وجوه

تبددت سعادته بحصوله على ترقية مجانية لدرجة رجال الأعمال عندما رأى من سيكون جاره وهو يرفع حقيبته ليضعها في الرف. لم يكن بحاجة إلى الهدوء بقدر عدم قدرته على التفاعل. فشل قبل وصوله في أن ينام أكثر من ربع ساعة، بدأت الرحلة للتو، التي امتد طولها إلى رحلة الشتاء والصيف منذ عام تقريباً. ظلام الواحدة بعد منتصف الليل في الخارج، وظلام عتبات كآبة تملأ صدره، كيف سيمضي الوقت وهذا لا يكف عن الحديث؟ سأل نفسه.

بعد تحية وسلام، وابتسامة اجتهد في أن تكون طبيعية، انطلق الرجل كعادته..

  • بديت أتعب، أسبوعياً على هذي الرحلة، أتملل لو جلست الويك اند هناك وعندي عايله هني، شاسوي!
  • الله يعين.
  • الخميس وصلت وبس مع الولد.. الجمعة اعتذرت من الشباب وقلت لهم الي وده يشوفني يشرفني البيت.. ما فيني شدة أطلع. يقولون ترمب متصل طالب يحلونها.
  • العشم في ترامب.
  • مضحك مبكي الوضع.. اقول لك قبل يومين كنت اسولف مع صديق فلسطيني وكان يكلمني عن معاناتهم في الضفة إذا بيطلع مشوار من مدينة لثانية، مشوار النص ساعة مرات ياخذ منهم ساعات. قلت له احنا بعد مشوار النص ساعة صار ياخذ منا ساعات. استغرب وقال بس ليش؟! احنا عشان عندنا يهود انتوا ليش هالقصة؟! قلت له عشان عندنا مسلمين!

حتى الكوميديا سوداء مظلمة هذه الليلة، ولكنها رغم ذلك مضحكة. رد بعد ضحكة قصيرة جداً:

  • الله يعين

ممنياً نفسه بأن يكون جاره قد مرت عليه المقولة التي تقول بأنك إذا سمعت محدثك يقول “الله يعين” ثلاث مرات متتالية فالأفضل أن تتوقف عن الحديث وتتركه في حال سبيله أو في سبيل حاله، لا يهم. أغمض عينيه في محاولة واضحة للنوم. جاراه جاره، وكان الصمت حتى وصلا إلى مطار الكويت.

عند مكتب تحويل الرحلات، وقف وحيداً ينتظر طباعة بطاقة صعود الطائرة الثانية، طَلَّ رجلٌ على الموظف الذي قال له مباشرة:

  • يجب أن تنتظر يا سيدي، راجعنا الساعة 11 صباحاً.. انتظر هنا إلى ذلك الحين

وكانت الساعة لم تتجاوز الثانية والنصف بعد منتصف الليل. استغرب من طول مدة الانتظار التي يجب أن يقضيها هذا الرجل وعائلته فسأل الموظف بعد أن انصرف الأخير:

  • ما قصته؟
  • هذه عائلة سورية جاءت إلى هنا لكنها لم تحصل على تأشيرة دخول، لذا يجب عليهم أن يرجعوا على نفس الطيران في الرحلة القادمة إلى دمشق.

التفت إلى العائلة التي تجلس على صف مقاعد ليس ببعيد، الأم في عقدها الرابع، الابن في سن المراهقة، صغيرة نائمة على كرسيين، والأب الخمسيني يمشي ذهاباً وإياباً، يفكر أو لا يفكر في شيء. شيء غريب في وجوههم دعاه للتحديق فيها مرة أخرى من حيث يقف، إنها خالية من أي تعبير، لا امتعاض، لا ترقب، لا رجاء، لا شيء أبداً، لولا أنهم أحياء أمامه لقال أنها وجوه موتى! يا الله ماذا مرت به هذه الوجوه حتى تفقد كل رصيدها من المشاعر أو الحياة؟! وجوه ضاق عليها وطنها، أو ربما سقط عليها سقفه ونجت بأعجوبة. وجوه لم يُرحب بها هنا. تباً لهنا وهناك!

سخرت وجوههم الساكنة من حزنه بشدة، وبصمتٍ مطبق زجرت كل ضيقٍ فيه، تضاءلت كآبته أمامها، وتَقَزَّم هَمُّه. استلم بطاقته، ومضى مردداً في نفسه.. عندنا مسلمين.

الصورة: بورتريه سوري للفنان نذير إسماعيل

غازات

image

ماذا يريد هذا الشاب المصري؟! يمشي بثقة خلف الممرضة. لقد نادت “أحمد سلطان”. تبعتهما، جلس هو على كرسي الفحص، فاستأذنت الممرضة حتى لا تُسجل درجة ضغطه وحرارته في ملفي! اكتشفنا أن إسمه أيضاً “أحمد سلطان”. مع ذلك كان دوري فاعتذر. جلست على المقعد بعد أن قام لينتظر دوره.

جاء دور الدكتور. جلست منتظراً على السرير بجانب مكتبه. ماذا تشكو يا أحمد؟ قولون، بدون مبالغة أتجشأ كل دقيقة إلى دقيقتين. إنبطح. وضع راحة يمناه على بطني، وطرق على ظهرها بإصبعيه الوسطى والسبابة طرقتين، وعاد إلى مكتبه ليكتب وصفة طبية! لم يسألني ماذا أكلت، هو سؤال واحد فقط: هل تشعر بألم؟ لا، مجرد غازات. تبرعت أنا بشرح مكونات وجبة العشاء الخرافية التي أكلتها الليلة قبل الماضية بينما هو يطبع ما يطبع على جهاز الكمبيوتر. بنرفزة حاول أن يُخفيها: من الذي يكح هنا؟. ترد الممرضة: مريضك يا دكتور. سأُعطيك حبةً تأكلها يومياً بداية يومك، وستحس بتحسن. شكراً.

أخذت “الروشتة”، هذا ما كنت أحتاجه فعلياً، ﻷن الصيدلاني رفض أن يُعطيني حبوب الغازات بدونها. كُنت مُحضّر ذاكرتي الضعيفة لحفظ قائمة الطعام الممنوعة التي سيتلوها علي سريعاً قبل مغادرة مكتبه، لكن لا شيء من هذا!
..
الليلة اﻷخيرة في سفري اﻷخير، في أبوظبي تحديداً، حلمت حُلماً “أكشنياً”، استطاع “الشرير” الذي كنا في صراع أنا وأخي الصغير معه، استطاع أن يطعنني في بطني، كان هذا آخر مشهد في الحلم.
صحوت من النوم وكان بطني عظيماً بفعل الغازات.
ماذا قلت يا عبدالوهاب الحمادي؟
#لا_تقصص_رؤياك ؟