ليست مجرد تجربة (19)

رئيس المجلس هذه المرة !

   بعد مشوار سريع أحسست بقصر مسافته -دورة واحدة في المجلس- قررت أن أرشح نفسي مرة ثانية. وقد شكَّكَ البعض في إمكانية انضمامي للمجلس هذه المرة، وقالوا بأن الانسحابات التي حصلت منحتني الفرصة في المرة الأولى، ولو لا التزكية الناتجة عن هذه الانسحابات لما وصلت. هذا كان رأي البعض، أما نتيجة التصويت الذي كان في 18 مايو 2005م فقد كانت فوزي، وبالمركز الأول في الكلية.

   ولا زلت أذكر جيداً لحظات انتظار النتيجة، فقد كانت كليتي، كلية إدارة الأعمال، آخر نتيجة تنتظرها الجموع الطلابية، وقد ظهرت جميع النتائج قبلها بوقت قصير. ما هي إلا ثوانٍ من تلقي الخبر عبر الهاتف النقال من مندوبي داخل صالة فرز النتائج، وإذ بي أمتلىء رعباً خشية السقوط، فقد كنت أطير في الهواء! ولم أشعر بالأمان إلا بعد أن حملني الأخوة على أكتفاهم، بل بعد أن هبطت على الأرض بسلام.

(صورتي في الهواء بعد أن حولتها إعلاناً لشركة Hush Puppies !)

      الفضل لله أولاً، ثم لعدد من الجنود الذين لا زلت أجهل كثير منهم. لم أكن أملك فريقاً انتخابياً منظماً ولا هم يحزنون، وقد كان يحضر الاجتماعات التحضيرية التي نعقدها هنا وهناك قبل يوم الانتخاب ممثلون من كل كلية، إلا كليتي، فقد كنت وحيداً، مع واحد أو اثنان لا أكثر، وكانوا يسألونني: أين فريق عملك؟! فأجيب: لا عليكم. ويبدو أن الأخوة قد فهموا –خطأً- من إجابتي هذه أني قد أعددت المفاجاءات ليوم الانتخاب، ولم يكن هناك ثمة إعداد، برغم المفاجاءات التي فاجئتني أنا شخصياُ قبل الجميع.

   وكم شعرت بالحرج عندما أخبروني بأنه يجب أن تكون هناك طاولة لي في بهو الكلية، أضع عليها نسخ من برنامجي الانتخابي، وأستقبل فيها الطلبة للرد على استفساراتهم، وقلت في نفسي: (من يا ترى سيجلس أمام الطاولة ويباشر الطلبة باستقبالهم وتضييفهم سواي؟!). ولكن الانتخابات تجسّد قيّم التعاون أيما تجسيد، ويجد المرشح الدعم والمساندة من الجميع، فقد وضعت دلتَي الشاي والقهوة على الطاولة، ثم غادرتها مباشرة لحضور إحدى المحاضرات، وبعد انتهاء المحاضرة وجدت عدد من الأخوات، لم ألتقي بهن من قبل، قد باشرن بأنفسهن تضييف الطلبة واستقبالهم! ثم تعاونا جميعاً في إدارة مقري الانتخابي الصغير ذاك.

