
خلفية المشهد الوقح.. تصفيق ممسوخون من رجال ونساء.. وعويل نشاز يقول (أخرجي.. أخرجي.. أخرجي).. والمرأة التي تعود إليها "الياء" جالسة مبتسمة باستغراب، يكاد الذهول أن ينقلها إلى عالم آخر، وأشك أنه لم يفعل للحظات على الأقل !
هكذا استقبل البرلمان التركي في 2 مايو 1999، أول مسلمة محجبة يختارها الشعب لتمثيله والدفاع عن حقوقه والسعي لتطوير بلاده. فقط لأنها ترتدي حجاباً! ولا يمنعها من ذلك لا دستور الدولة، ولا النظام الداخلي للبرلمان، ولا رأس فيه شيء من عقل !
بدأ نواب حزبها (الفضيلة) بالمواجهة: (أدخلي.. أدخلي.. أدخلي)! وبقي البقية صامتون، وهي تنظر إلى صمتهم في حيرة: (لماذا يصمت هؤلاء؟! أليس زوجاتهم وأخواتهم أو بنات أقاربهم أو حتى بناتهم نساء محجبات مثلي؟!).
يقف زعيم الممسوخين "أجويد" على المنصة: (رجاءاً أوقفوا هذه المرأة عند حدها!)، وتبدأ أبشع عمليات الإقصاء، وتتوالى الأحداث سريعة بعد هذا المشهد المخزي..
تخرج من القاعة، على أمل أن تعود ليلاً لأداء القسم، ولكن الحزب يمنعها بطريقته! وهي تتفهم الموقف، دون أن تملك أدنى قناعة بما يفعله قادة حزبها، وترد على أختها "روضة" التي أتصلت تتساءل عن سبب عدم دخولها للقاعة: (يا روضة، لقد انتهى!! إن أكابر الحزب خائفون!!).
ماذا عن زميلتها، المحجبة الأخرى، من حزب آخر غير الذي تنتمي إليه؟! لقد وقفت تؤدي القسم، مكشوفة الرأس! وهي التي كانت بالأمس القريب تقول كما يتشدق رجال حزبها، بأنهم سيجدون حلاً لمسألة الحجاب! وتصرح فيما بعد: (شعرت بأنني كنت عارية) !
تقرأ بياناً صحافياً في اليوم الثاني، جاء في ختامه: (أيها السادة المحترمون، اعلموا أنني سأدافع عن حق التمثيل الشريف الذي منحني إياه شعبي بما يتناسب مع طبيعة امرأة شريفة، سوف أواصل طريقي بهذا الشكل الذي أنا عليه إلى النهاية، مع مراعاة مساحة الديمقراطية وبما ينسجم مع القوانين).
وتدخل في لعبة قذرة لم تتصور يوماً حجمها، وتصبح مادة الإعلام التركي بكل وسائله، وتترك الأضواء "تشكيل الحكومة" والقضايا الهامة التي ينتظر الشعب التركي المسالم "لحلحتها"، وتتسلط على مروة القواقجي، بكل ما في هذه الأضواء من كذب وزيف ودناءة وتضليل !
وينسحب عنها الحزب شيئاً فشيئاً حتى تصبح وحيدة وسط دوامة لا يقوى عليها كثيرٌ من الرجال، رغم أنها لم تكن عضوة عادية في الحزب، حيث بدأت حياتها السياسية معه في عام 1994، وأصبحت فيما بعد رئيسة العلاقات الخارجية، أي ممثلة للحزب في الكثير من المؤتمرات واللقاءات الإقليمية والعالمية، ولدى المنظمات الدو
لية.
لية.يصرح رئيس الدولة "دميرال" في التلفزيون، وهو كاذب: (إن مروة قواقجي هي السبب في هذه البلبلة)!.. يفتش الإعلام في حياتها مع زوجها السابق.. ويتعاون الزوج السابق!.. يستقبل الطلبة الصغار بعد أن تلقوا توجيهاً – وما أسهل الضحك على الأطفال – ابنتيها في المدرسة: (تركيا علمانية وستظل كذلك)!.. لا تستطيعان الخروج إلى فناء المدرسة في الفسحة.. فتخرج الطلفتان في إجازة إجبارية حتى تهدأ الأوضاع!.. يقترح "أجويد" أن تعمل قواقجي في مكتب ولا تحضر جلسات البرلمان في القاعة العامة!.. تُسحب منها الجنسية التركية لسبب غير قانوني!.. تسقط الحصانة، وأي حصانة في بلد تحكمه الفوضى البهيمية!.. يأتي رئيس محكمة أمن الدولة والنائب العام بنفسه، ومعه رجال الشرطة من فريق مكافحة الإرهاب، ويكاد يكسر الباب طرقاً، ذلك الباب الذي تحتمي وراءه امرأة مطلقة تحتضن خالها وهي تبكي في هدوء، ويصرخ الممسوخ: (أعلم أنكِ بالداخل.. افتحي الباب.. سأكسر الباب إن لم تفتحي)!.. السفارة الأمريكية تتصل: (إذا تريدين فإننا نخرجكِ فوراً من هنا بالطائرة إلى واشنطن مباشرةً)!.. تعتبرها قواقجي إهانة وترد: (أشكركم على اهتمامكم بي … وإن كنتم تودون عمل شيء من أجلي، فإنني أرجو منكم أن توجهوا تحذيراً إلى أعضاء حكومتنا الذين يصغون أكثر من اللازم إلى الإدارة الأمريكية)!.. تتزوج!.. تحصل على الجنسية التركية إثر ذلك!.. ويبدأ المشوار العالمي لتعريف العالم بمعاناة المرأة التركية المحجبة، وما تتعرض له من اضطهاد!.. من الكونجرس إلى مجلس اللوردات إلى الاتحاد العالمي للبرلمانات.. تطير من معهد إلى مركز دراسات.. ومن جامعة إلى أخرى.. تظهر على القنوات العالمية.. من "الجزيرة" إلى "CNN".. يصدر قرار من الاتحاد العالمي للبرلمانات لصالحها.. رغم تفاني جهود حكومة "أجويد" لعرقلة ذلك!.. وتواصل مسيرتها إلى أن نالت عضوية في الهيئة التدريسية لجامعة جورج واشنطن.. ويستقر حجابها، تاجها الذي زينها عند دخولها قاعة البرلمان، في متحف سناتو في الكونغرس الأمريكي 2005 !
من أول المسيرة حتى آخرها، لم يتوقف الإعلام الآثم عن "مسخرته"، شن حروبه النفسية التي كانت مروة ضحيتها. يتبعها الصحفيون في كل مكان، وهل هناك ذباب "يُطَفِّش" السياسي أكثر من الصحفيين المنحازين؟ ربما كانت آيات الله، التي حفظتها مروة كلها في زمن قصير وهي في سن السادسة والعشرين، هي من ثبتت قلبها في هذه المحنة.

