فكيف أتيتِ أنتِ من الزحامِ ؟!

سحب حقيبته من الجهاز بعد أن أطلع الشرطي القابع خلف الشاشه هناك على كل ما فيها، أخذ محفظته وجواله من الصندوق البلاستيكي الصغير، وكذلك ساعته، لفها علي معصمه، ساخراً في نفسه من الزمن الذي تحسبه هذه الساعة. لحظتها ليس للزمن رصيد في حسابه. نظر للتذكرة.. بوابة رقم 36، نظر للساعة مرةً أخرى، بقي على موعد الإقلاع أكثر من ساعة بقليل. ذهب لأحد المقاهي ووقف حائراً ماذا يطلب، أستقر رأيه على شوكولاته ساخنة، تقول النساء أنه يعدل المزاج العكر، ويقول ذلك أيضاً عنوانٌ قرأه سريعاً ذات يوم لأحد الدراسات.

لم يتساءل إن كان يمكن لدوامة العمل والارتباطات وقائمة المهام الطويلة أن تشغل الإنسان عن من يحبه بصدق، لأن إجابة هذا السؤال مقررة في ذهنه بوضوح، فهو يعتقد بأن الأيام تسرق الإنسان أحياناً من أصدقاءه وأحبابه، بل من نفسه أيضاً، ولكن أن يعاتبها لأنها لم تتجاوب مع زعله الأول، ويخبرها بأنه حزين لذلك، ويكون الرد بعد خمسة أيام: لا يوجد رد! هذا ما لا يمكن أن يجتمع مع محبة، ظن أنها باقية كما كانت.

أتصل بها، ليس لأنها أتصلت به قبل ساعتين ولم يرد، بل ليبين لها وللمرة الأخيرة بأنها خيبت ظنه كثيراً، وبأنه يصعب عليها فعلاً أن تقنعه بأعذار. ولكنها لم ترد.

أخذ كوب الشوكولاته الساخن، جلس على الكرسي، نظر في وجوه المسافرين، دون أن يقرأ ملامحها كما يفعل عادة في المطارات، وأخذ الألم يعتصره وهو يتذكر أناساً بالأمس القريب كانوا قريبين منه جداً، ولكنهم اليوم ليسوا بجانبه، منهم من أختار أن يبتعد عنه، ولا فرق إن كان ذلك برغبتهم أم بدونها، ومنهم من أبتعد هو عنهم بعد أن برعوا في رسم صورة غاية في الخيبة. يشعر بقلبه قد أصبح قاسياً منذ زمن ليس ببعيد، قاسياً بما يكفي لتحمل خيبات جديدة، قاسياً بما لا يكفي لتحمل خيبة منها، لأنها الأقرب إلى روحه، أو هكذا هكذا كان يشعر على الأقل.

لم يتصور يوماً أن يكون من ضمن أولئك اللذين تقرأ كلامهم وتتركه دون أن تعقب عليه ولو بكلمة واحدة، "أنا مشغولة جدا"، "أمر بظروف غير سعيدة"، لا شيء.. ولا بكلمة واحدة لا تحتاج سوى بضع ثواني لإرسالها.. تقرأ.. لا ترد.. ثم تنساه !

تنساه.. وهل هناك ما يحزنه أكثر من ذلك ؟!

بينه وبين نفسه وضع فاصلةً لعلاقةٍ أمتدت لسنوات، علاقة يصعب على أحد إدراك كُنهها، تماماً كما يصعب عليه ذلك أيضاً. لم يضع نقطة لأنه لن يهجر كما فعل مع آخرين، بل فاصلة لأن معنى هذه العلاقة سيتغير، أو أنه قد تغير فعلاً، دون أن يكون له خيار في ذلك.

ركب الطائرة. رفض البسكويت الذي أمتدت به يد المضيفة، فلم تترك اللوعة مُتسعاً في جوفه لبسكويت، ولكنه قبل بالماء، مُمَنياً نفسه بأنه سيساعده على هضم هذه الخيبة الجديدة. فتح جهازه اللوحي، وكتب هذه الكلمات..!!

