العراق.. منطق الانسحاب

العراق.. منطق الانسحاب
8 حجج توجب على الولايات المتحدة الانسحاب الفوري من العراق
 
   على غرار (فيتنام.. منطق الانسحاب) لمؤلفه المؤرخ الأميركي "هوارد زن"، مناهض الحرب، وصاحب الكتاب المشهور (تاريخ الولايات المتحدة) الذي انتشر انتشاراً واسعاً، أصدر الكاتب "أنتوني آرنوف" العام الماضي (العراق.. منطق الانسحاب).
 
   يحتوي الكتاب على سبعة فصول، إضافة لمقدمة ومقال في نهاية الكتاب بعنوان (وماذا بعد؟ حول الاستثنائية الأميركية) بقلم زن، وفي النهاية ملحق: إعلان اسطنبول – إعلان محكمي الضمير، المحكمة العالمية حول العراق.
 
   ألخص لكم في الفقرات التالية أهم فصل من فصول الكتاب، والذي عنونه المؤلف بعنوان الكتاب "منطق الانسحاب"، حيث قدم فيه الحجج التي توجب على الولايات المتحدة أن تنسحب فوراً من العراق. والسبب الذي دفعني لهذا التلخيص ونشره هو الفكرة التي يحملها عدد ليس قليل من الناس التي تقول أن الانسحاب الأميركي من العراق أمراً خاطئاً في هذه المرحلة. لا أملك الجرأة في تصحيح وتخطئة هذا الرأي أو ذاك، فلست أهلاً للإفتاء في هذه المسائل العظيمة، ولكني في الحقيقة أؤمن بوجهة نظر الكاتب، وبشدة! بل ربما أستغرب ممن لا يؤمن بها، وبشدة أيضاً!
 
يقول هوارد زن في تقديمه للكتاب:
   "بعد سنتين من التصعيد الأميركي في فيتنام، في ربيع عام 1967، ألفت كتاباً بعنوان (فيتنام: منطق الانسحاب). وكان أول كتاب عن الحرب، الذي حث على رحيل فوري من جنوب شرق آسيا، وسمعت في ذلك الوقت الحجج نفسها ضد الانسحاب، والتي نسمعها الآن، ولم تسحب الولايات المتحدة جنودها طوال ست سنوات لاحقة، وفي تلك السنوات، قتل ما لا يقل عن مليون فيتنامي آخر وربما 30 ألف جندي أميركي."
 
   ومما سطره أيضاً في مقدمته القصيرة، هذا السؤال الاستنكاري: "هل أدى احتلالنا لمدة خمسين سنة للفلبين أو احتلالنا الطويل لهاييتي (1915 – 1934) وجمهورية الدومينيكان (1916 – 1924) أو تدخلاتنا العسكرية في جنوب شرق آسيا ومنطقة الكاريبي، طوال القرن العشرين، إلى تحقيق الديمقراطية في تلك الأماكن؟".
 
   استعرض الكاتب في بداية الفصل السادس "منطق الانسحاب" بعض نتائج استطلاعات الرأي التي قامت بها عدد من وسائل الإعلام الأميركية، والتي تبين بعض المؤشرات المهمة منها: معظم الأميركيين يشكون في صدق بوش ونزاهته، ولا يوافقون العمل الذي يقوم به كرئيس، كما يعتقد نصف الأميركيين تقريباً أن الغزو كان غلطة.
 
   ولكنه يبدي أسفه مستغرباً "نحن نواجه الوضع الغريب لكثير من الناس الذين يحتشدون ضد حرب غير عادلة لكنهم يؤيدون على مضض، الاحتلال العسكري الناجم عنها".
 
ثم أورد ثمانية أسباب توجب –حسب رأيه- على الولايات المتحدة أن تنسحب على الفور:
 
1- ليس للجيش الأميركي أي حق في وجوده في العراق في المقام الأول
   دحض الكاتب -كما فعل كثيرون غيره- التبريرات التي أطلقها دعاة الحرب لتبرير جرمهم: أسلحة دمار شامل، صدام يشكل تهديداً وشيكاً، دعم الإرهاب والإرهابيين. ونقل تصريحاً لرولف ايكوس، المدير التنفيذي التابع للأم المتحدة لعمليات التفتيش عن الأسلحة من 1991-1997م قال فيه: (يمكنني القول إننا قضينا بشكل أساس على قدرات العراق في جميع المجالات). ونقل أيضاً تصريحاً مهماً آخر لنائب الرئيس ديك تشيني للـ CNN صدر في آذار 2001: (لا أعتقد أن لصدام حسين تهديد عسكري مهم في هذه الأيام).
 