   هذه الإنتخابات كانت تجربة مختلفة تماماً بالنسبة لي عن الأولى، فهذه تجربة كاملة ابتدأت بتسجيل اسمي للترشيح وانتهت بعد فرز النتائج، أما تلك فلم أشعر فيها بلذة المنافسة، ولا بتعاون الطلبة، لأنها انتهت سريعاً بحصولي على عضوية المجلس عن طريق التزكية. في هذه الانتخابات كان السهر على التصاميم، وطباعة البوسترات والبنرات، وكان توزيع الأقلام و"الباجات"، وتجميع أرقام الهواتف وإرسال "المسجات". وقد أعد صديقي عثمان الخان مقطع فيديو بالفلاش لحملتي الانتخابية انتشر بين الطلبة بواسطة "البلوتوث"، وكانت هذه الحركة وقتها صيحة كان لنا السبق فيها. وكذلك صمم لي موقعاً نشرت فيه برنامجي الانتخابي، وانجازاتي في الدورة السابقة. وانتشرت صورتي في كل مكان، وكم كانت تتملكني الدهشة، وكنت أخفيها، حينما أنظر إلى صورتي وهي معلقة على ساعد هذه الحسناء، وصدر تلك الأخرى! فلم أتوقع حينها بأني بشكلي هذا سأكون مقبولاً عند هذه النوعية من الطلبة "الموديرن"، وأرجو ألا يسألني سائل أين غدا توقعٌ مثل هذا الآن !

   وقد حظيَت هذه الانتخابات بالذات على زخم إعلامي واهتمام كبيرين، لأنها كانت آخر انتخابات طلابية قبل الانتخابات النيابية للفصل التشريعي الثاني، وكان هناك من المراقبين من يسقط تلك على هذه. ومما أثار دهشة كثير منهم هو فوز شخص ملتحي يرتدي ثوباً قصيراً –نسبياً-، بل حصوله على المركز الأول في انتخابات كلية إدارة الأعمال. ووجه الاستغراب هو كون كلية إدارة الأعمال في جامعة البحرين، ومعظم الجامعات التي أعرفها، هي الكلية الأكثر تحرراً وحداثة، وهذا يعطي مؤشراً بأن الشارع البحريني، وما الطلابي إلا صورة مصغرة له، شارع متدين وإن لم يكن ملتزماً بأحكام الدين !

   بعد إعلان النتائج مباشرة، اتصل بي أحد الدكاترة، وبعد أن هنئني قال: (مبروك رئاسة المجلس)! تظاهرت بالاستغراب والتعجب. فسألني: (ألن ترشح نفسك لرئاسة المجلس؟). فلم أستطع أن أتظاهر مرة أخرى لا بالاستغراب ولا بالتعجب، وأجبته بنعم، فقد أعلنت قبل الانتخابات بأنني سأرشح نفسي لهذا المنصب.

   وابتدأت قصة توزيع المناصب، وانتهت بعد يوم الانتخاب بمدة ليست بقصيرة، وذلك بعد أن اجتمعنا أول اجتماع لنا، وزَّعنا خلاله المناصب. دار لغط في المنتديات والجرائد حول تقسيمة المجلس، وأنه كان طائفياً بحتاً، وهذا ما كنت أتوقعه، إذ أنني، وقد كان لي تأثير في ترجيح خيار أغلب أعضاءه، وضعت مسألة الاتهام بالطائفية –وقد كنا متيقنين من حدوثه- في آخر اهتماماتي، وركزت على الإنجاز، أي على شكل التقسيمة التي ستكون أكثر استقراراً لأتمكن من التفرغ للإنجاز لا لشيء آخر.

   فحتى نبتعد عن تهمة الطائفية كان يجب علينا أن نجعل نائب رئيس المجلس شيعياً بما أن الرئيس سني! طبعاً هكذا سيبرئنا البعض من الطائفية، وهكذا –في نفس الوقت- سيصفنا آخرون بها! إذ أليس اعتماد هذا النوع من التوازن (سني – شيعي) تكريساً للطائفية؟! وإذا كان هذا القياس في قاموس من اتهمنا بالطائفية توزاناً، فهو ليس بتوزان حقيقي في قاموس آخرين، بل توازن طائفي، لا يرسخ إلا الطائفية. قد يستهجن البعض هذا الكلام ويعتبره مجرد تبرير سخيف، ولكني مقتنع به تماماً وأعتقد بأنه يستحق النظر !

