- تمثل الخطر الذي يواجه أميركا.
السر القذر الأول: هوّة الأعداد
 “تشير عالمة الفيزياء شيرلي آن جاكسون إلى أن (التشدد النسبي على العلوم والهندسة أكبر في البلدان الأخرى –مما هو عليه في أميركا-). وتشكل شهادات العلوم والهندسة الآن 60% من كل الشهادات الممنوحة في الصين، و33% في كوريا الجنوبية، و41% في تايوان. بالمقابل، تبقة النسبة المئوية للذي يحصلون على شهادة في العلوم والهندسة في الولايات المتحدة 31%. وعند استبعاد الشهادات العلمية، تبلغ نسبة الأميركيين الذين يتخرجون في الهندسة فحسب 5%، مقارنة بنسبة 25% في روسيا و46% في الصين، وفقاً لتقرير صادر في سنة 2004 عن “ترايلوجي ببليكيشنز”، وهي تمثل الجمعية القومية الأميركية للمهندسين”.
“وفي تقرير المجلس القومي للعلوم (من المتوقع أن يتقاعد كثير ممن دخلوا القوة العاملة للعلماء والمهندسين في الستينات والسبعينيات “جيل ارتفاع نسبة الولادات” في العشرين سنة القادمة، في حين أن أولادهم لا يختارون المهن العلمية والهندسية بأعداد مماثلة لأعداد آبائهم”.
السر القذر الثاني: هوّة الطموح
“وقد أبلغني الرئيس التنفيذي الأميركي لشركة متعددة الجنسيات تتخذ من لندن مقراً لها، (السر الصغير القذر هو أن التلزيم إلى الخارج ليس أقل تكلفة وأكثر فعّالية فحسب، لكن الجودة والانتاجية عاليتان أيضاً. وبالإضافة إلى تدني الأجور، فإن هندياّ مدرباّ في بنغالور يقوم بعمل أوروبيين أوثلاثة، كما أن الموظفين في بنغالور لا يأخذون إجازة لمدة ستة أسابيع). وأردف قائلاً، (عندما تعتقد أن الأمر يتعلق بالأجر فقط، يمكنك الاحتفاظ بكرامتك، لكن أن يعملوا بشكل أفضل فذلك أمر شنيع)”.
ويختم حديثه حول هذا السر بعبارة تبين تسابق الهنود والصينيين للقمة، وشدة اهتمامهم بالسبيل إلى ذلك، وحضور وثقل الشخصيات المبدعة في الأوساط الشبابية هناك، فيقول: “في الصين اليوم، بيل غيتس هو بريتني سبيرز. وفي أميركا بريتني سبيرز هي بريتني سبيرز، وهذه هي مشكلتنا”. أقول: ومن هي بريتني سبيرز عندنا يا ترى ؟!
السر القذر الثالث: الهوّة التعليمية
“من المؤسف أن التمويل الفيدرالي للأبحاث في الفيزياء والعلوم الرياضية والهندسة انخفض 37% من حيث نصيبه من الناتج المحلي الإجمالي ما بين سنتي 1970 و2004. وها نحن نقوم بتخفيض التمويل في وقت نحتاج إلى مضاعفة استثماراتنا في الأبحاث الأساسية للتغلب على هوّتي الطموح والتعليم”.
“تقول ترايسي كون، مديرة شئون الشركة في إنتل والمشرفة على جهود الشركة في لتحسين تعليم العلوم، (العلوم والرياضيات هما اللغة العامة للتكنولوجيا. وهما اللذان يدفعان التكنولوجيا ومستوى معيشتنا. وما لم يكبر الأولاد وهم يتقنون هذه اللغة العامة، لن يكونوا قادرين على المنافسة. إننا لسنا في صدد التصنيع في الخارج. فقد أنشئت هذه الشركة هنا، لكننا نستخدم مادتين أوليتين، الرمل، الذي لدينا موارد وفيرة منه، والمواهب، التي لا نمتلكها). –السيليكون يأتي من الرمل-“.
