أميركا والعالم المسطح

121080
هذا عنوان أحد أبواب كتاب (العالم مسطح) للصحفي الأميركي المخضرم توماس فريدمان، و”الخَضرَمَة” هنا لا تعني أننا نبصم على كل ما يطرحه من آراء. الكتاب ضخم، يقع في 511 صفحة، يحتوي على الكثير من المعلومات القيّمة، ينتصر فيه الكاتب –طبعاً- لآراءه في قضايا عديدة. وقيمة الكتاب الحقيقية تتمثل في الكم الهائل من شهادات وآراء عدد كبير من الرؤساء التنفيذيين والمدراء في شركات عالمية كبيرة، يصعب على صحفي غير فريدمان أن يصل إليهم ويجمع آرائهم.
“العالم مسطح”، أي انفتاح الدول على بعضها، وذوبان الحدود، وسرعة التفاعل بين الناس في مختلف أنحاء العالم، وازدياد اللاعبين والمتبارين في الملعب العالمي، الاقتصادي والتعليمي والتكنولوجي وغيره من ملاعب تتنافس فيها الدول لإحراز السبق والبقاء في الصدارة، كل ذلك نتيجة الثورة التكنولوجية، باختصار التسطّح مرحلة ما بعد تلك التي كنا نسميها “العالم قرية صغيرة” !
111fri
يأتي هذا الباب (أميركا والعالم المسطح) في منتصف الكتاب تقريباً، وبعد أن انتهيت من قراءة نصفه الأول خطرت في بالي فكرة تلخيص الأبواب القادمة! وما لا يدرك كله لا يترك جله. فشرعت في التلخيص بنقل أهم الفقرات التي توجز الفكرة.
أميركا والعالم المسطح
أميركا والتجارة الحرة
يتحدث الكتاب كثيراً عن تلزيم الأعمال للخارج، بل يمكننا القول أن ذلك هو موضوع الكتاب، وهي عملية نقل الأعمال التي يمكن نقلها إلى أماكن تكون الكلفة فيها أقل –وما استنتجوه أصحاب الأعمال أيضاً أن الجودة تكون أعلى كذلك-، وهي الأعمال التي يمكن تحويلها إلى 0 و1، وهي كثيرة جداً، احتوى الكتاب على عدد كبير من الأمثلة، كمراكز الاتصال، وتصميم البرامج، وغيرها. وفي هذا الباب يناقش الكاتب تأثر الولايات المتحدة من هذه العملية، باعتبارها أحد العوامل التي يجب عدم إغفالها قبل اتخاذ أي وجهة نظر حول مكاسب أميركا من التجارة الحرة.
“السؤال الرئيسي لانسبة لي هو: هل تنقع التجارة الحرة أميركا ككل عندما يصبح العالم مسطحاً جداً ويستطيع عدد أكبر من الناس أن يتعاونوا، ويتنافسوا، مع أولادي؟ يبدو أن العديد من الوظائف ستصبح مفتوحة لمن يشاء. ألن يكون الأميركيون الأفراد أفضلاً حالاً إذا نصبت حكومتنا بعض الجدران ومنعت بعض التلزيم ونقل الأعمال؟”
ثم يناقش المؤلف الرأيين المختلفين حول تلزيم الأعمال، فرأي يرى أن تلزيم الأعمال لم يقتصر في مجال السلع، بل حتى الخدمات أصبحت قابلة للتبادل. وهذا يعني أن أمريكا ودول متقدمة أخرى ستتراجع تراجعاً مطلقاً وليس نسبياً في قوتها الاقتصادية ومستويات معيشتها. ورأي آخر يقول –وهو الرأي الذي ينتصر له المؤلف- : “قد تكون هناك مرحلة انتقالية في بعض الحقول، تتراجع خلالها الأجور، لكن ليس هناك سبب للاعتقاد بأن هذا الانخفاض سيكون دائماً أو في جميع المجالات … والقول إن هذا ما سيحدث هو إثارة لما يسمى نظرية كتلة العمالة، وهي فكرة ترى بأن هناك كتلة عمل ثابتة في العالم وأنه ما أن تُلتهم هذه الكتلة، من قبل الأميركيين أو الهنود أو اليابانيين، لن يكون هناك مزيد من الوظائف المعروضة. وإذا كان لدينا أكبر كتلة من العمل اليوم، وعرض بعد ذلك الهنود تأدية هذا العمل نفسه بتكلفة أقل، فسينالون قطعة أكبر من الكتلة، وسنحصل على قطعة أصغر”.