2-   الولايات المتحدة لا تجلب الديمقراطية للعراق
   بعد كذبة أسلحة الدمار الشامل جاءت الولايات المتحدة بكذبة جديدة، أنهم يجلبون الديمقراطية للشعب العراقي. ولكن الأسباب الحقيقية وراء الاحتلال حسب رأيه يمكن أن ألخصها في سببين رئيسيين، الأول: "السيطرة على النفط وخطوط أنابيب النفط وطرق شحن النفط بالسفن". وذلك للتضييق على المنافسين، وأبرزهماالعملاقين الاقتصاديين الصاعدين، الهند والصين. كما ذكرت وثيقة حكومة بوش: "إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة"، في أيلول 2002 فإن أميركا لن تسمح بظهور أي منافس محتمل، في سعيها إلى الإبقاء على الفجوة الكبيرة بينها وبين القوى الأخرى". أما السبب الثاني فيكمن في "استغلال الطرق كنقطة انطلاق من أجل تدخلات أخرى لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط".
 
   ويقول الكاتب بعد أن فند حجة جلب الديمقراطية للعراق: "من المهم إثارة نقطة أكبر، فالديمقراطية لا يمكن إقامتها على يد قوى خارجية تحت تهديد السلاح. ولا يمكن أن تأتي الديمقراطية الحقيقية إلا عن طريق كفاح الشعب من أجل التحكم بحياته وظروفه، من خلال حركات ديمقراطية بطبيعتها. وحين تواجه الحكومة الأميركية مثل هذه الحركات, مثل الانتفاضة العراقية عام 1991، فإنها فضلت بثبات أن تراها وقد سحقت بدلاً من أن تراها تنجح".
  
   فأميركا لا تقف مع الشعوب التي تناضل فعلاً للحصول على حياة أفضل، بل تفضل "عبارتها المجازية (الاستقرار) حتى وإن كانت تعني مساندة قوى دينية أصولية رجعية أو أنظمة قمعية".
 
3-   الولايات المتحدة لا تجعل العالم أكثر أمناً باحتلال العراق
سأوجز تفسير المؤلف لهذه الحقيقة في ثلاث نقاط:
الأولى: تشجيع دول أخرى للعمل بنفس المنطق، "فبعد 11 سبتمبر، وصفت هند منافستها النووية، باكستان بأنها بؤرة إرهاب. واغتالت إسرائيل العديد من الفلسطينيين، وقصفت سوريا وهددت بضرب إيران. وقد قال يوري لانداو، وزير الأمن العام الإسرائيلي: (إنك لا تتفاوض مع الإرهاب، بل تجتثه، وهذا ببساطة هو مبدأ بوش الذي نأخذ به)".
 
الثانية: دفع بعض الدول نحو التسلح النووي، وذلك لتطوير رادع للقوة الأميركية.
 
الثالثة: ازدياد سخط وغضب كثير من الناس ضد أميركا وحلفائها، والنتيجة الحتمية تعرضها للهجمات الإرهابية، مثل "هجمات مدريد 11 آذار 2004، وهجمات لندن 7 تموز 2005".
 
4-   الولايات المتحدة لا تمنع الحرب الأهلية في العراق
   وهذه الحجة الأكثر انتشاراً في أوساط من عارض الحرب ولكنه الآن يعارض فكرة انسحاب القوات الأميركية من العراق، "يقول مراسل مخضرم في الشرق الأوسط، وهو وبرت فيسك، فإن القوى الاستعمارية استخدمت منذ فترة طويلة المبرر بأنها لا تستطيع أن تنسحب حتى لا يسقط المواطنون المحليون في حرب أهلية، (ففي عام 1920 حذر رئيس الوزراء البريطاني دافيد لويد جورج من حرب أهلية في العراق إذا رحل الجيش البريطاني، مثلما يهدد الأميركيون العراقيين حالياً بوقوع حرب أهلية إذا وقعوا)".
 
