كيف نتجاوز هذا الإنسداد.. تكرار المقولة ونكران الدولة

  

شاركت في جلسة نقاشية مع بعض الإخوة العرب، أغلبهم من مصر، حول الدبلوماسية الناعمة، وهي بعبارة مختصرة: نشاط غير رسمي يهدف إلى تغيير ثقافة أو زرع فكرةٍ ما في بلد ما. تحدثنا عن نشأتها وأهدافها ووسائلها، وقد تم التركيز في جلستنا تلك على إحدى الأدوات التي تستخدمها الدول في دبلوماسيتها الناعمة: دعم المنظمات غير الحكومية. على سبيل المثال، في وزارة الخارجية الأميركية قسم خاص معني بهذا الملف، يتابع الكثير من المبادرات والمشاريع التي تستهدف تمويل المنظمات الأهلية، بعضها خاص بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.


تدرك أجهزة الاستخبارات في الدول العربية الأهداف غير المعلنة التي من الممكن أن تستتر خلف الدعم الذي تحصل عليه هذه المنظمات، لذا فليس من المستغرب أن يكون الشك هو الأصل الذي يحكم عقلية الدولة تجاهها، خاصة في ظل ما يعصف بالمنطقة من تغييرات وحراك غير مسبوق.


فبرز السؤال التالي: ما الحل والحالة هذه؟ هل نُوقف عمل المنظمات غير الحكومية بحجة منع أي تدخل خارجي قد يحصل من خلالها؟ كيف نمنعها والكثير من الناس يستفيد من خدماتها وما تقدمه من تسهيلات، خاصة في الدول الفقيرة.


سؤال وجيه، يدعو من صياغته إلى القفز على الخلافات السياسية، للمحافظة قدر الإمكان على استمرارية عمل هذه المنظمات، خاصة تلك المتخصصة في العمل الخيري التي توفر للناس احتياجات أساسية، عجزت الدولة عن توفيرها بنفسها.


بادرت أنا بمداخلة: في رأيي يجب أن يسعى القائمون على هذه المنظمات إلى إيجاد قاعدة من الثقة مع الدولة، كأن لا تتدخل هذه المنظمات في العمل السياسي، حتى لا ينقطع الخير الذي تقدمه بسبب موقف أو رأي سياسي.


ما فاجأني حينها، وهو موضوع المقال، هي مداخلات أغلب اﻹخوة المصريين، والتي جاءت على النحو التالي: قال أحدهم: “يجب أن لا تكون السلطة في يد الدولة”. استغربت القفزة الكبيرة هذه، من مناقشة مشكلة استمرارية عمل المنظمات غير الحكومية إلى موضوع توزيع أوراق “السلطة” بين الدولة والمجتمع!


وأنا في محاولة استيعاب المداخلة الأولى، جاءت الثانية لتزيد من محاولتي صعوبة: “لا يمكن أن يكون الحل متمثلاً في دعم الدولة لهذه المنظمات”. الصعوبة كانت في فهم التبرير: “إذا ما دعمت الدولة هذه المنظمات، فستتحول إلى منظمات رسمية، تُملي الدولة عليها شروطها، وفي آخر المطاف لن تقوم بعمل لله، إنما ما تفرضه عليها الدولة”. استطعت أن أمسك هنا خيطاً فاصلاً بين العمل للدولة، والعمل لله بالمطلق مرسومٌ في المخيلة هناك!


جاءت المداخلة الثالثة لتلخبط أوراق استيعابي أكثر: “النظام اﻹسلامي يعزز من قيم التكافل والتكاتف، فتعزيز هذا النظام سيدفع إلى إيجاد آليات تنظم العلاقة بين الدولة، يقصد هنا المتبنية للنظام الإسلامي بطبيعة الحال، والمنظمات غير الحكومية”. هكذا، بكل بساطة وتسطيح! وكأن كل المنظمات خيّرة مسالمة، لا تنتظر إلا أن يحكمها نظام إسلامي ليعم خيرها على الجميع.