يواصل مفنداً هذه الحجة “إن السبب الرئيسي لخطأ نظرية كتلة العمل هو أنها تقوم على فرضية أن كل ما سيتخرع قد اختُرع، وأن المنافسة الاقتصادية لذلك مباراة ذات مجموع صفري، أي معركة على كتلة ثابتة”.
تلخص هذه الفقرة رأي الكاتب: “لذلك ستنجح أميركا ككل في العالم المسطح بالتجارة الحرة، شرط أن تواصل إنتاج عمال معرفة قادرين على إنتاج سلع قائمة على أفكار يمكن أن تباع عالمياً وبوسعهم شغل وظائف المعرفة التي ستُستحدث فيما نوسّع الاقتصاد العالمي ونربط بين كل مجموعات المعرفة في العالم. قد يكون هناك حد لعدد الوظائف الصناعية الجيدة في العالم، لكن ليس هناك حد لعدد الوظائف المولّدة عن طريق الفكر في العالم“.
البعيدون المنال
“هناك رسالة واحدة فقط: عليك الارتقاء بمهاراتك على الدوام. فسيكون هناك الكثير من الوظائف الجيدة في العالم المسطح التي يحصل عليها ذوو المعرفة والأفكار”.
يقدم الكاتب نصيحته لبناته: “نصيحتي إليهن في هذا العالم المسطح قيرة جداً وصريحة جداً: (يا بنات، حين كنت أكبر، كان أهلي يقولون لي، “طوم، أنهِ العشاء، الناس في الصين والهند جائعون”. نصيحتي إليكن: يا بنات، أنهين فروضكن المدرسية، الناس في الصين والهند جائعون لوظائفكن)”.
البعديون عن المنال هم الأشخاص الذين لا يمكن تلزيم وظائفهم –نقلها إلى الخارج-، ويقسمهم الكاتب إلى أربع فئات واسعة :
1-    العمال “المتميزون“: أشخاص مثل مايكل جوردان، وبيل غيتس، وغيرهما، لديهم سوق عالمية لسلعهم وخدماتهم ويمكن أن يطلبوا أجوراً عالمية. وهم قلة قليلة.
2-    العمال “المتخصصون“: ينطبق على كل أنواع عمال المعرفة، من المحامين المتخصصين والمحاسبين وجراحي الدماغ، إلى المصممين ومهندسي برمجيات الحاسوب المتقدمة.
3-    العمال “المثبّتون“: الذين يجب أن يعملوا في موقع معين، كالحلاق، النادلة، طباخ، سباك، وغيرها كثير جداً.
4-    العمال “المتكيّفون“: إذا لم تستطع أن تكون أحد الأنواع الثلاثة السابقة لئلا يلزم عملك إلى الخارج. عليك أن تصبح متكيفاً. عليك على الدوام أن تكتسب مهارات جديدة، ومعرفة، وخبرة تمكنك بشكل دائم من أن تكون قادراً على ابتكار القيمة – شيء أكثر من العمل العادي.
“(قابلة للاستبدال) كلمة يجب تذكرها، ففي عالم مسطح هناك “عمل قابل للاستبدال وعمل غير قابل للاستبدال”. العمل الذي يمكن أن يحوّل إلى أقرام بسهولة وينقل إلى مواقع الأجر المتدنية قابل للاستبدال. والعمل الذي لا يمكن أن يحوّل إلى أرقام أو يُستبدل بسهولة غير قابل للاستبدال. رمية مايكل جوردن أثناء القفز غير قابلة للاستبدال. وتقنية جراح مجازة القلب غير قابلة للاستبدال. وعمل عامل في خط تجميع للتلفزيونات قابل للاستبدال الآن. والمحاسبة الأساسية وتهيئة الضرائب قابلة للاستبدال الآن”.
