ربحت “العرب” وخسرت البحرين

أحمد الحربان – العربي الجديد:

   للأسف حصل ما توقعته، لم يصل النظام في البحرين إلى تفاهم مع قناة العرب يُبقيها على أرضه، لتستفيد البحرين من وجودها وتستثمره إعلامياً واقتصادياً وسياسياً. لم يحتمل أصحاب المعالي والسمو هذا الوضع الغريب عليهم: أن يُستضاف عضو الوفاق على قناة تلفزيونية مقرها البحرين دون التنسيق معهم، أو أخذ الضوء الأخضر على الأقل. ورغم أن من رأى اللقاء سيشعر وأن المُقدم أكتفى بقراءة مقالات كُتّاب السلطة إعداداً له، فقد كان أسلوبه حازماً، وردوده على خليل المرزوق قوية، صريح بتبرير حق النظام في سحب جنسيات من يراهم يزعزعون أمنه.

   صحيح أن استضافة خليل المرزوق، العضو القيادي في الجمعية المعارضة الوفاق، لم تكن بداية موفقة للقناة، إلا ان قرار إيقافها في رأيي، ورأي كثيرين غيري، لم يكن أكثر توفيقاً.

   بعض الكُتّاب وقفوا كعادتهم في كل مرة، كل مرة، مُدافعين عن القرار السياسي، فلم تفتقر مقالاتهم للمنطق فقط، ولم تكتفِ بالتناقض أيضاً – حديثهم عن حرية الرأي والتعبير واستنكارهم استضافة عضو الوفاق-، بل أشاروا أيضاً إلى أن أمن البحرين فوق أي اعتبار، وفوق أي استثمار إعلامي أو اقتصادي، متهمين كل من يخالفهم  رأيهم حول قرار الإيقاف بالتواطؤ، ولو بالرأي، على أمن البحرين واستقرارها!

   نعم.. تلك الأقلام مع حرية الرأي والتعبير، بشرط أن لا تختلف عن رأيهم وتعبيرهم، ففي الغالب أنك إن فعلت، فستكون عن قصد أو غير قصد، داعياً إلى زعزعة أمن البلاد واقفاً في صف الإرهاب! و”نوتة” تبعات أحداث 2011 حتى اليوم جاهزة، يكررونها مقالاً بعد آخر، وإدراجك كحرفٍ موسيقيٍ فيها لن يكون عسيراً، ليُصوروك، بسبب رأيك، أقل وطنية لأرضك وقيادتك!

   إذا كان الرياضيون اُضطِرّوا إلى كتمان غيضهم بسبب قرار الانسحاب من بطولة العالم لكرة اليد[1]، فإن غيضاً لا يقل عنه يكتمه الإعلاميون الشباب اليوم، تجرأ بعضهم وأعلنه ولو على استحياء، وامتنع أغلبهم عن ذلك[2]. هؤلاء الشباب لا يُمثلهم بعض قادة الرأي من كُتاب ورؤساء تحرير يلوون كل منطق لتبرير كل قرار سياسي، أولئك الكُتاب الذين إذا ما تجرأوا يوماً وانتقدوا قراراً سياسياً في مقال، سارعوا لتأكيد ولاءهم في أكثر من مقال لاحق، وكأن انتقاد أي قرار سياسي مُخرج من الوطنية!

   ماذا بعد إغلاق القناة؟ هل ستُعدم المعارضة من الظهور على القنوات الفضائية؟ من سيكون ضيوف نفس القناة من المعارضة البحرينية فيما لو انتقلت إلى لبنان أو لندن؟ ماذا عن الخبرة التي سيكتسبها الشباب البحريني العاملين في القناة، والتي من الممكن استثمارها في مشاريع قادمة؟ ماذا عن استثمار هذه الذراع الإعلامية في الملفات والقضايا العربية والإقليمية؟

   من الصعب جداً بعد هذا القرار الحديث عن حرية الرأي والتعبير في البحرين، بغض النظر عن تقدمنا على معظم دول الخليج في هذا المجال، ومن الغرور عدم الاكتراث لهذه التداعيات. ولا يهم هنا إن كانت أي دولة خليجية أو عربية ستتخذ نفس الموقف من القناة أم لا، فمن يطرح المقارنة هذه هو كمن يقول: لا ضرر من الرسوب في امتحانٍ رسب كل الزملاء فيه!

   إيقاف قناة العرب، من يوم القرار وحتى وقت طويل قادم، سيكون العنوان الأبرز للإعلام وحرية الرأي والتعبير في البحرين. فكما قال وزير خارجية البحرين عن القناة خلال استضافته في برنامج (في الصميم) على روتانا الخليجية: “وجود هذه القناة في البحرين سيرسل رسالة صحيحة عن البحرين وعن المنطقة“.. للأسف، الرسالة “الصحيحة” أُرسِلت، ووصلت للعالم، يا معالي الوزير.

 

* نُشر هذا المقال في موقع جريدة العربي الجديد بعنوان (ربح الضيف وخسر المضيف): هنــا

[1] أشار إلى هذا القرار، وغيره من القرارات التي أغاضت قطاعات واسعة من الشعب، الكاتب البحريني إبراهيم الشيخ في مقالة له: هنــا

[2] مقال للأخ الفاضل راشد الجاسم ينتقد المواقف المؤيدة لقرار إيقاف القناة: هنــا

كان صرحاً من خيالٍ فهوى

d8aad8acd985d8b9-23

أحمد الحربان – العربي الجديد:

هل كان صرحاً من خيالٍ، من آمالٍ، فهوى؟ أم كان قطع “ليغو” تم تجميعها لتُشكِّلَ مُجسَّماً ضخماً يُعجب المُتابعين لأحداث هذه الجزيرة الصغيرة، ويُغاض به آخرين؟

رغم حساسية الانتخابات البحرينية الأخيرة في ظل مقاطعة المعارضة لها ومحاولتها الحثيثة لإفشالها، إعلامياً على الأقل، واقتتال النصف الآخر من المجتمع متحداً مع قيادته السياسية لإنجاحها، فإن أكثر موضوع تم تداوله والتندُّر عليه بعد إعلان النتائج مباشرةً هو تلك الخسارة الفادحة التي مُنيت بها جمعية “تجمع الوحدة الوطنية”، ولا عجب من هذا التفاعل، فقد ظلت هذه الجمعية تدّعي أنها تُمثل حوالي 450 ألف مواطن ينتمون إلى مختلف الديانات والطوائف والتوجهات، لكنها لم تحصد سوى 3500 صوت تقريباً، ولم تتمكن من إيصال سوى مرشح بلدي واحد، من أصل 14 مترشحاً ضمتهم قائمتها للمجلسين النيابي والبلدي.