 

في الجو من البحرين إلى قطر

السبت 3 مارس 2012

ضرائب الوحدة

منذ أن أعتدت على التمرين في الصالة الرياضية الخاصة بنادي المؤسسة التي أعمل فيها، أُخبر المدرب الذي يقترح علي "تمارين اليوم" بأني لا أريد ممارسة أي تمرين للرجل، لأنها كانت ولا تزال تقدم ما عليها من واجب الرياضة بالجري، لذا لا أريد أن أتعبها أكثر من ذلك بأن أجعلها ترفع أثقالاً فوق ثقلي. ولكن هذا خطأ !

فالجري لمسافات طويلة يحتاج وبشدة إلى تقوية الرُكب، من خلال تمارين رفع أثقال بسيطة خاصة بهذه الدائرة، بيضاء كانت أم سوداء، أم ملحاء جلحاء كركبتي! أدركت ذلك بعدما بدأت أشعر بألم فيها، وبمطالعة سريعة في كتاب خاص بالتمارين عرفت بأني مخطئ تماماً بابتعادي التام عن تمارين التقوية الخاص بالرجل.

هذا ضريبة أن أتدرب وأجري لوحدي.. فلا هاوٍ يصحح لي هذه المعلومة، ولا محترف يرشدني !!

أما السباحة، فقد تعلمتها منذ الصغر، لكن أن أسبح في مسبحٍ أولومبي ذهاباً وإياباً لكيلومتر أو كيلومترين، فهذه رياضة جديدة علي، لا تتعدى السنة. قبل أيام سبحت بجانبي أمرأة تكبرني في السن ما لا يقل عن 8 سنوات، ولا تسألوني لماذا 8 تحديداً فأنا أيضاً لا أدري، كانت تسبح دون توقف، برشاقة، تمنعني سرعتها -التي كان من الواضح أنها لا تكلفها كثيراً من تعب- تمنعني عن التفكير بمجاراتها ومحاولة الوصول معها حتى آخر المسبح !

عندها، وعندها فقط أدركت أن سباحتي ليست على ما يرام، فطلبت في المرة التالية من المدرب أن يلاحظني وأنا أسبح، علّهُ يكتشف العطب. وبالفعل، كانت هناك أخطاء فادحة. بدأت منذ أيام بالتمارين الجديدة للسباحة بإرشاده وتوجيهه.

مرة أخرى, هذا ضريبة ممارسة السباحة وحيداً، دائماً وحيداً، فلا أمرأة تكبرني تشعرني بالخجل من نفسي برشاقة سباحتها، ولا أخرى تصغرني تشجعني همساً: عزيزي، أحب سباحتك كحبي لك، ولكنها تحتاج إلى تطوير !

الكتابة، كنت في ما مضى أكتب بين الحين والآخر مقالات أنشرها في مدونتي المتواضعة، ويُنشر بعضها في الصحافة، توقفت فجأة عن الكتابة لسبب أجهله، وأقول –ولست صادقاً كل الصدق فيما سأقول- أشتاق كثيراً للكتابة، فمن خلالها كنت أُنفّس عن خلجات نفسي، وتتفتح لي أبواب كثيرة مع القرّاء –ولو كنت صادقاً كل الصدق في قولي هذا لحاولت كثيراً في ردم الفجوة التي حصلت بيني وبينها-.

ظننت بأني سأتمكن من الانتهاء من كتابة مذكراتي الجامعية فور استقلالي والعيش وحيداً في الدوحة، تلك المذكرات التي أنهيت جزءً منها، وتوقفت عند ما أنتهيت إليه, ولكن ما حصل هو أن الفجوة بيني وبين الكتابة قد زادت !

وحيداً ودون الانخراط في مجموعة أتقاسم معها الهوايات.. إما أن تكون ممارساتي لتلك الهوايات خاطئة, أو ليست على طريق التطور على الأقل، أو أن الوحدة تزرع فيني هوايات أخرى! ولا أدري إن كانت هذه قاعدة عامة فلستُ ضليعاً بعلم النفس.

ماذا دفعني للكتابة حول أثر الوحدة في ممارسة الجري، السباحة، والكتابة؟ لم تكن هذه الأشياء هي التي أوقدت فكرة الكتابة، إنما شيئاً تذكرته بعد إحباط السيدة العجوز في المسبح، وألم ركبتي الجلحاء الملحاء وأنا أجري، وهو إخمادها، الوحدة أعني، لمَلَكَة أدعي أن الله قد حباني إياها، وهي الحوار والإقناع !

