ربحت “العرب” وخسرت البحرين

أحمد الحربان – العربي الجديد:

   للأسف حصل ما توقعته، لم يصل النظام في البحرين إلى تفاهم مع قناة العرب يُبقيها على أرضه، لتستفيد البحرين من وجودها وتستثمره إعلامياً واقتصادياً وسياسياً. لم يحتمل أصحاب المعالي والسمو هذا الوضع الغريب عليهم: أن يُستضاف عضو الوفاق على قناة تلفزيونية مقرها البحرين دون التنسيق معهم، أو أخذ الضوء الأخضر على الأقل. ورغم أن من رأى اللقاء سيشعر وأن المُقدم أكتفى بقراءة مقالات كُتّاب السلطة إعداداً له، فقد كان أسلوبه حازماً، وردوده على خليل المرزوق قوية، صريح بتبرير حق النظام في سحب جنسيات من يراهم يزعزعون أمنه.

   صحيح أن استضافة خليل المرزوق، العضو القيادي في الجمعية المعارضة الوفاق، لم تكن بداية موفقة للقناة، إلا ان قرار إيقافها في رأيي، ورأي كثيرين غيري، لم يكن أكثر توفيقاً.

   بعض الكُتّاب وقفوا كعادتهم في كل مرة، كل مرة، مُدافعين عن القرار السياسي، فلم تفتقر مقالاتهم للمنطق فقط، ولم تكتفِ بالتناقض أيضاً – حديثهم عن حرية الرأي والتعبير واستنكارهم استضافة عضو الوفاق-، بل أشاروا أيضاً إلى أن أمن البحرين فوق أي اعتبار، وفوق أي استثمار إعلامي أو اقتصادي، متهمين كل من يخالفهم  رأيهم حول قرار الإيقاف بالتواطؤ، ولو بالرأي، على أمن البحرين واستقرارها!

   نعم.. تلك الأقلام مع حرية الرأي والتعبير، بشرط أن لا تختلف عن رأيهم وتعبيرهم، ففي الغالب أنك إن فعلت، فستكون عن قصد أو غير قصد، داعياً إلى زعزعة أمن البلاد واقفاً في صف الإرهاب! و”نوتة” تبعات أحداث 2011 حتى اليوم جاهزة، يكررونها مقالاً بعد آخر، وإدراجك كحرفٍ موسيقيٍ فيها لن يكون عسيراً، ليُصوروك، بسبب رأيك، أقل وطنية لأرضك وقيادتك!

   إذا كان الرياضيون اُضطِرّوا إلى كتمان غيضهم بسبب قرار الانسحاب من بطولة العالم لكرة اليد[1]، فإن غيضاً لا يقل عنه يكتمه الإعلاميون الشباب اليوم، تجرأ بعضهم وأعلنه ولو على استحياء، وامتنع أغلبهم عن ذلك[2]. هؤلاء الشباب لا يُمثلهم بعض قادة الرأي من كُتاب ورؤساء تحرير يلوون كل منطق لتبرير كل قرار سياسي، أولئك الكُتاب الذين إذا ما تجرأوا يوماً وانتقدوا قراراً سياسياً في مقال، سارعوا لتأكيد ولاءهم في أكثر من مقال لاحق، وكأن انتقاد أي قرار سياسي مُخرج من الوطنية!

   ماذا بعد إغلاق القناة؟ هل ستُعدم المعارضة من الظهور على القنوات الفضائية؟ من سيكون ضيوف نفس القناة من المعارضة البحرينية فيما لو انتقلت إلى لبنان أو لندن؟ ماذا عن الخبرة التي سيكتسبها الشباب البحريني العاملين في القناة، والتي من الممكن استثمارها في مشاريع قادمة؟ ماذا عن استثمار هذه الذراع الإعلامية في الملفات والقضايا العربية والإقليمية؟

   من الصعب جداً بعد هذا القرار الحديث عن حرية الرأي والتعبير في البحرين، بغض النظر عن تقدمنا على معظم دول الخليج في هذا المجال، ومن الغرور عدم الاكتراث لهذه التداعيات. ولا يهم هنا إن كانت أي دولة خليجية أو عربية ستتخذ نفس الموقف من القناة أم لا، فمن يطرح المقارنة هذه هو كمن يقول: لا ضرر من الرسوب في امتحانٍ رسب كل الزملاء فيه!

   إيقاف قناة العرب، من يوم القرار وحتى وقت طويل قادم، سيكون العنوان الأبرز للإعلام وحرية الرأي والتعبير في البحرين. فكما قال وزير خارجية البحرين عن القناة خلال استضافته في برنامج (في الصميم) على روتانا الخليجية: “وجود هذه القناة في البحرين سيرسل رسالة صحيحة عن البحرين وعن المنطقة“.. للأسف، الرسالة “الصحيحة” أُرسِلت، ووصلت للعالم، يا معالي الوزير.

 

* نُشر هذا المقال في موقع جريدة العربي الجديد بعنوان (ربح الضيف وخسر المضيف): هنــا

[1] أشار إلى هذا القرار، وغيره من القرارات التي أغاضت قطاعات واسعة من الشعب، الكاتب البحريني إبراهيم الشيخ في مقالة له: هنــا

[2] مقال للأخ الفاضل راشد الجاسم ينتقد المواقف المؤيدة لقرار إيقاف القناة: هنــا