في 11 فبراير 2011، وكردة فعلٍ خائفة من الحراك الذي قادته المعارضة البحرينية ذات الغالبية الشيعية المتمركز بدوار اللؤلؤة، والذي أصبح أثراً بعد عين، هبّت جموع من الناس لتحتشد حول جامع الفاتح، أكبر جوامع البحرين، لتقول للخارج قبل الداخل، أن هناك آخرون، رغم اتفاقهم على ضرورة الإصلاح إلا أن لديهم وجهة نظر أخرى في شكله وسقفه. وبعد جدل بين من دعا إلى تلك الوقفة وقام بتنظيمها، انتهى القرار إلى تأسيس جمعية سياسية جديدة تحمل اسم “تجمع الوحدة الوطنية”، وأُنتخبت بعدها الهيئة المركزية للجمعية الوليدة، أُقصيَت منها كل الجمعيات السياسية التي ساهمت في إنجاح تلك الوقفة، رغم حرصها على أن يكون هناك من يمثلها في تلك الهيئة لمزيد من التنسيق وضمان التمثيل الأكبر للتجمع واستمرارية زخمه. فخسر التجمع خبرة تلك الجمعيات التي مارست العمل السياسي قبلها وفرّط في التنسيق والتكامل معها، وأصبح بعد أن كان حاضناً لها، أو ما كان ينبغي أن يكون، أصبح منافساً لها ولقواعدها الشعبية.

ظنّت قيادة التجمع أن الحشود التي وقفت في 2011 ثابتة كثبات الصورة التي بات لا يملك رصيداً سواها، صورة الحشد نفسه، فعملت طوال السنوات الثلاث الماضية وحيدة منفردة عن الناس، وبعيدة عن التواصل الحقيقي معهم، وعن تبني مشاكلهم وطموحاتهم، خاصة فيما يتعلق بمجال محاربة الفساد، على الأقل ذاك الذي يكشفه تقرير ديوان الرقابة المالية كل عام.

لم يحتشد الناس نُصرةً لقيادةٍ دينية أو سياسية، أو دعماً لبرنامجٍ سياسي، أو مطالبةً بإصلاح النظام القائم، بل هو رد فعل مشحون بالخوف على مستقبل البحرين فيما لو نجحت الحركات الاحتجاجية وأحدثت اختراقاً. أدركت قيادة التجمع ذلك فأصبح عزفها مُقتصراً على قرع طبول التحذير من المؤامرات والتدخلات الخارجية. رغم ذلك آمن مجموعة من الشباب بضرورة استغلال المرحلة، فحاولوا من خلال هذا الكيان الجديد أن يستنهضوا الشارع السني الذي غاب بعضه عن ممارسة السياسية والتعاطي مع الشأن العام، وغُيّب مُعظمه، ولكنهم لم يستطيعوا الاستمرار في العمل ضمن جمعية أصبحت شيئاً فشيئاً مجرد دائرة علاقات عامة، يقتصر نشاطها على إصدار البيانات الرادة على المعارضة، ومناكفتها في الاجتماعات والندوات الخارجية التي تتناول الشأن البحريني، فقفزوا منها منسحبين قبل أن تغرق.

الوعي الذي تفجر مع الثورات العربية الأخيرة، ورغم ارتباكه بسبب ما آلت إليه هذه الثورات، في مصر واليمن تحديداً، فإن اهتمام الشباب وتفاعلهم مع الشأن العام لم يتراجع، وفي ظل وجود مساحات الممكن التي لم تُستغل، والحاجة إلى الإصلاح التي تزداد إلحاحاً، تتعاظم مسؤولية الشباب في البحرين لدعم المشاريع الإصلاحية وتطوير النظام.

رابط المقال في صحيفة العربي الجديد:  goo.gl/aWJpck

التقديس والخطوط الحمراء

يعقوب سليس
يعقوب سليس

أعتقلت السلطات الأمنية في البحرين يوم الأحد 31 أغسطس 2014، الناشط بائتلاف شباب الفاتح، الأخ الفاضل يعقوب سليس، بسبب تغريدات له على تويتر قبل نحو 3 أشهر تناول فيها مشاركة العسكريين في الانتخابات النيابية. وقد أُفرج عنه بعد يوم من اعتقاله، بعد أن قرر القاضي إرجاء محاكمته إلى 13 أكتوبر2014 لإطلاع المحامين على أوراق القضية والرد، مع ضمان محل إقامته.

وقد تفاعل البحرينيون على تويتر مع القضية، مطالبين السلطات بإطلاق سراحه، فالحديث عن توجيه أصوات العسكريين لم يكن اختراعاً سليسياً، وهو موضوعٌ متداول في المجتمع بشكل واسع ومنذ بداية العهد الإصلاحي الذي دشنه جلالة الملك حفظه الله ورعاه، كما يصرح به قادة المعارضة، ولم نجد أحداً حُوكم بسببه.

وهناك من تفاعل في الطرف الآخر، فكتب أحدهم ثلاثة مقالات في جريدة أخبار الخليج عنوَّنها (قوة دفاع البحرين.. كل الخطوط حمراء)، موهماً بالعنوان أن ماغرَّدَ به أخونا يعقوب إساءة لمؤسسة قوة دفاع البحرين، الأمر الذي نفاه يعقوب أمام المحكمة: “أي مساس بالجيش هو مساس بي لأني مواطن بحريني“.

أود وباختصار أن أعلق هنا على نقطتين، وأسمحوا لي أن أقتبس من مقالاته الثلاث سطراً وفقرة..

القوات المسلحة البحرينية، ممثلة في قوة دفاع البحرين … ولن نبالغ إذا ما قلنا إنها مؤسسة مقدسة …”

وقد لاحظت يوم أمس، أنه بمجرد أن ذاع خبر أحد الرهط الذين يحاولون خاسرين الإساءة إلى القوات المسلحة البحرينية، سرعان ما قفز إلى المشهد نفس الأشخاص الذين عرفوا بتبني فكر أكاديميات الانقلاب! نفس الجوقة الحالمة خرجت مجدداً لتردد هرطقات «حرية الرأي والتعبير»، ويجهل هؤلاء، أو ربما لا يجهلون، أن مع المؤسسة العسكرية، سواء كان الأمر في البحرين أو في بريطانيا أو في الولايات المتحدة أو في أي مكان يحترم قواته المسلحة، فإنه لا مساس أبداً بخط الدفاع الأول، ولا مجال للنظريات الحالمة التي أوصلت المنطقة إلى ما هي عليه الآن.”