كنت فيما مضى إذا جمعني لقاء بأحدهم أو إحداهن، أتحدث عن مواضيع تثير من ألتقيه، أزرع فيه حماساً يخبرني هو عنه –أو تخبرني هي عنه- لاحقاً، يحصل ذلك دون قصدٍ مني، أتكلم في مواضيع كثيرة، وأفتح للموضوع نوافذ مواضيع أخرى تناسبُه، وأبواب حكايات جانبية ذات علاقة، وإذا ما كنت أتحدث في فكرة تعتمل في ذهني يزداد تفنني في الحديث، وإذا ما تناولت رأياً، يصعب على محاوري أن يقول: عفواً لم أقتنع برأيك. أما اليوم، فإني لاحظت منذ فترة، وبعد عدة لقاءات، بأني لست أنا! يشرد بالي كثيراً دون أن يكون هناك سبباً يدعوه للفرار أو يُشغله، أتحدث في مواضيع ربما تكون آخر اهتمامات من يجلس معي، وآخر ما أفكر فيه هو أن اقنعه برأي، أو أطرز له صورة فكرة! لست مبالغاً أو مازحاً، فعلاً تساءلت بيني وبين نفسي بعد لقاء من اللقاءات الكثيرة: ما الذي حصل؟ تغيّرتُ كثيراً !!

هل هذا أيضاً ضريبة ممارسة الحوار وحيداً، وكيف تكون ممارسة الحوار وحيداً، أقصد به الحوار عبر أجهزة البلاك بيري والانترنت لا المباشر الحي الذي كان يعج به يومي كثيراً. أتصور ذلك.. فأقول: للوحدة ضرائب، قد يكون بعضها خافياً، ويظهر بعضها الآخر بعد حين، إلا أني سأدفعها مبتسماً، لأنني بوحدتي أشعر بالراحة، حتى هذه اللحظة على الأقل.

وليس للعابر سوى السلامَ والأمنيات !

كفراشةٍ أحطُّ عليها..

أرتَشِفُ من شذاها..

وكالفراشةِ أيضاً..

لا أتخذها مسكناً !!


كزوجةِ صديق..

أستذكرُ خفقانَ قلبينا معاً..

أحلاماً رسمناها معاً..

قبل أن نفترق..

ويذهب كلٌّ في طريق !!


كحيٍ أمشيه مضطراً..

أمشيه راغباً..

أوزِّعُ على القاطنين فيه تحياتي..

أحاول دوماً..

إخفاء معاناتي..

فضح مسراتي..

وبما يسمح لهم من الوقت..

يجتهدون هم..

في سرد الحكايا مجاراتي..

وأعبُرُهُ..

وبعد حينٍ أمشيهِ مرةً أخرى..

ويصبحُ حضوري الماثلُ دوماً..

لا شيءَ سوى تكرار عبور..

وليس للعابر سوى السلامَ والأمنيات !!

 

هكذا تجلّت البحرين في بالي ليلة البارحة بعد عودتي من زيارة من زياراتي السريعة لها..

 

 

الحركة الإسلامية التركية

 معالم التجربة وحدود المنوال في العالم العربي

 

عادةً ما يختار الكاتب، أو دار النشر، أهم فقرة تشد القارئ لقراءة الكتاب ليضعها في مقدمته، أو الغلاف الخارجي له، ولكني في كتابتنا الذي نتناوله اليوم، وجدت هذه الفقرة في آخر صفحاته، وهي إجابة على تساؤل قد يطرحه بعض الشباب (ما الفائدة من دراسة التجربة التركية؟)، وفي ظني أن الفائدة المرجوة تتجاوز تلك المتلعقة بالانجازات السياسية والاقتصادية التي حققتها تركيا في السنوات القليلة الماضية، فهذه الإنجازات لم تأتي من فراغ، بل الفائدة الأبرز لخصها الكاتب في هذه الفقرة التي أشرت إليها:

 

(إدراك الحاجة اليوم إلى أن نطرح الأسئلة الجزئية ونعيد طرحها، فقهاً لواقعنا، ووعياً بحالنا، وتبصراً بمستقبلنا. ولسنا بحاجة اليوم إلى أن نبني مفاهيم ومسلّمات شعارات، بل نحن في حاجة إلى وعيٍ مضاد، يقوّض كل "المسلّمات" الفكرية والذهنية التي ترسّخَت وتراكمت خلال عقود بل قرون، وعيٌ مضاد يزيل القداسة عن كثير من المفاهيم والشعارات التي تلبستنا وتلبسناها، فغشيت بها أبصارنا وانطمرت بها الحقائق. وعيٌ مختلف يضع حداً لحالة الاحتراب الداخلي التي نعيشها في فكرنا وسلوكنا ومفاهيمنا، وتشل قدرتنا على ابتداع رؤى جديدة على طريق النهوض والتقدم).