“وتابعت تقول، (نظرنا في أمرين. نظرنا في الفروع العلمية ذات الصلة بصتاعتنا، فوجدنا أن عدد الطلاب الذين يتخرجون بمستويي الماجستير والدكتوراه يتراجع بالأعداد المطلقة بالنسبة للبلدان الأخرى. ووجدنا عند النظر في التعليم من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر أنّ أدائنا جيد على مستوى الصف الرابع، ومتوسط على مستوى الصف الثامن، وعند الوصول إلى مستوى الثاني عشر يقترب من القاع في الاختبارات الدولية ذات الصلة بالرياضيات. لذا كلما أمضى الطلاب فترة أطول في المدرسة ازداد غباؤهم… لدينا معلمون يُفقدون الأولاد اهتمامهم لأنهم غير مدربين”. أقول: ونحن لدينا جامعات وطنية تُفقد الأولاد اهتمامهم !
ويلخص الكاتب الرسالة التحذيرية في نهاية هذا الفصل، “بما أنه يلزم خمس عشرة سنة لإعداد عالم أو مهندس متقدم، علينا أن نبدأ من مرحلة احتكاك الشاب أو الشابة بالرياضيات والعلوم في المدرسة الابتدائية باتباع برنامج سريع شامل بدون موازنة كبيرة جداً لتعليم العلوم والرياضيات على الفور. وعدم قيامنا بذلك يدخلنا في الأزمة. فالعلماء والمهندسون لا ينمون على الشجر، وإنما يجب تعليمهم عبر عملية طويلة لأن هذا هو علم الصواريخ”.
هذا ليس اختباراً
في بداية الفصل يشبه الكاتب التحدي الراهن بالتحدي الذي واجتهت الولايات المتحدة في ذروة الحرب الباردة، من دون أن يتجاهل بعض الفروق الجوهرية بين التحديين! فيقول، “كان التحدي في ذلك العالم نابعاً من البلدان التي تمارس الشيوعية المتطرفة، وتحديداً، روسيا والصين وكوريا الشمالية. أما التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم فنابع من البلدان التي تمارس الرأسمالية المتطرفة، وتحديداً الصين والهند وكوريا الجنوبية. كان الهدف الرئيسي في تلك الحقبة بناء دولة قوية، والهدف الرئيسي في هذه الحقبة هو بناء أفراد أقوياء”.
أما وجه الشبه بين التحديين كما يقول الكاتب “مواجهة تحديات التسطّح تتطلب رداً شاملاً ومركزاً وفاعلاً مثلما تطلبت مواجهة تحدي الشيوعية”. وكما أن كيندي في تلك المرحلة “يعرف أن أميركا تمتلك طاقات بشرية ومؤسسية، أكبر بكثير مما لدى الاتحاد السوفيتي، لكنها لم تستغل تماماً”، فكذلك يرى الكاتب الوضع تماماً في هذه المرحلة بالنسبة لمواجهة التسطّح، في ضوء ما سبق بيانه من “أسرار قذرة” تهدد تميّز صلصة أميركا الحقيقية !
يُقدم الكاتب رؤيته لمواجهة هذا التحدي فيما أسماه “التسطح العطوف”، وهو “مجتمع عظيم يلزم الحكومة ببناء البنية التحتية وشبكات الأمان والمؤسسات التي تساعد كل أميركي في أن يصبح أكثر قابلية للتوظّف في عصر لا يستطيع فيه أحد أن يضمن الوظيفة طوال الحياة”.
التسطح العطوف، “مزيج من السياسات المبنية على خمس فئات عريضة من الإجراءات الخاصة بعصر التسطّح”:
1- القيـادة
ينتقد الكاتب حال كثير من السياسيين في أميركا، وكيف أنهم بدلاً من أن يفهموا القوى التي تسطح العالم، وأن يكونوا قادرين على شرحها للناخبين، فهم يساعدون بقصد أو بدونه، على جعل الناخبين أغبياء بتشجيعهم على الاعتقاد بنظريات خاطئة كقولهم أن أميركا حققت الهيمنة الاقتصادية وستظل كذلك على الدوام.