ثم يذكر الكاتب أسرار صلصلة أميركا الحقيقية التي جعلتها في مكانة متقدمة في هذا العالم المسطح، ألخصها في نقاط :
1-    الجامعات الأميركية ونظامها.
2-    كفاءة أسواق رأس المال.
3-    الانفتاح المطلق للمجتمع الأميركي.
4-    نوعية حماية الملكية الفكرية الأميركية.
5-    قانون العمل الأميريكي، الأمثر مرونة في العالم.
6-    أكبر سوق استهلاكية محلية في العالم.
7-    الاستقرار السياسي الأميركي.
8-    أصبحت أميركا واحدة من نقاط الاجتماع العظيمة في العالم.
ولا أود أن يفوتني هنا نقل هذه الفقرة، لمعرفة الفرق في حصاد نظام تعليم الجامعات الأميركية مقارنة بغيرها من الجامعات، “وقد أجرى قسم الاقتصاد في بنك بوسطن دراسة حملت عنوان “إم آي تي[1]: تأثير الإبداع”. ومن بين استنتاجاتها أن خريجي MIT أسسوا أربعة آلاف شركة، مستحدثين 1.1 مليون وظيفة حول العالم على الأقل، ومولدين مبيعات تبلغ 232 مليار دولار“.
ويختم الكاتب هذا الفصل بإنذار الأميركيين: “هل ما زلنا نبذل الجهود؟ هل نهتم بأسرار صلصتنا؟ لا تزال أميركا تبدو عظيمة على الورق … لكن هل نستثمر حقاً في مستقبلنا ونهيئ أولادنا كما يجب للسباق المنتظر؟ … الجواب هو لا”. أتساءل هنا، ماذا عسى يكون جوابنا نحن ؟!
الأزمـة الصامتـة
“يتناول هذا الفصل كيف أننا نحن الأميركيون، على الصعيدين الفردي والجماعي، لم نكن نقوم بما يجب أن نقوم به وما الذي سيحدث على الطريق إذا لم نغيّر مسارنا”.
يركز الكاتب هنا على قضية طلبة الرياضيات الهندسة والعلوم والفيزياء، وتراجع نسبة الحاصلين على الشهادات العليا في هذه المجالات مقارنةً مع دول أخرى منافسة، وفي مقدمتها الصين والهند. ويتناول الموضوع بطرح ثلاثة أسرار قذرة –كما يسميها- تمثل الخطر الذي يواجه أميركا.
السر القذر الأول: هوّة الأعداد
 “تشير عالمة الفيزياء شيرلي آن جاكسون إلى أن (التشدد النسبي على العلوم والهندسة أكبر في البلدان الأخرى –مما هو عليه في أميركا-). وتشكل شهادات العلوم والهندسة الآن 60% من كل الشهادات الممنوحة في الصين، و33% في كوريا الجنوبية، و41% في تايوان. بالمقابل، تبقة النسبة المئوية للذي يحصلون على شهادة في العلوم والهندسة في الولايات المتحدة 31%. وعند استبعاد الشهادات العلمية، تبلغ نسبة الأميركيين الذين يتخرجون في الهندسة فحسب 5%، مقارنة بنسبة 25% في روسيا و46% في الصين، وفقاً لتقرير صادر في سنة 2004 عن “ترايلوجي ببليكيشنز”، وهي تمثل الجمعية القومية الأميركية للمهندسين”.
“وفي تقرير المجلس القومي للعلوم (من المتوقع أن يتقاعد كثير ممن دخلوا القوة العاملة للعلماء والمهندسين في الستينات والسبعينيات “جيل ارتفاع نسبة الولادات” في العشرين سنة القادمة، في حين أن أولادهم لا يختارون المهن العلمية والهندسية بأعداد مماثلة لأعداد آبائهم”.