فلا يمكن لنا الاستفادة من هذه التجربة قبل أن ندرك فعلاً إلى الحاجات التي ذكرها الكاتب، وأن نؤمن بأن ما في مخيلتنا من أنماط ومسلّمات تحتاج فعلاً إلى إعادة نظر، ومزيد من التنقيح.

في كتابه (الحركة الإسلامية التركية.. معالم التجربة وحدود المنوال في العالم العربي)، يستعرض جلال ورغي، مدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية، تجربة الحركة الإسلامية السياسية في تركيا في سبعة فصول وزعّها على ثلاثة أبواب.

هدف الكاتب من هذا الكتاب هو عنوان بابه الثالث (النموذج التركي والعرب: بين جاذبية المنوال واستعصاءات الواقع)، وهو الإجابة على سؤال: هل يستطيع العرب استلهام الدروس من التجربة التركية والبناء عليها للانطلاق في طريق نهضتهم المنشودة، أم أن الحالة التركية حالة فريدة، لها امتيازاتها الخاصة التي لا يمكن أن تتوافق مع الواقع العربي؟ ولم يقدّم الكاتب رأيه أو يجيب على هذا السؤال إلا في الثلث الأخير من الكتاب، حيث خصص الثلثين الأولين لتلخيص رائع ومكثّف لقصة صعود الإسلام السياسي في تركيا، مبيناً أسباب وعوامل هذا الصعود، وهو موضوع الباب الأول، وفي الباب الثاني كتب عن السياسة التي انتهجها حزب "العدالة والتنمية"، وكيف أعاد هذا الحزب تشكيل الحياة السياسية في تركيا، على المستويين الداخلي والخارجي.

وعن طبيعة علاقة الدين بالدولة، والإسلام بالعلمانية، هذه الطبيعة التي لا تزال غامضة حتى اليوم لدى الكثير من الباحثين، يقول الكاتب لتوضيح جزء من هذه العلاقة: (لا تعني العلمانية في تركيا فصل الدين عن الدولة، شأنها شأن باقي الدول الغربية، وإنما حرصت الجمهورية الكمالية، سيراً على خطى مثال اللائكية الفرنسية، على تأكيد خضوع الدين لسلطة الدولة ومؤسساتها. ويعتقد بعض العلمانيين أن هذه العلاقة المخضعة للدين المتحكمة فيه، تجد جذورها في التجربة العثمانية، وهي من ثمة ليست بدعاً في الجمهورية الحديثة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك (…) المؤسسة الدينية كما يقول دانكوارت روستو "لم تكن أبداً منفصلة عن الدولة.. وعملية فصل الدين عن الدولة بمفهومها الغربي لم تتم أبداً في تركيا الحديثة").

ومن عوامل نجاح التيار الإسلامي اليوم في تركيا، أنه غدا خيار الناس، بعد صدمتهم بعملية تحديث قسرية لم يكن له فيها أي إختيار، عملية سعى فيها أتاتورك للقضاء على التنوع بدلاً من الاستفادة منه، فقد كان يشعر بأن توحيد الجمهورية، في ظل تحديات كبيرة تواجهها حينها، يجب أن يكون بالقضاء على أي هوية أخرى، قومية أو عرقية أو دينية، وإثبات هوية واحدة وهي الهوية التركية، يحملها كل من يعيش على أرض تركيا. بَيدَ أن هناك (قطاع واسع من المجتمع التركي ظل على هامش عملية التحديث الكمالية هذه –التي اقتصرت على المدن الكبرى دون المناطق الداخلية-. في مثل هذه الأوضاع وجدت القطاعات المهمشة في التيار الإسلامي شبكة للخلاص من وضع التهميش والإقصاء الذي عانت منه على امتداد عقود)، إضافة إلى كسب التيار الإسلامي للطبقة المتوسطة من التجار، حيث رأوا في الحرية الاقتصادية التي تمنحها لهم رؤية هذا التيار ركيزة أساسية لنجاحهم وتطور الاقتصاد.