وكما قدم الرئيس كينيدي رؤية إنزال إنسان على القمر، ليحفز الأمة على التنافس مع الاتحاد السوفياتي في السباق العلمي، يقدم الكاتب رؤية عملية مقترحة لبوش، يدفع بها الشباب ليصبحوا علماء ومهندسيين رياضيين، أضافة لتحقيق مكاسب عظيمة أخرى، وهي مبادرة قومية للعلوم، برنامج سريع للطاقة البديلة والحفاظ على البيئة لجعل أميركا مستقلة في الطاقة في السنوات العشر التالية. ويعلق بعد ذلك، “يبدو، من سو طالع أميركا، كأنني سأتوجه إلى القمر قبل أن يسلك الرئيس بوش هذه الطريق”.
رأي للكاتب هنا أرى أهمية نقله، “ليس من واجب الحكومة أو الشركة أن تضمن لأي شخص وظيفة مدى الحياة، لقد ولّت تلك الأيام. فقد مزّقَ تسطّح العالم العقد الاجتماعي. لكن ما تستطيع أن تضمنه الحكومة بل يجب أن تضمنه هو أن توفر له الفرصة لأن يصبح قابلاً للتوظيف”.
2- العضـلات
“إن العضلات التي يحتاج إليها العمال أكثر هي المنافع المحمولة –يقصد التقاعد والرعاية الصحية-، وفرص التعلّم المستمر. لماذا هذان الأمران؟ لأنهما أهم المزايا التي تجعل العمل متحركاً وقابلاً للتكيّف”.
استطرد المؤلف في أهمية جعل العمال متعددو المواهب من خلال توفير التعليم المستمر المدعوم من قبل الشركة أو الحكومة. وبيّن كيف كان هذا الأمر –تحمل الحكومة مسئولية تعليم الناس والارتقاء بهم- أساس نجاح انتقال المجتمع الأميركي من الزراعة التقليدية إلى التصنيع دون حدوث فجوة كبيرة في المداخيل، أي الحفاظ على الطبقة المتوسطة.
يقول بول رومرالاقتصادي بجامعة ستانفورد، “هذه كانت أفكاراً عظيمة –يقصد تلك التي كانت وراء نجاح الانتقال من الزراعة البدائية إلى التصنيع-، وكان ما ينقصنا في الوقت الحالي الخيال السياسي لكيفية قيامنا بشيء لا يقل شأناً وأهمية للانتقال إلى القرن الحادي والعشرين مثلما فعلنا عند الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين”.
ومن هذا المنطلق يقترح الكاتب عقداً اجتماعياً جديداً، “وإذا كان من عقد اجتماعي جديد ضمني بين أصحاب العمل والعمال اليوم، يجب أن يكون على هذا النحو: امنحوني عملكم وسأضمن لكم طالما عملتم لديّ أن أمنحكم كل فرصة متاحة –من خلال الترقية في العمل أو التدريب- لتصبحوا أكثر قابلية للتوظيف وأكثر تعدداً للمواهب”.
مع ذلك يرى الكاتب أن على أميركا أن تستقطب العقول من شتى أنحاء العالم، لتكون مجموعة أميركا المعرفية هي الأكبر، “إننا بحاجة إلى مضاعفة الجهود لبناء عضلات كل فرد أميركي، لكن علينا مواصلة استيراد العضلات من الخارج أيضاً”.
3- المحافظة على الوسائد “الدهن الجيد”
أي المحافظة على بعض الحواجز، حماية للمتضررين من عملية التسطيح، ولكن هناك حواجز سيئة (دهن سيء)، وأخرى جيدة (دهن جيد) يجب المحافظة عليها، “في حين ستختفي شبكات الأمان القديمة التي تقدمها الشركات أو الحكومة في ظل المنافسة العالمية في العالم المسطح، يجب المحافظة على بعض الدهن، بل وحتى زيادته … الضمان الاجتماعي دهن جيد، وعلينا المحافظة عليه. ونظام الرعاية الاجتماعية الذي يثبط الناس عن العمل دهن سيء”.
