رغوة حجي السوداء

رغوة سوداء

رغوة سوداء by حجي جابر

My rating: 5 of 5 stars

قصة غير اعتيادية، بالنسبة لي، ومتأكد لكثيرين غيري. قرأت لحجي سابقاً سمراويت، أستطيع أن أقول أننا نتحدث هنا عن مستوى آخر تماماً.

أعجبتني الرواية جداً، أعجبني معالجة الكاتب لبعض الجوانب النفسية، فضلاً عن معالجته للقضية الرئيسية: الهوية والبحث عن النجاة.. النجاة بأي ثمن!

كما أن مساري الرواية، الماضي القريب لبطلها، وحاضره بامتداده الوثيق، تكنيكاً يستخدمه كثير من الكُتّاب، ولكن حجي وظَّفَهُ هنا أيما توظيف.

بعض الاقتباسات:

الإرتري لا يعرف الغضب، هو يحزن وينكسر وينزوي فقط، لكنه لا يغضب. الغضب ترف عند المغلوبين، بينهم وبينه سياج من الإذلال والإخضاع. الغضب فعل إرادة، والمغلوب منزوع الإرادة والقرار“.

ليته انتبه وقد حاذاها، ليته اصطدم بها، تعثّر بالعود. ليته لم يحتج ليتقدّم أكثر، ليته وصل قبل أن ينتبه. ما أسوأ الانتباه قبل الأوان، ما أسوأه بعده“.

يشعر الآن أن الوقت قد فات ليكون منتمياً، والانتماء يحدث في جانب منه لأمور قلبية صِرفَة تتشكَّل في البدايات فحسب“.

كثيرة هي المواضيع التي تثيرها الرواية، ولكن يحضرني الآن سؤالاً واحداً بعد أن أتممتها.. أيجب أن يكون الأقصى قضيتنا الأولى حقاً، أم الإنسان المقهور في أوطاننا العربية؟! أم أن هذه لن تتحقق إلا بتلك؟ أم لا علاقة مباشرة بينهما؟

View all my reviews

رواية(صالح)

“اسمع أنت يا خميس، أنت مب عارف شتسوي بروحك، تسوي الغلط، وبعدين ترقعه بغلط. ساعدتني أطلع من الديرة عشان تثبت للكبارية إن الضابط اللي فوقك مب كفو! سعيت تصدر لي عفو بطريقة تشب بها الطائفية! حاولت تعطل رجعتي بالتعهد وشروطه لأنك فشلت في المرة الأولى والثانية، ووين ما تطقها عوية! انت ما فشلت لأنّي قوي! لا! أنت فشلت لأن أهل الديرة واعيين لك. ما تبوني أتدخل في السياسة، أصلاً مافي حياة سياسية عندنا! ما تبوني أسوي حراك حزبي، أبشرك، الأحزاب ماتت من نفسها! الشي اللي ما تقدرون توقفوني أنا وغيري عنه، هو إني أربّي عيالي وعيال الديرة، وأخليهم واعيين لك ولأمثالك. إحنا رايحين، وانتوا رايحين، وهم باقيين، والديرة باقية”.

صالحهذا كان آخر مشهد من رواية (صالح)، وهذا ما قاله بطل الرواية (صالح) لصديق له يعمل في الأمن  بعد عودته إلى البحرين، خرج منها قبل 15 عام، نهاية 1970 تحديدًا، هاربًا من الإنجليز، الذي كان هو ورفاقه يناضلون لطردهم من البلاد، ليستقر في دمشق ويُصبح عضوًا في حزب البعث العربي الاشتراكي، لينتقل بعدها إلى اليمن ويشارك أصحابه هناك النضال عن طريق إدارته لورشة تعيد تأهيل قطع السلاح، ويرجع بعدها إلى دمشق ويُعلن عن قراره الانعتاق من الحزب، قلت انعتاقًا لأن استقالته لم تكن مجرد التخلص من الالتزامات الحزبية فحسب، وإنما كانت كفرًا بأفكار الحزب أو توجهاته، هكذا يبدو لي كقارئ، وينتهي به المطاف عائدًا إلى البحرين بعد أن سعى له رفاقه القدامى عند بعض “الشيوخ” بتهيئة ذلك وتأمين وضعه.

الرواية للكاتب البحريني الشاب يوسف حسن، وقد حرصت على قراءتها لسببين رئيسيين، أولاً لأن كاتبها صديق عزيز جدًا، ثانيًا لأنها تتكلم عن شيء من تاريخ بحريننا الحبيبة، ونضالات شعبها.

احترت كثيرًا في تقييم الرواية، فهي جاءت مختزلة ومختصرة جدًا، فيها قصة ولكن ليس فيها إلا القليل من “الأدب” إن صح التعبير، وكأنها عبارة عن رؤوس أقلام لقصة فيلم قدمها كاتب لمنتج، ولكن في الوقت نفسه في هذه الرواية القصيرة، ورغم ما تفتقر إليه من جماليات وأجواء يود القارئ عادةً أن يعيشها عندما يقرر قراءة رواية، رغم ذلك إلا أن فيها قصة كما ذكرت، وليست أي قصة، تُسلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ البحرين الحديث، ومن الحراك الحي المقاوم للاستعمار فيها.

من يقرأ الرواية يتذكر المسلسل البحريني العظيم (سعدون)، وكأن الرواية تحكي الفصل الثاني من قصة سعدون.

وبمناسبة الحديث عن مقاومة الاستعمار البريطاني، من المناسب التذكير هنا أن البحرين استقلت 14 أغسطس 1971، وقد مرت ذكرى هذا الاستقلال قبل أيام مرور الكرام على الإعلام الرسمي، بل أن كثيرًا من الشباب لا يتذكر هذا التاريخ ولا يعني له شيئًا، وهذا لا يقتصر على البحرين وحدها، بل كل دول الخليج. وأقول صادقًا، لا أدري لماذا أثار هذا الأمر انتباهي هذا العام أكثر من أي عام سابق، وأنا الذي بلغ عمري خمس وثلاثين عامًا! بحثت في الانترنت عن (دول لا تحفل بعيد استقلالها)، فحصلت على هذا الموضوع (دولة لا تحتفل بعيد استقلالها)، فابتسمت وقلت، هذا ليس صحيحًا، نحن لا نحتفل بذكرى استقلالنا أيضًا.

وقد سألت بعض الأصدقاء، لماذا لا نحتفل بيوم الاستقلال، فجاءتني مجموعة من الإجابات، كانت أكثرها إثارة (وهل دولنا مستقلة؟). هذه الإجابة ذكرتني بتساؤل آخر، كان ولا زال يتردد صداه بعد أن طرحه أحدهم: (ماذا سنخسر نحن كشعوب لو رجع الاحتلال البريطاني المباشر للمنطقة؟!).

“صالح” وإن كانت رواية قصيرة جدًا بإمكانك أن تُنهيها في يوم واحد، إلا أنها تضيء منطقة شبه مُعتمة من تاريخنا الوطني، فخيوط حكايتها لم تكن من نسج الخيال..!

الرواية متوفرة في متجر كيندل.

مئة عام من العزلة

انتهيت البارحة من قراءة الرواية العالمية (مئة عام من العزلة)، للروائي العالمي المشهور غابرييل غارسيا ماركيز، وجائني أكثر من استفسار عن الرواية وعن انطباعي حولها فور كتابتي للعبارة التالية (انتهيت للتو من قراءة مئة عام من العزلة !) في الـ My Status في كتاب الوجه، أقصد الـ Facebook .

أتعبتني الرواية قليلاً كما أتعبت فاطمة عطاوي، إحدى الأخوات اللاتي علقن على الحالة، لسببين بسيطين، وهما أن أحداثها ليست مترابطة بالدرجة التي تشد القارئ، فكنت قد بدأت في قراءتها منذ مدة طويلة نسبياً، وما انتهيت منها إلا الليلة، بينما أنهيت أكثر من كتاب قد بدأت القراءة فيهم بعد بدايتي في الرواية. لم تشدني كثيراً لهذا السبب، فأنت عندما تقرأها نادراً ما تشعر بأنك عاجز عن التوقف رغبةً في معرفة الأحداث التالية.

والسبب الثاني والأكبر هو تشابه أسماء شخصياتها، فهم من عائلة واحدة، تتكرر أسماؤهم كثيراً، فتجد نفسك وأن تقرأ ترجع إلى الوراء مقلباً الصفحات لتعرف عن أي (أورليانو) يتكلم الكاتب مثلاً!

تقع الرواية في نسختها العربية في 530 صفحة تقريباً، وعندما كنت في آخر صفحاتها الخمسين أدركت أمراً وكأني لم ألحظه في البداية، أو النصف الأول منها على الأقل! وهو غياب الحوار التي تزخر به الروايات عادة، فكانت الحوارات نادرة جداً فيها، وعندها فقط أحسست بتلك العزلة الرهيبة التي لازمت كل الشخصيات الأساسية في الرواية.

ما يبهرك هو مقدرة هذا الكاتب، الحائز على جائزة نوبل، في كتابة تفاصيل نفسيات شخصيات القصة، وما يعتلج بداخلهم، التي عاشت في نفس المكان، وتشاركت نفس القدر تقريباً.

أمر أخير أود أن ألفت إليه القرّاء، وهو تنبيه أنقله من مدونة ( من فرقنا ) للمدون السعودي أنور الحازمي، الذي قضى 5 سنوات في قراءتها! طبعاً قراءة متقطعة –هذا يعني أني لست الوحيد الذي لم تشده الرواية كثيراً- :100yea

من أراد ان يستمتع بالرواية عليه ان يترك ترجمة د.محمد الحاج خليل ، الذي أفقدها نكهتها ويعود السبب في ذلك لأنه ، كما علمت لاحقاً ،  ترجمها من الإنجليزية وليس من لغتها الأم الأسبانية كما فعل المبدع صالح علماني . الأمر الآخر ، يجب ان تكون قاريء روايات محترف حتى تستطيع التلذذ بها . اخيراً ، تكرر الاسماء في الرواية عالجه صالح علماني بعمل مشجرة جميلة  في اخر الرواية تساعد على عدم الخلط .