   ورغم أن من رشَّح نفسه لمنصب نائب الرئيس طالب يفوقني في نشاطه وتفانيه في العمل الطلابي، وحرصه على مصالح الطلبة، وهو زميل لا زال يملك رصيداً كبيراً من المعزة والتقدير لدي، إلا أنني لم أدعم التوجه لحصوله على المنصب، ليس لأنه شيعياً، أبداً، ولكن لقوة علاقاته مع وسائل الإعلام، وكثرة تصريحاته، غير المسئولة أحياناً – وإن كانت عن غير قصد -، فخشيت أن يربكني في مفاصل حرجة خلال دورة المجلس، ويدخلني في صراعات جانبية مع إدارة الجامعة أو مع الطلبة أو حتى مع أعضاء المجلس، تشغلني عن ما هو أهم، ولو كان المرشح لنائب الرئيس شيعي آخر لما ترددت في قبوله، فقلت: (كلها سنة واحدة، وليتهمونا بما يريدون، فلا نريد أن يشغلنا أو يربكنا أي أحد، وإن كان لا يقصد)، قلت ذلك لأفنّد وجهة نظر كنت مقتنع بها سابقاً، وكنت قد أقنعت بها الجميع، أنه يجب أن يكون هناك توازن (سني – شيعي) لضمان تفاني جميع الأعضاء في العمل في المجلس، ولالتفاف كل الطلبة سنة وشيعة حوله، فنجاح المجلس مرهون بذلك، إلا أنني عدلت عن هذه القناعة للأسباب التي ذكرتها، وشاركني الأصحاب فعدلوا هم كذلك، ولم يفصل بين القناعتين سوى دقائق في اجتماع واحد !

   والحمدلله أثبتت الأيام سلامة ما ملت إليه من رأي، فقد سعى زميلي –للأسف– مرةً في إقناع أعضاء المجلس لتقديم استقالاتهم، ليكون المجلس تحت إدارة عمادة شئون الطلبة، فقط لأنني عارضت أن تكون لكل لجنة نشرة خاصة بها –لأنه كان يطمح في تحويل لجنته إلى مجلس داخل مجلس كما صرح في أحد المنتديات!- وأن تكون نشرة اللجنة الإعلامية النشرة الوحيدة للمجلس! فشل في تحركه، وعادت المياه لمجاريها، واستمر في العمل وفي خدمة الطلبة، وكان سبباً مع أخوانه الأعضاء في نجاح المجلس في دورته تلك، ولكني كنت أتخيل كيف سيكون الوضع لو تحركه كان صادراً من نائب رئيس المجلس !

نُشرت بواسطة

alharban

Bahraini guy, working at Al Jazeera Media Netowrkin Doha. Triathlete, 2 IM in pocket. Founder of @weallread.

13 thoughts on “ليست مجرد تجربة (19)”

  1. تستااااااااااهل يا أحمد

    بس ياريت الصورة كانت تبين وجهك وإنت بالهوى

    تحياتي أخي الكريم
    دمت بخير

    هيفاء

  2. لحطة يا الربع !!
    هذي مذكرات..
    تباركون على شنو انتوا الحين بالضبط ؟!
    هههههه 🙂

  3. كل ابصوب والجوتي الي المعلق في الهوا بصوب 🙂 🙂

    يعطيك العافيه 🙂

  4. فعلا المجازفة شيء جميل
    وكل منا لابد أن يجازف
    ولا يتوقف عن المبادرة
    والعمل ..

    بارك الله فيك ووفقك
    دوما …

  5. ملاحظة اخي الحبيب

    موضوعك جداً جميل

    ارجوا ان لا تقطعنا في مواضيعك من الصور الجانبية واللنكات المفيدة لأنها تشد القارء للموضوع ليقرئه كله

  6. والله العظيم استمتعت وايد بقراءة المقال

    انت نعم القدوة يا أحمد الحربان

  7. وقف الأخ صاحب الغترة البيضاء
    في الصورة
    ساهم في إخراج الدعاية بشكلها الصحيح!

    ——–
    هل شكرته؟

اترك رد