أمواج العبث

بقلم: أحمد سلطان الحربان

أحاط أبناؤه وبعض أزواج بناته به مُمدداً على السرير في غرفة العناية المركزة التي نُقل إليها ليلة البارحة، نوبة قلبية غير متوقعة، وغير مُستغربة في نفس الوقت بالنسبةِ لرجلٍ في مثل سنه، كان يهذي بكلماتٍ لم يفهمها الحاضرون، قال صابرٌ، زوج ابنته الوسطى، أنها كانت موجهة لملك الموت، لم يشك الحاضرون في روايته، ولم يصدقها جميعهم، فرهبة الاحتضار أشغلتهم عن ترف التشكيك والتصديق. كانت قلوبهم تنصهر في أجوافهم، بينما تجتهد سيقانهم كثيراً كي لا تخون قاماتهم، بعضهم انعقد لسانه وبعضهم انشغل بذكر الله، أما أرواحهم جميعاً خرَّت ساجدة في مكان مُعلق بين الأرض وسقف الغرفة، تدعوا له باللطفِ والرحمة. بعد دقائق لا يُعلم طولها، فالزمن يبدأ في الاختلال على عتبات الحياة الثانية، زَفَرَ عبدالعزيز أحمد فازاروني آخر نفس له في الدنيا، تلك التي لا يعقُبُها شهيق، صافحت روحه الأرواح المُعلقة في الغرفة قبل أن تودعهم مُغادرة. عادت بقية الأرواح إلى مكانها المؤقت، فاهتزَّت أجساد الرجال، وبدأ النشيج. خرج أكبر أبناءه من الغرفة غارقاً في بكاءٍ صامتٍ، مسح خديه وعينيه بطرف غترته، وقال لأخواته اللاتي كُن واقفات يُحطن بأمه في مكانٍ غير بعيد: (البقا براسكم.. ادعوا له بالمغفرة)، ومضى ليُكمل الإجراءات اللازمة مع إدارة المستشفى، تاركاً مهمة تهدئة عويلهن لمن سيخرج بعده من الغرفة، أو من سيقابلهم داخلها.

بعد دقائق، انتشرت الرسالة لتصل إلى جميع الأهل والأصدقاء، داخل البحرين وخارجها: (إنا لله وإنا إليه راجعون، انتقل إلى رحمة الله تعالى عبدالعزيز أحمد فازاروني، والد كل من بدر وخالد وفهد ومحمد، وسارة ومريم ونورة ولطيفة، وسيُدفن في مقبرة المحرق الساعة العاشرة من صباح غدٍ الاثنين. تُقبل التعازي للرجال في قاعة جمعان بالمحرق، وللنساء في بيت المُتوفى منزل رقم 336 طريق 846 مجمع 120).

احتاج أهل الحي الواقع في شمال مدينة المحرق، إلى بعض الوقت كي يعتادوا عدم رفع يدهم اليُمنى تحيةً كلما مروا بجانب الكرسي الخشبي أمام بيته، حيثُ كان يجلس ويُسند عكّازيه بجانبه كل يوم، لا يمنعه من ذلك حر طقس المدينة الساحلية التي تحيط بها الرطوبة كما البحر، من جميع أطرافها. أما أبناءه وبناته وأحفاده، فقد فعل فيهم الفقدُ كما يفعل في الناس عادةً، ندبة في الروح، بحجم حضور الفقيد في حياتهم، وقد كان حضوره مُتفاوتًا بينهم بحكم المدة التي خالطوه فيها، فالأبناء والبنات أكثرهم تأثرًا، وكبار الأحفاد يفوقُ أثر الفقد فيهم صغارهم، لأنهم عرفوا جدهم وهو في صحته وعافيته، حين كان لا يمنعه عَرَجُهُ الشديد من أن يتنقل بالسيارة من مدينة إلى أخرى، يطمئن على الزرع في بيوت أبناءه وبناته، أو يقوم بأعمال السباكة فيها، أو يشرف على أعمال الصيانة التي لا يستطيع أن ينجزها بنفسه. لم يلحق صغار الأحفاد على عالم عبدالعزيز إلا حينما ضاق ليقتصر على المسافة بين سريره وكرسيه الخشبي عند باب البيت، عالمٌ قلَّت فيه الأشياء حتى اُختُزِلَت في صندوقين كبيرين فيهما عدد كبير من البراغي ومفكاتها وأدوات تصليح مختلفة، محشوران في الدهليز، تحت الدرج الاسمنتي الوحيد في البيت.