العصفورية

    إذا كان فهرس الكتاب الذي أقرأه غير وافي وكافي ويخفي كثير من المواضيع التي يحملها الكتاب، وكثيراً ما يكون كذلك، تجدني أنشئ فهرساً خاصاً بي في الصفحة الأولى من الكتاب أو الأخيرة، أيتهما تُركت فاضية، كلما مرَّت علي فائدة أو رأي أعجبني أو أثارني سجلته فيه مع رقم الصفحة، وهذا ما يفعله معظم محبي القراءة، حتى يرجعوا بسرعة لبعض المعلومات أو الملاحظات التي أعجبتهم دون كثير عناء في البحث والتنقيب، ويكفيهم أن يتذكروا بأن الموضوع “الفلاني” قد تناوله هذا الكتاب حتى يرجعوا إلى ما قرأوه يوماً، ليستخدموه في اقتباس أو تحليل أو مجرد للتذكر أو غيرها.. وهكذا.288ima
بين يَدَّي رواية قرأتها منذ فترة للدكتور غازي القصيبي بعنوان (العصفورية)، والعصفورية مصحة نفسية يلتقي فيها الأطباء بالمرضى النفسيين، حيث التقى –في الرواية- الدكتور الشامي (ثابت) بـ (البروفيسور) بطل الرواية، ومن المهم الإشارة إلى أن بطولة هذا الأخير في لسانه لا غير! حيث أن الرواية من أولها إلى آخرها عبارة عن “هذرة” بين الدكتور وهذا المريض المسمى بالبروفيسور، وبدقة أكثر،”هذرة” هذا البروفيسور العجيب على الدكتور ثابت، وتناوله لقضايا وظواهر وشخصيات كثيرة !
لا أستغرب أن أرى من يقرأها أمامي وهو يضحك بصوت عالي، فهذا ما كنت أفعله، الرواية ساخرة إلى أبعد الحدود، ورغم خلوها من الأحداث المتسلسلة واقتصارها على “النطنطة” من موضوع إلى آخر، إلا أنها رائعة بأسلوبها الشيق الساخر.. أسلوب القصيبي !
لم أستثنِ الروايات من إنشاء فهارسي الخاصة بها، فكما تعلمون بأن الكاتب يتناول في روايته آراء ووجهات نظر وتعليقات حول بعض المواضيع، أو ربما يورد في روايته معلومات قيّمة. لذا دعوني أن أقدم لكم هنا عنوانان كتبتهما في فهرسي الخاص لهذه الرواية مع نقل ما أشارا إليه..
الأخلاق.. لا يمكن تطويرها بعيداً عن الدين
مقطع من حوار البروفيسور مع الدكتور ثابت، الذي بدأ ببداية الرواية، وانتهى بنهايتها! والحديث بدايةً هنا للبروفيسور :
         سو وت إز يور بروبلم دوك ؟! هل تود أن نبحث موضوع الخير والشر؟! نبحث! في البداية، لا يوجد نظام أخلاقي بمعزل عن الدين. لا أتكلم عند ديني فحسب، أتكلم عن الدين عموماً. بدون دين، لا يمكن أن توجد معايير أخلاقية. عندما تصبح متديّناً، يمكن أن تدينني أخلاقياً.
         شو ها الحكي يا بروفيسور؟! شو خصّ الدين بالأخلاق. ممكن الواحد يكون ملحد وعنده أخلاق عالية.
         آه! بدأت، يا حفيد فرويد، تتكلّم لغة جدك فرويد. ومع احترامي الشديد لكما، أقول إن هذا كلام فاضي. تجليط. ربش! والفلاسفة الذين حاولوا تطوير فلسفة أخلاقية بمعزل عن الدين وقعوا في حيص بيص. وحيص بيص تعني ربكة وربشة ودهشة. وحيص بيص اسم شاعر خرج من منزله ذات يوم وقال: (مالي أرى الناس في حيص بيص؟). فسمّاه الناس حيص بيص. ونسوا اسمه الأصلي. ونسيته أنا. ونساه هو. وهذا ليس موضوعنا الآن. موضوعنا الفلاسفة الذين وقعوا في حيص بيص. بدءاً بالعم أفلاطون اليوناني وانتهاءً بالأعمام المنفعيين في هذا القرن. أفلاطون غير المتدين اضطر، في نهاية المطاف، إلى اقحام الآلهة في حكاية الخير والشر. زعم أنه يمكن تبيّن الخير كحقيقة قائمة بذاتها، ولكنه أتى بالآلهة، زيادة في الاحتياط. والمنفعيون في هذا الزمان قالوا إن العمل الأخلاقي هو الذي يحقق أكبر قدر ممكن من السعادة لأكبر عدد ممكن من الناس. يا سلام! هذا هو العمل الأخلاقي؟ ربّما سببت إباحة الزنا مثل هذه السعادة. أو إباحة المخدرات. بهذا المقياس، يصبح كل شيء أخلاقياً، إذا ارتضت الأغلبية. والأغلبية الساحقة في ألمانيا ارتضت هتلر. أو هل نسينا ذلك؟ بدون معيار ديني ثابت لا يتغير، يتحول عمل الشر إلى عمل خير، والعكس، بمجرد تغير مشاعر الناس. يمكننا أن نتصوّر مجتمعاً في الغد يرحب بقتل كبار المسنين والعجزة، برضا الأغلبية.
         هيدي مبالغة، يا بورفيسور! مبالغة فظيعة!
…..
         … لم يوجد فيلسوف واحد نجح في تطوير فلسفة أخلاقية لا دينية … ثم جاء الفيلسوف نيتشه الذي أعلن، قبحه الله ولعنه، موت الله، وموت كل الأخلاقيات الدينية. والبديل، يا نيتشه؟! البديل هو (السوبرمان)، الذي تحلل من كل المواريث الخلقية ليطور أخلاقياته الخاصة. (السوبرمان) الذي لديه من عظمة الروح ما يجعل أعماله فوق الخير والشر. يا سلام! مات نيتشه مجنوناً. الحق أقول لك، أنه جن نتيجة هذه الفلسفة. حاول أن يكون (السوبرمان)، فأصبح المجنون. اللهم شماتة، وألف شماتة! وفتح نيتشه الباب أمام الفلسفة الوجودية. التي أردات أن تكحلها فعمتها. إذا اتخذت قرارك بمطلق الحرية، كان قرارك أخلاقياً. والسلام! بالله عليك، أليس هذا تخريفاً ؟ …
         أوكي يا بروفيسور! أوكي! أوكي! أوكي! آمنا واقتنعنا. لا أخلاق بدون دين. هل من الممكن أن نعود إلى قصة حياتك ؟
         أنت الذي بدأت قضية الخير والشر. عندما تصبح متديناً سوف أقبل منك أحكاماً أخلاقية. أنت الذي بدأت !
مناقشة فكرية !
وفي الصفحات الست التي يحيل إليها هذا العنوان، يقص البروفيسور على الدكتور ثابت الحوار الذي دار بينه وبين أحد المنتمين لجماعة حزب النور -يقصد الإخوان المسلمين- عندما جمعهم السجن، وسماه (الدكتور ضياء المهتدي)، وقد تناول الحوار قضايا فكرية عديدة، أنقل ما جاء في آخرها – دون قصد مناقشة أو إثارة هذه الأفكار أو الحديث عن أصحابها – والحديث يبدأ للبروفيسور في رده على استشهاد ضياء بكلام الشهيد سيد قطب (رحمه الله) :
“(سبق أن قلت لك أننا لا نبحث عن نصر عاجل). قلت: (ولا يجب أن نبحث عن موت محقق. القوة الآن للعلم يا أخي ضياء. أصبع تضغط على زر فيموت ملايين البشر. ما لم تملك هذا الزر فلا تبدأ معركة مع من يملكه. وأنا بصراحة، يا أخي ضياء، لست متفائلاً بازدهار العلم في دولة تتخذ من أفكار سيد قطب دستوراً لها). قال فضيلته مستنكراً: (ماذا تقصد؟). قلت: (هات الكتاب! يقول سيد قطب: “أصبح نتاج الفكر الأوروبي بجملته – شأنه شأن إنتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان في جميع البقاع – شيئاَ آخر ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقدمات التصور الإسلامي“. أخشى لازم هذا المذهب). قال فضيلته: (لازم المذهب ليس بمذهب. ولكن ماذا تخشى؟). قلت: (أخشى أن يؤدي رأيه إلى رفض العلوم كلها باعتبارها نتاج فكر أوروبي جاهلي). قال فضيلة الدكتور: ( ولكن الإمام الشهيد استثنى العلوم التطبيقية البحت). قلت: (أخشى أنه لم يستثنها). إسمع ما يقوله: “إن هناك ارتباطاً بين القاعدة الإيمانية وعلم الفلك، وعلم الأحياء وعلم الأحياء، وعلم الطبيعة، وعلم الكيمياء، وعلم طبقات الأرض“. هذا كلام غريب يا أخي ضياء. كيف توجد لعلوم طبيعية كهذه قاعدة إيمانية؟). قال ضياء المهتدي: (أوضح الإمام الشهيد قصده عندما قال إن الهوى المنحرف استخدم هذه العلوم للانحراف عن الله). قلت: (أنا لا أتحدث عن الهوى. أتحدث عن العلم. العلم علم! العلم هو محاولة لاكتشاف القوانين التي أودعها الخالق خليقته. إذا سبق المسلمون إلى اكتشافها، فهذا الأولى. أما إذا سبق غير المسلمين فهذا لا يغير من طبيعتها العلمية؛ لا يوجد قانون جاذبية إسلامي وقانون جاذبية كافر. ولا توجد معادلات رياضية صالحة ومعادلات طالحة. وإذا رأى الشهيد العظيم غير ذلك، فقد كان الشهيد العظيم على خطأ). قال ضياء المهتدي: (التقدم الجاهلي مرفوض حتى عندما يكون تقدماً علمياً). قلت: (معذرة يا أخي ضياء! لا يوجد تقدم علمي جاهلي وتقدم علمي إسلامي. يوجد تقدم علمي وتخلّف علمي. الشر في القرار السياسي الي يسيئ استخدام العلم، لا في العلم نفسه. العلوم محايدة)…”
 
في لقاء مع جريدة الوطن، حاورت الأخت الفاضلة أمل المرزوق الدكتور القصيبي، وهذا  أحد الأسئلة التي وجهتها إليه:
يا سيدي “جئت بذكر صدام حسين في أكثر من إصدار لك، على سبيل المثال: شقة الحرية، سيرتك الشعرية، وحياة في الإدارة” فما طبيعة العلاقة التي جمعتك بحسين؟
         لم أرَ صدام حسين سوى بضع مرات خلال مؤتمرات قمة، ولم ألقه لقاءاً ثنائياً سوى مرة واحدة. من الناحية الشخصية إذن لا توجد علاقة من أي نوع (ولاتصدقي كل ما تقرأينه في “شقة الحرية”!). إلا أن صدام حسين يشغلني كـ (ظاهرة) .. ظاهرة الديكتاتور الذي يستعبد شعباً كاملاً ويقوده إلى الدمار، ويجد مع ذلك من يصفق له ويشيد به. إلى هذه الظاهرة تطرقت في “العصفورية” عبر شخصية برهان سرور، وناقشتها بتفصيل أكبر عبر شخصية “همام أبو سنتين” في رواية سعادة السفير. إن النقاش حول ظاهرة الديكتاتور يجب ألا يتوقف بموت الديكتاتور. يجب أن نفهم طبيعة الوحش حتى لا يمتلئ مستقبلنا بالوحوش.
 
يحزن المرأ عندما يقرأ أو يرى واقعنا الذي نعيش.. (العصفورية) –بسخريتها- تجعلك ترى هذا الواقع وأنت تضحك !
 