ومن عوامل نجاحه أيضاً هو الخطاب الذي تبناه حزب "العدالة والتنمية"، (خطاباً منفتحاً على الغرب، ومدافعاً عن حقوق الإنسان، والرغبة في الانضمام للاتحاد الأوروبي، وتبني نظرية اقتصاد السوق، والإصلاحات الاقتصادية التي تخرج بالاقتصاد التركي من حالة الركود وحالة التضخم المزمنتين. إذ وصل الاقتصاد التركي خلال 2001 إلى ذروة الأزمة، وتوقع الكثير من المراقبين أن ينهار الاقتصاد بشكلٍ كلي خلال أشهر، إذ بلغت نسبة النمو ناقص 7.5 بالمئة تحت الصفر، وفقدت العملة 113 بالمئة من قيمتها أمام الدولار الأمريكي، وتراجع دخل الفرد الحقيقي بنسبة 20 بالمئة، وتراجع الحد الأدنى للأجر من 156 إلى 100 دولاراً، وقدمت أكثر من 50 ألف مؤسسة اقتصادية صغرى ملف إفلاسها، وارتفع عدد العاطلين إلى أكثر من 1.5 مليون).

كما حظي "العدالة والتنمية" بدعم سياسي واسع يتجاوز الناخب الإسلامي والطبقي لأسباب أهمها:

1- انتشار شبكة دعمه الاجتماعية الواسعة

2- آلته الحزبية الناجعة والفعّالة

3- سياسته الليبرالية القائمة على السوق الحرة، والتي تثير إعجاب المؤسسات الاقتصادية المتوسطة

4- سياسة الانفتاح والتسامح تجاه الأقليات

أما عقبة الجيش، فقد مرت السياسية التركية بمواجهات عديدة بين الإسلاميين والجيش، الذي كان يمسك بقبضته على السياسة الداخلية، متدخلاً في كل مرة بحجة الحفاظ على القيّم العلمانية، إلا أنه (بسبب الصعود اليساري المتنامي، تسامح الجيش وشجّع في بعض الأحيان فتح مدارس دينية، وإدراج التعليم الديني في البرامج الدراسية، في مواجهة اليسار (…) ولعل من المفارقة كانت في تأكيد الكماليين في دستور العام 1982 على علمانية الدولة من جهة، وتشجيعهم التعليم الديني غير المسيّس من جهة ثانية).

وفي استعراض الكاتب للسياسية الخارجية التركية، يلخص الكاتب رؤية مهندس الاستراتيجية لهذه السياسة، أحمد داوود أوغلو، وزير الخارجية حالياً، التي ترتكز على ثلاثة أطروحات وهي[1]:

1- التحول الحضاري

2- العمق الاستراتيجي

3- العثمانية الجديدة

وقوام هذه الأخيرة (العثمانية الجديدة) ثلاثة مرتكزات:

1-    أن تتصالح تركيا مع ذاتها الحضارية الإسلامية بسلام، وتعتز بماضيها "العثماني" متعدد الثقافات والأعراق، وتوسع الحريات في الداخل، وتحفظ الأمن في الخارج.

2-    استبطان حس العظمة والكبرياء العثماني والثقة بالنفس عند التصرف في السياسة الخارجية.

3-    الاستمرار في الانفتاح على الغرب، مع إقامة علاقات متوازنة مع الشرق الإسلامي.

ويقول الكاتب بأن ("العثمانية الجديدة" من هذا المنظور هي التي تقوم على القوة الناعمة لا الخشنة في السياسة الخارجية.. إنها تعني علمانية أقل تشدداً في الداخل، ودبلوماسية نشطة في الخارج، خاصة في المجال الحيوي لتركيا).

يستلخص الكاتب (من خلال النظر إلى التجربة التركية، لا يمكن أن نستسلم لمقولة أن العالم العربي سيظل وسيبقى خارج إطار الحداثة والنهوض، وأن مجتمعاته ومنظوماته عصيّة على التحديث بزعم أنها مجتمعات يمثل فيها الدين (الإسلام) بعداً أساسياً في حياة الناس).