وحدها زوجته لولوة التي أحبته حباً عظيماً، وقامت على خدمته ورعايته، وحدها لم تتأثر برحيله، رغم كل الأوقات الطويلة، حلوها ومُرُّها، التي طبعت عِشرَةً امتدَّت أكثر من ستة عقود، فقد تمكن الزهايمر من محو كل ذكرياتها، وككائن غريب يزدادُ حجماً يوماً بعد يوم، استباح هذا المرض كل مساحات عقلها وقلبها، كبر حتى لم يكفه كل لحظات الماضي، لينهش حاضرها بشراسة، فغدت لا تدرك شيئاً مما يجري حولها. كان النساء يُقدمن لها التعازي في بيتها، يبكين بحرارة، بينما هي تمدُّ يدها للسلام بوجهٍ خالٍ من أي ملامح سوى الضياع، تجلس بجانب كبرى بناتها كطفلةٍ لا تعرف كيف تتصرف حينما يُقال لها كلاماً لم تتعلم معناه بعد. لن تتأخر لولوة عن اللحاق بزوجها، سترحل هي أيضاً بعد عام. هل يتعرف من عصف بعقله الزهايمر على الموت إذا جاءه؟ هل يمر بأهواله التي لا ينفك الدعاة عن ذكرها في مواعظهم، أم أن الجهل والضياع يجعلانه يعبر إلى العالم الآخر بسلاسة أكثر ليرجع إليه وعيه شيئاً فشيئاً بعد ذلك؟ سيسأل خليفة نفسه، وهو يقبل جبينها العاري أمامه في المغسلة، في نظرةٍ وسلامٍ أخيرين، قبل أن يشارك أهله وبقية من حضر الصلاة عليها ودفنها.

لم يتعرّف خليفة، ثاني أكبر أحفاد عبدالعزيز، على شجرة عائلته الكبيرة، ولم يتكفل أحد برسمها كاملةً أمامه بكل تفرعّاتها المتشعبة، ولكن مناسبات الأفراح والأتراح، وبعض الزيارات المتباعدة جداً، ساعدته في التعرف على بعض جذوعها الرئيسية، وكان موت جدّه إحدى تلك المناسبات التي ذكرّته بأقاربه المتفرقين على الساحل الغربي من الخليج العربي، أما الآخرين الذين ظلوا قاطنين في مكان يجهله على الساحل الشرقي منه، لم يعودوا إلى الجزيرة العربية مع من عاد منذ زمن طويل، لا يعرف خليفة عنهم أي شيء.

دُفن عبدالعزيز صباح اليوم الثاني من وفاته، وبعد صلاة العصر من نفس اليوم، وفي قاعة كبيرة مخصصة لمناسبات أهالي المدينة، كتلك المنتشرة في البلاد تُبنى على نفقة فاعلي الخير عادةً، وقف خليفة مباشرة بعد أخواله، فهو الحفيد الأكبر سناً من الذكور، لا يكاد يُنزل يده اليمنى حتى يمدها مرة أخرى للمصافحة، يتقبل تعازي الوافدين من الأهل والمعارف (عظّم الله أجرك)، يرد:(أجرنا وأجرك.. جزاك الله خير)، بينما يسأل نفسه، هل يصل شيء من الأجر إلى المتوفي بعد كل مصافحة؟ تمنى لو استطاع أن يقنع المُعزين بالدعاء للميت بدلاً من عبارة المواساة هذه التي فقدت قيمتها بكثرة تردادها آلياً.. (عظم الله أجركم.. عظم الله أجركم)، فهو لا يشعر بالحاجة إلى المواساة بقدر شعوره بحاجة جده إلى الدعاء. نادرًا ما يلتفت إليه خاله الواقف على يساره ليُعرّفه على من جاء لتقديم واجب العزاء، ولكنه يفعل ذلك دائمًا إذا كان المُعزي أحد الأقارب من خارج البلاد.

  • هذا صالح من رأس الخيمة، حفيد عمي.

في ذاكرة خليفة نُتف من صور ومشاهد لذلك البيت الكبير في رأس الخيمة، الذي بلغوه بعد سفر استغرق حوالي اثنا عشر ساعة برًا، كان صالحٌ الواقف أمامه شاباً يافعاً يركض في الفناء الرملي الذي يحيط بالبيت من جميع جوانبه. يومها كان هو صغيراً، إلى الحد الذي يُسمح له بأن يشارك أجمل بناتهم السرير في إغفاءة قصيرة من نهار، كانت تكبره بأعوام كافية تُبعد أي حرج من فعل ذلك. يتذكر جيداً جمال تلك البنت، وكان يتمنى أن يضيف سنوات وسنوات إلى عمره كي يفوز بها، كان واثقاً من أنه لا يحول بينه وبين ذلك سوى فارق السن. ويتذكر أيضاً صوت أمها العالي عند مناداتها للخادمات، وكانت كثيراً ما تُنادي. ورغم صغر سنه فإنه لم يرَ وجه تلك السيدة أبداً لأنها كانت ترتدي غطاء وجه غريب (البطّولة)، ترتديه في كل وقت وكل حين.

وبعد وقت قصير، التفت إليه خاله مرة ثانية:

  • هذا يوسف من الكويت، زوج ابنة خالة جدتك.