ويصارح الكاتب من يسأل باستنكار (لماذا نحافظ على الدهن أو الحواجز؟)، “إذا لم تكن من دعاة العالم المسطح العطوفين، لن تكون قاسياً فحسب بل أحمق أيضاً. فسوف تستغري رد فعل الذين يمكن أن تثير عملية التسطّح غضبهم، وقد يصبح ذلك الردّ شرساً إذا طال الركود”.
3- الفعاليّـة الاجتماعيـة
يتعين على للشركات العالمية أن تطور ضمائرها الأخلاقية، والسبب الدافع للشركات لتبني هذه الرؤية هو كما يقول الكاتب، “في العالم المسطّح الذي تطول فيه سلاسل التوريد العالمية، يميل توازن القوى بين الشركات العالمية والمجتمعات التي تعمل فيها كل على حدة لصالح الشركات أكثر فأكثر، وكثير منها مقرها في الولايات المتحدة. وبناء على ذلك، ستحظى هذه الشركات بقدر تفوق أي مؤسسة انتقالية في العالم لا على إنشاء القيمة فقط وإنما على نقل القيم أيضاً”.
يبين الكاتب –مع ضرب مثال- أنه بإمكان المنظمات والمؤسسات غير الحكومية أن تلعب دوراً فاعلاً في جعل هذه القوى متوازنة، من خلال تعاونها مع الشركات العالمية، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد، “لا يمكن أن يحل هذا النوع من التعاون ماكن قوانين الحكومة وإشرافها ولا ينبغي له. لكن إذا نجح، يمكن أن يكون بمثابة وسيلة لتطبيق القوانين الحكومية بالفعل”.
ويبين أيضاً قوة المستهليكن التي يجب استثمارها، “على دعاة التسطح العطوف تثقيف المستهليكن بأن قرارات الشراء التي يتخذونها وقوّتهم الشرائية ذات صبغة سياسية. فكلما اتخذت قراراً كمستهلك، تقوم بدعم مجموعة كاملة من القيم. أنت تصوّت على الحواجز التي تريد الحفاظ عليها أو إزالتها. وعلى التقدميين أن يجعلوا هذه المعلومات أسهل منالاً بالنسبة للمستهلكين بحيث يتمكن المزيد منهم من التصويت بطريقة صحيحة ويدعموا النوع الصحيح من سلوك الشركات العالمية”.
4- الرعايـة الأبويـة
“إننا بحاجة إلى جيل جديد من الآباء المستعدين لممارسة المحبة القاسية: فهناك أوقات يتعين عليك فيها أن تبعد أجهزة “Game Boy” وتطفئ أجهزة التلفاز وتضع أجهزة “iPod” جانباً وتحمل أولادك على العمل”.
ويبين الكاتب كيف أن غالبية الطلبة المتفوقين والحاصلين على فرص دراسية في جامعات متقدمة، هم أولئك المتخرجون من مدارس عامة وليس خاصة. ويرجع ذلك إلى أهليهم الذين يربونهم على الحرص على تنمية قدراتهم وتطوير أنفسهم.
 
وهنا لي وجهة نظر..
بعد قراءة نظرية “التسطح اللطيف”، وما يندرج تحتها، يتبين لنا كيف أن الكاتب يدعو لمزيد من تدخل الحكومة لضمان تقدم الدولة، واستمرارية مستوى معيشة أفرادها، من خلال توفير الفرص للمواطنين ليصبحوا أفراداً قادرين على مواجهة تحديات هذا العالم المسطّح، وكأني أرى الرأسمالية بطريقة غريبة تقضي على أهم مبادئها “مزيد من عزل الحكومة”، وإن كان التدخل هنا تدخلاً غير مباشر.
أخشى أن يظن القراء أن الفقرة السابقة –وجهة النظر- تختزل كل ما قبلها، ليست كذلك أبداً، لذا وجب التنبيه.