يمكنني أن أقسم كلام المؤلف حول هذه الحقيقة إلى ثلاثة نقاط:
الأولى: سياسة فرق تسد، "فواشنطن لا تمنع نشوب حرب أهلية، ففي الحقيقية، فإن سلطات الاحتلال تضرب الأكراد بالعرب، والشيعة بالسنة، وفصيلاً ضد فصيل آخر للتأثير على سمة الحكومة المستقبلية، بإتباع سياسة "فرق تسد". ويقتبس من مقالة لكاتب العمود الشهير، توماس فريدمان: (علينا أن نسلح الشيعة والأكراد ونترك السنة العراقيين يقبضون على الريح).
 
الثانية: الدستور العراقي، نقل المؤلف قول فيليس بنس: (فمشروع الدستور يشجع ليس فقط الفدرالية كهيكل حكم وطني، بل تصوراً مفرطاً للفدرالية، والتي ليست كل الصلاحيات فيه بيد الحكومة المركزية، بل تنتقل بشكل تلقائي إلى السلطات الإقليمية، مما يهيئ المجال أمام تقسيم محتمل للعراق وفق خطوط عرقية ودينية).
 
   يقول المؤلف: وليس من قبيل الصدفة أن السنة هم الخاسرون في هذا الترتيب، وهنا يقول بينس: (سوف تدير الحكومة الفدرالية النفط والغاز من الحقول الحالية، مع توزيع العائدات بإنصاف بما يتفق مع التوزيع السكاني في كل أنحاء البلاد، لكن الضمانة تشير فقط على حقول النفط المستخدمة فقط؛ تاركة الاستغلال المستقبلي لثلثي الاحتياطات المعروفة في العراق.. وذلك يعني أن التنقيب والاستغلال في المستقبل لثروة العراق النفطية سيظلان بيد السلطات الإقليمية، التي يوجد لديها النفط – الشمال الذي يسيطر عليه الأكراد، والجنوب الذي يسيطر عليه الشيعة، مما يضمن مستقبل فقر لسكان بغداد ووسط العراق السنيين والعلمانيين والمختلطي النسب، ويهيئ الساحة أمام مستقبل صراع عرقي وديني).
 
الثالثة: دعم الأصولية الإسلامية، فقد أحضرت الولايات المتحدة الأحزاب الأصولية التي كانت مهمشة في السابق مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي تدعمه إيران، إلى الحكومة العراقية.
 
5-   الولايات المتحدة لا تواجه الإرهاب ببقائها في العراق
   أشارت وكالة الاستخبارات الدفاعية إلى أن صدام حسين كان "حذراً من الثورات الحركات الثورية الإسلامية"، وأن من غير المعتمد أن تقوم بغداد "بتوفير المساعدة لحركة لا تستطيع السيطرة عليها". كما أن القاعدة لم تظهر في العراق للمرة الأولى إلى بعد الغزو.
  
 يضيف المؤلف: "الأمر الأكثر إنتشاراً هو الفكرة بأن على الولايات المتحدة أن تبقى في العراق حتى تنهزم المقاومة للاحتلال، لكن الاحتلال نفسه هو مصدر المقاومة". ونقل تعليقات علنية لجنرالات أميركيين يديرون الحرب: (إن ال149 ألف جندي أميركي في العراق هم جزء من المشكلة بشكل متزايد.. وقال الجنرالات إن وجود القوات الأميركية كان يذكي التمرد).
 
6-   الولايات المتحدة لا تكرم الذين ماتوا بمواصلة الصراع
   بعد أن أطلق بوش اعترافاً علنياً نادراً بعدد الجنود الذين قتلوا في العراق وأفغانستان قال: (إننا ندين لهم بشيء، سوف نكمل المهمة التي ضحوا بأرواحهم من أجلها، وسوف نكرم تضحياتهم بمواصلة الحرب ضد الإرهابيين). ردّت شيهان،التي فقد ابنها في حرب العراق، والتي حظيت باهتمام وسائل الإعلام لملاحقتها لبوش وحمل يافطات تدعو لسحب القوات الأميركية من العراق: (لماذا يجب علي أن أرى أمّاً أخرى تمر في تجربتي أن ابني ميت؟ إنني لا أريد منه أن يستخدم موت ابني أو تضحية أسرتي لمواصلة القتال). وقالت أيضاً: (إن ابني ضحية حرب وليس بطلاً.. فأين النبل إزاء ما فعله؟ دخول وغزو بلد لا يشكل أي تهديد للولايات المتحدة – إن هذا ليس نبلاً).
 