لأقاربه من الكويت ذكريات حديثة، ففي الشتاء قبل الماضي، طلبت منه أمه أن يسافر بها براً مع أخته واثنتان من أخواتها إلى الكويت لحضور حفل زواج قريبة لها. فهو يذكر جيداً أبناء يوسف، أخذوه في جولة بالسيارة، انتهت إلى مطعمٍ يقدم أشهى المشويات في سوق المباركية. كما أن لهم ذكريات بعيدة، حيث انتقل معظمهم إلى البحرين خلال الغزو العراقي الغاشم، توزعوا على عدد من بيوت الأهل، وكان لبيت جده شرف استضافة عائلة أحد أبناء يوسف، زوجان وثلاثة بنات، أمر جده حينها بإفراغ غرف الطابق الأول، وحشر الأخوة في غرفة المجلس بالطابق الأرضي، والأخوات في غرفة ثانية، ليُصبح الطابق الأول فارغاً لأصحابه وأهله القادمين من الكويت. يذكر تماماً كيف اعتاد الجميع على الوضع الجديد سريعاً دون أي شعور بتذمر أو ضيق، وغدت العائلتان عائلة واحدة بمعنى الكلمة، حيث لم تتوانَ بناتهن في مساعدة جدته لولوة بالقيام بشؤون المنزل وتدبير احتياجات الأبناء.

مد يده خليفة قائلاً:

  • معروف، جزاك الله خير عمي، أجرنا وأجرك. كيف حالك؟
  • أبشرك بخير ونعمة، ربي لك الحمد.
  • ربي يحفظك.

بعد أن يسلم المُعزي على آخر أقارب الفقيد الواقفين على يمين مدخل القاعة، يجلس على أحد الكراسي المصفوفة على أطرافها، أو يأخذه أحد الأقارب من يده ويجلس معه قليلًا تقديرًا لقدومه، يتبادل معه أطراف حديثٍ قصير، عادةً ما يُذكر فيه محاسن الفقيد، ويسأل خلاله كل واحدٌ الثانيَ عن أخباره وأحواله. بينما لا يتوقف “المقهوي” عن تقديم القهوة والشاي للجميع، يلحقه مساعده لاستلام الفناجين الفارغة.

مع اقتراب موعد صلاة المغرب قَلَّ عدد المُعزين، وغادر معظم الحاضرون استعداداً للصلاة.. (أحسن الله عزاكم)، وبينما هو جالسٌ يشرب قليلًا من الماء لترطيب حنجرته التي جففها كثير الرد، أشار عيسى، أكبر أخواله، إلى رجلٍ جالسٍ في صدر القاعة ومعه شابان..

  • طبعاً تعرف ذاك الرجل؟
  • طبعاً، حسن ابن عائشة، ابنة عم جدي الله يرحمه.

يعرف أهله في قطر جيداً، فمنذ أن انتقل هو للعمل في الدوحة قبل ست سنوات، كانت ولا تزال أمه تتردد على زيارته، وفي كل زيارة تطلبه أن يأخذها إليهم. يدخل معها إلى بيتهم، ويجلس معهم كما يجلسون مع بعضهم البعض، رجالاً ونساءً في صالة البيت الرئيسية، يجددون في كل زيارة عتبهم عليه: (ما نشوفك إلا لما تجي أمك!)، وفي كل مرة تعيد عائشة، سيدة البيت، دعوته: (تعال أي يوم تغدا معنا). بينما هو يقابل ذلك باعتذارات شديدة، معترفاً بتقصيره.

بعد صلاة المغرب، وصل سعيد قادماً من المطار مباشرة، زوج خالته الصغرى وأحدث المنتمين للعائلة، حيث تعرّف على خالته قبل عامين فقط، بعد انتقالها للتدريس في جامعة السلطان قابوس منتدبةً من جامعة البحرين، ضمن برنامج انتداب بين عدد من جامعات دول مجلس التعاون الخليجي. وقبيل المغرب كانت وفود الأهل القادمين من المملكة العربية السعودية عبر جسر الملك فهد قد وصلوا أيضاً، وصلات القرابة بهم كثيرة.

ثلاثة أيام متتالية التقى فيها خليفة بعدد لم يحصهِ من الناس، ورغم علمه سابقًا، إلا أنه لم يتخيل قط سعة انتشار عائلته في دول الخليج إلى أن التقى بمن التقى بهم خلال العزاء، في مناسبة تجمع من تربطهم صلة القرابة والدم، تذكرهم أنهم جميعاً وإن كانت تفصل بينهم حدود وإجراءات سفر، إلا أنهم ينتمون لعائلة واحدة، هذه العائلة التي تعقدت روابطها أكثر مع مرور الوقت، بعد أن كرر الأبناء فعل آبائهم وتزوجوا من أقاربهم في الدول المجاورة.

(بعد ثلاثة أعوام)

ورث خمسةٌ من الأبناء وأربعة من البنات بيت (ماما لولوة)، عادة الناس هنا تسمية البيوت بأسماء ربّاتها، وقف نمو بيت ماما لولوة عند ثلاثة طوابق ونصف، والنصف مُلحق على السطح يُستخدم لتخزين الأغراض، يحُدُّهُ زقاقٌ من جانبه الجنوبي، ومن الجانب الشمالي ترتفع عمارة سكنية من خمسة أدوار، كانت بيتاً قبل أن تُحوّلُ دائرة التخطيط العمراني تصنيف الشارع الذي يطل عليه شمالاً من سكني إلى تجاري، في الدور الأرضي محلان تجاريان، واحدٌ لمكتبةٍ وتسجيلاتٍ إسلامية، وآخر تناوب عليه عدد من المحال، آخرها محل خياطة نسائية.