السر القذر الثاني: هوّة الطموح
“وقد أبلغني الرئيس التنفيذي الأميركي لشركة متعددة الجنسيات تتخذ من لندن مقراً لها، (السر الصغير القذر هو أن التلزيم إلى الخارج ليس أقل تكلفة وأكثر فعّالية فحسب، لكن الجودة والانتاجية عاليتان أيضاً. وبالإضافة إلى تدني الأجور، فإن هندياّ مدرباّ في بنغالور يقوم بعمل أوروبيين أوثلاثة، كما أن الموظفين في بنغالور لا يأخذون إجازة لمدة ستة أسابيع). وأردف قائلاً، (عندما تعتقد أن الأمر يتعلق بالأجر فقط، يمكنك الاحتفاظ بكرامتك، لكن أن يعملوا بشكل أفضل فذلك أمر شنيع)”.
ويختم حديثه حول هذا السر بعبارة تبين تسابق الهنود والصينيين للقمة، وشدة اهتمامهم بالسبيل إلى ذلك، وحضور وثقل الشخصيات المبدعة في الأوساط الشبابية هناك، فيقول: “في الصين اليوم، بيل غيتس هو بريتني سبيرز. وفي أميركا بريتني سبيرز هي بريتني سبيرز، وهذه هي مشكلتنا”. أقول: ومن هي بريتني سبيرز عندنا يا ترى ؟!
السر القذر الثالث: الهوّة التعليمية
“من المؤسف أن التمويل الفيدرالي للأبحاث في الفيزياء والعلوم الرياضية والهندسة انخفض 37% من حيث نصيبه من الناتج المحلي الإجمالي ما بين سنتي 1970 و2004. وها نحن نقوم بتخفيض التمويل في وقت نحتاج إلى مضاعفة استثماراتنا في الأبحاث الأساسية للتغلب على هوّتي الطموح والتعليم”.
“تقول ترايسي كون، مديرة شئون الشركة في إنتل والمشرفة على جهود الشركة في لتحسين تعليم العلوم، (العلوم والرياضيات هما اللغة العامة للتكنولوجيا. وهما اللذان يدفعان التكنولوجيا ومستوى معيشتنا. وما لم يكبر الأولاد وهم يتقنون هذه اللغة العامة، لن يكونوا قادرين على المنافسة. إننا لسنا في صدد التصنيع في الخارج. فقد أنشئت هذه الشركة هنا، لكننا نستخدم مادتين أوليتين، الرمل، الذي لدينا موارد وفيرة منه، والمواهب، التي لا نمتلكها). –السيليكون يأتي من الرمل-“.
“وتابعت تقول، (نظرنا في أمرين. نظرنا في الفروع العلمية ذات الصلة بصتاعتنا، فوجدنا أن عدد الطلاب الذين يتخرجون بمستويي الماجستير والدكتوراه يتراجع بالأعداد المطلقة بالنسبة للبلدان الأخرى. ووجدنا عند النظر في التعليم من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر أنّ أدائنا جيد على مستوى الصف الرابع، ومتوسط على مستوى الصف الثامن، وعند الوصول إلى مستوى الثاني عشر يقترب من القاع في الاختبارات الدولية ذات الصلة بالرياضيات. لذا كلما أمضى الطلاب فترة أطول في المدرسة ازداد غباؤهم… لدينا معلمون يُفقدون الأولاد اهتمامهم لأنهم غير مدربين”. أقول: ونحن لدينا جامعات وطنية تُفقد الأولاد اهتمامهم !
ويلخص الكاتب الرسالة التحذيرية في نهاية هذا الفصل، “بما أنه يلزم خمس عشرة سنة لإعداد عالم أو مهندس متقدم، علينا أن نبدأ من مرحلة احتكاك الشاب أو الشابة بالرياضيات والعلوم في المدرسة الابتدائية باتباع برنامج سريع شامل بدون موازنة كبيرة جداً لتعليم العلوم والرياضيات على الفور. وعدم قيامنا بذلك يدخلنا في الأزمة. فالعلماء والمهندسون لا ينمون على الشجر، وإنما يجب تعليمهم عبر عملية طويلة لأن هذا هو علم الصواريخ”.
