ليست مجرد تجربة (20)

لائحة داخلية

   بعد توزيع المناصب مباشرة، انصرف اهتمامي لشيء رئيسي، وهو إحكام عمل هذا المجلس وتنظيمه من خلال لائحة داخلية تبين دور كل منصب من المناصب الموزعة على الأعضاء، وكل ما يندرج تحت تنظيم العمل الداخلي، من آلية الاجتماعات، ومسئولية الرئيس والنائب وأمين السر والأمين المالي، والجزاءات لمن يخالف اللائحة من الأعضاء، إلى آخره.

   عكفت على لوائح داخلية لجمعيات أهلية، ولاتحاد طلابي، ولمنظمات أخرى، وكانت المرة الأولى التي أقرأ فيها أبواباً ومواداً، أقتبست منها ما يناسبني، وأضفت ما لم أجده، وقدمت ما خرجنا به، بعض الزملاء وأنا، من تصور أولي لمحامي أعرفه. اتصل بي بعد يومين يخبرني بأن اللائحة جاهزة، وقال (اللائحة مفصلة لرئيس المجلس)! شكرته، وعرضتها على أصدقائي، ومن ثم قدمتها في اجتماع المجلس الأول أو الثاني، لا أذكر تحديداً، وناقشنا ما جاء فيها من مواد، مادة مادة، لم ينتهِ الاجتماع إلا واللائحة مُقَرَّة من قبل جميع الأعضاء بالتوافق، وكان التوافق على آلية تنظيم العمل أهم شيء بالنسبة لي. وما لم أرغب فيه، وهو ما لم يتحقق، في أن نضطر للتصويت على بعض المواد.

   إلى هنا وكل شيء جميل ورائع، وشعرت بدفعة قوية للعمل بعد أن رأيت اتفاق جميع الأعضاء على الآلية التي تحكم عملنا كفريق واحد. ولكن تذمر من خارج المجلس أشعل شرارته أحد الصحفيين في جريدة يومية حيث كتب في نقطة حواره (استطاع مجلس الطلبة الرابع بجامعة البحرين في أولى جلساته إقرار أول لائحة داخلية تنظم عمله وتحدد مهمات الرئيس ولجان المجلس، ما اعتبره الكثيرون خطوة تحسب لرئيس المجلس الحالي أحمد الحربان .. إلا أن هذه اللائحة التي أقرها المجلس بتحفظ يوجد فيها الكثير من السلبيات أهمها تقييد الحريات … عندما حددت اللائحة في مادتها السابعة والتي جوزت لمجلس الطلبة حق فصل العضو في حالة التصريح للإعلام بما يوقع الضرر على المجلس ومن دون موافقة الرئيس …).

   بحثت عن سلبية أخرى غير التي ذكرها الكاتب في إشارته، والتي من المفترض أن تكون أقل أهمية من تقييد الحريات، فلم أجد واحدة، فلا أدري مناسبة كلمة (كثير) هنا! عموماً، بدأت المنتديات تكتب وتنتقد، خاصة تلك التي لم يعجبها هوية رئيس المجلس الجديد لا عمله.بيان قائمة الو�دة الطلابية

   وفي تطور عجيب طبعت مجموعة من الطلبة تجمعهم مظلة غير رسمية سموها (قائمة الوحدة الطلابية)، طبعوا بياناً عنوانه (بيان حول إقرار اللائحة التنظيمية لمجلس الطلبة)، ومما جاء فيه (وبعد مرور أكثر من ثلاثة شهور خرج المجلس المنتخب من قوقعته وجموده بإعلانه عن إقرار لائحته التنظيمية التي جاءت مخيبة لآمال الطلبة بما احتوته من مواد تكرس ليس هيمنة إدارة الجامعة وحسب، وإنما هيمنة رئيس المجلس على أعضائه وتضع عقوبات قاسية عليهم تصل إلى الفصل فيما لو مارسوا حريتهم في التعبير عن آرائهم وقناعاتهم حول قضايا المجتمع خارج الجامعة، هذه الحرية التي كفلها لهم الدستور وميثاق العمل الوطني …)، والحقيقة أن المادة المعنية ليست لها أي علاقة بإعلان عضو المجلس عن رأيه ووجهة نظره حول قضايا المجتمع خارج الجامعة. وأختتم البيان كما يُختتم كل بيان شاجب رافض من إعلان لهذا الرفض من منطلقات عادة ما تكون براقة يتفق عليها الجميع. وبجملة توسطت السطر كتبت بالخط العريض (وحدتنا الطلابية رمز قوتنا). تسائلت لما وقع البيان في يدي، أليس الحوار أول ركائز الوحدة، لماذا لم يحاورني أو يناقشني أحدهم رغم تواجدي بينهم ؟! وهل يحق لأي أحد خارج المجلس أن يقدح في آلية عمل توافق الأعضاء عليها ؟!

اضغط على صورة البيان لتكبير حجم الصورة

   في الاجتماع التالي، أعلن بعض الأعضاء رغبتهم في إعادة النظر في اللائحة الداخلية، رغم أنهم وافقوا عليها بعد نقاش مستفيض في الاجتماع السابق، وما ذاك إلا لشكهم في خدعة وقعوا فيها بعد ما قرأوه وما سمعوه من كلام. وكنت أكثر من مستعد لإعادة مناقشة اللائحة، وتغيير كل ما يرغب الأعضاء في تغييره، فهذه آلية عمل يجب أن نتفق جميعاً عليها، وانتهت المناقشة بتغييرات بسيطة جداً لم تغير من جوهر ما تم تغييره! وظلت زوايا اللائحة مفصلة حسب مقاس رئيس المجلس، قصير القامة !!