ارتأى الأبناء بعد رحيل عبدالعزيز ولولوة أن يفتحوا الغرف الأرضية على الصالة الرئيسية للبيت، كي تتسع للقائهم الأسبوعي يوم الجمعة، هم وأبنائهم الذي وصل عددهم جميعاً إلى ما يزيد على ثلاثين، توزّعت عليهم ملامح الفقيدين بنسبٍ متفاوتة.

وصل خليفة إلى البحرين الليلة الماضية وسيسافر غداً مساءً، في زيارةٍ صارت مرةً كل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع بعد أن كانت أسبوعية، وذلك بسبب ما جرى منذ عام بين بلديه من خلافٍ سياسي وقطعٍ للعلاقات الدبلوماسية، ومنعٍ للرحلات الجوية المباشرة، وغيرها من إجراءات أشبه ما تكون بإعلان حرب! اضطرّهُ ذلك للسفر إلى الكويت ثم بلاده ذهاباً، وإلى الكويت ثم الدوحة إياباً، في كل مرةٍ أراد أن يزور فيها أهله، في رحلة كانت تستغرق نصف ساعة أو أكثر بدقائق، صارت تلتهم كثيراً من طاقته النفسية والجسدية، بالإضافة إلى خمس أو سبع ساعات من عمره. تحولت عطلة نهاية الأسبوع التي يقرر فيها زيارة البحرين إلى ماراثون طويل مرهق وشاق، على جسده وروحه التي بدأت هالاتٌ سود تغزوها وتزداد وضوحاً على ملامحها. ورغم ضيق الوقت المتاح له في البحرين، إلا أنه لا يُفوّت ما استطاع تجمُّع عائلته الأسبوعي في بيت ماما لولوة، ليطمئن على أحوال أفراد عائلته، يسمع جديدهم وآخر أخبارهم. ساعتان يقضيهما في الحديث مع الكبار، يشاركهم رفع الصوت، كي يستطيعوا سماع بعضهم بعضاً وسط الجلبة التي يُحدثها الأطفال بلعبهم وجريهم في المكان.

  • شاي، قهوة، أو كرك؟

تسأله خالته التي تتولى تجهيز “القدوع[1]” وتنسيق مساهمات اخوانها وأخواتها فيه قبل مجيئهم، فبعد أن توفيَ زوجها في حادث سير، خلال سفره برًا إلى قطر لزيارة أخته المقيمة في مدينة الوكرة، انتقلت هي مع أبناءها للعيش في الجزء الخلفي من البيت، لتستلم عهدة القيام بشؤونه وتدبير ضيافة زوّاره بحكم تواجدها فيه.

  • شاي خالتي، شكراً.

لسبب لا يفهمه، يشعر خليفة بأن الشاي الأحمر تحديداً يكون ألذ وأكثر دفئًا إذا ما شربه في بيتهم أو بيت أهله، لونه، رائحته الفوّاحة بتدخل الزعفران أو المرامية، ونسبة السكر الخفيفة جداً كما يفضلها، كلها تفاصيل تذكّره بساعات طويلة قضاها على الكرسي البلاستيكي عند باب البيت في منطقة عراد القديمة، حيث كان يصب لنفسه “استكانة” وراء أخرى، مُمسكاً بكتاب يقرأه، أو مستمتعاً بالحديث مع أحد أبناء الجيران. دائماً يقول إذا ما شرب الشاي خارج البيت: الشاي شاي أم خليفة.

وصل أحد أخواله، فوقف الجميع للسلام عليه، كما يفعلون عادةً مع أي واصل، يركض الأطفال إليه، يمد أحدهم يده اليمنى ويُقرّب خده في انتظار قُبلة منه، يفعل بقية الأطفال مثل فعله في تقليد مُتقن، بعد أن ينتهي من تقبيل جميع الأطفال، يُسلم على الكبار فرداً فرداً.

  • هلااا خليفة، شخبارك؟ وشلون أمورك؟
  • أهلين خالي، أبشرك.. بخير الحمد لله.

يشعر خليفة بأن أخواله وخالاته يخصونه بسلامٍ أكثر حرارة بقليل، فقط لأنه مُقيم خارج البلاد رغم زياراته الكثيرة، وكأن في سلامهم نوعٌ من مواساة واجب تقديمه لمن اختاره البُعد. وكبقية الحضور، يتنقل خليفة بين القدوع وأطراف الحديث تناولاً، وفي الوقت نفسه يُجدد ارتباطه الذي اهتزَّ كثيرًا بالمكان، المكان الذي عصفت بإحداثياته الأخلاقية رياحٌ غريبة على شرق الخليج العربي الهادئ، غيّرت أو كادت أن تغيّر تضاريس العلاقات الطبيعية بين ناسه، الذين هم في الأصل ينتمون إلى عوائل متقاربة جداً، إن لم تكن عائلة واحدة. يجدد تشبثه بالأساس الأكثر وضوحاً في مفهوم الوطن حسب رأيه: الأهل. هو يعتقد أن الأهل والأصدقاء وطن أينما كانوا. (وما الوطن إن لم يكُن أهلٌ وأصدقاء؟!) يتسائل دائمًا دون أن ينتظر تقريرًا من أحد.