هذا ليس اختباراً
في بداية الفصل يشبه الكاتب التحدي الراهن بالتحدي الذي واجتهت الولايات المتحدة في ذروة الحرب الباردة، من دون أن يتجاهل بعض الفروق الجوهرية بين التحديين! فيقول، “كان التحدي في ذلك العالم نابعاً من البلدان التي تمارس الشيوعية المتطرفة، وتحديداً، روسيا والصين وكوريا الشمالية. أما التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم فنابع من البلدان التي تمارس الرأسمالية المتطرفة، وتحديداً الصين والهند وكوريا الجنوبية. كان الهدف الرئيسي في تلك الحقبة بناء دولة قوية، والهدف الرئيسي في هذه الحقبة هو بناء أفراد أقوياء”.
أما وجه الشبه بين التحديين كما يقول الكاتب “مواجهة تحديات التسطّح تتطلب رداً شاملاً ومركزاً وفاعلاً مثلما تطلبت مواجهة تحدي الشيوعية”. وكما أن كيندي في تلك المرحلة “يعرف أن أميركا تمتلك طاقات بشرية ومؤسسية، أكبر بكثير مما لدى الاتحاد السوفيتي، لكنها لم تستغل تماماً”، فكذلك يرى الكاتب الوضع تماماً في هذه المرحلة بالنسبة لمواجهة التسطّح، في ضوء ما سبق بيانه من “أسرار قذرة” تهدد تميّز صلصة أميركا الحقيقية !
يُقدم الكاتب رؤيته لمواجهة هذا التحدي فيما أسماه “التسطح العطوف”، وهو “مجتمع عظيم يلزم الحكومة ببناء البنية التحتية وشبكات الأمان والمؤسسات التي تساعد كل أميركي في أن يصبح أكثر قابلية للتوظّف في عصر لا يستطيع فيه أحد أن يضمن الوظيفة طوال الحياة”.
التسطح العطوف، “مزيج من السياسات المبنية على خمس فئات عريضة من الإجراءات الخاصة بعصر التسطّح”:
1- القيـادة
ينتقد الكاتب حال كثير من السياسيين في أميركا، وكيف أنهم بدلاً من أن يفهموا القوى التي تسطح العالم، وأن يكونوا قادرين على شرحها للناخبين، فهم يساعدون بقصد أو بدونه، على جعل الناخبين أغبياء بتشجيعهم على الاعتقاد بنظريات خاطئة كقولهم أن أميركا حققت الهيمنة الاقتصادية وستظل كذلك على الدوام.
وكما قدم الرئيس كينيدي رؤية إنزال إنسان على القمر، ليحفز الأمة على التنافس مع الاتحاد السوفياتي في السباق العلمي، يقدم الكاتب رؤية عملية مقترحة لبوش، يدفع بها الشباب ليصبحوا علماء ومهندسيين رياضيين، أضافة لتحقيق مكاسب عظيمة أخرى، وهي مبادرة قومية للعلوم، برنامج سريع للطاقة البديلة والحفاظ على البيئة لجعل أميركا مستقلة في الطاقة في السنوات العشر التالية. ويعلق بعد ذلك، “يبدو، من سو طالع أميركا، كأنني سأتوجه إلى القمر قبل أن يسلك الرئيس بوش هذه الطريق”.
رأي للكاتب هنا أرى أهمية نقله، “ليس من واجب الحكومة أو الشركة أن تضمن لأي شخص وظيفة مدى الحياة، لقد ولّت تلك الأيام. فقد مزّقَ تسطّح العالم العقد الاجتماعي. لكن ما تستطيع أن تضمنه الحكومة بل يجب أن تضمنه هو أن توفر له الفرصة لأن يصبح قابلاً للتوظيف”.