7-   الولايات المتحدة لا تبني العراق
   إن المتعهدين الموجودين الآن في العراق ليسوا لمساعدة الشعب العراقي بل لمساعدة أنفسهم، يعتمدون على علاقاتهم الوثيقة مع السياسيين المتنفذين لتأمين عقود وأرباح من ما يسميه براتاب تشاتاري "خدعة إعادة البناء". والحقيقة أن هاليبرتون، بكتل، والشركات الأخرى في العراق تنهب الأكثر مما تعيد بناءه، وقد اضطر العراقيون إلى دفع أسعار خيالية لاستيراد النفط، مما أفاد شركات مثل فرع هاليبرتون، كيلوغ، براون آند روث، بينما ينبغي على العراقيين العاديين أن يصطفوا في طوابير تستمر في بعض الأحيان أياماً لشراء البنزين.
 
8-   الولايات المتحدة لا تفي بالتزامها للشعب العراقي إزاء الأذى والمعاناة اللذين تسببت بهما
"إن الذين يدعون إلى انسحاب فوري لا يدافعون عن موقف عزلة، وعن التملص ببساطة من أي التزام للشعب العراقي، فهل تحمل الحكومة الأميركية أي التزام للشعب العراقي؟ نعم بشكل أكيد، وهو التزام إزاء الجرائم التي دعمتها واشنطن لسنوات، حين كان صدام حسين حليفاً وإزاء تسليح كلا الطرفين ومساندته في حرب إيران-العراق الشرسة، وإزاء الدمار الذي سببته حرب الخليج عام 1991، واستخدام ذخيرة اليورانيوم المنضب والقنابل العنقودية والفوسفور الأبيض، والعقوبات المدمرة والإذلال والقتل، اللذين نجما عن غزو 2003، والضرر الكبير الذي سببه الاحتلال منذ ذلك الحين".
  
   ثم يقدم الكاتب رؤيته في الطريقة التي يجب على الولايات المتحدة أن تعين فيها العراق، كإنهاء الاحتلال الاقتصادي، وإلغاء جميع الديون التي خلفها النظام السابق، والتي لم يتم إعفاء الكثير منها، وغيرها من تدابير، وفي نفس الوقت يؤكد "لكن الخطوة الأولى للوفاء بهذا الالتزام هي الانسحاب على الفور."