 

شبكـة كارلايـل

إذا أردت أن تعرف شيئاً عن الاستغلال السياسي للحصول على مكاسب اقتصادية، والاستغلال الاقتصادي للحصول على مكاسب سياسية، وعن طرق ذلك، فَتَعَرَّف على (كارلايل).
وإذا أردت أن تفهم الأسباب وراء عدد لا بأس به من القرارات السياسية، أو الاقتصادية، فاطَّلع على (كارلايل) كمثال جيد جدير بالدراسة.
وإذا أردت أن تعي ما يمكن أن يدركه السياسيون والاقتصاديون، اذا التقوا، مستغلين بعضهم بعضا، أو بعبارة أصح، متقاسمين مصالحهم بكفاءة، فـ (كارلايل) ربما تكون النموذج الأمثل على ذلك.
مع تحفظي على التفريق بين مصالح رجالة السياسة ورجال الاقتصاد، 153imaخاصة في عالم اليوم، وأكثر خصوصية في النظم الديموقراطية الغربية.
ولا أظنك ستتعرف على كل ذلك بعيداً عن كتاب الصحفي والكاتب المرموق (فرانسوا ميسان)، والذي يحمل عنوان (شبكة كارلايل.. ممول الحروب الأمريكية). ولإعطاء لمحة عن ما اتحدث عنه هنا، أنقل من الكتاب :
“ينتسب كل من (ستيفن نوريس) و(ديفد روبنشتاين) و(دان دانييللو) و(ويليام كونواي) إلى تلك الطبقة الأنيقة والمحببة التي كثيراً ما تعوَّد رجال (“كارلايل) –وهنا يقصد الفندق الفخم بنيويورك حيث يلتقي علية القوم لا الشركة- وموظفوها على التعامل معها. اعتاد الجميع، وكل من موقع اختصاصه، على إبداء مهارة فائقة في مجال الكسب وتنمية حساباته المصرفية من ناحية، ثم كسب ود واهتمام أصحاب القرار في عالمنا الحالي. لقد أشعلت نجاحاتهم الشخصية، السريعة والمتتالية في عقد الصفقات المربحة، نار جشعهم إلى درجة أن قرر الأربعة توحيد كفاءاتهم ودفاتير عناوين زبائنهم لخلق أحسن ظروف النجاح … اتخذوا من اسم ذلك الفندق المهيب، في صيف 1987، اختاروا لمجموعتهم المالية اسم (كارلايل)!”.”
“ما إن مرت سنة على ذلك الحدث حتى أصبحت مجموعة الاستثمار الصغيرة تحتل مكانتها بين المؤسسات الخمس الأولى في عالم المال والاستثمار بنيويورك. خاصة وأن هذه الشركة الوليدة لا تعرف حداً، لا في كمية ولا في طبيعة ما تبيعه: من الدبابة إلى الشقة السكنية الفخمة، ومن شبكات الهاتف إلى خطوط أنابيب النفط الخام … وبقدر تنوع مبيعاتها تنوع زبائنها: من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، إلى المملكة العربية السعودية، إلى كوريا الجنوبية. لا نبالغ في شيء إذا قلنا إنها اليوم تحتل مركز القرار السياسي للولايات المتحدة الأمريكية”.
ثم يبين الكاتب كثيراً من الخيوط المتشابكة التي وضحت له من خلال دراسته لهذه الشركة، وأسهب في كشف غموض طريقة عملها، غير الأخلاقي في كثير من الأحيان إن لم يكن في كلها، وتطلعاتها في نصيب اقتصاد عدد من الدول، ومواطئ قدمها في أوروبا، وضلوعها في شركات المرتزقة، التي توفر (وحوشاً) لخوض الحروب، والتي أصبح عملها رسمياً لا غبار عليه قانونياً! وعلاقاتها مع أصحاب رؤوس الأموال أمثال (عائلة بن لان)، ودورها في مساعدة جورج بوش الابن للوصول إلى سدة الحكم، وغيرها الكثير الكثير من الخبايا.
بطبيعة الحال، تحرص (كارلايل) على اقتناص الأشخاص النافذين أصحاب العلاقات الواسعة والمؤثرة ليحتلوا مراكز متقدمة في هذه الشركة، لا سيما متقاعدوا السلك الدبلوماسي أو العسكري أو الاستخباراتي، أمثال (فرانك كارلوتشي)، و(جورج بوش) الأب، الذي صار فيما بعد أبرز رجال التسويق لهذه الشركة العملاقة !
لن أطيل الحديث في التفاصيل، وإلا لأكثرت النقل من الكتاب الجدير بالاطلاع، وحسبي أن أحيلكم إلى عدد من المقالات في نهاية المقال، وتقتصر إضافتي في إثارة هذه التساؤلات:
هل هناك من أصحاب رؤوس الأموال والأثريا المسلمين، عرباً أو غيرهم، من يستفيد من تجربة هذه الشركة في بناء التحالفات العابرة للقارات، ويستغلها أمثل استغلال لتغيير جزء من واقعنا المزري، خاصة مع تحول رؤوس الأموال إلى المنطقة بعد 11 سبتمبر ؟!
هل تمثل (كارلايل) دليلاً صارخاً على فساد النظام الديمقراطي في الإمبراطورية الأمريكية ؟!
أم إنها دليل واضح على نجاح هذا النظام الذي وَفَّرَ لهذه الشركة وأمثالها البيئة المناسبة، ومكّنها من السيطرة على أغلب القرارات السياسية والاقتصادية التي تضمن تقدم أمريكا على بقية الدول بطريقة غير الحكومية، طريقة القطاع الخاص والرأسمالية، في عالم الرأسمالية ؟!
     (كارلايل).. شركة ولدت من رحم حكومة منتخبة ديموقراطياً، وأصبحت تؤثر تأثيراً قوياً جداً في اختيار أمها –الحكومة- القادمة، كتأثيرها في قراراتها السياسية، لجني الأرباح بأسرع الطرق، حتى وإن كانت تفضي إلى التشجيع على شن الحروب وزهق الأرواح، لجني أرباح بيع المزيد من السلاح !
مسألة جديرة بأن تقض مضاجع المفكرين ذوو النوايا الحسنة في الولايات المتحدة، كان الله في عونهم، وعوننا نحن الذين فقدنا حتى مضاجعنا لتتعرض لشيء من “القضقضه” !
 
 
بعض المقالات ذات الصلة :
 
خبر حديث عن نشاط الشركة :

عالمٌ يحتضر

مجلس مستقبل العالم
122imaلم أسمي هذه المقالة باسم الكتاب الذي سأتناوله فيها كعادتي (تصوّر لمستقبل البشرية.. إنشاء مجلس مستقبل العالم)، فكلمة الاحتضار قفزت وظلت قافزة في ذهني وأنا أقرأ هذا الكتاب حتى انتهيت منه، وإلى الآن! فلم تترك –الاحتضار- مجالاً لأي كلمة أخرى لتصف الوضع المتدهور والإنذار المدوي الذي يطلقه كوكبنا.
على مستوى البيئة[1]
·        انكمشت مساحة غطاء الغابات العالمي، خلال القرن العشرين، بنسبة 40%.
·        حدث أكبر خسران في التنوع الأحيائي، منذ العصر الجليدي الأخير.
·        نفقد من التربة الزراعية ما وزنه أربعة أطنان في السنة، لكل فرد من سكان العالم.
·        تضخمت مشكلة تغير المناخ وأصبحت منذرة بالخطر.
·        ذوبان أنهار جليدية وكتل ثلجية، في العالم كله.
·        تتفاقم حدَّة شُحِّ المياه، وتنعكس آثارها السيئة على حياة البلايين من البشر.
·        يمثل التسرب الإشعاعي من الأسلحة والمنشآت خطراً دائماً.
·        يتشرَّدُ الملايين نتيجة نضوب الموارد وتدهور الأنظمة البيئية.
وبخصوص الشأن الاجتماعي:
·        يمتلك أغنى 20% من البشر 85% من موار العالم.
·        يمتلك أفقر 20% من البشر أقلَّ من 2% من هذه الموارد.
·        يعيش 2 بليون إنسان في حالة فقر مدقع.
·        يعيش 1,3 بليون إنسان عند حد الفقر، بينما يموت سَغَباً –جوعاً- 25 ألف إنسان، في اليوم الواحد !
·        يعاني البلايين من سكان المدن ظروفاً بيئية مروعة.
·        يواجه بلايين الريفيين حياة غير كريمة وظروف عمل سيئة.
·        تستشري أزمة الديمقراطية في العالم بأسره
هذا غيضٌ من فيض! أعتقد لو كنا، أنتَ وأنتِ وأنا، من سكان القمر، لنظرنا كل مساء إلى كوكبنا المجاور وقلنا: (إلى أين يذهبون هؤلاء المجانين بكوكبهم الجميل؟!). وربما يقول أحفادنا: (حكى لنا أجدادنا أنه كان هناك كوكباً رائعاً أسمه الأرض يقع قريباً منا) !
ربما نحن في العالم العربي لا نهتم بإنذارات البيئة والحياة الاجتماعية كاهتمام الدول الغربية، لأننا نعيش ما هو أسوأ، حروب وقتل وتشريد، لذا لا نجد ذلك التفاعل الذي نراه عندهم حيال القضايا البيئية والاجتماعية، بل أفقدتنا هذه الأخيرة –الحروب- احساسنا بأمور كثيرة، حتى بها نفسها! فلم يعد الكثير منا يهتم لما يجري في فلسطين أو العراق أو دارفور أو غيرها.
عموماً، من هذا الوضع المأساوي برزت فكرة مجلس مستقبل العالم، والتي أطلقها بداية السويدي جاكوب فون أويكسيكول، ونالت قبولاً وانتشاراً واسعاً في مختلف أرجاء المعمورة، وهي باختصار عبارة عن مجلس يضم مائة “من أفراد بارزين ينتقون من كل أنحاء العالم … تجمعهم لقاءات دورية منتظمة، يهتمون فيها بسد ثغرات خطط العمل العالمي، حماية لحقوق الأبناء والأجيال القادمة، ويعطون تصوراتهم لما هو ضروري، وليس فقط لما قد يبدو ممكناً ومحتملاً من وجهة النظر السياسية .. سيكون على المجلس أن يقترب في عمله من شبكات عالمية للبرلمانيين والمجتمع المدني … إن وسائل الإعلام المختلفة ستكون أدواته لنشر ما تتوصل إليه مباحث ومشاورات المجلس في أرجاء المعمورة؛ وقد تم تخصيص قناة SWR التلفازية الألمانية لتغطية اجتماعات المجلس. وسيشجع المجلس على تكوين مجالس فرعية، لتنشيط دعم الشعوب لما يقترحه من إجراءات وسياسات”.
يقسم القائمون على فكرة المجلس التحديات التي تواجه العالم إلى ثلاثة أقسام (بيئية – إجتماعية – اقتصادية وسياسية ) ويقترحون 24 لجنة خبراء تندرج تحت هذه الأقسام، توفد هذه اللجان أعضاء منها في اجتماع المجلس السنوي لعرض مقترحاتها والترويج لها.
تناول الكتاب نبذة مختصرة عن كل لجنة، مشيراً إلى بعض التساؤلات البارزة في مجالها، على سبيل المثال:
إصلاحات مالية وضرائبية :
(إن أكبر مشاكل العالم هي كثرة الأموال) آندي إكسيي، من علماء مورجان ستانلي الاقتصاديين.
لقد تفجَّرت الثروات المالية حتى تجاوزت معدلات نمو الثروات الحقيقية؛ ومع ذلك، فلا زلنا نسمع من يخبرنا بعدم وجود الأموال اللازمة لعمليات الإصلاح. لقد فرضنا الضرائب على القوى العاملة البشرية بصورة فاقت قدرتها على الاحتمال، في أغلب الأحوال؛ وفي الحين ذاته، نُدعِم استغلال الموارد النادرة، ونقدم لها خصماً على ضرائبها. إننا بحاجة لتحسين مفهومنا عن كيفية تكوين الأموال؛ كما أننا بحاجة ماسة لأن نعيد ترتيب أوضاع النظام النقدي، تلبيةً لاحختياجات الناس، واحتراماً لحدود الطبيعة.
فما هي أفضل طريقة لكسب الثروات الحقيقية؟ وما الدور الذي تستطيع الأنظمة النقدية المحلية والإقليمية أن تضطلع به؟ وكيف نستطيع توفير التمويل للإصلاحات الملحَّة؟ وهل يجب على الحكومات أن تُحِدَّ من حقها السيادي في إصدار النقود، لصالح الأموال الناتجة عن الديون التي تخلقها البنوك الخاصة؟ وما هي منافع ومثالب النظام المصرفي القائم على الربا؟ وهل يمثل النظام المالي الإسلامي بديلاً فعّالاً؟ وما هو نوع الإصلاح الضريبي الذي يضمن استغلالاً أنظف وأكثر كفاءةً للموار؟
ماذا عن المنظمات الدولية الأخرى القائمة فعلاً ؟!
يقول هيربرت جيرارد، كاتب أحد أبواب الكتاب “دعوةٌ للفعل”: (لقد صرنا باحتياج لهذا المجلس بعد أن أصبح جلياً عجزُ المبادرات الموجودة عن الوفاء بمتطلبات حماية المستقبل … فإن الشركات والأمم ونظام العلاقات الدولية القائم، لا يزال كلها قاصراً عن إجراء التغييرات الضرورية).
الكتاب صغير في حجمه، فهو فقط كما قال المؤلف: (يهدف إلى إثارة الجدل حول مدى حاجتنا لمجلس مستقبل العالم، وما ينتظره من أدوار يقوم بها). ولا أود أن أتطرق لكل ما جاء فيه، فالموقع الالكتروني للمجلس يُغني.
في خاتمة الكتاب كلمات تأييد لفكرة مجلس مستقبل العالم، الذي يبحث عن تمويل ليباشر عمله، تلتها قائمة بأسماء عديد من الشخصيات البارزة، من كل أنحاء العالم، أبدت دعمها وتأييدها لمبادرة المجلس. بحثت في الأسماء المئة وتسعة عشر (119) التي احتوتها القائمة فلم أجد فيها اسماً واحداً ينتمي لدولة عربية، سوى كلمتي التأييد الأولى، للدكتور بطرس بطرس غالي من مصر، والثانية لصاحب السمو الملكي الأمير حسن بن طلال من الأردن. يبدو أن الالتفات لنا كان متأخراً نوعاً ما، بل هو كذلك كما أشارت -ضمناً- الأستاذة غباش في مقدمتها !
84newpكثيرة هي التساؤلات التي قد تثيرها الفكرة في أذهان القرَّاء، ولكن القناعة موجودة بأننا كبشر، رغم اختلافاتنا الكثيرة، مسئولون عن حياة أجيال قادمة، والتحديات أصبحت مشتركة بشكل واضح، تدعونا لتحرك عالمي جماعي، وهو ممكن في عالم اليوم بفعل التقنية. وممكن أكثر، في ظني، إذا اعتمد على حراك مدني بعيد عن أي سياسات حكومية !
هو حلمٌ وردي، بل ورديٌ فاقع! نأمل أن يرى النور، ولن نكتفي بالأمل، بل سنساهم، متى ما أمكننا ذلك، كشباب نتطلع دوماً للتغيير إلى الأفضل.
 