التحدي أكبر بكثير من مجرد تغيير نظام، أو إسقاط انقلاب

مداخلة رابعة “يائسة”: “الدولة القومية والمركزية تظل شيئاً غير إنساني”، النتيجة غير المنطوقة: لا يمكن أن نصل إلى حل تحت ظلها. مداخلة خامسة: “السلطات في بلادنا هي كمن يقول لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد”. وسأكتفي هنا بهذه المداخلات، والتي كانت بالمناسبة كلها من إخوة مصريين.


بصراحة، لا أستطيع أن أتعاطف مع هذه الآراء، رغم أني جلست أتأمل الظروف الأمنية القاسية التي ربما كانت سبباً في تشكلها، لأني متأكد بأن مثل هذا الأفق لم يُغلق بسبب الظروف الحالية فقط، إنما كان لأفكار تأسيسية دور في بنائه، فأصبحت العقلية مأزومة بتسطيح المُعقّد، والقفز على تشعّب القضايا، والشمولية في النظرة، واحتكار الحق والصواب، الذي يكون عادة مقروناً بالدين.


لا أريد أن أُحمّل تلك المداخلات أكثر ممّا تحتمل، ولا أن أُسهب في تحليلها، ولكنها كشفت لي وبوضوح سبباً من أسباب انسداد الأفق في الحالة السياسية الراهنة، والذي يعكس في رأيي إنسداداً واضحاً في المخيّلة الفكرية لمعظم الناشطين السياسيين. كما كشفت لي أن التحدي أكبر بكثير من مجرد تغيير نظام، أو إسقاط انقلاب.


المقال منشور في صحيفة العربي الجديد

نظّارة !

image

خرجت من المحل، أتعمد قراءة اللوحات البعيدة، لأتأكد من أن الوضع أفضل..
نعم، الكلمات أكثر وضوحاً ودقة !
أطيل النظرة الأولى في أعين من يراني من المتسكعين أمامي في المجمع،
ظننتُ بغباء غير معهود أنهم سيلحظون تغيّراً..!

انتباهٌ جديد لم التفت إليه من قبل:
هذا يلبس نظارة، ذاك لا يلبسها،
هذه جميلة بنظارتها، ولكن ربما تكونُ أجمل لو كان إطارها أعرضُ قليلاً !
“فاشنيستنا نظارات” ؟!
لم لا، قد يكونُ لي السبقُ بعد أن طفحت أجهزتنا بالفاشنيستا التقليديين!

عند بوابة الخروج من مواقف السيارات..
– ريالان.
– غريبة! عادة أدفع أكثر من ذلك بكثير!
– لأنك وقفت أقل من ساعة.
كنت سأرد بابتسامةٍ عريضةٍ لا تنم عن فرح: (نعم، جئت فقط لاستلم نظارتي الجديدة)
ولكني تذكرت أنه أيضاً لم يلحظ تغيّراً، لأنه لا يعرفني من أساس!

عند الإشارة..
هذا الجالس خلف مقود السيارة بجانبي،
لمَ ينظر إلي؟ نعم لا يعرفني، ولكن هل لاحظ ارتباكي خلف هذه العدسات!
تباً.

شيئان جيدان حتى الآن:
أولاً، أشعر بأني أطول.. كأني أطفو قليلاً على الأرض.
ثانياً، النحيفات لا زلن لوناً أجمل.
تلك التي بجانب السائق.. عند الإشارة..
أكدّت ذلك!

في رثاء خالد بوحمود

image

كان فريقاً رائعاً ذاك الذي حظيَ يوماً بكَ مُديراً له*.
وكُنتُ أنا محظوظاً ليس فقط بالتعرف عليك، إنما بالأوقات الطويلة التي قضيتها، أنا وباقي أفراد عائلة فريق نادي البحرين لكرة الطاولة معك.
إذا كان لجهود إدارة النادي، و كفاءة المدرب، ومهارة اللاعبين أنفسهم، دور في تميزهم واعتلاءهم منصات التتويج محلياً وخليجياً، فإن صبرك غير المحدود في إدارته ومتابعته، والتواصل المستمر مع إدارة النادي لتلبية متطلباته، الدور الأبرز وراء نجاحاته.
كان يكفي حضورك لإعادة اللاعبين إلى الحماس المطلوب في التمارين.
إذا يأس مني المدرب، استنجد بك..
تكفي منك مكاملة لتليين عنادي، ووضع حد لكسلي،
تطلب بلينك المعهود، فأستحي إلا أن أمتثل في اليوم التالي مُستعداً على طاولة التمرين!