كلنـا فـداكِ

في اليوم الثامن من شهر يونيو عام 1939م خرجت من البيت عصرا لألتقي بأصحابي في القهوة الشعبية القريبة من الحي، وبعد أن جلست على الكرسي الخشبي الطويل ناولني بومبارك –الصديق الجار- عدد اليوم من جريدة البحرين، العدد الرابع عشر، طارت عيني على العنوان التالي (شعور البحرين نحو نكبة فلسطين) وعنوان آخر (سمو الشيخ عبدالله بن عيسى يترأس لجنة الإعانة.. أميران جليلان في عضوية اللجنة).. لم أتمالك نفسي.. شرعت في قراءة الخبر بسرعة الصاروخ! فقرأت بيان تأسيس اللجنة وأسباب تأسيسها وأسماء مؤسسيها، وجاء في البيان قراران أحدهما: "عقد اجتماع عام بعد ظهر يوم الجمعة الساعة 9:30 في فناء مسرح البحرين (سينما البحرين) يدعى له من يتوسم فيه النخوة والأريحية لجمع التبرعات، وقد طبعت بطاقات أرسلت إلى المدعوين." 
طرت فرحا بعد قراءتي خبر تشكيل اللجنة وقلت: أخيرا يمكننا أن نقدم شيئا لدعم أخواننا الفلسطينيين، ثم صحت على صاحب القهوة بصيحة ملؤها نشوة الفرح (هات لي استكانة شاي.. وهات للربع بعد.. على حسابي).
ومن خلال قراءتي لأسماء مؤسسي اللجنة علمت أنها برئاسة الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة ، وشارك فيها عدد من كبار أعضاء الأسرة الحاكمة، وكبار تجار وأعيان البلد من الطائفتين السنية والشيعية.
عدت للجريدة أقرأ النداء، أي نداء؟! جاء بجانب بيان اللجنة:
نـداء عـام
وما تنفقوا من خير تجدوه عند الله!!
فلسطين أيها الشعب!
اليوم يوم الإسلام. اليوم يوم العروبة. اليوم يوم الصدقة. اليوم يوم الإحسان. اليوم يتقرب إلى الله محبوه، واليوم يؤدي واجب الوطن بنوه. اليوم تكتب صحيفتك أيها الشعب بين صحائف الشعوب العربية والإسلامية، واليوم يتجلى ما أنت عليه من دين وعاطفة وكرم ونجدة!! فلسطين أيها العرب فلسطين! يا أتباع محمد.. إنها نكبة لم يشهد التاريخ مثلها حلت بأمتك ودينك وعروبتك، وقد وُكِل إليك اليوم تخفيف بعض أعبائها والإشفاق على ضحاياها. في فلسطين إخوانكم في الدين وإخوانكم في العروبة أمضوا السنين الطوال والأذى يصب عليهم بما لم يلاقه أحد من قبل، ويتحملون منه ما لا يستطيع البشر حمله، لو لا الثقة بالله. ألوف من أنفسهم العامرة بالإيمان زهقت، ودماء زكية بُعد أريقت في سبيل الوطن في الجهاد والشهادة. تاركة وراءها من الأرامل والأيتام عشرات من الألوف لا يجدون من الطعام ما يأكلون، ولا من المأوى ما يسكنون، ولا من الثياب ما يلبسون. حفاة عراة، فراشهم الأرض وغطاءهم السماء.. –هنا أخواني القراء وقف شعر جنبي-  هذه حقائق واقعة شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء، فليس فيها أثر للمبالغة، ولا زيادة عن الواقع.. منازل مهدومة، وأموال مسلوبة، ومئونة مبعثرة، وأثاث تلتهمه النيران.
كل هذا، وما هو واقع أكثر من هذا، لم يزدها إلا استماتة في الدفاع عن بلادكم المقدسة، خوفاً من أن ينطفئ فيها نور الإسلام، وينهدّ صرح العروبة، ودفاعا عن المسجد الأقصى المبارك؛ أولى القبلتين وثالث الحرمين ومهد سيدنا عيسى عليه السلام.
فإذا كنتم لم تنفروا للجهاد بالنفس، فسارعوا إلى غوث أيتام الشهداء وأراملهم بالمال، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.
انتهى النداء، وامتزجت حينها مشاعر السرور والأسى، فرحا بفتح جبهة رسمية لنصرة أخواننا في فلسطين، وحزنا على ما يلاقيه أخواننا هناك. اللهم أنصر إخواننا في فلسطين على أعداءهم.
انتظرت يوم الغد بفارغ الصبر، وجاء الغد سريعا، وكأنه هو أيضا كان ينتظر الحدث بفارغ صبره! وصلت للمكان (سينما البحرين) متأخرا، وإذ بالحضور الكثيف، يتقدمهم كبار القوم من شيوخ وعلماء وتجار، وقفت أتابع وأراقب، لم ألحق على الحفل من بدايته –للأسف هذه عادتي مع المواعيد، تقريبا كلها!- وبعد أن انتهى خطاب الشيخ عبد الحسين الحلي سألت من كان بجانبي: (ماذا فاتني؟). قال: (فاتك كلمة رئيس اللجنة الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة ألقاها الصحفي عبدالله الزائد –صاحب جريدة البحرين- وفاتك خطاب الشيخ عبداللطيف السعد). ثم وقف الشاعر الشاب عبدالرحمن المعاودة، وألقى قصيدة حماسية أذكر منها:
ومـــا راعنــي إلا دمــاء زكيــــة ٌ
تراقُ وخطبٌ في فلسطيــنَ قـائــمُ
هنــا لكَ إخــوانٌ علينــــا أعــــزة ٌ
رأوا نصرة َ الإسلام أقصى مُناهُمُ
تـنــادوا إلى نيـل الشهـادة وانبروا
يلبــّون صوتــا ًً للجهــاد دَعـاهُـــمُ
وكم خلـّفوا طفلا ً رضيعا ً وعاجزا ً
وأرملـة مـا إن لهـا الدهـر راحــمُ
تصيـح أيـا غوثــاه، والفكر شــاردٌ
ودمع الأسى منها على الخد ساجِمُ
ويـا رب ثكلـى رُوِّعت بوحيدهـا
بـأبشع مــا يجني على الحـق آثِـمُ
أغيثـــوا فلسطيـــن الشهيـــدة إنهـا
مـــآس ٍ تــتــارى كلهـــا ومــآتــــمُ
أغيثـوا يتـامى مـا لهـا من يعيلهــا
وأشتـات قـوم قـد أهينـوا فقـاومـوا
قضوا في سبيل الله ما قل عزمهـم
عذاب يزجيـه علـى النـاس ظـالــمُ
قضوا شهداء الحق والديـن والعـلا
ومـا ضعفـت أفعـالهــم والعزائـــمُ
بني البلد السامي سراعا ً إلى العلى
وهبـوا لأفعـال الكـرام وساهمـــوا
بلادكـم البحريـن (بحـر) سماحـــةٍ
و(بحر) هو الفضل الذي لا يزاحمُ
فجـودوا لأبنـــاء الشـقـيـقــة إنهــم
بأرواحهـم جـادوا لحفظ حِماكُمـوا
 