شكـر وتقديـر للأستاذة الدكتورة رفيعة غباش رئيسة جامعة الخليج العربي، أولاً على إهداءها إياي هذا الكتاب. ثانياً على إهتمامها بالموضوع، وجهدها وتوجيهها لترجمة هذا الكتاب وإخراجه باللغة العربية ونشره في الوطن العربي.
 
 


[1]المصدر: الكتاب نفسه (تصور لمستقبل البشرية.. إنشاء مجلس مستقبل العالم)

ملائكـة وشياطيـن

1ارتمت رواية شيفرة دافنتشي (The Davinci Code) في الغرفة مدة طويلة، وفوقها عدد لا بأس به من الكتب التي تنتظر أن ينتشلها صاحبها –أنا- وأن يعيد إحياؤها من خلال قراءته لها. سبب واحد دعاني لشراء هذه الرواية، شهرتها والضجة التي أثارتها. وسبب آخر شجعني لذلك، التخفيض –الوهمي- الذي وضعته المكتبة لعدد من الكتب، عند زيارتي لها في ذلك اليوم، ومن بينها هذه الرواية، وعلى الرغم من “وهمية” التخفيض إلا أنه دفعني للشراء، فن التسويق! وكانت أضخم رواية أقتنيها حتى ذلك الوقت، فعهدي بقراءة الروايات جد حديث –قرأت أول رواية في 2007، “الجنية” لغازي القصيبي-.
من عادتي أن أصطحب معي كتاباً أو أكثر في السفر، ووقع الاختيار على هذه الرواية مع كتاب آخر، ولأني نسيت هذا الأخير في الطائرة هناك، أصبحت قراءة الرواية قريبة جداً بعد طول انتظار، فقرأت نصفها تقريباً على ضفاف النيل، وأكملتها بعد العودة إلى الوطن. سؤال، إذا كان سفري قليلاً، هل من حقي أن أسمي اصطحابي لكتابٍ معي عادة ؟!
شيفرة دافنتشي.. آسرة بكل معني الكلمة. أظن بأني سأظل حتى اليوم جاهل لتلك الملعومات الكثيرة التي تضمنتها لولا قراءتها. ورغبت كثيراً بعدها في مشاهدة الفيلم الذي صور الرواية، وبعد مشاهدتي إياه أصبت بإحباط، فالرواية في جمالها ودقة تصوريها للأحداث فاقت الفيلم بمراحل كثيرة !isbn99
لذا لم أتردد في شراء رواية ثانية لدان برون “ملائكة وشياطين“، رغم أنها أكبر من الأولى بسبعين صفحة (570 صفحة)، خاصة وأن بطلها نفس بطل الرواية الأولى، بروفيسور من جامعة هارفرد متخصص في الرموز الدينية وتحليلها، السيد روبرت لانغدون.
انتهيت قبل يومين من قراءة الرواية، وهي أيضاً رائعة للغاية، بل ربما أكثر من الأولى بقليل. باختصار تتكلم عن الصراع بين باباوات النصارى والعلماء، أو بين الدين النصراني والعلم. يكشف الكاتب في روايته تاريخ هذا الصراع بتفاصيل عجيبة، ويطرح آراء متباينة في هذه القضية من خلال الحوار الدائر بين شخصياتها، كما ويبين خطأ تفسير الدين –دينهم هم- الذي أدى إلى تطرف العلماء وسعيهم لتقويض دور الكنيسة كردة فعل لموقف الكنيسة من العلم والعلماء وآرائهم.angels
إعداداً لكتابة هذا المقال، بحثت في الانترنت عن “الطبقة المستنيرة”، الطبقة المتخلخلة في الماسونية والتي تحارب الكنيسة كما جاء في الرواية، فوقعت على مقال في إحدى مدونات مكتوب يتناول قصة الرواية باختصار، لذا لن أعيد الجهد، وأترككم مع الرابط أدناه لمن أراد معرفة المزيد عن الرواية.
الخبر الجديد هو أن “توم هانكس” بطل فيلم The Davinci Code يصور حالياً فيلم “ملائكة وشياطين” ومن المؤكد أنه سيثير ضجة كسابقه. ومن المؤكد كذلك أنه لن يغني أولئك القراء الذين يحبون عيش تفاصيل القصة من قراءة الرواية.
وهذا موقع الكاتب دان براون > هنــا <
الجميل في الموقع أنه يحتوي على صور الأماكن التي دارت فيها أحداث القصة، وقراء الروايات وحدهم يعلمون الشغف لرؤية مكان أحداث رواية عاشوا تفاصيلها وأسرتهم أحداثها.
وكما قررت من قبل أن أشتري كل روايات صاحب أول رواية قرأتها، القصيبي، وتقريباً فعلت، وتقريباً كلها قرأت، كذلك سيكون الحال مع دان برون !
للذين يقرأون.. إذا ما نويتم قراءة الرواية، فلا تقرأوا ملخص القصة في الرابط الذي وضعته لكم أعلاه، وإلا ستفقدون معظم الإثارة التي فيها، هذا إذا لم تفقدوها كلها !
مع تمنياتي لكم بأوقات ممتعة مع “ملائكة وشياطين“..
 

الشركات والعالم المسطّح

كيف تستطيع الشركات تدبر أمورها
في هذا الفصل يضع الكاتب سبع قواعد، على الشركات أن تضعها في الحسبان لتتمكن من تدبر أمورها في العالم المسطح، واعتمد على تدليل كل قاعدة بقصة من قصص النجاح التي نقلها من أصحابها، لن أتطرق لها كلها، ولكني سأركز على قصة ARAMEX ..
 
القاعدة الأولى: عندما يتسطح العالم – وتشعر بالتسطّح – تعرّف جيداً إلى نفسك ولا تحاول بناء الجدران.
 