ويرى الكاتب أنه رغم تباين الواقع التركي والواقع العربي في العديد من القضايا والمسائل الهامة التي شكلت الوضع الحالي لكليهما، إلا أن ذلك لا يعني بأن دروس التجربة التركية لا يمكن الاستفادة منها عربياً، ويدعو العرب، إسلاميين وعلمانيين على حدٍ سواء، إلى التبحّر أكثر في هذه التجربة، فأكثر مثبطات نهضتنا وتحولنا نحو الديمقراطية في العالم العربي –كما يقول- هو غياب الحد الأدنى من الإجماع بين القوى أو التيارات الوطنية الأساسية، ويعني التيار العلماني، التيار الليبرالي، والتيار الإسلامي.

رغم صغر حجم الكتاب، 120 صفحة من القطع الصغير، إلا أنه يحتوي على الكثير من الدروس التي ينبغي الوقوف عندها طويلاً، لاستخلاص العبر والفوائد، خاصة في هذه الأوقات التي تعيش فيها الأمة مرحلة انتقالية سريعة، تحتاج إلى عقول مفكّرة تستلهم الدروس من تجارب الدول الصاعدة، القريبة منها خاصة كتركيا.

الكاتب (جلال ورغي)

 باحث متخصص في قضايا المغرب العربي، مدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية.

 حاصل على ماجستير في التاريخ المعاصر والعلوم السياسية من معهد بيركباك، جامعة لندن.

 حاصل على الإجازة في القانون والإجازة في الفلسفة.

 يعد بحث دكتوراه حول "تجربة التحديث في تونس" في جامعة أكستر البريطانية.

الكتاب

 أحد مطبوعات (أوراق الجزيرة) التي تصدرها مركز الجزيرة للدراسات

 الطبعة الأولى 2010

 نشر وتوزيع: الدار العربية للعلوم ناشرون

 120 صفحة، من القطع الصغير


[1] بلوّر أوغلو أطروحاته في السياسة الخارجية في كتابٍ ضخم "العمق الاستراتيجي"، أعيد طبعه أكثر من 17 مرة منذ صدور طبعته الأولى في العام 2001، وقم مركز الجزيرة للدراسات بترجمته مؤخراً.

 

 

ثورة “14 فبراير”.. لمصلحة من ؟؟

 لو أنني كنت مستشاراً "أمنياً" في البحرين، لأقترحت إيقاد شرارة ثورة أو عصيان !

في ظني، أن أكثر ما يُخشى منه اليوم في البحرين، هو أن يكسب التيار المعارض الشارع السني، أو على الأقل نسبة حرجة منه، وتُعاد صياغة المطالب الفئوية والطائفية الضيقة، إلى مطالب شعبية تشترك فيها جميع أطياف المجتمع، بسنته وشيعته، وأن يخرج الشباب السني خارج الصندوق، فيستمعون لغير منظّريهم ومشايخهم وشخصياتهم العامة، يجرّدون نظرتهم للأمور من غشاوة التدخل الإيراني، والتمويل الخارجي، وغيرها من التخويفات المعلبة الجاهزة، فيتخلون مع مرورو الوقت من الطاعة العمياء والولاء المطلق، إلى طاعة مع مساءلة، وولاء مع محاسبة. إنها كارثة الكوارث بالنسبة إلى البعض.

ما الطريقة إذاً لمنع هذا الإدراك وهذا الوعي من التكوّن، وهو أمر وارد جداً، خاصةً وأن الوعي هذه الأيام ينتشر في شعوب المنطقة انتشار النار في الهشيم بفعل ثورتي تونس ومصر؟

الجواب: أشعل فتيل أزمة.. والموجة الآن "ثورة" !

وبطبيعة الحال، في البحرين جزء من الشارع الشيعي وحده هو الذي سيلقط هذا الفتيل ويسكب عليه البنزين، إذ أن الوضع لم يصل بعد إلى توحّد أفراد الشعب في المطالبة حتى في الأمور التي يتشاركون فيها سويةً، فما بالك فيما يختلفون فيه, بل حتى المعارضة منقسمة على نفسها، وليست بتلك المعارضة الوطنية التي تضم كل أطياف المجتمع، إنها جسمٌ ضعيف، أرهِقهُ فيما لا يقوى عليه، وفي نفس الوقت -وهذا المراد أصلاً- أكسب الشارع الآخر لفترة زمنية أطول، أو على الأقل خلال هذه الفترة الحرجة التي تمر فيها المنطقة، وأمّن جانبه تمام الأمن، وأبعده عن موجة أفكار "تنويرية" عارمة تجتاح المنقطة !