   الحق هو أن اللائحة فعلاً تحتوي على صلاحيات "حلوة" للرئيس، ولكن هل أرتكبت خطئاً إذا أقنعت الأعضاء بواقعيتها وأهميتها وقَبَلوها هم بكامل إرادتهم ؟!

   لم أكن سأسعى بطبيعة الحال إلى فصل أي عضو حتى لو خالف ما جاء في اللائحة –اللهم إلا فيما يتعلق بموضوع الغياب-، ولكن وجود روادع كان مهماً بالنسبة لي، تجعل من يعتزم على المخالفة يتردد، وتجعل المتررد يكف عن عزمه !

   ومن الغريب، أن اللائحة الداخلية تخالف في بعض موادها بعض ما جاء في اللائحة الأساسية، وكل من له أدنى ثقافة "لوائحية"، يعرف أن أي لائحة داخلية يجب أن لاتخالف النظام الأساسي للمؤسسة، لذا طالبنا بتعديل بعض مواد اللائحة الأساسية. أنتهت دورة المجلس، ولم نستلم رداً على طلب التغيير، ولكننا عملنا وفق لائحتنا الداخلية، بل وفصلنا عضواً بسبب تغيبه ثلاث مرات متتالية من دون عذر، وفق الآلية التي نصت عليها اللائحة الداخلية، وهي غير الآلية التص نص عليها النظام الأساسي !

   بعد انتهاء دورة المجلس، أخبرتني عميدة شئون الطلبة بأنه لا يحق لمجلس الطلبة أن يضع له لائحة داخلية، وأخبرتني بأن العمادة تغاضت عن الأمر في المرة السابقة! ولكنني نصحت أعضاء المجلس الذي جاء بعدنا بأهمية وجود هذه اللائحة، وإذا كان مسمى (لائحة) هو ما يثير العمادة، فلتكن وثيقة تحمل أي مسمى، فالمهم هو التوافق على آلية عمل المجموعة.

   في الدورة التالية، دخل الناشط الطلابي والزميل العزيز أيمن الغضبان، الذي أخذ على عاتقه توزيع البيان سابق الذكر، وصار أحد أعضاءه البارزين، ومارس العمل الطلابي بعيداً عن الشعارات والبيانات الرنانة، ومع قرب نهاية تجربته قال لي (ليتك كنت رئيساً لمجلس أنا عضوٌ فيه)! ما أروع وحدتنا الطلابية عندما نكون قريبين من بعضنا أكثر.

 

نُشرت بواسطة

alharban

Bahraini guy, working at Al Jazeera Media Netowrkin Doha. Triathlete, 2 IM in pocket. Founder of @weallread.

8 thoughts on “ليست مجرد تجربة (20)”

  1. صباحك خير،
    موضوع جميل، مذكرات تستحق القراءة

    ===

    في الواقع أرى فيك بعض التزمت في ذلك البند من اللائحة، إذ من حق عضو مجلس الطلبة ان يعترض ويمتعض ويصرح في الصحافة، في الواقع اتوقع ان تفصيل البند يجب ان يكون في عدم اللجوء الى الصحافة الا بعد الاستئذان وأن تكون اقصى عقوبة هي الانذار وليس الفصل، لأن في الفصل قمع لحرية الرأي والكلمة.

    ====

    من جانب اخر ارى في تصرف قائمة الوحدة الطلابية “فتوّه” قليلا، حيث ان بالامكان النقاش مثلما تفضلت والتواصل مع صاحب القرار، لكنهم في النهاية لا يختلفون عن الشارع البحريني وثقافته، اذ اعتاد الشعب في الغالب الخروج الى الشارع رغم وجود خيارات سلمية اخرى.

    ====

    شكرا مجددا ، وبانتظار الحلقات المقبلة 🙂

  2. الحلو في المقال ان كل ما اقرا في المقال و اراودني سؤال في مخيخي الصغير، و لكون ثقافة “لوائحية” مأساه بكل ما تحمل الكملة من معنى القا الجواب في الجلمة الي عقبها على طووووول

    سامحني صديقي العزيز لكوني اعلق على مقال متاخر، وبصراحه ماعندي عذر انخش وراه

    انطر الباقي 🙂

  3. تحياتي لك أخ أحمد

    تعقيباً على استفسارك في مدونة الاخت هيفاء الخطيب.

    ورداً على الاخ الفاضل أحمد الحربان بسؤاله عن النفط واين مصيرة احب ان اقول له بانا جميع الدول الصناعية والمنتجه لنفط وغيرها من الموارد الحيوية لايسئل شعبها اين يذهب كل هذه الاموال لماذا دئماً نضع بعض الامور شماعة نتعلق عليها لماذا لانسئل انفسنا سؤال واحد ما افدت انا في مجتمعي لا اسئل ما سوف يعمل الغير لى لماذا لانسئل ما سوف اقدمه انا من خدمة تفيد مجتمعي ونفسي؟

    تقبل مني هذا الراءي

    تحياتي

  4. العزيز أحمد

    بالفعل لقد فعلت الكثير… فأنت مثال للشاب الطموح المثقف المجتهد والذي يسعى دائماً للأفضل ولتحقيق ذاتة.

    تكفي مدونتك… فهي تتحدث عنك جيداً

    تحياتي
    و اعتذاري

اترك رد