تعرّف مدربنا الصيني على عظمة الإسلام من خلالك، فكان يضرب فيك المثل قائلاً: الإسلام ليس شعائر فقط، إنما أخلاق والتزام، كما خالد بوحمود، خالد بوحمود يُمثل الإسلام حقيقةً.

في المباريات، تختار لك عموداً تتوارى خلفه، تُخفي توترك عن اللاعب الذي يلعب، وأحسب بأنك كُنتَ تُصلي هناك بعيداً عن أعيننا، تطلب من القدير النصر والتوفيق، تُرسل نظرات التشجيع للاعبين، فيركد توترهم ويزداد تركيزهم.
كُنتُ أفرحُ كثيراً إذا ما رأيت ابتسامة الفوز العريضة مرسومةً على وجهك،
وأُحبط كثيراً إذا لم أُوفّق في رسمها !
تقفز لا إرادياً إذا ما انتصر فريقنا في المباراة،
تنتظر حتى آخر المباراة، ولا يغمرك الفرح لمجرد إحراز نقطة أو اثنتين،
لأنك تعلم أن الفوز هو من يفوز في النهاية،
وأن العبرة بختام اللعبة، وليست العبرة بإحراز نقطتين أو ثلاث..
وها أنت وصلت إلى ختام هذه الحياة الدنيا،
ونحسبك من الفائزين.
تركتنا مؤمنين بقضاء الله وقدره، وظانين بالله كل خير، بأنه سينقلك إلى دارٍ خير من دارك.
تركتنا آسفين على حالنا وتقصيرنا !
رحمك الله، مُذكراً الناس به حياً وميتاً..
رحمك الله، وأسعدك.. آمين.
🙏

* فريق نادي البحرين لكرة الطاولة

أول الشوق

image

إحترت بِمَ أُصدِّرُ رسالتي هذه،
كيف يجب أن تكون الكلمات اﻷولى؟
لا هي ليست اﻷولى، فقد سبق وأن كتبتُ لك بعض الحديث، ربما جاءت حيرتي بعد أن طبعت كلمة “عزيزي” قبل قليل ثم مسحتها، مُتردداً.. هل “عزيزي” جميلة بما يكفي؟!

حسناً يا صغيري،
أول الشوق؟!
نعم هو،
اجتاحني أثناء رحلة عودتي الليلة شوقٌ جارفٌ لك!
ليس شوقاً لسماع صرختك اﻷولى، لا..
أشتاقك اﻵن كما أنت،
مُتكوّراً في بطن أمك.
أشتاقُ تحسس حديثك.
ركلاتك الصغيرة التي تُسقط كل التعب؟!
كيف لها أن تفعل ذلك؟!
كيف لها أن تمنح هذه الحياة معنىً يستحق العناء؟!
فهمتُ معاني الكلمات، اﻷلحان، معنى الحس والهمس والنظر.
لكني لم أتخيل يوماً أن يجتاحني حُبٌ بركلةٍ منك أتحسسها بعد منتصف ليلٍ، تحظى أمك فيه بفرصةِ نومٍ عميق!

لن أطيل عليك أكثر،
فقط أشتاقك اﻵن في هذه اللحظة كثيراً،
شوقٌ أول، لم يحدث أن باغتني من قبل!
..