القاعدة الثانية: على الصغير أن يتصرف كالكبير… من طرق ازدهار الشركات الصغيرة في العالم المسطح تعلم كيفية التصرف كالكبار. ومفتاح تصرف الصغار كالكبار سرعة الاستفادة من كل أدوات التعاون الجديدة للوصول إلى مسافة أبعد بسرعة أكبر وعلى نطاق أوسع وأعمق.fadiga
وفي هذه القاعدة تناول الكاتب قصة فادي غندور، مؤسس وصاحب شركة ARAMEX. كثيرٌ منا يعتقد أن هذه الشركة أميركية أو أجنبية على الأقل، وأنا واحد ممن اعتقدوا ذلك، واكتشفت لاحقاً أنها شركة عربية، حينما وقع الاختيار على فادي غندور ليكون المتحدث الرئيسي لملتقى إدارة الأعمال الأول في جامعة البحرين (مايوم 2006). ARAMEX كما أشار الكاتب أول شركة عربية تدرج في ناسداك، بل الشركة العربية الوحيدة التي أدرجت فيها !
اتفق غندور مع شركة إيربورن إكسبرس الأميركية، على توصيل طرودهم في الشرق الأوسط، بدلاً من تسليمها لمنافسين عالميين مثل DHL، واستفادت ARAMEX من نظام إيربورن المحوسب للتتبّع والتعقب، بل اعتمدت عليه وأصبحت تتتبع طرودها باستخدام الغرفة الخلفية في إيربورن. إلى أن أتقن موظفو ARAMEX النظام واستخدمتهم إيربورن في تركيبه في كل أنحاء العالم، واشترت الأخيرة 9% من ARAMEX لتوثيق عرى العلاقة. ارتفع عدد الموظفين في ARAMEX إلى 2300 موظف بدون أي عقود حكومية كبيرة !
اشترى غندور وشركة من دبي في أوائل 2001 الشركة من المساهمين، وذلك بعد الضربة التي تعرضت لها ناسداك بسبب إنهيار فورة الانترنت.
في 2003 اشترت DHL شركة ايربورن! وأعلنت أيربورن في يناير 2004 أن نظامها للتتبع والتعقب –الذي تعتمد عليه ARAMEX– لم يعد متاحاً لشركائها في التحالف سابقاً. بعدها سعى غندور لإيجاد تحالف آخر، واجتمع مع كل الشركاء الرئيسيين في المجموعة، وعملت ARAMEX على تطوير برمجية في الأردن للحلول محل نظام إيربورن. “أبلغهم فادي أن الفأر سيحل محل الفيل”. يقصد بأن ARAMEX ستأخذ محل ايربورن.
يقول فادي: “إننا نقوم الآن بإدارة هذه الشبكة العالمية المكوّنة من أربعين شريكاً متحالفاً، ونغطي كل المناطق الجغرافية في العالم. لقد وفرنا الكثير من المال… فكل ما تحتاج إليه في نظامنا القائم على الوب هو برنامج تصفح وكلمة مرور للدخول إلى شبكة آرامكس، وفجأة تجد أنك ولجت إلى نظام عالمي للشحن”.
ويقول أيضاً: “إننا مؤسسة مسطحة جداً … ليس هناك أكثر من طبقتين إلى ثلاث طبقات بيني وبين أي موظف في الشركة. ولكل موظف في حقل المعرفة في الشركة حاسوب متصل بالانترنت وبريد الكتروني. ومن حاسوبك هنا يمكنني النفاذ إلى شبكتنا الداخلية وأعرف ما الذي يحدث بالضبط في المؤسسة بدون أن يقدم إلي الموظفون الكبار التقارير”.
“باختصار، استفاد فادي غندور من عدة أشكال جديدة من أشكال التعاون –سلاسل التوريد والتلزيد إلى الخارج والتلزيم في الداخل- لجعل شركته الصغيرة التي يبلغ حجم أعمالها 200 مليون دولار في السنة شركة كبيرة جداً. أو كما عبّر عن ذلك باسماً: (كنت كبيراً محلياً وصغيراً على الصعيد الدولي، وعكست ذلك)”.
 
القاعدة الثالثة: وعلى الكبار التصرف كالصغار… فمن الطرق التي يتعرف فيها الكبار الازدهار في العالم المسطح تعلم كيفية التصرف حقاً كالصغار عن طريق تمكين عملائهم من التصرف كالكبار.
كابلان، الرئيس التنفيذي لشركة E*TRADE: “انقلبت الأمور من تحكم الشركات بسلوك المستهلكين إلى تحكم المستهلكين بسلوك الشركات. تغيرت قواعد الاشتباك، وإذا لم تستجب لذلك وتقدم للعملاء ما يريدون، سيقوم بذلك أحدهم وسيقضى عليك”.
“تعامل فادي غندور مع التقارب الثلاثي بأخذ شركة صغيرة ووضع استراتيجية لكي تتصرف كشركة كبيرة جداً، وحافظ متشل كابلان على بقاءه بأخذ شركة كبيرة وجعلها تتصرف كشركة صغيرة جداً بحيث يتمكن العملاء من التصرف كالكبار”.
 
القاعدة الرابعة: أفضل الشركات هي أفضل المتعاونين. فستزداد في العالم المسطح الأعمال التي تنجز عن طريق التعاون داخل الشركات وفيما بينها، لسبب بسيط جداً: ستصبح الطبقات التالية لإنشاء القيمة – سواء في التكنولوجيا أم التسويق أم الطب الحيوي أم الصناعة – معقدة جداً بحيث لن تتمكن شركة أو دائرة واحدة من إتقانها بمفردها.
فيفيك بول، رئيس ويبرو: “في الأيام الخوالي، ربما كنت تحدث نفسك عندما تنشئ شركة، (آمل أن نصبح شركة متعددة الجنسيات خلال عشرين عاماً). واليوم تحدث نفسك بأنك ستصبح متعدد الجنسيات في اليوم الثاني. اليوم تنشأ شركات من ثلاثين موظفاً، عشرين منهم في سيليكون فالي، وعشرة في الهند… وإذا كنت شركة متعددة المنتجات، فقد تكون لديك بعض العلاقات الصناعية في ماليزيا والصين، وبعض التصميم في تايوان، وبعض العملاء للدعم في الهند والفلبين، وربما بعض الهندسة في روسيا والولايات المتحدة”.
 
القاعدة الخامسة: تحافظ أفضل الشركات على عافيتها بفحص نفسها بالأشعة ثم بيع النتائج إلى العملاء.
“أفضل الشركات اليوم تفحص نفسها بالأشعة بانتظام، لتحديد مجالاتها المناسبة وتقويتها وتلزيم الأشياء غير المميزة –أي تلك التي يمكن أن يقوم بها الآخرون وبتكلفة أقل، وربما جودة أعلى-“.
 
القاعدة السادسة: أفضل الشركات تلزم أعمالها إلى الخارج لتكسب، لا لتتقلّص. وهي تلزّم الأعمال لكي تبتكر بسرعة أكبر وبأقل تكلفة وتنمو أكثر، وتكسب حصة في السوق، وتستخدم مزيداً من الاختصاصات المختلفة – لا لتوفير المال بصرف العاملين.
يقول الكاتب: “لاشك في أن هناك شركات تقوم بتلزيم أعمال جيدة ومستعدة للقيام بذلك لتوفير المال وتوزيعه على مساهميها وإدارتها. والاعتقاد بأن ذلك لا يحدث أو لن يحدث هو اعتقاد ساذج. لكن الشركات التي تستخدم تلزيم الأعمال إلى الخارج كأداة لخفض التكاليف بالدرجة الأولى، وليس لتعزيز الإبداع وتسريع النمو، هي الأقلية لا الأكثرية -هذا زعم الكاتب، ولم يدعمه بأدلة!- ولن أتطلع إلى امتلاك أسهم في أي منها –أقول لا يتحلى الجميع بهذه المثاليات، وسيتطلع غيرك!-. إن أفضل الشركات هي التي تبحث عن طريق لاستغلال أفضل ما في الهند وأفضل ما في نورث داكوتا مع أفضل ما في لوس أنجلس … والشركات التي تقوم بتلزيم الأعمال ينتهي بها الأمر إلى الحصول على حصّة أكبر في السوق وزيادة عدد موظفيها في كل مكان لا تقليلهم”.
نلاحظ أن الكاتب يقول بأن استغلال أفضل ما في الهند وما في مناطق أخرى في العالم هو معيار الأفضلية في الشركات. ولكن في اعتقادي أن الواقع يقول بأن الأفضلية للشركات التي تحقق نسبة أكبر من الأرباح لترضي الإدارة والمساهمين، وبالتالي فهي تبحث عن طريق لاستغلال أرخص ما في الهند، وأرخص ما في الصين، وأرخص.. وأرخص..
 
القاعدة السابعة: التلزيم ليس لبنديكت أرنولدز فحسب، إنه للمثاليين أيضاً.jeremy
يروي الكاتب هنا قصة شاب اسمه هونكستاين تخرج من هارفرد، وعمل في شركة ماكنزي الاستشارية، وفي رحلة مع أصدقاءه إلى كمبوديا، رأى قلة فرص العمل مع انتشار التعليم الانكليزي ومقاهي الانترنت. ومن منطلق اجتماعي قام هذا الشاب بعد توفير قرض صغير ومنحة مساوية له، بتأسيس شركة لإدخال البيانات لا تتوخى الربح، تتولى إدخال البيانت لشركات أميركية -طباعة ملفات قديمة جداً ترسل بواسطة الانترنت على شكل صورة أو PDF إلى صيغة رقمية كالـ Word تمكن الشركات في أميركا من حفظها وسهولة البحث فيها-.
يقول هنكوستاين: “كان هدفنا كسر الحلقة المفرغة هناك حيث يضطر الصغار إلى التسرب من المدرسة لإعالة أسرهم. وقد حاولنا ريادة التلزيم المسؤول من الناحية الاجتماعية. ولم تكن الشركات الأميركية التي تعمل معنا توفّر فقط المال الذي يمكنها اسثماره في مكان آخر، بل كانت تساهم فعلياً من توفير حياة أفضل لبعض المواطنين الفقراء في العالم”.
 

البلدان النامية والعالم المسطّح

لخصنا في مقال سابق (أميركا والعالم المسطح) فصلاً من فصول كتاب (العالم المسطح للكاتب والصحفي الأميركي توماس فريدمان، ونلخص في هذا المقال الفصل الذي يليه..

121080

البلدان النامية والعالم المسطحَّ
“يركز هذا الفصل على نوع السياسات التي يجب على البلدان النامية اتباعها لإقامة البيئة الملائمة لازدهار شركاتها ورواد أعمالها في العالم المسطَّح، رغم أن العديد من الأمور التي سأذكرها تنطبق على العديد من البلدان المتقدمة أيضاً”.
يشير المؤلف إلى أن على الدول النامية أن تحاسب ذاتها، وتكون صادقة في ذلك، لترى موقعها من البلدان الأخرى، ومن عوامل التسطيح العشرة، وهي عوامل تطرق إليها الكاتب بإسهاب في نصف الكاتب الأول. يقول: “ولهذه الغاية، أعتقد أن العالم اليوم يحتاج إلى نادٍ يمكن صياغته على غرار نادي المدمنين المغفلين على الكحول. ويمكن تسميته البلدان النامية المغفلة”.

111fri

ثم يستطرد الكاتب في شرح وجهة نظره حول ما يمكن أن تفعله الدول النامية، وحتى بعض الدول الصناعية، وهو ما أسماه (الإصلاح بالتجزئة)، وعدم الاكتفاء (بإصلاح الجملة).