تقديس غير المُقدس.. هل أنا بحاجة لتفصيل هذه الهرطقة أو النظرية وخطرها؟ الاحترام شيء والتقديس شيء آخر. قلة الاحترام شيء وما ذكره أخينا يعقوب شيء آخر. نختلف؟ وارد. يفصل القضاء، ويحدد ما هو الاحترام من عدمه. أما ثقاقة التقديس والخطوط الحمراء، التي يُراد أن تُعمم على أشياء كثيرة فيما يبدو، فهي ثقافة تطبيلية رائجة، يتفنن في نشرها من يريد أن يُصادر آراء الناس ويكمم أفواههم، طمعاً في …

النقطة الثانية.. هنا طريقة جديدة وسهلة ابتكرها بعض كُتاب البحرين لمصادرة أي رأي مُخالف يودون مصادرته، هي نسبة هذا الرأي إلى فكر أكاديميات الانقلاب، وقد جاء هذا الابتكار “الشماعة” بعد أن رفع أحدهم في لقاء عبر تلفزيون البحرين خارطةً لثواني معدودة قبل أن يخفيها سريعاً عن الكاميرا، خارطة “كيف تصنع ثورة؟، زاعماً بأنه بإمكانك القيام بثورة تطيح بالنظام من خلال هذه الخارطة! وفَلسَفَ حينها قاعدةً ذهبية: كل انتقاد للسلطة، أو رأي مخالف لها، هو بمثابة تحريك لمياهٍ راكدة وخلق موجات استياء لدى الشعب، تؤدي في نهاية المطاف إلى ثورة تهدف إلى قلب نظام الحكم. هكذا بكل بساطة !!

ما أضحكني فعلاً، وصف كاتبنا من دافع عن سليس وطالب بإطلاق سراحه بأنه مُتبنٍ لفكر أكاديميات الانقلاب، وأنهم جوقة حالمة خرجت لتردد هرطقات، وما هم إلا بعض المتفلسفين ممن يحبون الظهور والشهرة، وممن يريدون أن يخالفوا حتى يُعرفوا، وممن يريدون لفت الانتباه أو لعب دور البطولة، ثم يأتي في مقال رابع، أخير حول الموضوع، يقول: إن النزعة العصبية (من الأعصاب) والإقصائية (من الإقصاء) فيما ذهب إليه هذا النفر، ومحاولتهم غلق أفواه الغير بشريط لاصق، حتى لا يقال لهم ما يخالف معتقداتهم، كانت واضحة وبيّنة.

سبحان الله 🙂

سؤال قانوني:

إذا ما قيل للعسكري المنتمي لمؤسسة عسكرية، أية مؤسسة عسكرية كانت، (أنت مُوَّجَّه). هل يعتبر ذلك إهانة يُعاقب قائلها بقوة القانون؟ طيب هو طول حياته المهنية يتلقى الأوامر بتعظيم السلام صارخاً: حاضر سيدي!

مع كل الاحترام والتقدير الصادقين لمؤسسة قوة دفاع البحرين. حفظ الله البحرين.

بيت المال الخليفي !!

كما جاء في تعريفه في المقطع أدناه، هو “حصيلة قائمة بذاتها وميزانية مستقلة ينفق منها على كل مواطن دون استثناء”، يتم تمويله من مصادر عدة، بعضها بصورة إجبارية وأخرى بصورة اختيارية. أترككم مع المقطع، وأسرد تعليقي في نقاط سريعة بعده..

– لا أعرف ما الحكمة من استقطاع نسب من موارد وزارات الدولة ووضعها في صندوق بهدف صرفها على المواطنين، رغم أن هذه الموارد هي ضمن الميزانية العامة، والتي من المفترض أن تقوم هذه الميزانية بتلبية الحاجة المُلحة لزيادة رواتب المواطنين، وتعزيز رفاهيتهم.

– من قال أننا بحاجة إلى تصميم صناديق لتلبية حاجات المواطنين؟ هناك وزارة مالية فيها كل هذه النسب التي اقترحتم خصمها من الوزارات والمؤسسات، بالانجليزي (!The money is there) نحن بحاجة إلى نظام يضمن، وتحت “يضمن” ألف خط، رقابة حقيقية على ميزانية الدولة، وآلية صرفها.

– وقبل حاجتنا إلى رقابة حقيقية على المال العام، نحن بحاجة إلى تعريف “المال العام”. بعبارة رياضية أكثر دقة: ما هي النسبة المُخصصة للميزانية العامة من موارد الدولة والمعونات التي تحصل عليها، وكم نسبة ما يذهب في الثقوب السوداء هنا وهناك. لا نريد أن نعرف ماهية هذه الثقوب، ولا الدخول في تفاصيلها، دعونا نتفق على نسبة على الأقل !

– الناس تطلب زياة في الرواتب، الرواتب “شهرياً”، وليس منح سنوية.

– عزيزي من اقترح اسم الصندوق، مع احترامي لك، أنت “مطبلجي” من النوع الفاخر جداً، فصندوق يتم تمويله من قبل وزارات الدولة وغيرها من المؤسسات والجهات، كان من الأولى والأنسب أن يُسمى “بيت المالي البحريني”.

– هناك من يرى أن في الفكرة خير، وهناك من يجدها -وأنا منهم- بقرة جديدة في هذا البلد المُنهَك يحلُب منها من يحلُب، ونافذة أُخرى على أموال البلد تُفتح على مصراعيها للبعض، خاصة في ظل عدم وجود جهاز رقابي ومُحاسبي يحاسب المتلاعبين والهادرين لموارد الدولة !

– أخيراً، هناك من سأل من النواب عن مبالغ ضخمة مختفية من ميزانية الدولة (16 مليار تقريباً)، وإلى الآن لم يحصل النائب ولا الشعب خلفه على إجابة مُقنعة.. هذا غير موضوع تهريب الديزل، وغير تقارير ديوان الرقابة، وغير وغير.. أعرفتم أين المشكلة وأين الحل أيها السادة ؟

استقالة بطعم الرحيل

survive-being-fired-800x800

قصة قصيرة

أشعل سيجارته قبل أن يرشف من قهوته التي اعتاد مؤخراً على شرابها، اسبريسو بدون سكر. أرخى حاجبيه وسحب نَفَساً طويلاً لم يُبقِ من السيجارة إلا ثلاثة أرباعها. أبعد السيجارة عن شفتيه، نظر إليها وفكّر.. (لا أدري أيهما أسرع احتراقاً.. أنتِ أم هذه الشركة؟). أحدهم يربت على كتفه من الخلف، التفت فوجد زميله عيسى بوجهه المتفاءل دائماً. أبرز اسوداد لحيته بياض وجنتيه.. قال بصوت غير مسموع (وصل حبيب الكبار)، وبصوت مسموع قال:

– أهلاً بوعبدالله، حياك تفضل

– الله يحييك

جلس أمام حسن في المقهى الصغير الخاص بالموظفين في بهو الشركة، بادر بالحديث:

– عسى ما شر بوعلي؟ أشعر بأن هناك ما يشغل ذهنك هذين اليومين.. كثير الصمت والتفكير.