Up in the air from Istanbul to Doha
21 April 2105

التعويذة Mascot

image

ربما الرابط الوحيد بين معنى التعويذة: تميمة أو رقية يُعتقد أنها تحمي الإنسان من السحر والشر، و”التعويذة” كترجمة لكلمة mascot: اللباس المُصمم على شكل شخصية، عادةً ما تكون شخصية فيلم، برنامج، أو حدث. ربما الرابط الوحيد بين الكلمتين هو أن صورة الأخيرة تُطبع وتُعلق على مختلف المنصات كما تُعلق التمائم.
..
الغريب في هذه التعويذة أنها تتناقض مع معنى التعويذة/التميمة، ففيها السحر نفسه! ما إن تخرج هذه التعويذة بين التجمعات، يحتشد حولها الناس، وتلتفت إليها الأنظار، ويسعى المارون لالتقاط صورة تذكارية معها. وما إن يدخل لابسها غرفة تبديل الملابس، ويخرج بدونها، يبطل السحر، فلا يحتفي به طفلٌ، ولا يلتفت إليه أحد!
..
لابس التعويذة، يظهر في العادةِ مُبتسماً، فيُقبل عليه الناس بابتساماتٍ واسعة، ترتسم بعفوية ما إن يروه. بينما هو في الداخل يعاني ثقل ما يلبس، ويتصبب عرقاً، ويكتمه حرٌ خانق.
كم ناشرٍ للفرحِ مسحولٍ قلبُهُ هماً ووجعاً.
..
لجلب الأنظار..
هناك من يلبس الغالي، ويُوظّف مصوراً مُحترفاً،
ليحصل على تعويذته الخاصة.
وهناك من يقتصد فيقوم بمهمة التصوير بنفسه معتمداً على الكاميرا الأمامية بهاتفه
الجوال، ولكنه يقتصد في ملبسه أيضاً!
“الماركة” تعويذة الأول.
التعري تعويذة الثاني.
..
لن أكرر النصائح، والتي بالمناسبة طفحت بها وسائل التواصل الاجتماعي، “الانستغرام” في ذلك مُتصدراً،
-هل توجيه النصائح تعويذة الثالث هنا؟!-
لن أكرر ذلك وأقول: إجعل من طيب معشرك ومكارم أخلاقك تعويذة.
بل سأوغل في المثالية فأقول:
لا تلتفت في الأصل لجلب الأنظار،
-إلا إذا كان في ذلك أكل عيشك، أو سداً لنقصٍ فيك أتعبك!-
واجعل من التصالح مع ذاتك تعويذةً لنفسك، وليس للناس.
ودندن معي كما دندَنَ شُويّخٌ هَرِمٌ صقلته الحياةُ حكمة، فقال:
اش عليَّ أنا من الناس،
واش على الناس مني !

تخيل أنك اكتشفت جمالاً بِكراً

image

تخيل انك اكتشفت جمالاً لم يُكتشف بعد ..
جمالٌ بِكرٌ، لم تتحرش به عيون،
ولم تفُضُّهُ كلماتُ غَزَلٍ من شعرٍ أو نثر،
ولم تطء رماله خطوات عابر،
وبأنانية اﻹنسان تسعى تملّكَهُ وحدك ما استطعت..
وبطبيعة البشر، تعجز عن ذلك!
..
كُلُنا فينا جمالٌ لم يُكتشف،
فيأتي أحدهم ويدلنا عليه،
وكما نألف اللوعة والضجر، نألفُ جمالنا،
فنبحث عن مُستطلعٍ آخر لعله يكتشفُ فينا جديداً.
نعتادُ الجمالَ، ولا نعتادُ نشوةَ الاكتشاف..
..
معنى الجمال يكمُنُ في المُكتشِف لا المُكتَشَف
هو من يعطيه نبضاً وحساً