أزرع فكرة تنظيم "ثورة"، وإذا كانت الدعوة قد غدت سهلة للشعوب من خلال الانترنت، فهي لأجهزة المخابرات أسهل، ليتبناها البعض، وينظّر لها الآخر، ويستجيب لها عدد من المغرر بهم. سيتحرك جزء من الشارع الشيعي، وعندها أستثر عواطف ومشاعر الشارع السني، ومرة أخرى: تدخل إيراني، إنقلاب شيعي، تمويل خارجي، حرق ممتلكات عامة، تخريب، إرهاب… إلى آخره، والشارع السني شارع عاطفي، سيغض الطرف حينها عن كل فساد أو عيب، وسينسى تقارير ديوان الرقابة، أو تقرير لجنة الممتلكات تلك، بل وسيتناسى حتى مستقبله، فلن يخطر على باله حينها موضوع بيت يأويه بعد زواجه، أو وظيفة يشغلها بعد تخرجه، وسيكون شغله الشاغل هو تجديد الولاء، والوقوف في وجه المخربين العابثين بالأمن !!

هذا تحليل، قد يكون بعيداً جداً عن الواقع، ولكن نتيجته ليست ببعيدة تماماً. ومن هنا أستغرب الدعوة للثورة في البحرين، وفعلاً تساءلت، في مصلحة من هذه الدعوة؟! فلم أرَ مصلحة متحققة إلا للنظام الذي تطالب هذه الدعوة برحيل بعض رموزه، ولم أرَ نتيجةً لهذه الدعوة وهذا التحرك، أوضح وأبيّن من تأخير تكوّن الوعي السني المطالب للحقوق المشروعة، الداعي لوقف الفساد !

لست هنا في صدد تقديم دروس سياسية، فأنا جاهل جداً جداً في السياسة، ولكن ما حصل في تونس، وما حصل في مصر، والنظر إلى طبيعة التحرك الشعبوي الشامل هناك، وردود فعل أنظمة المنطقة عامة، ودول الخليج خاصة، أكبر مؤشر على فشل تحرك من هذا القبيل إذا ما حصل في البحرين، بل وأكبر دليل على أثرها السلبي الذي سيطال بلا شك نتائج جهود المعارضة التي تحققت خلال الانتخابات الأخيرة في توعية الناس، وهذا ما جعلني أصل إلى التحليل الذي أوردته أعلاه، رغم قناعتي بأنه قد يكونُ بعيداً !

من دون أيّة محاباة، أتمنى من الجمعيات السياسية المعارضة في البحرين أن تعلن صراحةً أنها ليست وراء هذه الدعوة، لكي لا ينخدع بها الشباب، فالوضع غير الوضع، وتركيبة المجتمع غير التركيبة، وطبيعة علاقة الحاكم بالمحكوم غير الطبيعة، ونسبة المعارضة غير النسبة، وعددوا من الفروقات ما شئتم، قفوا في وجه هذه الدعوة "العبطية"، أحموا الشباب لا تتركوهم عرضة للتغرير بهم، لا تفجعوا قلوبنا بخراب مستقبلهم، فهم مواطنون وإخوة لنا، مهما أختلفنا معهم.. نتمنى لهم كل الخير.

إلى كل من عقد العزم على إجابة هذه الدعوة.. أرجوكم أقرأوا مقالتي هذه مرة ثانية، وإذا أردتم تغييراً حقيقياً على أرض الواقع، فادفعوا بالمعارضة، المشاركة خاصة منها في انتخابات مجلس النواب، لتكون معارضة وطنية حقيقية، تتبنى أطيافاً غير طيفها، وألواناً غير لونها، وقد كانت الفرصة سانحةً لها في الانتخابات الأخيرة، والتي قبلها أيضاً، ولكن العمى الطائفي والفئوي. أما عصيان في هذا الوضع وهذا التوقيت، فلا تتقبله عاطفة موالي، ولا يُقرُّه منطق معارض.

قد ترد تهمة هنا أن ما ذكرته هو على لسان غيري، أو أني بوق على هيئة قلم، ولكن والله لم يخرج هذا الكلام إلا من بنات أفكاري، هدى الله بنات أفكاري، ورزقهن الذرية الصالحة، آمين !