2- العضـلات
“إن العضلات التي يحتاج إليها العمال أكثر هي المنافع المحمولة –يقصد التقاعد والرعاية الصحية-، وفرص التعلّم المستمر. لماذا هذان الأمران؟ لأنهما أهم المزايا التي تجعل العمل متحركاً وقابلاً للتكيّف”.
استطرد المؤلف في أهمية جعل العمال متعددو المواهب من خلال توفير التعليم المستمر المدعوم من قبل الشركة أو الحكومة. وبيّن كيف كان هذا الأمر –تحمل الحكومة مسئولية تعليم الناس والارتقاء بهم- أساس نجاح انتقال المجتمع الأميركي من الزراعة التقليدية إلى التصنيع دون حدوث فجوة كبيرة في المداخيل، أي الحفاظ على الطبقة المتوسطة.
يقول بول رومرالاقتصادي بجامعة ستانفورد، “هذه كانت أفكاراً عظيمة –يقصد تلك التي كانت وراء نجاح الانتقال من الزراعة البدائية إلى التصنيع-، وكان ما ينقصنا في الوقت الحالي الخيال السياسي لكيفية قيامنا بشيء لا يقل شأناً وأهمية للانتقال إلى القرن الحادي والعشرين مثلما فعلنا عند الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين”.
ومن هذا المنطلق يقترح الكاتب عقداً اجتماعياً جديداً، “وإذا كان من عقد اجتماعي جديد ضمني بين أصحاب العمل والعمال اليوم، يجب أن يكون على هذا النحو: امنحوني عملكم وسأضمن لكم طالما عملتم لديّ أن أمنحكم كل فرصة متاحة –من خلال الترقية في العمل أو التدريب- لتصبحوا أكثر قابلية للتوظيف وأكثر تعدداً للمواهب”.
مع ذلك يرى الكاتب أن على أميركا أن تستقطب العقول من شتى أنحاء العالم، لتكون مجموعة أميركا المعرفية هي الأكبر، “إننا بحاجة إلى مضاعفة الجهود لبناء عضلات كل فرد أميركي، لكن علينا مواصلة استيراد العضلات من الخارج أيضاً”.
3- المحافظة على الوسائد “الدهن الجيد”
أي المحافظة على بعض الحواجز، حماية للمتضررين من عملية التسطيح، ولكن هناك حواجز سيئة (دهن سيء)، وأخرى جيدة (دهن جيد) يجب المحافظة عليها، “في حين ستختفي شبكات الأمان القديمة التي تقدمها الشركات أو الحكومة في ظل المنافسة العالمية في العالم المسطح، يجب المحافظة على بعض الدهن، بل وحتى زيادته … الضمان الاجتماعي دهن جيد، وعلينا المحافظة عليه. ونظام الرعاية الاجتماعية الذي يثبط الناس عن العمل دهن سيء”.
ويصارح الكاتب من يسأل باستنكار (لماذا نحافظ على الدهن أو الحواجز؟)، “إذا لم تكن من دعاة العالم المسطح العطوفين، لن تكون قاسياً فحسب بل أحمق أيضاً. فسوف تستغري رد فعل الذين يمكن أن تثير عملية التسطّح غضبهم، وقد يصبح ذلك الردّ شرساً إذا طال الركود”.
3- الفعاليّـة الاجتماعيـة
يتعين على للشركات العالمية أن تطور ضمائرها الأخلاقية، والسبب الدافع للشركات لتبني هذه الرؤية هو كما يقول الكاتب، “في العالم المسطّح الذي تطول فيه سلاسل التوريد العالمية، يميل توازن القوى بين الشركات العالمية والمجتمعات التي تعمل فيها كل على حدة لصالح الشركات أكثر فأكثر، وكثير منها مقرها في الولايات المتحدة. وبناء على ذلك، ستحظى هذه الشركات بقدر تفوق أي مؤسسة انتقالية في العالم لا على إنشاء القيمة فقط وإنما على نقل القيم أيضاً”.