النوم في السفر

image

أكره النوم.
لأني لا أعيش هذه الحياة القصيرة عندما أكون نائماً.
أخاف النوم.
أن أحلامي، في كثيرٍ من الأحيان، تُرعبُني !
في السفر، تتغير هذه العلاقة،
لا يُخيفُني موعده كما يفعلُ غالباً.
لأن أحلامي عندما أكون مُسافراً،
تقل كثافتها، وتخف وطأتها !
أذكرُ حُلماً غريباً حلمتهُ في أول ليلة لي بعد عودتي من سفر..
-هل يصح وصفنا لحلم بالغريب؟-
في الحلم ذاك، كان هناك من يقول لي:
“هذه أحلامك تنتظرك..”
وكانت أحلامي كالهدايا المُغلفّة، تملأ ثلاث أكياس ورقية مصفوفة بجانب سريري..
تنتظر عودتي من السفر لأكتشفها في مناماتي واحدةً تلو الأخرى..!
وبالفعل،
كنت أحلم حُلمين إلى ثلاثة أحلام في الليلة الواحدة..
..
هل تؤَجَّل الأحلام..؟!
هل تُقرض المُتعبين مثلي فتراتٍ من الصفو والراحة، وتؤجل سداد عذاباتها إلى حين..؟!
لا أدري.

تصبحون على خير 🙂

قبل أن تثرثر في الطائرة..

image

دعوني أقترح على شركات الطيران هذا الاقتراح:
ضوء صغير وخافت جداً بجانب الشاشة المقابلة لكل مسافر، للمسافر الخيار أن يجعله أخضراً أم أحمر!

أخضر يرمز إلى أنه لا مانع لدي أنا المسافر من التحدث معك جاري العزيز الذي شاء الله أن تلتصق بي في هذه الرحلة، ومستعد نفسياً أن أتبادل معك أطراف الحديث، ومستعد ذهنياً لتطلعني على كل ما يدور في رأسك من خواطر، يا من اخترت السماء مكاناً لترتب أفكارك أو تفريغ أحاديثك.

واﻷحمر يرمز إلى أنني لست في حالة جيدة للحوار، ربما يكون موضوعك أخي الجار مُمتعاً، وربما تكون عيناك أختي الجارة لذيذة، ولكني في هذا الوقت، لا أشتهي سماعاً ولا تلذذاً !

وبما أن هذا الاقتراح قد لا يرى النور، قريباً على اﻷقل، فدعونا  نؤسس عُرفاً جديداً ونضمنه في “اتيكيت” السفر على الطائرة.

إذا كنت تود الدردشة مع جارك في الطائرة، افتح موضوعاً قصيراً ومُحدداً، وأنتظر بعده، إذا استرسل جارك في الحديث، فهذا ضوءه أخضر، وإن اكتفى برد مختصر، فهذا ضوءه أحمر، كُن لبِقاً واحترم رغبته في الصمت، وأكتم شهية لسانك حتى تصل وجهتك، وثرثر ما شئت مع أول من تقابله من أصحابك أو أهلك على اليابسة !

توجيه أخير؛ إذا كانت جارتك في الرحلة تلك التي قبل ركوب الطائرة كنت تتمنى حظاً خرافياً، وتسأل في نفسك متضرعاً “يا رب جنبي .. يا رب جنبي”، إذا ما حالفك الحظ وصارت جارتك، فأطلعها على هذه الكلمات من هاتفك الجوال، لتتعرف علي، عفواً لتتعرف على هذا الاتيكيت الجديد، وتفتح أنت موضوعاً للنقاش، فلربما كان ضوءها أخضر!
..
ثرثرة طويلة جاءت في غير وقتها مع رجل جاورني في إحدى رحلاتي الأخيرة دفعتني لكتابة هذه التدوينة.

القانون يُنهي التسويق الشبكي في البحرين

 Simple organizational structure

كُنتُ في أمسٍ بعيد أشبّهُ الشباب المتورطين في “التسويق الهرمي” بالفامبايرز![1] ووجه التشبيه هو سعيهم الدؤوب في نشر عدوى التورّط في هذا النوع من التجارة، إلا أن الفامبايرز كانوا يتخفون في الكهوف المظلمة، بينما هؤلاء اتخذوا من المقاهي (كوستا في أغلب الأحيان) مكاناً لاجتماعاتهم وعرض مشاريعهم على الآخرين. وقد اختفت هذه الموضة عن البحرين لمدةٍ طويلة، إلى أن تورط وزير سابق في إحدى شركاتها، وقرر أن يؤسس لشبكتها العالمية فرعاً في البحرين، فاستعان بمدرب مرموق لا تنقصه الحجة وقوة الإقناع ليُسهّل له ذلك. اختلف هذه المرة شكل التجارة فقط، وظل نفس الجوهر، وأقنعوا عدداً لا يُستهان به من الشباب، وبقية القصة معروفة للجميع.