إصلاح الجملة : “فتح بلدك أمام التجارة والاستثمارات الأجنبية وإجراء بعض التغييرات من الأعلى على سياسة الاقتصاد الكلي، كخصخصة الصناعات المملوكة للدولة، وتحرير مرافق الخدمات العامة من القيود، وخفض التعريفات الجمركية، وتشجيع الصناعات التصديرية، إلخ”.
“لكن العالم بدأ يصغر ويتسطّح، ما مكّن الصين من التافس في كل مكان مع الجميع على مجموعة واسعة من المنتجات الصناعية، ومكّن الهند من تصدير أدمغتها إلى كل مكان، ومكّن الشركات من تلزيم أي عمل إلى أي مكان، ومكّن الأفراد من التنافس على الصعيد العالمي كما لم يحدث من قبل، ولم يعد الإصلاح جملة كافياً لإبقاء البلدان على مسار النمو المستدام”.
الإصلاح بالتجزئة : “ينطوي على النظر في أربع جوانب رئيسية في مجتمعك: البنية التحتية، والمؤسسات التنظيمية، والتعليم، والثقافة. وتقوم فكرة الإصلاح بالتجزئة على تمكين العدد الأكبر من شعبك من الحصول على أفضل الأطر القانونية والمؤسسية التي يتم الابتكار من خلالها واطلاق الشركات واجتذاب الشركاء لمن يريد التعاون مع الآخرين في العالم”.
يستخلص الكاتب بعد استعراض لبعض ما جاء في دراسة شملت أكثر من 130 بلداً بعنوان (مزاولة الأعمال في سنة2004) أعدتها المؤسسة المالية الدولية، ما يدعوه لائحة تدقيق من خمس نقاط للإصلاح بالتجزئة، ويضيف عليها هو اثنتين من عنده:
1.     التبسيط والتحرير من القيود حيثما أمكن في الأسواق التنافسية.
2.     تعزيز حقوق الملكية.
3.     توسع استخدام الانترنت للوفاء بالأنظمة.
4.     خفض تدخل المحاكم في مسائل الأعمال.
5.     جعل الإصلاح عملية متواصلة.
6.     توسيع فرص حصول السكان على التعليم على كافة المستويات.
7.     الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية (الطرقات والموانئ والاتصالات والمطارات).
ويتسائل الكاتب: “لماذا يستطيع بلد التغلّب على هذه العقبة التي تواجه الإصلاح بالتجزئة، حيث يستطيع القادة تعبئة الموظفين والرأي العام خلف هذه الإصلاحات الجزئية الأشد إيلاماً, فيما يتعثر بلد آخر؟”
وتندرج إجابته على تساؤله تحت عنوانين فرعيين:
المسائل الثقافية: العولمة المحلية
“مقدار اتجاه ثقافتك نحو الخارج: ما درجة انفتاحها على المؤثرات والأفكار الأجنبية (العولمة المحلية)؟ … كلما كانت لديك ثقافة تتعولم محلياً بصورة طبيعية –أي كلما ازدادت سهولة امتصاص ثقافتك الأفكار وأفضل الممارسات الأجنبية ودمجها في تقاليدك- تعاظمت الأفضلية التي تتمتع بها في العالم المسطح. لقد كانت القدر الطبيعية على العولمة المحلية من مواطن قوة الثقافة الهندية والثقافة الأميركية والثقافة اليابانية، ومؤخراً الثقافة الصينية. الهنود على سبيل المثال لديهم وجهة نظر مفادها أن المغول قدموا ورحلوا، والبريطانيون قدموا ورحلوا، ونحن نأخذ الأفضل ونترك الباقي، لكننا لا نزال نأكل الكاري، ولا تزال نساؤنا يرتدين الساري، وما زلنا نعيش في وحدات عائلية موسعة شديدة الإحكام. وتلك هي العولمة المحلية بامتياز”.
الأمور غير المحسوسة
“ما مقدار وجود احساس بالتضامن الوطني والتركيز على التنمية، وما مقدار الثقة داخل المجتمع في التعاون مع الأجانب، وما مقدار اهتمام النخبة في البلد بالجماهير واستعدادها للاستثمار في الداخل، أو عدم اهتمامها بفقراءها واهتمامها بالاستثمار في الخارج؟”.
“إننا نعرف الصيغة الأساسية للنجاح الاقتصادي – الإصلاح جملة، يليه الإصلاح بالتجزئة، بالإضافة إلى الحكم الصالح والتعليم والبنية التحتية والقدر ة على العولمة المحلية. لكن ما لا نعرفه وما كنت سأعبئه في قنانٍ وأبيعه لو كنت أعرفه، هو الإجابة عن سؤال لماذا يمكن أن يبادر بلد إلى القيام بكل هذه الأشياء –يقصد التطور والنمو- بطريقة مستدامة ولا يبادر إليها بلد آخر؟“.
جواب هذا السؤال هو ما يسميه الكاتب (الأمور غير المحسوسة)، ويقول أنها تتسم في مزيتين:
1.     قدرة المجتمع على الاجتماع معاً واستعداده للتضحية من أجل التنمية الاقتصادية.
2.     وجود قادة في المجتمع لديهم رؤية تمكنهم من معرفة ما الذي يجب عمله من ناحية التنمية والرغبة في استخدام السلطة للدفع من أجل التغيير بدلاً من إغناء أنفسهم والمحافظة على الوضع القائم.
ويضرب مثالاً: “ويبدو أن بعض البلدان (مثل كوريا وتايوان) قادرة على توجيه طاقاتها نجو أولوية التنمية الاقتصادية، في حين ينصرف اهتمام بلدان أخرى (مثل مصر وسوريا) على الإيديولوجية والنزاعات المحلية”.
ثم يعقد الكاتب مقارنة بين المكسيك والصين لتوضيح وجهة نظره. إذ أن المسكيك مع المبادرات الإصلاحية التي أطلقتها، ورغم قربها من أكبر اقتصاديات العالم (الولايات المتحدة)، وبالرغم من اتفاقية (النافتا)، إلا أن الصين تفوقت عليها بمراحل رغم ابتعادها عن الولايات المتحدة.
الديمقراطية قد تكون عائقاً أمام الإصلاح بالتجزئة“. يذكر الكاتب ذلك بعد مقارنة المكسيك بالصين، فالمكسيك لديها نظام ديمقراطي، لكن المبادرات الإصلاحية التي أطلقتها تأخرت في البرلمان. بينما الصين مع نظامها الشمولي تتفوق! والسبب “يوجد لديها مؤسسات دولة قوية وجهاز بيروقراطي قادر على ترقية الكثير من الأشخاص بناء على الجدارة إلى مواقع صنع القرار الأساسية، كما أن لديها روحاً معنوية عالية”. فالصين بنظامها “تستطيع أن تتغلب على أصحاب المصالح والممارسات القديمة”، بينما على “رئيس المكسيك الذي يريد إجراء تغييرات أن يجمع عدداً كبيراً من أصحاب المصالح لتنفيذ الإصلاح يزيد كثيراً عما كان يحتاج إليه أسلافه المستبدون الذين يمكنهم القيام بذلك بإصدار مرسوم”.
ولكن الكاتب لا يقطع بهذا الاستنتاج، “هناك ديمقراطيات تحظى بنعمة القادة القادرين على إقناع شعوبهم وتركيز اهتمامها على الإصلاح بالتجزئة، يتذكّر المرء مارغريت تاتشر في انجلترا”.
يختم الفصل بهذه الفقرة المهمة، “قال ويل روجرز قبل وقت طويل: (إذا كنت على المسار الصحيح، فستُدهس إذا اكتفيت بالجلوس هناك). وكلما ازداد تسطّح العالم، تعاظمت سرعة حدوث ذلك. لقد وضعت المكسيك نفسها على الطريق الصحيح عن طريق الإصلاح بالجملة، ثم اكتفت، لأسباب كثيرة محسوسة وغير محسوسة، بالجلوس هناك وتأخّر الإصلاح بالتجزئة. وستُدهس المكسيك أكثر كلما طال مكوثها هناك. ولن تكون الوحيدة”.
 