نظر حسن إلى القهوة وهي تدور داخل الكوب الصغير بفعل حركة يده، بدا وكأنه يُفكر فيما سيقول، لأنه يعلم بأن الذي أمامه موصل جيد للحرارة، الحديث معه كصب الكلام في آذان أعضاء مجلس إدارة الشركة. إلا أنه قرر أن لا يُخفي الموضوع لمدة أطول..

– بصراحة، لا شيء يُعجبني، المشروع الذي نعمل عليه ليل نهار في هذه الشركة، أنا وأنت وغيرنا من الموظفين..

– أي مشروع تقصد بالضبط؟

– مشروع شركتنا الأساسي.. الذي نعمل كلنا هنا له ومن أجله.

– لا يزال المشروع مُربِحاً، على اﻷقل على المُقرّبين مثلي ومثلك، أليس كذلك؟

– ألا تخشَ من أن يأكل حصة أبنائي وأبناءك أولئك الشركاء الجُدد؟ الذين وظّفًتهم الشركة وبقرار من مجلس الإدارة قبل أعوام، ولا تزال تُوَّظف المزيد منهم، رغم العجز في الميزانية.

– كلنا يعلم بأن دخولهم ما هي إلا خطوة استراتيجية لحفظ كيان هذه المؤسسة، إذا ما كانت التحديات تهدد وجودها، فإن التضحية بنسبة من اﻷرباح مُبَررة هنا، أليس كذلك؟

– لا أحد يعلم إلى أين ستصل هذه النسبة يا بوعبدالله.. لا أحد!

– حسن.. سأكون معك صادقاً، الحديث عن ثبات نسبة اﻷرباح ومستقبل اﻷبناء، ليس وقته اﻵن، ألا ترى بأن شركتنا تخوضُ حرباً يومية تحتاج إلى كثير من المتابعة والجهد.

– أنا رجل أعمال قبل أن أكون موظفاً يا بو عبدالله، وأب قبل أن أكون رجل أعمال، لذا فالأرباح تهمني، لأني عليها أعيش، ومستقبل أبنائي أولى أولوياتي، مهما كانت الظروف، خاصة إذا ما رأيت مستقبل أبناء أعضاء مجلس إدارتنا الأفاضل مُؤمًّن، وعلى حساب هذه الشركة، مهما كان وضعها المادي.

تَلَفَّتَ عيسى يمنةً ويسرة، ونظر في عين حسن بشيء من قلق:

– الأوضاع ستتحسّن، صدقني، الأوضاع ستتحسن، وأصبر وما صبرُكَ إلا بالله.

– والنعم بالله.

هَرَسَ حسن سيجارته التي لم يُكمل تدخينها في المنفضة أمامه، وقال قبل أن يتوجه للمصعد:

– لا شيء يُعجبني يا عيسى، لا شيء يُعجبني، ولا أحد هنا في هذا المكان يهمه ذلك.

***

ظَلَّ عيسى جالساً على الكرسي، طلب قهوة بالحليب، واستحضر حواراً شبيهاً دار بينه وبين زميله الآخر، راشد،  قبل يومين فقط..

– مرحبا راشد.. كيف حالك وحال اﻷهل؟

– هلا بوعبدالله.. الحمدلله بنعمة ربي لك الحمد والمنّة..

– ولكن هناك كلام يبدو أنه منتشراً بين النساء، أو أنه وصل إلى زوجتي على أقل تقدير، يقول عكس ذلك.

– كلام النساء لا ينتهي.. هات ما سمعت..

– يقولون بأنك فاقد لشهية اﻷكل منذ مدة ليست بالقصيرة، وأنك أدمنت شرب البيره والسهر.

أطرق راشد، فقد ظن بأن علامات السهر لم ترتسم على سحنته، وتفاصيل حالته النفسية ستظل حبيسة جدران بيته.. زفر طويلاً ثم رفع عينه إلى عيسى وقال:

– لم تعد حياتي كما كانت يا بوعبدالله.. أشعر بأني فارغ!

– استعذ بالله من أبليس، وصلِّ على النبي، تقول هذا الكلام وأنت من أنت، مكانة مجتمعية مرموقة، ومنصب محترم في شركة محترمة، أحمد الله يا رجل.

– هه، أي شركة يا بوعبدالله؟! كانت الشركة مشروعاً جميلاً، كما كُتِبَ في نظامها الأساسي. كانت هناك أهدافاً وقيّم، وكنا نحن جميعاً، صغار المساهمين قبل الكبار، قُدامى الموظفين قبل الجُدد، نُساهم مساهمة حقيقية في بلورة القرارات، واختيار السياسات. كان لنا وجود حقيقي فيها، يعكس مدلول كلمة “شركة”، كُنا نشعر بأننا شُركاء فعلاً.

– لا أستطيع أن أفهمك! هذا الكلام لا يقوله أحد مثلك، لديه ما يكفي من الخير وزيادة، وأبناؤك تم توظيفهم في الشركة على رأس وظائف يتمناها كثيرون غيرهم. ما كل هذه السلبية؟!

– واضح أنك لم تفهم ما أقصد.. عندما يجد المرء أن لا مكان لرأيه، ولا حتى مجرد مساحة حقيقية يستطيع من خلالها أن يتبنى موقف يؤثر في مجريات الأمور، يشعر حينها بأنه صفرٌ على الشمال، ببساطة يفقد المرء معنى وجوده، وعندما يصل إلى هذه الحالة، لا المال ولا العطايا تشعره بالأمان أو الحياة.

– أرجع وأقول لك أستعذ بالله من الشيطان، وأحمد الله يا عيسى. وضعك أفضل من وضع كثير غيرك.

– الحمدلله.

***

مُسرعة تشق طريقها، وكأنها تشعر بنرفزة وضيق من يزوّد محركها بالبنزين، يحوقل منذُ أن انطلق من المزرعة.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله..