كنت واثقاً بأن نهاية الموضوع ستكون كسابقتها، موضة وتنتهي، إلا أن البحرين، وعبر قرار من وزير الصناعة والتجارة، حظرتها قبل أيام بالقانون، لتضع نقطة نهاية الفصل الأخير لهذه التجارة.

B9_K5cWCUAAVmnI

اليوم، وبعد أن منعت البحرين التسويق الشبكي/الهرمي، أقترح جاداً على الشباب الذين تورطوا في هذا النشاط، أن يعقدوا اجتماعاتٍ مطولة وورش عمل متواصلة، ليُبادروا بأفكار مشاريع اقتصادية حقيقية، وبالإمكان أن تُسهل عليهم الشبكة التي تربطهم ابتكار الأفكار التمويلية للمشاريع المُقترحة، وأن يُباشروا بعدها بالتنفيذ على أرض الواقع. فما اكتسبوه من خبرة خلال الفترة الماضية، وقدرة على عقد الاجتماعات والاقناع وعرض الأفكار، تؤهلهم ليُصبحوا روّاد أعمال حقيقين. وليثقوا بأنهم سيشعروا بمتعة أكبر بكثير من تلك التي كانت تجتاحهم وهم يصعدون مسرحاً في بلد آسيوي بعيد وسط تصفيق -مدفوع الأجر- مهول!

وأقول للرجلين المحترمين الذين ورّطوا شبابنا في مثل هذا النوع من النشاط التجاري؛ بادروا أنتما بتنفيذ المقترح،  فأنتما تملكان ما يكفي من الخبرات والعلاقات التي بإمكانكما استثمارها، وبالتعاون مع الشباب الذين دخلوا في شبكتكم التسويقية، تستطيعون بإذن الله تأسيس مشاريع اقتصادية حقيقية على أرض البحرين، تستفيدون منها جميعاً، وتُفيدون من خلالها الاقتصاد الوطني.

في الختام، أرجو من وزارات الصناعة في دول الخليج أن تحذو حذو البحرين في قرارها.

 خدعة الأرباح في التسويق الشبكي/ الهرمي

[1] من المهم جداً أن أبين هنا بأني أحترم جداً، رغم تشبيهي، الشباب الذين تورطوا في هذه التجارة، وأكن لهم صادقاً كل المودة والاحترام

ربحت “العرب” وخسرت البحرين

أحمد الحربان – العربي الجديد:

   للأسف حصل ما توقعته، لم يصل النظام في البحرين إلى تفاهم مع قناة العرب يُبقيها على أرضه، لتستفيد البحرين من وجودها وتستثمره إعلامياً واقتصادياً وسياسياً. لم يحتمل أصحاب المعالي والسمو هذا الوضع الغريب عليهم: أن يُستضاف عضو الوفاق على قناة تلفزيونية مقرها البحرين دون التنسيق معهم، أو أخذ الضوء الأخضر على الأقل. ورغم أن من رأى اللقاء سيشعر وأن المُقدم أكتفى بقراءة مقالات كُتّاب السلطة إعداداً له، فقد كان أسلوبه حازماً، وردوده على خليل المرزوق قوية، صريح بتبرير حق النظام في سحب جنسيات من يراهم يزعزعون أمنه.

   صحيح أن استضافة خليل المرزوق، العضو القيادي في الجمعية المعارضة الوفاق، لم تكن بداية موفقة للقناة، إلا ان قرار إيقافها في رأيي، ورأي كثيرين غيري، لم يكن أكثر توفيقاً.