أميركا والعالم المسطح

121080
هذا عنوان أحد أبواب كتاب (العالم مسطح) للصحفي الأميركي المخضرم توماس فريدمان، و”الخَضرَمَة” هنا لا تعني أننا نبصم على كل ما يطرحه من آراء. الكتاب ضخم، يقع في 511 صفحة، يحتوي على الكثير من المعلومات القيّمة، ينتصر فيه الكاتب –طبعاً- لآراءه في قضايا عديدة. وقيمة الكتاب الحقيقية تتمثل في الكم الهائل من شهادات وآراء عدد كبير من الرؤساء التنفيذيين والمدراء في شركات عالمية كبيرة، يصعب على صحفي غير فريدمان أن يصل إليهم ويجمع آرائهم.
“العالم مسطح”، أي انفتاح الدول على بعضها، وذوبان الحدود، وسرعة التفاعل بين الناس في مختلف أنحاء العالم، وازدياد اللاعبين والمتبارين في الملعب العالمي، الاقتصادي والتعليمي والتكنولوجي وغيره من ملاعب تتنافس فيها الدول لإحراز السبق والبقاء في الصدارة، كل ذلك نتيجة الثورة التكنولوجية، باختصار التسطّح مرحلة ما بعد تلك التي كنا نسميها “العالم قرية صغيرة” !
111fri
يأتي هذا الباب (أميركا والعالم المسطح) في منتصف الكتاب تقريباً، وبعد أن انتهيت من قراءة نصفه الأول خطرت في بالي فكرة تلخيص الأبواب القادمة! وما لا يدرك كله لا يترك جله. فشرعت في التلخيص بنقل أهم الفقرات التي توجز الفكرة.
أميركا والعالم المسطح
أميركا والتجارة الحرة
يتحدث الكتاب كثيراً عن تلزيم الأعمال للخارج، بل يمكننا القول أن ذلك هو موضوع الكتاب، وهي عملية نقل الأعمال التي يمكن نقلها إلى أماكن تكون الكلفة فيها أقل –وما استنتجوه أصحاب الأعمال أيضاً أن الجودة تكون أعلى كذلك-، وهي الأعمال التي يمكن تحويلها إلى 0 و1، وهي كثيرة جداً، احتوى الكتاب على عدد كبير من الأمثلة، كمراكز الاتصال، وتصميم البرامج، وغيرها. وفي هذا الباب يناقش الكاتب تأثر الولايات المتحدة من هذه العملية، باعتبارها أحد العوامل التي يجب عدم إغفالها قبل اتخاذ أي وجهة نظر حول مكاسب أميركا من التجارة الحرة.
“السؤال الرئيسي لانسبة لي هو: هل تنقع التجارة الحرة أميركا ككل عندما يصبح العالم مسطحاً جداً ويستطيع عدد أكبر من الناس أن يتعاونوا، ويتنافسوا، مع أولادي؟ يبدو أن العديد من الوظائف ستصبح مفتوحة لمن يشاء. ألن يكون الأميركيون الأفراد أفضلاً حالاً إذا نصبت حكومتنا بعض الجدران ومنعت بعض التلزيم ونقل الأعمال؟”
ثم يناقش المؤلف الرأيين المختلفين حول تلزيم الأعمال، فرأي يرى أن تلزيم الأعمال لم يقتصر في مجال السلع، بل حتى الخدمات أصبحت قابلة للتبادل. وهذا يعني أن أمريكا ودول متقدمة أخرى ستتراجع تراجعاً مطلقاً وليس نسبياً في قوتها الاقتصادية ومستويات معيشتها. ورأي آخر يقول –وهو الرأي الذي ينتصر له المؤلف- : “قد تكون هناك مرحلة انتقالية في بعض الحقول، تتراجع خلالها الأجور، لكن ليس هناك سبب للاعتقاد بأن هذا الانخفاض سيكون دائماً أو في جميع المجالات … والقول إن هذا ما سيحدث هو إثارة لما يسمى نظرية كتلة العمالة، وهي فكرة ترى بأن هناك كتلة عمل ثابتة في العالم وأنه ما أن تُلتهم هذه الكتلة، من قبل الأميركيين أو الهنود أو اليابانيين، لن يكون هناك مزيد من الوظائف المعروضة. وإذا كان لدينا أكبر كتلة من العمل اليوم، وعرض بعد ذلك الهنود تأدية هذا العمل نفسه بتكلفة أقل، فسينالون قطعة أكبر من الكتلة، وسنحصل على قطعة أصغر”.
يواصل مفنداً هذه الحجة “إن السبب الرئيسي لخطأ نظرية كتلة العمل هو أنها تقوم على فرضية أن كل ما سيتخرع قد اختُرع، وأن المنافسة الاقتصادية لذلك مباراة ذات مجموع صفري، أي معركة على كتلة ثابتة”.
تلخص هذه الفقرة رأي الكاتب: “لذلك ستنجح أميركا ككل في العالم المسطح بالتجارة الحرة، شرط أن تواصل إنتاج عمال معرفة قادرين على إنتاج سلع قائمة على أفكار يمكن أن تباع عالمياً وبوسعهم شغل وظائف المعرفة التي ستُستحدث فيما نوسّع الاقتصاد العالمي ونربط بين كل مجموعات المعرفة في العالم. قد يكون هناك حد لعدد الوظائف الصناعية الجيدة في العالم، لكن ليس هناك حد لعدد الوظائف المولّدة عن طريق الفكر في العالم“.
البعيدون المنال
“هناك رسالة واحدة فقط: عليك الارتقاء بمهاراتك على الدوام. فسيكون هناك الكثير من الوظائف الجيدة في العالم المسطح التي يحصل عليها ذوو المعرفة والأفكار”.
يقدم الكاتب نصيحته لبناته: “نصيحتي إليهن في هذا العالم المسطح قيرة جداً وصريحة جداً: (يا بنات، حين كنت أكبر، كان أهلي يقولون لي، “طوم، أنهِ العشاء، الناس في الصين والهند جائعون”. نصيحتي إليكن: يا بنات، أنهين فروضكن المدرسية، الناس في الصين والهند جائعون لوظائفكن)”.
البعديون عن المنال هم الأشخاص الذين لا يمكن تلزيم وظائفهم –نقلها إلى الخارج-، ويقسمهم الكاتب إلى أربع فئات واسعة :
1-    العمال “المتميزون“: أشخاص مثل مايكل جوردان، وبيل غيتس، وغيرهما، لديهم سوق عالمية لسلعهم وخدماتهم ويمكن أن يطلبوا أجوراً عالمية. وهم قلة قليلة.
2-    العمال “المتخصصون“: ينطبق على كل أنواع عمال المعرفة، من المحامين المتخصصين والمحاسبين وجراحي الدماغ، إلى المصممين ومهندسي برمجيات الحاسوب المتقدمة.
3-    العمال “المثبّتون“: الذين يجب أن يعملوا في موقع معين، كالحلاق، النادلة، طباخ، سباك، وغيرها كثير جداً.
4-    العمال “المتكيّفون“: إذا لم تستطع أن تكون أحد الأنواع الثلاثة السابقة لئلا يلزم عملك إلى الخارج. عليك أن تصبح متكيفاً. عليك على الدوام أن تكتسب مهارات جديدة، ومعرفة، وخبرة تمكنك بشكل دائم من أن تكون قادراً على ابتكار القيمة – شيء أكثر من العمل العادي.
“(قابلة للاستبدال) كلمة يجب تذكرها، ففي عالم مسطح هناك “عمل قابل للاستبدال وعمل غير قابل للاستبدال”. العمل الذي يمكن أن يحوّل إلى أقرام بسهولة وينقل إلى مواقع الأجر المتدنية قابل للاستبدال. والعمل الذي لا يمكن أن يحوّل إلى أرقام أو يُستبدل بسهولة غير قابل للاستبدال. رمية مايكل جوردن أثناء القفز غير قابلة للاستبدال. وتقنية جراح مجازة القلب غير قابلة للاستبدال. وعمل عامل في خط تجميع للتلفزيونات قابل للاستبدال الآن. والمحاسبة الأساسية وتهيئة الضرائب قابلة للاستبدال الآن”.
ثم يذكر الكاتب أسرار صلصلة أميركا الحقيقية التي جعلتها في مكانة متقدمة في هذا العالم المسطح، ألخصها في نقاط :
1-    الجامعات الأميركية ونظامها.
2-    كفاءة أسواق رأس المال.
3-    الانفتاح المطلق للمجتمع الأميركي.
4-    نوعية حماية الملكية الفكرية الأميركية.
5-    قانون العمل الأميريكي، الأمثر مرونة في العالم.
6-    أكبر سوق استهلاكية محلية في العالم.
7-    الاستقرار السياسي الأميركي.
8-    أصبحت أميركا واحدة من نقاط الاجتماع العظيمة في العالم.
ولا أود أن يفوتني هنا نقل هذه الفقرة، لمعرفة الفرق في حصاد نظام تعليم الجامعات الأميركية مقارنة بغيرها من الجامعات، “وقد أجرى قسم الاقتصاد في بنك بوسطن دراسة حملت عنوان “إم آي تي[1]: تأثير الإبداع”. ومن بين استنتاجاتها أن خريجي MIT أسسوا أربعة آلاف شركة، مستحدثين 1.1 مليون وظيفة حول العالم على الأقل، ومولدين مبيعات تبلغ 232 مليار دولار“.
ويختم الكاتب هذا الفصل بإنذار الأميركيين: “هل ما زلنا نبذل الجهود؟ هل نهتم بأسرار صلصتنا؟ لا تزال أميركا تبدو عظيمة على الورق … لكن هل نستثمر حقاً في مستقبلنا ونهيئ أولادنا كما يجب للسباق المنتظر؟ … الجواب هو لا”. أتساءل هنا، ماذا عسى يكون جوابنا نحن ؟!
الأزمـة الصامتـة
“يتناول هذا الفصل كيف أننا نحن الأميركيون، على الصعيدين الفردي والجماعي، لم نكن نقوم بما يجب أن نقوم به وما الذي سيحدث على الطريق إذا لم نغيّر مسارنا”.
يركز الكاتب هنا على قضية طلبة الرياضيات الهندسة والعلوم والفيزياء، وتراجع نسبة الحاصلين على الشهادات العليا في هذه المجالات مقارنةً مع دول أخرى منافسة، وفي مقدمتها الصين والهند. ويتناول الموضوع بطرح ثلاثة أسرار قذرة –كما يسميها- تمثل الخطر الذي يواجه أميركا.
السر القذر الأول: هوّة الأعداد
 “تشير عالمة الفيزياء شيرلي آن جاكسون إلى أن (التشدد النسبي على العلوم والهندسة أكبر في البلدان الأخرى –مما هو عليه في أميركا-). وتشكل شهادات العلوم والهندسة الآن 60% من كل الشهادات الممنوحة في الصين، و33% في كوريا الجنوبية، و41% في تايوان. بالمقابل، تبقة النسبة المئوية للذي يحصلون على شهادة في العلوم والهندسة في الولايات المتحدة 31%. وعند استبعاد الشهادات العلمية، تبلغ نسبة الأميركيين الذين يتخرجون في الهندسة فحسب 5%، مقارنة بنسبة 25% في روسيا و46% في الصين، وفقاً لتقرير صادر في سنة 2004 عن “ترايلوجي ببليكيشنز”، وهي تمثل الجمعية القومية الأميركية للمهندسين”.
“وفي تقرير المجلس القومي للعلوم (من المتوقع أن يتقاعد كثير ممن دخلوا القوة العاملة للعلماء والمهندسين في الستينات والسبعينيات “جيل ارتفاع نسبة الولادات” في العشرين سنة القادمة، في حين أن أولادهم لا يختارون المهن العلمية والهندسية بأعداد مماثلة لأعداد آبائهم”.
السر القذر الثاني: هوّة الطموح
“وقد أبلغني الرئيس التنفيذي الأميركي لشركة متعددة الجنسيات تتخذ من لندن مقراً لها، (السر الصغير القذر هو أن التلزيم إلى الخارج ليس أقل تكلفة وأكثر فعّالية فحسب، لكن الجودة والانتاجية عاليتان أيضاً. وبالإضافة إلى تدني الأجور، فإن هندياّ مدرباّ في بنغالور يقوم بعمل أوروبيين أوثلاثة، كما أن الموظفين في بنغالور لا يأخذون إجازة لمدة ستة أسابيع). وأردف قائلاً، (عندما تعتقد أن الأمر يتعلق بالأجر فقط، يمكنك الاحتفاظ بكرامتك، لكن أن يعملوا بشكل أفضل فذلك أمر شنيع)”.
ويختم حديثه حول هذا السر بعبارة تبين تسابق الهنود والصينيين للقمة، وشدة اهتمامهم بالسبيل إلى ذلك، وحضور وثقل الشخصيات المبدعة في الأوساط الشبابية هناك، فيقول: “في الصين اليوم، بيل غيتس هو بريتني سبيرز. وفي أميركا بريتني سبيرز هي بريتني سبيرز، وهذه هي مشكلتنا”. أقول: ومن هي بريتني سبيرز عندنا يا ترى ؟!
السر القذر الثالث: الهوّة التعليمية