قبلها بدقائق كان عيسى يشرب شاياً مغربياً مع أحد أعضاء مجلس إدارة الشركة في مزرعته الخاصة. نقل له امتعاض بعض قدامى الموظفين للأوضاع، وإحباط جُل العاملين بسبب عدم زيادة رواتبهم منذ سنوات، والفساد الذي لم تعد تنفع معه عطورات الحملات الدعائية، وغيرها من ملاحظات لا تمل من التكرار، ولا تستحي من الوضوح. وكل ما خرج به (نمر في ظروف.. ليست لدينا ميزانية تكفي لزيادة الرواتب.. الوضع سيتحسّن.. أنت ماذا تريد؟.. أستطيع أن أخدمك أنت..).

تمرُّ على باله مشاريع كثيرة دخلت فيها الشركة بجدوى اقتصادية مشكوك في أمرها، وفعاليات كثيرة مجهول مصدر تمويلها، وميزانيات كبيرة أثارها بعض المحاسبين في الشركة مؤخراً، لا يدري أحد أين صار مصيرها. تتساقط شعيرات من لحيته على ثوبه الأبيض، إنه يُكثر من حكّها عندما يُفكر.. يواصل طريقه إلى البيت مستمر في الحوقله.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. بدأ يشعر بأن لقاءاته الكثيرة بأعضاء مجلس الإدارة وملاحظاته لا تُغيّر شيئاً، بل صار شبه مُتيقن من ذلك.

***

بعد يومين، فتح بريده الالكتروني، قرأ سريعاً بعض الرسائل، وصل إلى رسالة من قسم التواصل الداخلي في الشركة، إنها النشرة الالكترونية الشهرية. فتحها. عنوان النشرة الرئيسي لهذا الشهر “شُبُهات طالت كبار الموظفين.. إدارة التدقيق الداخلي تُسَلّم مجلس اﻹدارة تقريرها المالي واﻹداري السنوي“. وجاء في الخبر “كما أشار رئيس إدارة التدقيق المالي والإداري إلى استمرار الهدر في بعض الإدارات، كما أن نسبة شُبهات الفساد لم تتراجع للأسف عن العام الماضي…“. لم يقرأ عيسى بقية النشرة، مسح الرسالة فوراً. هذا التقرير التاسع، سبقته ثمانية تقارير مُتخمة بالفساد. اكتفى مجلس الإدارة بصفها في المكتبة الضخمة التي تحتل جداراً طويلاً في غرفة الاجتماعات الخاصة. عيسى المتفائل، لم يعد متفائلاً.

***

صباح يوم الأحد، قدم كلٌ من حسن وراشد، وثلاثة من قدامى الموظفين، استقالاتهم إلى مكتب المدير التنفيذي.

خرج حسن من مقر الشركة والأسى يتقلّب في معدته، شعر وهو ينظر لمقر الشركة التي عمل فيها أبوه وجده قبله، تلك النظرة الأخيرة، شعر وكأنه يُودعُ وطناً !

***

في يوم عملهم اﻷول في الشركة الجديدة، تفاجئا، حسن وأحمد، بوجود عيسى معهم في الاجتماع الخاص بالموظفين الجدد مع الرئيس التنفيذي، أجاب عيونهم المشدوهة بابتسامة وهو يقول:

– أقنعتني أم عبدالله بقوله تعالى: (من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيراً وسعة) !

***

يوم الثلاثاء، يعتمد مجلس إدارة الشركة تقريراً داخلياً حول موضوع استقالات قدامى الموظفين، وقد أكد التقرير في 7 صفحات إلى الخطر البالغ والتهديد المباشر الذي تسببه الشركات المنافسة بتقديمها مميزات وحوافز للموظفين الذي ينتقلون إليها. وفي صفحة واحدة اتهم التقرير قدامى الموظفين الذين قدموا استقالاتهم بضعف ولائهم للشركة. وفي ثلاثة سطور فقط، من الصفحة اﻷخيرة، مرَّ التقرير مرور الكرام على أسباب يؤمن البعض بأنها الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذه الظاهرة.

لم يُقدم التقرير أي مقترح لمعالجة المشكلة معالجة حقيقية. ويتوقع مُراقبون تكرارها.

عندما يصمت القانون يعلو النعيق

IMG-20140318-WA0008

بعد أن ضحك الناس على تفاهاتهم وغباءهم قبل أكثر من عام حينما روجوا كذبة وإشاعة أن هناك مجموعة من الشباب السني تُخطط للانقلاب على النظام البحريني، والتي عُرفت لاحقاً بين الناس في البحرين بكذبة 30 ديسمبر، التاريخ الذي زعموا بأنه موعد الانقلاب. يطل هؤلاء أصحاب المصالح المادية،الذين يقتاتون على نشر اﻹشاعات والسعي بالفتنة مرة أخرى، وستستمر طلاتهم إلى أن يأخذ القانون مجراه في وطني، الذي ينزف من جراء تعطيل القوانين.

وصلتني يوم أمس رسالة من أحد اﻷصدقاء حول تغريدات نشرها حساب من الحاسابات التابعة لـ”الفصيلة النادرة” التي أشرتُ إليها أعلاه، يقول فيها عني “صحفي في قناة الجزيرة الرياضية” و”اخونجي معروف” و”حلقة وصل رئيسية بين أخونجية الخليج العربي” و”يشكل خطورة كبيرة على اﻷمن الوطني اﻹماراتي” و”يعمل لدعم الاخونجية الإماراتيين” ويتساءل “لماذا تسمح السلطات اﻹماراتية للإخواني أحمد الحربان موظف قناة الجزيرة بدخول أراضيها“.. وكأن اﻷمن اﻹماراتي يعتمد عليه وعلى أمثاله المتخفين خلف اﻷسماء المستعارة في معرفة ما يشكل خطراً على أمن البلاد !

أنا لا أنتمي لجماعة اﻹخوان المسلمين، لا في البحرين ولا في غيرها من الدول، وليس لدي أي ارتباط لأي تنظيم سياسي، ولو كنتُ أنتمي لجماعة اﻹخوان المسلمين لما أنكرت ذلك، فما الخوف من إعلان انتمائي لجماعة في أحضان السلطة في البحرين، بل منهم أعضاء في السلطات الثلاث، التشريعية كنواب، والتنفيذية كوزراء، والقضائية كقضاة، وهذا ليس سراً. وما اختلافاتي الكثيرة معهم في العمل الطلابي خلال ترأسي لمجلس طلبة جامعة البحرين إلا دليل على كذب هذه اﻹشاعة، وإلا كيف لي أن أختلف على رؤوس اﻷشهاد مع توجهات جماعة أنتمي لها حزبياً؟! وجميع من عاصر تلك المرحلة يعرف ذلك تمام المعرفة. ومع ذلك فهناك صداقات وعلاقات أخوية قائمة على الاحترام المتبادل مع كثير من شباب اﻹخوان، رغم عدم انتمائي وارتباطي بتنظيمهم السياسي.