هو لا يشارك أفراد عائلته أفكاره وهواجسه المتشابكة حول المكان والناس والوطن، رغم أنها تعتمل في نفسه دائمًا خلال تواجده بينهم. فكَّرَ أكثر من مرة في كتابتها بغية تفكيكها ورؤيتها عارية أمامه، أن يحررها من أسر التردد، ومن إحكام مشاعرٍ ليس له فيها حولٌ ولا قوة، أن يملأ ما استطاع من الورق بما يؤرقه ويزعجه حولها، ثم يتركها أيامًا قبل أن يعود إليها ليقرأها كما يقرأ نصًا لا يخُصُّه، علّهُ إن فعل ذلك أن يفهم، وأن يختبر كثير من المعاني المعقودة كعقدة التمائم في وجدانه، ربما يكتشف قيمتها الحقيقة ويقرر بضمير لا يخالجه التأنيب، أن يزيد عقدها عُقدة أخرى، أو أن يفل ربطها وينفث عليها من المعوذات قبل أن يحرقها ويُطفئها بماء البحر. فكّر ولا زال يفكر في الكتابة كمحاولة فهم وإدراك، وسيظل يفكر دون أن يتجرأ ويكتب، لأنه يعتقد بأن بعض الفهم والإدراك يُخشى منه أو من تداعياته، على نفسه قبل أي شيء آخر. الجهل أو التجاهل يساعد على جعل الحياة مُحتملة، قابلة للعيش، أحياناً على الأقل. هكذا يرى.

اختار خليفة ألا يدخل في أي نقاشٍ حول الخلاف السياسي الذي طال أمده بين بلديه، فبالإضافة إلى يقينه بأن الجميع، بما فيهم هو، يجهل أصل القصة وأهم تفاصيلها، يخشى أن يتحول الحديث إلى جدالٍ يؤثر سلبًا على علاقاته الاجتماعية، فقد حصل وأن خسر شيئًا من ود بعض المقربين منه بسبب ذلك، ولا يريد أن يتكرر ذلك، لا يريد أن يخسر مثقال ذرة حب لأمرٍ ليس له في أسباب وقوعه أي علاقة، وربما أي دراية أيضًا، لا هو ولا مُحدثه. لذلك يحرص على عدم التعقيب على التعليقات التي يوردها بعض أخواله عندما يظهر في الشريط المعروض على شاشة التلفاز أمامهم أخبارًا حول الأزمة الراهنة. أظهره صمته بصورة المُتعاطف مع قطر، أو غير الراضي بالإجراءات التي اتُّخذت ضدها، صورة لم ولن يسعَ إلى تغييرها، فهو يعتبر قطر التي أمضى فيها أكثر من عشر سنوات بلده الثاني، لن يسمح أن يلزمه أحد باتخاذ موقف، ولن يغفر لمن يشكك في حبه لوطنه الأول بسبب ذلك. وإذا ما حُوصر في زاوية أثناء جدال، يقول ما اعتاد قوله مؤخرًا لأصدقاءه الذين كانوا في أيامٍ خلت يناقشون باستمرار قضايا الشأن العام: (كلامكم صحيح)، (أتفق مع ما تقولون تماماً)، (أنا أتفق مع وجهة نظركم)، ولا يزيد على ذلك كلمة واحدة، حتى صار الأمر شبه نكتة، يضحك عليها هو وأصحابه عند إثارة أي موضوع سياسي في مجموعة التواصل بينهم، فبعد أن كان صاحب رأي مستقل، مُغاير في أغلب الأحيان، بات خليفة يتفق مع الجميع، وفي كل شأن! ورغم ذلك، لا يتردد خليفة في الإجابة بالرد على بعض الأسئلة مثل: (كيف حالكم هناك؟)، (هل تتعرضون لأي مضايقات؟)، (هل صحيح خبر انتشار نقاط تفتيش تركية في شوارع الدوحة؟)، (هل ارتفعت أسعار المواد الغذائية كثيراً؟). يرد وينقل ما تشاهده عيناه، لا ما تنقله وسائل الإعلام، وكثير من حسابات منصات التواصل الاجتماعي، ومرات عديدة تكشف ردوده زيف أخبار ومعلومات يتناقلها الناس بكل بساطة كحقائق.

وصلت رسالة نصية على جواله، هناك من حاول الاتصال به ولكن شبكة الاتصال في بيت (ماما لولوة) ضعيفة جداً، أشار لزوجته:

  • سأجري اتصالاً سريعاً وأعود، عينك على الولد.