“من المؤسف أن التمويل الفيدرالي للأبحاث في الفيزياء والعلوم الرياضية والهندسة انخفض 37% من حيث نصيبه من الناتج المحلي الإجمالي ما بين سنتي 1970 و2004. وها نحن نقوم بتخفيض التمويل في وقت نحتاج إلى مضاعفة استثماراتنا في الأبحاث الأساسية للتغلب على هوّتي الطموح والتعليم”.
“تقول ترايسي كون، مديرة شئون الشركة في إنتل والمشرفة على جهود الشركة في لتحسين تعليم العلوم، (العلوم والرياضيات هما اللغة العامة للتكنولوجيا. وهما اللذان يدفعان التكنولوجيا ومستوى معيشتنا. وما لم يكبر الأولاد وهم يتقنون هذه اللغة العامة، لن يكونوا قادرين على المنافسة. إننا لسنا في صدد التصنيع في الخارج. فقد أنشئت هذه الشركة هنا، لكننا نستخدم مادتين أوليتين، الرمل، الذي لدينا موارد وفيرة منه، والمواهب، التي لا نمتلكها). –السيليكون يأتي من الرمل-“.
“وتابعت تقول، (نظرنا في أمرين. نظرنا في الفروع العلمية ذات الصلة بصتاعتنا، فوجدنا أن عدد الطلاب الذين يتخرجون بمستويي الماجستير والدكتوراه يتراجع بالأعداد المطلقة بالنسبة للبلدان الأخرى. ووجدنا عند النظر في التعليم من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر أنّ أدائنا جيد على مستوى الصف الرابع، ومتوسط على مستوى الصف الثامن، وعند الوصول إلى مستوى الثاني عشر يقترب من القاع في الاختبارات الدولية ذات الصلة بالرياضيات. لذا كلما أمضى الطلاب فترة أطول في المدرسة ازداد غباؤهم… لدينا معلمون يُفقدون الأولاد اهتمامهم لأنهم غير مدربين”. أقول: ونحن لدينا جامعات وطنية تُفقد الأولاد اهتمامهم !
ويلخص الكاتب الرسالة التحذيرية في نهاية هذا الفصل، “بما أنه يلزم خمس عشرة سنة لإعداد عالم أو مهندس متقدم، علينا أن نبدأ من مرحلة احتكاك الشاب أو الشابة بالرياضيات والعلوم في المدرسة الابتدائية باتباع برنامج سريع شامل بدون موازنة كبيرة جداً لتعليم العلوم والرياضيات على الفور. وعدم قيامنا بذلك يدخلنا في الأزمة. فالعلماء والمهندسون لا ينمون على الشجر، وإنما يجب تعليمهم عبر عملية طويلة لأن هذا هو علم الصواريخ”.
هذا ليس اختباراً
في بداية الفصل يشبه الكاتب التحدي الراهن بالتحدي الذي واجتهت الولايات المتحدة في ذروة الحرب الباردة، من دون أن يتجاهل بعض الفروق الجوهرية بين التحديين! فيقول، “كان التحدي في ذلك العالم نابعاً من البلدان التي تمارس الشيوعية المتطرفة، وتحديداً، روسيا والصين وكوريا الشمالية. أما التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم فنابع من البلدان التي تمارس الرأسمالية المتطرفة، وتحديداً الصين والهند وكوريا الجنوبية. كان الهدف الرئيسي في تلك الحقبة بناء دولة قوية، والهدف الرئيسي في هذه الحقبة هو بناء أفراد أقوياء”.
أما وجه الشبه بين التحديين كما يقول الكاتب “مواجهة تحديات التسطّح تتطلب رداً شاملاً ومركزاً وفاعلاً مثلما تطلبت مواجهة تحدي الشيوعية”. وكما أن كيندي في تلك المرحلة “يعرف أن أميركا تمتلك طاقات بشرية ومؤسسية، أكبر بكثير مما لدى الاتحاد السوفيتي، لكنها لم تستغل تماماً”، فكذلك يرى الكاتب الوضع تماماً في هذه المرحلة بالنسبة لمواجهة التسطّح، في ضوء ما سبق بيانه من “أسرار قذرة” تهدد تميّز صلصة أميركا الحقيقية !
يُقدم الكاتب رؤيته لمواجهة هذا التحدي فيما أسماه “التسطح العطوف”، وهو “مجتمع عظيم يلزم الحكومة ببناء البنية التحتية وشبكات الأمان والمؤسسات التي تساعد كل أميركي في أن يصبح أكثر قابلية للتوظّف في عصر لا يستطيع فيه أحد أن يضمن الوظيفة طوال الحياة”.
التسطح العطوف، “مزيج من السياسات المبنية على خمس فئات عريضة من الإجراءات الخاصة بعصر التسطّح”:
1- القيـادة
ينتقد الكاتب حال كثير من السياسيين في أميركا، وكيف أنهم بدلاً من أن يفهموا القوى التي تسطح العالم، وأن يكونوا قادرين على شرحها للناخبين، فهم يساعدون بقصد أو بدونه، على جعل الناخبين أغبياء بتشجيعهم على الاعتقاد بنظريات خاطئة كقولهم أن أميركا حققت الهيمنة الاقتصادية وستظل كذلك على الدوام.
وكما قدم الرئيس كينيدي رؤية إنزال إنسان على القمر، ليحفز الأمة على التنافس مع الاتحاد السوفياتي في السباق العلمي، يقدم الكاتب رؤية عملية مقترحة لبوش، يدفع بها الشباب ليصبحوا علماء ومهندسيين رياضيين، أضافة لتحقيق مكاسب عظيمة أخرى، وهي مبادرة قومية للعلوم، برنامج سريع للطاقة البديلة والحفاظ على البيئة لجعل أميركا مستقلة في الطاقة في السنوات العشر التالية. ويعلق بعد ذلك، “يبدو، من سو طالع أميركا، كأنني سأتوجه إلى القمر قبل أن يسلك الرئيس بوش هذه الطريق”.
رأي للكاتب هنا أرى أهمية نقله، “ليس من واجب الحكومة أو الشركة أن تضمن لأي شخص وظيفة مدى الحياة، لقد ولّت تلك الأيام. فقد مزّقَ تسطّح العالم العقد الاجتماعي. لكن ما تستطيع أن تضمنه الحكومة بل يجب أن تضمنه هو أن توفر له الفرصة لأن يصبح قابلاً للتوظيف”.
2- العضـلات
“إن العضلات التي يحتاج إليها العمال أكثر هي المنافع المحمولة –يقصد التقاعد والرعاية الصحية-، وفرص التعلّم المستمر. لماذا هذان الأمران؟ لأنهما أهم المزايا التي تجعل العمل متحركاً وقابلاً للتكيّف”.
استطرد المؤلف في أهمية جعل العمال متعددو المواهب من خلال توفير التعليم المستمر المدعوم من قبل الشركة أو الحكومة. وبيّن كيف كان هذا الأمر –تحمل الحكومة مسئولية تعليم الناس والارتقاء بهم- أساس نجاح انتقال المجتمع الأميركي من الزراعة التقليدية إلى التصنيع دون حدوث فجوة كبيرة في المداخيل، أي الحفاظ على الطبقة المتوسطة.
يقول بول رومرالاقتصادي بجامعة ستانفورد، “هذه كانت أفكاراً عظيمة –يقصد تلك التي كانت وراء نجاح الانتقال من الزراعة البدائية إلى التصنيع-، وكان ما ينقصنا في الوقت الحالي الخيال السياسي لكيفية قيامنا بشيء لا يقل شأناً وأهمية للانتقال إلى القرن الحادي والعشرين مثلما فعلنا عند الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين”.
ومن هذا المنطلق يقترح الكاتب عقداً اجتماعياً جديداً، “وإذا كان من عقد اجتماعي جديد ضمني بين أصحاب العمل والعمال اليوم، يجب أن يكون على هذا النحو: امنحوني عملكم وسأضمن لكم طالما عملتم لديّ أن أمنحكم كل فرصة متاحة –من خلال الترقية في العمل أو التدريب- لتصبحوا أكثر قابلية للتوظيف وأكثر تعدداً للمواهب”.
مع ذلك يرى الكاتب أن على أميركا أن تستقطب العقول من شتى أنحاء العالم، لتكون مجموعة أميركا المعرفية هي الأكبر، “إننا بحاجة إلى مضاعفة الجهود لبناء عضلات كل فرد أميركي، لكن علينا مواصلة استيراد العضلات من الخارج أيضاً”.
3- المحافظة على الوسائد “الدهن الجيد”
أي المحافظة على بعض الحواجز، حماية للمتضررين من عملية التسطيح، ولكن هناك حواجز سيئة (دهن سيء)، وأخرى جيدة (دهن جيد) يجب المحافظة عليها، “في حين ستختفي شبكات الأمان القديمة التي تقدمها الشركات أو الحكومة في ظل المنافسة العالمية في العالم المسطح، يجب المحافظة على بعض الدهن، بل وحتى زيادته … الضمان الاجتماعي دهن جيد، وعلينا المحافظة عليه. ونظام الرعاية الاجتماعية الذي يثبط الناس عن العمل دهن سيء”.
ويصارح الكاتب من يسأل باستنكار (لماذا نحافظ على الدهن أو الحواجز؟)، “إذا لم تكن من دعاة العالم المسطح العطوفين، لن تكون قاسياً فحسب بل أحمق أيضاً. فسوف تستغري رد فعل الذين يمكن أن تثير عملية التسطّح غضبهم، وقد يصبح ذلك الردّ شرساً إذا طال الركود”.
3- الفعاليّـة الاجتماعيـة
يتعين على للشركات العالمية أن تطور ضمائرها الأخلاقية، والسبب الدافع للشركات لتبني هذه الرؤية هو كما يقول الكاتب، “في العالم المسطّح الذي تطول فيه سلاسل التوريد العالمية، يميل توازن القوى بين الشركات العالمية والمجتمعات التي تعمل فيها كل على حدة لصالح الشركات أكثر فأكثر، وكثير منها مقرها في الولايات المتحدة. وبناء على ذلك، ستحظى هذه الشركات بقدر تفوق أي مؤسسة انتقالية في العالم لا على إنشاء القيمة فقط وإنما على نقل القيم أيضاً”.
يبين الكاتب –مع ضرب مثال- أنه بإمكان المنظمات والمؤسسات غير الحكومية أن تلعب دوراً فاعلاً في جعل هذه القوى متوازنة، من خلال تعاونها مع الشركات العالمية، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد، “لا يمكن أن يحل هذا النوع من التعاون ماكن قوانين الحكومة وإشرافها ولا ينبغي له. لكن إذا نجح، يمكن أن يكون بمثابة وسيلة لتطبيق القوانين الحكومية بالفعل”.
ويبين أيضاً قوة المستهليكن التي يجب استثمارها، “على دعاة التسطح العطوف تثقيف المستهليكن بأن قرارات الشراء التي يتخذونها وقوّتهم الشرائية ذات صبغة سياسية. فكلما اتخذت قراراً كمستهلك، تقوم بدعم مجموعة كاملة من القيم. أنت تصوّت على الحواجز التي تريد الحفاظ عليها أو إزالتها. وعلى التقدميين أن يجعلوا هذه المعلومات أسهل منالاً بالنسبة للمستهلكين بحيث يتمكن المزيد منهم من التصويت بطريقة صحيحة ويدعموا النوع الصحيح من سلوك الشركات العالمية”.
4- الرعايـة الأبويـة
“إننا بحاجة إلى جيل جديد من الآباء المستعدين لممارسة المحبة القاسية: فهناك أوقات يتعين عليك فيها أن تبعد أجهزة “Game Boy” وتطفئ أجهزة التلفاز وتضع أجهزة “iPod” جانباً وتحمل أولادك على العمل”.
ويبين الكاتب كيف أن غالبية الطلبة المتفوقين والحاصلين على فرص دراسية في جامعات متقدمة، هم أولئك المتخرجون من مدارس عامة وليس خاصة. ويرجع ذلك إلى أهليهم الذين يربونهم على الحرص على تنمية قدراتهم وتطوير أنفسهم.
 
وهنا لي وجهة نظر..
بعد قراءة نظرية “التسطح اللطيف”، وما يندرج تحتها، يتبين لنا كيف أن الكاتب يدعو لمزيد من تدخل الحكومة لضمان تقدم الدولة، واستمرارية مستوى معيشة أفرادها، من خلال توفير الفرص للمواطنين ليصبحوا أفراداً قادرين على مواجهة تحديات هذا العالم المسطّح، وكأني أرى الرأسمالية بطريقة غريبة تقضي على أهم مبادئها “مزيد من عزل الحكومة”، وإن كان التدخل هنا تدخلاً غير مباشر.
أخشى أن يظن القراء أن الفقرة السابقة –وجهة النظر- تختزل كل ما قبلها، ليست كذلك أبداً، لذا وجب التنبيه.