   بعض الكُتّاب وقفوا كعادتهم في كل مرة، كل مرة، مُدافعين عن القرار السياسي، فلم تفتقر مقالاتهم للمنطق فقط، ولم تكتفِ بالتناقض أيضاً – حديثهم عن حرية الرأي والتعبير واستنكارهم استضافة عضو الوفاق-، بل أشاروا أيضاً إلى أن أمن البحرين فوق أي اعتبار، وفوق أي استثمار إعلامي أو اقتصادي، متهمين كل من يخالفهم  رأيهم حول قرار الإيقاف بالتواطؤ، ولو بالرأي، على أمن البحرين واستقرارها!

   نعم.. تلك الأقلام مع حرية الرأي والتعبير، بشرط أن لا تختلف عن رأيهم وتعبيرهم، ففي الغالب أنك إن فعلت، فستكون عن قصد أو غير قصد، داعياً إلى زعزعة أمن البلاد واقفاً في صف الإرهاب! و”نوتة” تبعات أحداث 2011 حتى اليوم جاهزة، يكررونها مقالاً بعد آخر، وإدراجك كحرفٍ موسيقيٍ فيها لن يكون عسيراً، ليُصوروك، بسبب رأيك، أقل وطنية لأرضك وقيادتك!

   إذا كان الرياضيون اُضطِرّوا إلى كتمان غيضهم بسبب قرار الانسحاب من بطولة العالم لكرة اليد[1]، فإن غيضاً لا يقل عنه يكتمه الإعلاميون الشباب اليوم، تجرأ بعضهم وأعلنه ولو على استحياء، وامتنع أغلبهم عن ذلك[2]. هؤلاء الشباب لا يُمثلهم بعض قادة الرأي من كُتاب ورؤساء تحرير يلوون كل منطق لتبرير كل قرار سياسي، أولئك الكُتاب الذين إذا ما تجرأوا يوماً وانتقدوا قراراً سياسياً في مقال، سارعوا لتأكيد ولاءهم في أكثر من مقال لاحق، وكأن انتقاد أي قرار سياسي مُخرج من الوطنية!

   ماذا بعد إغلاق القناة؟ هل ستُعدم المعارضة من الظهور على القنوات الفضائية؟ من سيكون ضيوف نفس القناة من المعارضة البحرينية فيما لو انتقلت إلى لبنان أو لندن؟ ماذا عن الخبرة التي سيكتسبها الشباب البحريني العاملين في القناة، والتي من الممكن استثمارها في مشاريع قادمة؟ ماذا عن استثمار هذه الذراع الإعلامية في الملفات والقضايا العربية والإقليمية؟

   من الصعب جداً بعد هذا القرار الحديث عن حرية الرأي والتعبير في البحرين، بغض النظر عن تقدمنا على معظم دول الخليج في هذا المجال، ومن الغرور عدم الاكتراث لهذه التداعيات. ولا يهم هنا إن كانت أي دولة خليجية أو عربية ستتخذ نفس الموقف من القناة أم لا، فمن يطرح المقارنة هذه هو كمن يقول: لا ضرر من الرسوب في امتحانٍ رسب كل الزملاء فيه!

   إيقاف قناة العرب، من يوم القرار وحتى وقت طويل قادم، سيكون العنوان الأبرز للإعلام وحرية الرأي والتعبير في البحرين. فكما قال وزير خارجية البحرين عن القناة خلال استضافته في برنامج (في الصميم) على روتانا الخليجية: “وجود هذه القناة في البحرين سيرسل رسالة صحيحة عن البحرين وعن المنطقة“.. للأسف، الرسالة “الصحيحة” أُرسِلت، ووصلت للعالم، يا معالي الوزير.

 

* نُشر هذا المقال في موقع جريدة العربي الجديد بعنوان (ربح الضيف وخسر المضيف): هنــا

[1] أشار إلى هذا القرار، وغيره من القرارات التي أغاضت قطاعات واسعة من الشعب، الكاتب البحريني إبراهيم الشيخ في مقالة له: هنــا

[2] مقال للأخ الفاضل راشد الجاسم ينتقد المواقف المؤيدة لقرار إيقاف القناة: هنــا