خرج ليقف عند باب البيت، اتصل بمن حاول الاتصال به، صديقه، أراد تأكيد موعد لقاءهم بعد ساعتين. أكد الموعد وأنهى المكالمة، رجع فوجد محمود، ابنه الوحيد ذو الثلاثة أعوام يصيح بشدة (آبي[2] بابا.. آبي بابا) ظنًا منه أن أباه كرر ما يفعله دائمًا، يختفي فجأة لمدة طويلة، ويأتي فجأة لقضاء وقت قصير، قبل أن يختفي فجأة مرة أخرى لمدة طويلة، وهكذا. سكت بعد أن رأى أباه أمامه، مسح دموعه، وانطلق ليواصل اللعب مع بقية الأطفال.

في اليوم الثاني، تناول وجبة الإفطار سريعًا في بيت أهل زوجته، شكّر أمها:

  • تسلم يدك يا أم حسن، خوش فطور.
  • ما أكلت شيء!
  • كل هذا وما أكلت! أنعم الله عليكم.

حتى لا تلتقط عينا ابنه مراسم وداع بات يدرك معناها جيدًا، سلَّم على زوجته بالقول فقط (يلا عيني.. تحملوا بروحكم)، وأخبر ابنه بأنه سيذهب إلى الحلاق ليقص شعره ويعود، هو لن يعود، سيجر حقيبة سفره الصغيرة المتوارية خلف الباب، ويتوجه مباشرة إلى المطار، لم يتبقَ على موعد رحلته إلى الكويت سوى أربعين دقيقة. نعمة من نعم الله عليه أن جعل بيت أبيه، وبيت أهل زوجته، قريبين جداً من المطار، لا يمكنه تصور عدد الرحلات التي ستفوته لو لم يكونا كذلك.

أخذ بطاقة صعود الطائرة، ليكتشف أنه حصل على ترقية مجانية إلى درجة رجال الأعمال، كثيرًا ما يحصل عليها مؤخرًا بسبب امتلاء الطائرة، ولأن لديه ما يكفيه من النقاط تؤهله لهذا الامتياز دون أغلب المسافرين على نفس الرحلة. توجه إلى مكتبٍ خاص ليُبلغ موظف الجمارك أن الدوحة هي وجهته الأخيرة، في إجراءٍ جديد ضمن الإجراءات غير المسبوقة التي انتجتها الأزمة الخليجية، استلم موظف الجمارك جوازه باحترام مبالغ فيه، وكأنه يعتذر دون قول (اسمح لنا.. إجراء لا بد منه)، يطبع رقمه الشخصي على جهاز الكمبيوتر أمامه، يتأكد من خلال البيانات الظاهرة على الشاشة بأن لديه تصريح للسفر إلى دولة قطر، ثم يأخذ صورة من جوازه وبطاقة صعود الطائرة، ويُسلمها إياه بنفس الاحترام المبالغ فيه قائلاً هذه المرة: (في حفظ الله).

اجتهد كثيرًا عند عبوره باب الطائرة كي تبدو ابتسامته للمضيفة حقيقية، وعند وصوله إلى مقعده اجتهد أكثر كي تبدو ابتسامته شبه حقيقية لجاره الذي نظر إليه بترحيب، (هذا ما كان ينقصني) قال في نفسه. وضع حقيبته على الرف، وسلم على الرجل الذي يصادفه كثيرًا على هذه الرحلة ورحلات أخرى، هو أيضًا بحريني يعمل في الدوحة منذ سنوات طويلة، رجل أربعيني غاية في الأدب والاحترام، ولا يزيد على احترامه سوى قدرته على الاستمرار في الكلام والدردشة. كان خليفة يحمل ذاك الشعور الذي يجعل فمه شبه مُطبق، لا يريد أن يتفاعل مع أي شيء، ولا حتى مع نفسه، هكذا يكون عندما يبلغ به التعب مقدار الحزن، أو العكس.

بعد عبارات التحية المُعلبة الجاهزة، انطلق الرجل كما كان متوقعاً..

  • بديت أتعب، أسبوعياً على هذي الرحلة، أتملل لو جلست الويك اند هناك وعيلتي هني، شاسوي!
  • الله يعين.
  • الخميس وصلت وبس مع بنتي الصغيرة.. الجمعة اعتذرت من الشباب وقلت لهم الي وده يشوفني يشرفني البيت.. ما فيني شدة أطلع. يقولون ترامب متصل طالب يحلونها.
  • العشم في ترامب.
  • مضحك مبكي الوضع.. أقول لك قبل يومين كنت أسولف مع صديق فلسطيني وكان يكلمني عن معاناتهم في الضفة إذا بيطلع مشوار من مدينة لثانية، مشوار النص ساعة مرات ياخذ منهم ساعات. قلت له احنا بعد مشوار النص ساعة صار ياخذ منا ساعات. استغرب وقال بس ليش.. احنا عشان عندنا يهود انتوا ليش هالقصة كلها؟! (ضحك قبل أن يضيف): قلت له عشان عندنا مسلمين!