في الحقيقة لا تهمني هذه اﻹشاعات ولا “الفصائل النادرة” التي تنشرها، فكل المجتمعات تنضح بالحُثالة والتافهين، ويعلو نعيقها أكثر حينما يصمت القانون، ولكن ما يحزُّ في نفسي كمواطن بحريني، هو العجز أو التعاجز الذي نراه من أعلى الهرم إلى أدناه في تطبيق القانون، وعدم اتخاذ أي إجراءات تُجنب المجتمع من مخاطر الإشاعات والفتن وتحفظ كرامة الناس والعوائل البحرينية !

المسألة لا علاقة لها بديمقراطية أو غيرها

أقرأ هذه اﻷيام رواية (شرق الوادي. . أسفار في أيام الانتظار” لتركي الحمد، على أمل أن أنتهي منها قبل نهاية يناير، لم يعجبني سرده للمعارك التي دارت في السعودية في الفترة التي تناولتها الرواية، شعرت وكأنه يكتفي بذكر رؤوس أقلام لقارئ يعلم تفاصيل ما جرى، كان هذا مزعجاً، فضلاً على أن رؤوس اﻷقﻻم هذه كانت كثيرة.

أود من خلال هذه التدوينة مشاركتكم جزء من الرواية، وهو حوار بين جابر بطل الرواية وأبو عثمان، من أبطال الرواية أيضاً، وسأكتفي بااﻷوسمة التي سأكتبها في النهاية كتعليق.

– لا تكن ساذجاً يا بني، المسألة لا علاقة لها بإسلام أو غيره…
وعاد أبو عثمان إلى مصحفه، ولكن جابراً لا يتركه:
– لم أفهم…
وأقفل أبو عثمان المصحف، وتركه جانباً وهو يقول:
– وهل الذين قتلوا عثمان بن عفان أو علياً بن أبي طالب كانوا مدفوعين بالدين والحميّة له مثلما كانوا يقولون؟
– لا أدري… بس كلام الإخوان لا بد أن يكون صادراً عن علم… أم أنا مخطئ؟ -لا يعني هنا الإخوان المسلمين، بل بعض الجماعات الذين أنقلبوا على الإمام عبدالعزيز آل سعود بحجة أنه خرج عن تعاليم الشريعة-
ضحك أبو عثمان وهو يقول:
– كلام ميح، لو هو صحيح… القضية ليست قضية دين، بل هو السلطان والملك… كلا الاثنين، عبدالعزيز والإخوان، دينيون، ولكنهم يبحثون عن السلطة والملك في الدنيا أيضاً… ولكن باحثاً عن باحث يفرق، فالدنيا تبي والآخرة تبي… ومثل ما يقول المثل: “دخانها ولا هبوب شمالها”، ومثل ما يقولون في العراق: “الدخان إلي يعمي، ولا البرد اللي يقمي”… والإخوان هبّة شمال يا وليدي، دخان عبدالعزيز أرحم منها…
-…
– مع عبدالعزيز يجيء الاستقرار، ومع الإخوان نعود إلى ما كنا عليه… ليكن عبدالعزيز ملكاً، ولكن لنا أن نأمن أنفسنا… ومثل ما يقولون: “شبر من ذنب الخروف، ولا بوع من ذنب البقرة”…

أنتهى الاقتباس. وأقول في البحرين، المسألة لا علاقة لها بديمقراطية أو غيرها..

#البحرين #الحكم #المعارضة #الديمقراطية #كلن_يدعي #موقف_الأغلبية_الصامتة

وتصبحون على خير!

30 ديسمبر.. تصفية حسابات وشيطنة “التغيير”

30 ديسمبر.. هو عنوان الموضوع الساخن في البحرين خلال الأسبوعين الماضيين على الأقل، وهي أكبر نكتة سخر منها الشعب البحريني نهاية العام الماضي وبداية هذا العام. تطورت أحداث هذه النكتة تطوراً دراماتيكياً حيثُ بدأ في الأصل بتغريدة للناشط السياسي عبدالله هاشم فهمها الإعلامي محمد العرب أنها تهجُماً عليه، ثم تراشق في التويتر فريقان، واحد مع هاشم وآخر مع العرب (أكثر أفراد هذا الأخير يكتبون بأسماء مستعارة)، ثم زُجت حكاية أكاديمية التغيير وخطرها وتخطيطها لقلب أنظمة الحكم في الوطن العربي، وكعادة كُتاب القصص الخيالية، يُشّبكون ما يستعصي تشبكيه، فقد تم شبك حركة 30 ديسمبر في الصراع لأنها دخلت على الخط في التويتر -وشبك هنا بمعنى التشبيك، ليس المقصود “الشبكة” التي يتم بواسطتها اصطياد رجال الأمن!- إلا أن “العرب” عموماً -ربما أقصد الكُتاب العرب!- ليسوا بارعين في الروايات الخيالية، فكذلك حكايتنا هذه، كانت مثيرة للسخرية والتندُر.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد تطور إلى نشر صور وأسماء شباب في قوائم “سوداء”، أدعى مثيروا الفتنة أنهم أعضاء ومساندين لحركة 30 ديسمبر “الإنقلابية”! وزادت حدة الخلاف على التويتر حتى وصل الأمر إلى تعدي أحدهم على موظف في وزارة الخارجية وهدده بالقتل! فتنشر الوزارة بيان تستنكر فيه هذا الفعل وتعلن أنها ستلاحق المعتدي، وهو من العائلة الحاكمة، قانونياً، وبعد ساعة يتم سحب البيان، كاشفاً عن خلاف حاد حول معالجة الأمور والقضايا لدى القيادة السياسية في البلد !

أحياناً من المهم التعرف على تسلسل الأحداث، إلا أني لم أكتب هذه المقالة للإسهاب في ذلك، ولكني أود الوقوف عند نقاط عدة سأحاول اختصارها، ولكن قبل مواصلة الكتابة، ولمن يحب الإجابات المختصرة أقول، مهزلة 30 ديسمبر عبارة عن:

1-     تصفية حسابات شخصية.