يبين الكاتب –مع ضرب مثال- أنه بإمكان المنظمات والمؤسسات غير الحكومية أن تلعب دوراً فاعلاً في جعل هذه القوى متوازنة، من خلال تعاونها مع الشركات العالمية، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد، “لا يمكن أن يحل هذا النوع من التعاون ماكن قوانين الحكومة وإشرافها ولا ينبغي له. لكن إذا نجح، يمكن أن يكون بمثابة وسيلة لتطبيق القوانين الحكومية بالفعل”.
ويبين أيضاً قوة المستهليكن التي يجب استثمارها، “على دعاة التسطح العطوف تثقيف المستهليكن بأن قرارات الشراء التي يتخذونها وقوّتهم الشرائية ذات صبغة سياسية. فكلما اتخذت قراراً كمستهلك، تقوم بدعم مجموعة كاملة من القيم. أنت تصوّت على الحواجز التي تريد الحفاظ عليها أو إزالتها. وعلى التقدميين أن يجعلوا هذه المعلومات أسهل منالاً بالنسبة للمستهلكين بحيث يتمكن المزيد منهم من التصويت بطريقة صحيحة ويدعموا النوع الصحيح من سلوك الشركات العالمية”.
4- الرعايـة الأبويـة
“إننا بحاجة إلى جيل جديد من الآباء المستعدين لممارسة المحبة القاسية: فهناك أوقات يتعين عليك فيها أن تبعد أجهزة “Game Boy” وتطفئ أجهزة التلفاز وتضع أجهزة “iPod” جانباً وتحمل أولادك على العمل”.
ويبين الكاتب كيف أن غالبية الطلبة المتفوقين والحاصلين على فرص دراسية في جامعات متقدمة، هم أولئك المتخرجون من مدارس عامة وليس خاصة. ويرجع ذلك إلى أهليهم الذين يربونهم على الحرص على تنمية قدراتهم وتطوير أنفسهم.
 
وهنا لي وجهة نظر..
بعد قراءة نظرية “التسطح اللطيف”، وما يندرج تحتها، يتبين لنا كيف أن الكاتب يدعو لمزيد من تدخل الحكومة لضمان تقدم الدولة، واستمرارية مستوى معيشة أفرادها، من خلال توفير الفرص للمواطنين ليصبحوا أفراداً قادرين على مواجهة تحديات هذا العالم المسطّح، وكأني أرى الرأسمالية بطريقة غريبة تقضي على أهم مبادئها “مزيد من عزل الحكومة”، وإن كان التدخل هنا تدخلاً غير مباشر.
أخشى أن يظن القراء أن الفقرة السابقة –وجهة النظر- تختزل كل ما قبلها، ليست كذلك أبداً، لذا وجب التنبيه.
 


نُشرت بواسطة

alharban

Bahraini guy, working at Al Jazeera Media Netowrkin Doha. Triathlete, 2 IM in pocket. Founder of @weallread.

One thought on “أميركا والعالم المسطح”

  1. صحيح أن عالمنا أصبح مسطحا مثلما أشار إليه أستاذي الحربان من تعليق حول كتاب فريدمان.. فيتمثل التسطح في الغزو الكبير للعمال الأجانب من كافة الأقطار. فأصبحوا المحور الأساسي والبديل لنا ا وعندما اذهب إلى السوبر ماركت أو السوق فأجد القليل من صنع بلدي والغالي الكلفة والمستورد الأجنبي الأرخص والطاغي أو عند شاشة التلفاز وما تنقله لنا ولأبنائنا من تلوث فكري غربي مدموج يشكل خطر على بعض الجوانب من دمج للحضارات و الثقافات وأخذها سمات غريبة غربية مركبة تبتعد عن حضارتنا وديننا الإسلامي ..
    فهل يمكن أن يساهم التسطح في خدمتنا لا في سلب خيراتنا وتشويه أفكارنا ..
    أو في نشر ثقافتنا العريقة وديننا الإسلامي؟؟؟

اترك رد