في لقاء عابر في مارس 2002، قالت مروة لوزير خارجية الولايات المتحدة، كولن باول: (… وأعرف أنك والسيناتور ليبرمان ونظيرتك السابقة مادلين أولبرايت كنتم تصفون تركيا في أحاديثكم بأنها البلد المسلم الذي يتبع "الطريق الوسط"، وأنها تعتبر نموذجاً يجب أن يحتذى من قبل العالم الإسلامي. وأنتم توجهون أسئلتكم إلى البلدان الإسلامية الأخرى: انظروا إلى تركيا، لماذا لا تكونوا مثلها؟ بالطبع إن تركيا بميراثها الثقافي والتاريخي مرشحة لأن تكون رائدة ونموذجاً لباقي البلدان الإسلامية. ولكن هناك إجراءات تتبع ضدي وضد مئات الآلاف من النساء والسيدات من المحجبات، وهو بمثابة تفرفة لا تليق بعصرنا الحالي. ويجب ألا تظلّ الإدارة الأميركية غافلة عن هذا الموضوع). فيجيبها باول، مدافعاً عن سياسة بلاده البريئة التي لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول: (إن هذه مسألة داخلية. هل يمكن أن تتصوري أن يقوم رئيس أميركا بطلب رئيس جمهورية تركيا أو رئيس وزرائها هاتفياً ويتدخل في هذه المسألة؟) !
يختلف الوضع اليوم كثيراً عن السابق، تقول في آخر فقرة في كتابها الرائع: (وأهم تطور على المستوى القانوني، هو شروع محكمة حقوق الإنسان الأوروبية تناول الدعوى التي رفعتها في 13 أكتوبر 2005. وكانت تركيا قد شهدت تغيرات كثيرة خلال الفترة ما بين انتهاك حقّي بصفتي نائبة في البرلمان انتخبت بواسطة إرادة الشعب وبدء النظر في الدعوى التي رفعتها ضد الحكومة التركية باسم الناخبين للدفاع عن حق "التمثيل" الذي سلب منهم. وكانت مشيئة الله قد فرقت شمل جميع الذين أرادوا استئصالي من الساحة السياسية. ومن عجائب القدر أن أجد الآن أمامي في هذه الدعوى التي رفعتها لدى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، حكومة "حزب العدالة والتنمية" التي تتكون من زملائي المناضلين الذين وقفوا إلى جانبي في مدارج قاعة البرلمان التركي في عام 1999، ويختفي أجاويد فلا نراه).
منذ أيام قليلة أقرَّ البرلمان التركي قانوناً يلغي حضرالفتيات المحجبات حضور المدارس والجامعات، لم يجيء القرار بين ليلة وضحاها، إنما نتيجة نضال طويل، كانت مروة قواقجي إحدى جنود الصف الأول فيه.

ما جاء في المقال، لا يغني القراء عن قراءة الكتاب، ففيه الكثير من الأحداث والمواقف التي لم أشر إليها. أنصح بقراءة هذه الملحمة السياسة.. كثيرٌ منا نحن الشباب نجهلها، ونجهل بطلتها، فلم نكن في ذلك الوقت في سن الاهتمام بالسياسية الداخلية ومتابعتها، فضلاً عن ما يجري في الساحة الأقليمية والإسلامية..

أقف تحيةً وعرفاناً لهذه المرأة وما قدمته. من يقرأ مذكراتها يشعر بالخجل حينما يقارن حجم عطاءها بتواضع عطاءه، خاصة الشباب الذين يفترض منهم تقديم الكثير لنصرة مبادئهم وقضايا أمتهم. وفقك الله يا مروة لكل خير، وسخرك دوماً لنصرة دينك.. آمين.