2-     شيطنة “التغيير” أياً كان شكله ومهما كانت وسائله. فكل تغيير مرفوض، شيطانٌ طالبُه، ما لم يكُن بإملاء جهة عليا تعطيه الشرعية والضوء الأخضر! أي باختصار (تكميم أفواه).

أكاديمية التغيير

“سنكشف حقيقة أكاديمية التغيير” .. “أكاديمية التغيير حقيقة موجودة” .. “سترون إن كانت أكاديمية التغيير واقع أم صنع مخابراتي”. هذا ما يقوله مروجو الفتنة عبر التويتر وكأنهم سيكشفون عن عظيم !

أكاديمية التغيير أكاديمية موجودة فعلاً، ولها صفحة على الفيس بوك، وفعالياتها وأنشطتها وأهدافها وبرامجها ومبدائها وحتى مقرراتها منشورة في العلن، ليس الأمر كما يحب البعض أن يصوره وكأنهه بروتوكل شيطاني كُتب في جنح الظلام، وظل مخفياً عن أعين العالم حتى جاء نشطاء وطنيون وكشفوه مشكورين. مقررات التغيير، وإدارته، وأدواته، وأساليب “اللاعنف” تُدرس في المعاهد والجامعات، كما توجد منشورة معلومة في الانترنت يستطيع أن يتعلمها أي أحد. والمضحك هنا أنهم يصورون “اللاعنف” خطراً كالعنف تماماً، وهذا ما يودون ترسيخه في أذهان الناس. رغم أن الدستور أقر أساليب “لا عنفية” تطوّر البلد وتدفع به إلى الأمام، حتى لو كان هذا التطوير عبارة عن تغيير في الدستور نفسه، منها الصحافة، وما العمل البرلماني، وفعاليات منظمات المجتمع المدني، والصحافة، وغيرها، إلا أساليب كفل الدستور حق العمل بواسطتها للمطالبة بالإصلاح والتغيير.

التغيير فعل طبيعي، وسنة كونية مجنون من يحاول الوقوف في وجهها، وللتغيير صور، وللتغير وسائل، وعبر صوره ووسائله يمكننا أن نقول هذا تغيير صالح وذاك تغيير طالح، رغم إستحالة اتفاقنا على تفاصيل ذلك الحكم. فمن يقوم بحرق الشوارع وتكسير الممتلكات العامة والخاصة مطالباً بالتغيير، فهذا يتم ردعه بالقانون. فلا التغيير مشكلة، ولا السعي من أجله جريمة، ولا منظمة تُدرسه أو جامعة هنا أو هناك يكون موضوع التغيير إحدى مقرراتها تُشكل خطراً حقيقياً على شرعية نظام أو سلامة وطن. الجرائم والممنوعات، أهدافاً ووسائل، محددة في القانون بوضوح، ونحن في دولة مؤسسات وقانون، والقانون وحده يحدد ما هو صواب وما هو خطأ، وبالقانون وحده يتم ردع أي خطر. لا بالوقوف أمام سنن كونية، أو حقائق بشرية، عبر اختلاق قصص وحكايات خيالية.

30 ديسمبر

كل ما نعرفه عن هذه الحركة أنها مجموعة من الشباب في مدينة المحرق، خرجوا في اعتصامين، أو مسيرتين، واحدة منددة بالإساءة للرسول عليه الصلاة والسلام، وأخرى منددة بقتل الشرطي عمران أحمد، والمضحك المبكي هنا هو عندما يخرج شباب في مسيرة تندد بقتل شرطي يدافع عن النظام يُتهمون لاحقاً بأنهم يسعون لقلب نظام الحكم، عجبي!

ما الرابط بين “التغيير” المراد شيطنتُه، و30 ديسمبر؟

فيما يبدو لي أن الرابط هو أن الخطر في كلا الأمرين أن يولدا طبيعياً من رحم الشارع “الكنبة”، لا بقيصرية يجري جراحتها طبيب جراح يملي على الجميع ما يجب وما لا يجب أن يقوموا به. ولا أجد أي رابط آخر بين الأثنين. فإن كان الهدف تصفية حسابات شخصية مع عبدالله هاشم، فإن عبدالله إن كان قريباً أو بعيداً من حركة 30 ديسمبر، فهو لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بأكاديمية التغيير. الرابط هو خطر حرية الحركة وحرية الموقف وحرية الكلمة على المرتزقة اللذين يرون مصلحتهم الشخصية في استمرار توجيه الناس بـ”الريموت”، كما يرونها –مصلحتهم- في التقرب من الحُكام باختلاق الحكايا والقصص لتأليبهم على شعوبهم، وزيادة الفجوة بينهم.

أين الجمعيات السياسية ؟!

كل القائمين على الجمعيات السياسية السنية تعلم علم اليقين بأن هذا الموضوع برمته كذبة، وأن من يقف خلفه إنما يريد أن يصفي حسابات شخصية، إلا أن هذه الجمعيات للأسف متخاذلة ومتقاعسة عن الوقوف في وجهها، فهم يخشون أن يستهدفهم النظام عن طريق عدم تمكين أعضاءهم من الوصول للبرلمان القادم! ورغم خطر هذه الفتنة، وتنامي حجم تداعياتها، على الناس والوطن، وحتى عليهم أيضاً، إلا أنهم وللأسف لا يقوون على مواجهتها، لذا أدعوهم إلى مراجعة الأهداف التي قرروا من أجلها يوماً أن يعملوا في الشأن العام.

أين الكُتاب ؟!

قليل من الكُتاب الأفاضل اللذين وقفوا وقفة مشرفة ضد هذه الفتنة، وعلى رأسهم الكاتب إبراهيم الشيخ، والمحلل السعودي مهنا الحبيل، كما كانت الكاتبة ميساء يوسف أول من كتبت فاضحة هذه الكذبة -تجدون ما كتبوه في نهاية هذا المقال، وهي مهمة لمن أراد الإلمام أكثر بالموضوع وتداعياته- بينما الكُتاب الآخرون اللذين لم يتركوا مستنقعاً آسناً لم يخوضوا فيه قالوا: (لا نريد أن نخوض في هذا المستنقع).. يا سبحان الله !

