رواية(صالح)

“اسمع أنت يا خميس، أنت مب عارف شتسوي بروحك، تسوي الغلط، وبعدين ترقعه بغلط. ساعدتني أطلع من الديرة عشان تثبت للكبارية إن الضابط اللي فوقك مب كفو! سعيت تصدر لي عفو بطريقة تشب بها الطائفية! حاولت تعطل رجعتي بالتعهد وشروطه لأنك فشلت في المرة الأولى والثانية، ووين ما تطقها عوية! انت ما فشلت لأنّي قوي! لا! أنت فشلت لأن أهل الديرة واعيين لك. ما تبوني أتدخل في السياسة، أصلاً مافي حياة سياسية عندنا! ما تبوني أسوي حراك حزبي، أبشرك، الأحزاب ماتت من نفسها! الشي اللي ما تقدرون توقفوني أنا وغيري عنه، هو إني أربّي عيالي وعيال الديرة، وأخليهم واعيين لك ولأمثالك. إحنا رايحين، وانتوا رايحين، وهم باقيين، والديرة باقية”.

صالحهذا كان آخر مشهد من رواية (صالح)، وهذا ما قاله بطل الرواية (صالح) لصديق له يعمل في الأمن  بعد عودته إلى البحرين، خرج منها قبل 15 عام، نهاية 1970 تحديدًا، هاربًا من الإنجليز، الذي كان هو ورفاقه يناضلون لطردهم من البلاد، ليستقر في دمشق ويُصبح عضوًا في حزب البعث العربي الاشتراكي، لينتقل بعدها إلى اليمن ويشارك أصحابه هناك النضال عن طريق إدارته لورشة تعيد تأهيل قطع السلاح، ويرجع بعدها إلى دمشق ويُعلن عن قراره الانعتاق من الحزب، قلت انعتاقًا لأن استقالته لم تكن مجرد التخلص من الالتزامات الحزبية فحسب، وإنما كانت كفرًا بأفكار الحزب أو توجهاته، هكذا يبدو لي كقارئ، وينتهي به المطاف عائدًا إلى البحرين بعد أن سعى له رفاقه القدامى عند بعض “الشيوخ” بتهيئة ذلك وتأمين وضعه.

الرواية للكاتب البحريني الشاب يوسف حسن، وقد حرصت على قراءتها لسببين رئيسيين، أولاً لأن كاتبها صديق عزيز جدًا، ثانيًا لأنها تتكلم عن شيء من تاريخ بحريننا الحبيبة، ونضالات شعبها.

احترت كثيرًا في تقييم الرواية، فهي جاءت مختزلة ومختصرة جدًا، فيها قصة ولكن ليس فيها إلا القليل من “الأدب” إن صح التعبير، وكأنها عبارة عن رؤوس أقلام لقصة فيلم قدمها كاتب لمنتج، ولكن في الوقت نفسه في هذه الرواية القصيرة، ورغم ما تفتقر إليه من جماليات وأجواء يود القارئ عادةً أن يعيشها عندما يقرر قراءة رواية، رغم ذلك إلا أن فيها قصة كما ذكرت، وليست أي قصة، تُسلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ البحرين الحديث، ومن الحراك الحي المقاوم للاستعمار فيها.

من يقرأ الرواية يتذكر المسلسل البحريني العظيم (سعدون)، وكأن الرواية تحكي الفصل الثاني من قصة سعدون.

وبمناسبة الحديث عن مقاومة الاستعمار البريطاني، من المناسب التذكير هنا أن البحرين استقلت 14 أغسطس 1971، وقد مرت ذكرى هذا الاستقلال قبل أيام مرور الكرام على الإعلام الرسمي، بل أن كثيرًا من الشباب لا يتذكر هذا التاريخ ولا يعني له شيئًا، وهذا لا يقتصر على البحرين وحدها، بل كل دول الخليج. وأقول صادقًا، لا أدري لماذا أثار هذا الأمر انتباهي هذا العام أكثر من أي عام سابق، وأنا الذي بلغ عمري خمس وثلاثين عامًا! بحثت في الانترنت عن (دول لا تحفل بعيد استقلالها)، فحصلت على هذا الموضوع (دولة لا تحتفل بعيد استقلالها)، فابتسمت وقلت، هذا ليس صحيحًا، نحن لا نحتفل بذكرى استقلالنا أيضًا.

وقد سألت بعض الأصدقاء، لماذا لا نحتفل بيوم الاستقلال، فجاءتني مجموعة من الإجابات، كانت أكثرها إثارة (وهل دولنا مستقلة؟). هذه الإجابة ذكرتني بتساؤل آخر، كان ولا زال يتردد صداه بعد أن طرحه أحدهم: (ماذا سنخسر نحن كشعوب لو رجع الاحتلال البريطاني المباشر للمنطقة؟!).

“صالح” وإن كانت رواية قصيرة جدًا بإمكانك أن تُنهيها في يوم واحد، إلا أنها تضيء منطقة شبه مُعتمة من تاريخنا الوطني، فخيوط حكايتها لم تكن من نسج الخيال..!

الرواية متوفرة في متجر كيندل.