حتى الكوميديا سوداء مظلمة هذه الليلة، ولكنها رغم ذلك مضحكة. رد بعد ضحكة قصيرة جداً:

  • الله يعين

ممنياً نفسه بأن يكون جاره قد سمع أو قرأ النصيحة التي تقول بأنك إذا سمعت محدثك يقول “الله يعين” مرتين متتاليتين توقف عن الحديث واتركه في حال سبيله أو في سبيل حاله، لا يهم. أغمض عينيه يبحث عن إغفاءة بسيطة تعيد شحن طاقته قليلاً، ويمرر في الوقت نفسه رسالة لطيفة إلى جاره، الذي فهمها بدوره. انتهى فيلم إرشادات السلامة الذي يسمعه في الشهر ثمانية مرات على أقل تقدير، دوّنت المضيفة سريعاً تفضيلاته من قائمة الطعام (لا أرغب في شيء، شكراً)، أخذ المضيفون مقاعدهم بعد أمرٍ من قبطان الطائرة، هدرت المحركات، ارتجّت الطائرة، وبعد انحناءة بسيطة اتخذت مسارها شمالاً.

ظلام الليل خلف النافذة، وظلام كآبة خلف صدره، وهدوء نسبي ساد القُمرة، أجواء فسحت المجال لصوتٍ داخله يزدادُ وضوحاً، صوتٌ توارى باستمرار خلف الضجيج، ينسحب قليلاً عند انشغاله، يخفُت حينما يهرب إلى النوم، لكنه يظل موجوداً، كخلفية لوحة زيتية ضخمة الحجم معلقة على حائط متحف أوروبي، تُصوّر واقعة قتال ضخمة، يبدو أنها كانت مصيرية حينها، ينشغل الناظر إليها بتفاصيلها، خيولٌ متقابلة تصهُل، قائدٌ يتقدم الجموع يصرخ شاهراً سيفه، جنودٌ على الطرفين، لم يستأنس القائد برأيهم حول خوض المعركة من عدمها، رغم ذلك هم متأهبون جميعاً لإراقة دماء بعضهم البعض، كلبٌ يركض هنا وآخر هناك، اثنان يُشعلون فتيل مدفع، وبعضُ قتلى على الجانبين، رماحٌ مغروسة في صدورهم، ليس من ضمن القتلى قائد، ولا من ضمن الجرحى كذلك، تفاصيل كثيرة تُشغل من يقف أمامها عن تلك الخلفية السريالية السوداء لعبثية المشهد، هكذا كان الصوت داخله، كتلك الخلفية، موجودٌ دائماً، يزداد وضوحاً حين شيءٍ من صفاء، حين ارتفاعه عن تفاصيل يومياته، عندما يبتعد عن المشهد أكثر، فيحيط بجوانبه أكثر من إحاطة الغارق فيه. هذا الصوت، هذه الخلفية، ينتبه لها أكثر من غيره، هذه الخلفية تجرحه عبثيتها أكثر من غيره.

يعلو صوت خيبته في صدره أكثر عندما يتذكر استشرافه ذريع الفشل، بعد أن رزقهما الله ولدًا، رأى هو وزوجته، لأسباب عديدة، أنه من الأفضل لكل أفراد العائلة الصغيرة أن يرجعا، زوجته وابنه، إلى البلد. قال لها ليخفف من وطأة القرار الذي اتخذاه سويًا عن قناعة تامة: (ستصبح الدوحة خلال عشر سنوات على أكثر تقدير كمدينة أخرى وليست دولة أخرى، وأنا أعتبرها كذلك الآن. ما إن تعودوا للبلاد، سأقضي نهاية كل أسبوع عندكم، وكلها سنوات قليلة ويربط بيننا جسرٌ بري).

هبطت الطائرة، مشى بخطى متثاقلة إلى مكتب تحويل الرحلات في مطار الكويت، وقف وحيدًا ينتظر طباعة بطاقة صعود الطائرة الثانية، بينما هو كذلك، طَلَّ رجلٌ بوجهه على الموظف الوحيد القابع وراء سطح المكتب، قال له الأخير مباشرة: (يجب أن تنتظر يا سيدي، راجعنا الساعة الحادية عشرة صباحاً.. انتظر هنا إلى ذلك الحين). وكانت الساعة لم تتعدَ العاشرة مساءً بكثير. استغرب خليفة من طول مدة الانتظار التي يجب أن يقضيها هذا الرجل وعائلته، فسأل الموظف بعد أن انصرف الأخير:

  • ما قصة هذا الرجل؟
  • هذه عائلة سورية جاءت إلى هنا لكنها لم تحصل على تأشيرة دخول، لذا يجب عليهم أن يرجعوا على نفس الطيران في الرحلة القادمة إلى دمشق.