#حلقة_30ديسمبر

تستضيف مساء اليوم الإعلامية سوسن الشاعر في برنامجها التلفزيوني عبدالعزيز مطر ويوسف البنخليل، “النشطاء الوطنيون” اللذين كشفوا أسرار وخبايا أكاديمية التغيير، والناشط عادل علي عبدالله، أحد المتهمين بالإنضمام لهذه الحركة الإنقلابية. وربما سيركز النشطاء الوطنيون على حقيقة وجود أكاديمية التغيير وحركة 30 ديسمبر، لذا وجب أن نوضح للناس أنه عندما نقول بأن 30 ديسمبر كذبة ومصخرة وصناعة إعلامية رديئة تدل على ردائة مخرجها فإنما نعني تلك الحركة التي لم نعرفها إلا من قول القوم، “حركة إنقلابية تسعى للإنقلاب على النظام الحاكم في البحرين”، حركة ينتمي لها عنوةً كل من يوجه إنتقاداً للأداء الحكومي أو محارباً للفساد، حركة أنتشرت صور داعميها ومموليها عبر التويتر، هذه الحركة بهذا الوصف هي حركة من نسج الخيال، ولا يخطر على بال أحد أن يكون هذا المكون المجتمعي يسعى أو يخطط للانقلاب على نظام الحكم. القصة برمتها، مهما حاول منتجوها ترقيع إخراجهم الفاشل، كذبة لا يسعفها واقع ولا منطق.

كتبت كثيراً عن هذا الموضوع في التويتر، لذا سأكتفي بهذا الحد.

مقالات الكاتب إبراهيم الشيخ:

رسالة المحلل السياسي السعودي مهنا الحبيل: المخرج للبحرين يا جلالة الملك

عزيزي عبد الإله أبو طير..

 

عبر البريد الالكتروني، وصفحات الفيسبوك، أنتشر مقال بعنوان (التردي المنهجي والسلوكي لسلفيي البحرين)، وتحت العنوان عبارة (بحث وجيز بقلم: عبد الإله أبو طير).

لن أخوض فيما جاء في المقال، ولا أكتب دفاعاً عن جمعية الأصالة وممثليها، ولكن لأن كاتب المقال -البحث الوجيز كما هو مكتوب- أستشهد بعبارة كتبتها في مقال قديم (أزمة إسلامية سياسية)، وهي قولي: (هناك الكثير من المناصرين لجمعية الأصالة الإسلامية، لا يعرفون حتى الآن، ما هو منهجها السياسي، وما هي أهدافها ورؤيتها، وما الذي يميزها عن غيرها من الجمعيات)، وجب أن أقول أن هذه العبارة وردت ضمن مقال ينتقد الجمعيات السياسية الإسلامية، وما كانت جمعية الأصالة إلا مثالاً ضربته كما هو واضح جداً في المقال، فما ذكرته هنا ينطبق على الأصالة والمنبر والشورى أيضاً، فليت الأخ أبو طير نقل الثلاث كلمات السابقات للعبارة في اقتباسه، وهي: (فعلى سبيل المثال). وما كان تجنبي إيراد أمثلة أخرى لجمعيات أخرى غير الأصالة إلا محاولة مني للبعد عن المهاترات، وإلا والله من السهل جداً إيراد المثال تلو الآخر أسرد فيه تقصير الجمعيات الأخرى.

كتبت المقال في يوليو 2007، أظن والله أعلم أن الأصالة والمنبر كان حضورهما الأقوى في الساحة السنية، ولم يكن مقالي ردة فعل لخسارة الجمعيتين أو إحداهما. لماذا أقول ذلك، لأني أتمنى من الأخ أبو طير أن لا تقتصر محاسبته في لحظات الشعور بمرارة الخسارة، لأنه حينها تعج المحاسبة بكلمات التوصيف وعبارات الرأي الشخصي على حساب عرض الحقائق، لذلك لن يلتفت الناس كثيراً لما هو مكتوب وإن كان يحتوي على حقائق، وسيتعاطف مع من وصفهم الكاتب بالخبث وغيره من نعوت. فهناك من تعاطف مع جمعية المنبر الإسلامي بسبب هجمة جريدة الأيام المبالغ فيها، وهناك من يتعاطف مع جمعية وعد بسبب هجمة جريدة الوطن المبالغ فيها، فلا تكن يا عبد الإله سبباً في تعاطف الناس مع جمعية تراها بهذا الخبث من حيث لا تشعر!

سأكتفي هنا.

وانفك التحالف !

قبل سنوات، ربما ثلاث، وفي جلسة تقييم للعمل الطلابي في جامعة البحرين، بل لانتخابات طلابية سابقة في الجامعة لأكون أكثر دقة، ألقى علي شيخٌ فاضل، كنت ولا أزال أحبه كثيراً، اللوم بسبب اختلافي مع أخواني الطلبة المنتمين لجمعية المنبر الإسلامي، رغم تبريري لمواقفي التي أثارت حفيظة الأخوة في المنبر الإسلامي، والتي للأسف كانت -الحفيظة المثارة- أكثر قليلاً من التحفظ الطبيعي، وأقرب قليلاً من (لكم دينكم ولي دين)! قال لي الشيخ الفاضل مبرراً إلقاء لائمته علي، رغم موافقته إياي في بعض الأمور إن لم يكن أغلبها: (من ينظر إلى المشهد العام، يجد إنشقاقاً في صفوف الإسلاميين، وهذا خطأ). عندها لم أواصل النقاش، لأني وبصراحة غير مقتنع بهذا المنطق. ماذا لو أني لا أوافق جماعة إسلامية معينة، لعيب في رأيي، وهذا أغلب الظن، أو خطأ فيما يذهبون إليه، حاشاهم الله؟ هل أُقنع نفسي بما لا ترتضيه فقط ليرى من حولنا أننا لسنا مختلفين؟؟ بالنسبة لي، لا، ولا أعير نصيحة الناصحين اهتماماً عندما يقولون: (يد الله مع الجماعة)، لأني وببساطة أجد بأن النصيحة في غير موضعها، فالناصحون قبل غيرهم يعلمون تماماً أن الجماعة قد تكون مجموعة من الأفراد، وقد تكون فرداً واحداً، فعن أي جماعة نتحدث هنا بالضبط؟! ناهيك أن الساحة تحتوي جماعات جماعات.

قبل أسبوع، التقيت بنفس الشيخ في جلسة حوارية شيَقة، أستعرضت مستجدات الساحة البحرينية، وسألته عن تحالف الأصالة مع المنبر، وما أنتهى إليه، وبعد أن عرفت منه أسباب انفكاكه، هذا التحالف الذي أوجدت دواعيه السياسة كما أوجدت دواعي نهايته، قلت والابتسامة تفترش وجهي: (سبحان الله! أتذكر عندما لمتني قبل سنوات؟). تذكر شيخي العزيز ما أرمي إليه، فضحك وقال: (الوضع كان مختلفاً) !

جمع الله المسلمين والمسلمات على كلمة سواء، اللهم آمين.