وبدأ الاكتتاب، وتبرع الحضور بمبالغ ضخمة وصلت إلى حوالي تسعة عشر ألف روبية، وما أدراكم ما تسعة عشر ألف روبية في زماننا ذاك، حيث الفقر والعوز!
بعد ذلك توالت الفعاليات في الأندية وغيرها لدعم الشعب الفلسطيني، وتوالت جهود أبناء البلد لتقديم ما يمكنهم تقديمه، وللاختصار سأكتفي بالوقوف عند هذه الحادثة التي أثرت فيني كثيرا، وسأعود للتعليق عليها بعد قليل،  إنها قصة اللاري الصغير (شاحنة)، ففي طريق عودتي من المسجد، سمعت هاتفا ينادي (إعانة فلسطين.. إعانة فلسطين) فتتبعت الصوت حتى عرفت مصدره،  إنه شاب يقف على لاري صغير (شاحنة) وبجانبه علم فلسطين، وبيده مكبرا للصوت وينادي (إعانة فلسطين)، لما وصلت إلى الشاحنة عرفت ذلك الشاب، إنه عبدالعزيز الشملان، فسألته: (ماذا تفعلون يا عبدالعزيز؟) رد علي: (كلفتنا اللجنة بأن نجوب في الأسواق والأحياء والقرى لجمع التبرعات العينية لإخواننا في فلسطين)، وكأني شغلته كثيرا عن مهمته فرجع يهتف مرة أخرى فور إجابته على سؤالي (إعانة فلسطين.. إعانة فلسطين) وما هي إلى دقائق وإذ بنساء القرية يتقاطرن على الشاحنة يرمين ما عندهن من تبرعات عينية، رغم ما هم فيه من حاجة وعوز! حتى سمعت كثيرا منهن يقلن لعبد العزيز وهن يعطينه ما لديهن (ما عندنا إلا هذا.. سامحونا)!
أخواني أخواتي القراء الكرام، عفوا.. هذه أحداث عشتها رغم أني ولدت بعدها بأربع وأربعين سنة! عشتها مع الكتاب الرائع (كلنا فداك.. البحرين والقضية الفلسطينية 1917-1948) للكاتب البحريني خالد البسام، فشكرا لك أستاذ خالد على هذا الكتاب الهام، وعلى هذا الجهد المبارك. أنصحكم باقتناء نسخة منه، فإنه سطر موقفا مشرفا ذاع صيته في الوطن العربي لأجدادنا على هذه الأرض الطيبة.
عودة لقصة اللاري (الشاحنة)، عندما قرأتها ملأت الدمعة مقلتي، لكنها لم تكن بالحجم الذي يسمح لها أن تغادر جفوني الجافة لتشق طريقها على الخد، يا لها من دمعة جامدة! وقلت في نفسي: يا حسرة.. كم كان أجدادنا يهتمون بقضايا وطنهم الأكبر، كم كان الحراك التضامني على أشده، كم كنا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، أما اليوم إضافة إلى تفرقنا وتشتتنا في مواقفنا تجاه القضايا المصيرية، فإننا نعيش لامبالاة رهيبة إزاء ما يمر به إخواننا في مختلف بقاع الأرض، آهٍ آهٍ آه.
لن أتطرق لإجابات التساؤل الذي شغلني حينها، والتي حصلت عليها بعد جهد ذهني بسيط، وسأكتفي بإيراده فقط: من السبب وراء هذه اللامبالاة التي نخرت عقول شبابنا؟! ومن السبب وراء هذا الجمود؟!