التفت إلى العائلة التي تجلس على صف مقاعد ليس ببعيد، أمٌ في عقدها الرابع، ابنٌ في سن المراهقة جالسٌ على المقعد بجانبها، صغيرةٌ نائمة على كرسيين آخرين، والأب الخمسيني يمشي ذهاباً وإياباً، يفكر أو لا يفكر في شيء. شيءٌ غريب في وجوههم دعاه للتحديق فيها مرة أخرى من حيث يقف، إنها خالية من أي تعبير أو ملامح، لا امتعاض، لا ترقب، لا رجاء، لا شيء أبداً. لولا أنه متأكدٌ تمامًا بأن الحياة تدُبُّ في أجسادهم، أمامه والآن، لقال أنه ينظر إلى وجوه موتى! كيف يستطيع الوجه أن يكون خالياً إلى هذا الحد؟ كالأثر الذي يحدثه تكرار مرور عجلات العابرين على مسطّح عشبي، ما هول القصص والأحداث التي مرت على هذه الوجوه حتى فقدت كل رصيدها من المشاعر والحياة؟! وجوهٌ ضاق عليها وطنها، أو ربما سقط عليها سقفه ونجت بأعجوبة، ولا زالت تُحاول النجاة. وجوهٌ لم تعد تتفاعل مع المكان الذي هي فيه، ربما لأنها كفرت بعد كثير عناء، ورغماً عنها، بالمكان كله.

سخرت وجوههم الساكنة من حزنه بشدة، وبصمتٍ مطبق زجرت كل ضيقٍ فيه، ومدت يدها إلى خلفية المشهد العبثي العام، لتصبغه بألوان أكثر قتامة، حالكة أكثر، قانيّة أكثر، وهمست في صوت خيبته: (لم تصلِ للقاع بعد). أدرك في لحظات، أن لا شيء سيقف أمام الموج إذا ما علا أكثر، وأنه ممكن جدًا أن يكون الوضع أسوأ بكثيرا إذا ما زاد العبث قليلًا، وصار كل خوفه أن يتمادى العبث أكثر. تضاءلت كآبته، وتَقَزَّم هَمُّه، وتعاظم خوفه. استلم بطاقة صعود الطائرة، ومضى يسأل نفسه، هل يستطيع الزهايمر الذي أصاب جدته محو تفاصيل هذه الحقبة من تاريخ المنقطة؟ وكم جدٍ سيموت لنجتمع مرةً أخرى؟ وكم وطنٍ قريب سيحترق لندرك حقيقة الخطر ونمنع المزيد من العبث؟!

Featured image by Fiona Omeenyo, Lockhart River artist of North Queensland.

[1] أكلات خفيفة، مالحة وحلوة، بالإضافة إلى المشروبات من شاي وقهوة وغيرها، تُقدم كضيافة للضيوف.

[2] أريد

نُشرت بواسطة

alharban

Bahraini guy, working at Al Jazeera Media Netowrkin Doha. Triathlete, 2 IM in pocket. Founder of @weallread.

3 thoughts on “أمواج العبث”

  1. قصة رائعة احمد، التفاصيل جميلة ، عشت فيها وتأملتها كأنني جزء من القصة
    قصة قصيرة فعلا ولكنها عميقه جدا جدا فيها اسقاطات تحكي عن واقع أليم، و غصات لا يشعر فيها الا من في قلب الحدث ، وللامانه تعايشت معاها وحسيت فيها من طريقة كتابتك في توصيل الصورة الكاملة للمشهد والمشاعر المصاحبة له

    تحياتي لك
    وبالتوفيق

  2. أسعدتني قراءة هذه القصة الجميلة صباح اليوم؛ كنت أبحث عن شيء يحفزني على بدء يوم جديد، أنا التي قلما تمل من البدايات عمومًا! فجائتني قصتك على طبق من فضة 🙂
    أعجبني طول القصة، فكثيرًا لا يعلمون أن القصة القصيرة هي نسبيًا طويلة 😊 فأشعرتني أنني أمام قصة قصيرة حقيقية.
    أعجبني الأسلوب؛ سلس، ثري باللغويات، ولَم يخل من إضافة معلومات جديدة للقارئ مثل بعض الأماكن المميزة في البلدان التي ذكرت في القصة، وأيضًا بعض الهيئات.
    أعجبني طبيعة البداية الدقيقة الوصف والتي حوت أكثر التعابير اللغوية التي أحببتها، خصوصًا المشهد الذي يصف كيف يبدأ البكاء على ميت!
    البداية عاطفية، وبالتالي تجذبك للقراءة.
    سرد وفاة الجدة جاء بسلاسة ضمن مشهد وفاة الجد! غريب وذكي.
    استعراض خلفية البطل العائلية من خلال المعزيين، وفِي عزاء، مبتكرة؛ لم اقرأها أو أشاهدها من قبل!
    وعندما بدأت غمامة قتامة تثقل القلب مع نهاية القصة، عالجتها معالجة فريدة بغمامة أكثر قتامة تحل على غير بطل الرواية! فتشعرك، مع البطل، أنك مازلت بخير 🙏🏻
    أما المونولوج الداخلي لنقيم في قطر وضعه بلده الأصلي في مأزق معه ومع بلده الذي احتواه، فهو حقيقي ودقيق بشهادة شاهد من أهلها 🤚🏻
    سرد جميل وممتع، بداية موفقه، وأسلوبك يليق به هذا النوع من الحكايات الانسانية العميقة، ربما المرة القادمة مع أكثر من بطل، وتداخل شخصيات، وحبكة في رواية طويلة نستمتع فيها بلغتك الجميلة.

اترك رد