خالد ومناصرة العلمانية

قصة قصرة
نظر خالد بعين عقله، البعيدة عن تعصب الهوى (الذي يسميه كثير من الناس الدين في أيامنا هذه)، والبعيدة عن عاطفة القلب، إلى المرشحين في منطقته، ولم يرَ أفضل وأنسب مرشح ليكون نائباً في البرلمان من وليد، وهو رجل متحدث، له خبرة في العمل السياسي، وقوي في مجال عمله، القانون والمحاماة. فوقف معه غير آبه برأي كثير من أصحابه، الذين رأوا في ذلك مخالفة شرعية صريحة، كون وليد مرشحاً غير إسلامياً !
*****
جلس عمر مع خالد في المقهى العنابي، يدردشان في مواضيع لا نهاية لها، ومنها موضوع الانتخابات. عن موقف خالد من انتخاب "غير الإسلامي" قال عمر، سكرتير نهيان معلقاً:
          نهيان يرى أن اختيارك صحيح سياسياً، ولكن المشكلة أنه لا يجوز شرعاً !
رد خالد مستغرباً من هذا المنطق:
          لم يقنعني هذا الكلام !
عاد خالد إلى بيته، واستلقى على السرير يفكر في وجهة نظر نهيان، قائد من قواد الدعوة السلفية في البلاد، وقال في نفسه: (ليت ابن تيميمة أتبَعَ كتابه "درء تعارض العقل والنقل" بكتاب "درء تعارض المصالح الوطنية والأحكام الشرعية") !!
بصوت خافت، قرأ أذكار النوم، واستسلم للميتة الصغرى مكبل العينين..
*****
طلب حسين من خالد جلسةً عابرة، ليستوضح منه بعض المواقف التي صدرت منه مؤخراً. اصطحب خالد صديقه طفيل ليرافقه. بعد السلام والتحية، افتتح خالد:
          تفضل أخي حسين، أسأل..
          لماذا وقفت مع غير الإسلامي وليد في الانتخابات النيابية، وتركت الإسلامي منصور، هل فقط لأن منصور غير سلفي، أو لأنه ينتمي لجمعية قد لا تعجبك ؟؟
          يجب أن تعلم أولاً يا عزيزي حسين أني لا أملك هذه النظرة الضيقة، فلم أزكي المرشح السلفي عندما سألني صديقي الذي يسكن في منطقته عن أي المرشحين يختار. ولم أكن لأقتنع أبداً بإبراهيم، الشيخ السلفي هو الآخر، ليكون مرشحاً في منطقتي !
          إذاً لماذا وقفت مع العلماني وتركت الإسلامي ؟؟!!
باهتمام بالغ، وانفعال معتدل، اقترب خالد من حسين، مستنداً على يديه المنتصبتين على الطاولة، وقال:
          دعني أسألك
          تفضل..
          كم إسلامي في المجلس حالياً ؟
تدخل طفيل بعد أن أستغرق حسين قليلا في العد:
          كلهم (الأربعون) إلا إثنان، ولنقل إلا ثلاثة على أسوأ تقدير.
أتبع خالد سؤاله بسؤال آخر:
          وماذا يستطيع أن يفعل علماني وحيد، أمام 37 إسلامي ؟!
قبل أن يجيب حسين على سؤاله، واصل خالد:
          ولكن في نفس الوقت دعني أسألك أيضاً، كم قانوني لدينا في المجلس؟ المكان الذي ينبغي أن يكثر فيه أهل القانون. وكم متحدث داخل المجلس مثل هذا العلماني يستطيع مواجهة أولئك الذين يخلطون الحق بالباطل؟ ثم تعال قل لي، إذا كان أصحابنا لا يستطيعون أن يقولوا في مواطن كثير كلمة "لا"، ألا ترغب أن يقولها رجل "بايعها" وفي نفس الوقت غير محسوب على جماعتك؟! وألم تسأل نفسك مرة: إذا ما أرادت الحكومة أن تُفشل المجلس، وهي قادرة على ذلك، من سيلوم الناس؟ ومن الذي سيفقدون الثقة فيه؟ سيلومون الإسلاميين، وسيفقدون الثقة في الإسلاميين، ولا أحد غيرهم، أما إن كان هناك غيرهم في المجلس ألا تعتقد أن الإسلاميين لن يتحملوا كل مسئولية الفشل؟ ولن يفقدوا كل الثقة؟ تلك الثقة التي يحرص عليها بعض الإسلاميين أيما حرص لا ليدعوا الناس إلى صحيح معتقد أو سليم منهج، إنما لليوم المشهود، يوم التصويت!
سأل حسين:
          وما كان يدريك أن العلمانيين الآخرين، جماعة (رعد)، لا يصلون للمجلس، وبالتالي يزداد عدد العلمانيين على عدد الإسلاميين ؟
          من المستحيل أن يصل واحد منهم.
          وكيف تضمن ذلك ؟!
          أنسيت يا صديقي حسين الصناديق العامة ؟
          أنت تشكك في صحة الانتخابات ونزاهتها ؟!
ابتسم خالد، والتفت إلى صديقه طفيل الذي بادله نفس الابتسامة..
*****
      يتصفح خالد مع صديقه طفيل كتاباً، ويقرأ لابن تيمية (فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدّم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضرراً فيها؛ فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أميناً، كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف؛ مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يُغزى مع القوي الفاجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)).
      يعلق خالد بأسلوبه الساخر المعتاد:
          أتعلم يا طفيل، أظن أن زمان ابن تيمية خلا من أهل العلم والحكمة، الممتلئ منهم زماننا، لذلك تجرأ ابن تيمية أن يقف على هذا الرأي، ويقف ضد الصالحين الأمناء، كما يرى الأمر اليوم كثير من أصحابنا بلسان الحال، حتى وإن اختلف لسان المقال الذي يصرحون به !!
يضحك طفيل بصوت مرتفع، يضيف خالد:
          صحيح أن الفجور يختلف عن العلمنة، ولا يمكن أن ننزل كلام ابن تيمية في مقارنتنا هذه، ولكن ابن تيمية يتكلم عن جهاد، أتعلم ما الجهاد يا طفيل؟! ونحن لا نرتضي لنائب لا حول له ولا قوة، إلا أن يكون صالحاً أميناً حتى وإن لم يكن قوياً! في مجلس لا حول له ولا قوة! وفوق ذلك، كل المجلس "إسلاميين"، أيضاً هؤلاء لاحول لهم ولا قوة! ومن دون بالله لا حول ولا قوة! ألا يمكننا أن نستفيد من قوة العلماني، بل الكافر أيضاً، في موطن لا يستطيع أن يضر فيه الإسلام أو المسلمين بوجود الأغلبية الإسلامية داخل المجلس ؟!!!
يستمر طفيل ضاحكاً حتى تدمع عيناه من الضحك..
*****
      وصف المتطرفون خالد بـمناصر العلمانية والعلمانيين. وقال عنه المعتدلون: نسأل الله أن لا تتمكن الشبه (جمع شبهة) من قلبه. أما العاقلون قالوا: إنها كبوة جواد !!
      يتصل بخالد شيخ معروف بمواقفه وعطاءه في العمل الدعوي والخيري والسياسي، ويقول له: اختيارك كان في مكانه. في ظل الوضع الحالي وليد كان الأنسب، ولكن يا ليت أصحابنا يفقهون !
      فرح خالد كثيراً، فقد زاده الشيخ فوق رضاه عن نفسه رضاً.
انتهت القصة.
 
ملاحظة: ما ورد في القصة من آرء لا تعبر بالضرورة عن رأي الكاتب !

نُشرت بواسطة

alharban

Bahraini guy, working at Al Jazeera Media Netowrkin Doha. Triathlete, 2 IM in pocket. Founder of @weallread.

12 thoughts on “خالد ومناصرة العلمانية”

  1. اخوي احمد خالد انه اعرفه والمرشح الإسلامي الذي لم تسانده لم يكن اقل كفاءه من الذي ساندته انت …

    فالفضاله وهو المرشح عن جمعية المنبر ذو شخصيه قوية ومتكلم بارع ومضطلع بأمور سياسيه عديده..

    ولكن عبدالله هاشم مالذي يملكة سوى الصراخ والفوضى التي يصنعها في كل مكان يحل به …

    لن اطيل الكلام لكي لا يطول الجدال…

    ومشكور …

    منبري…

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

    شكرا لك أخي الفاضل …

    وأعحبني كثيرا أسلوب الطرح …

    بإنتظار جديدك

    وبالتوفيق …

  3. أخوي “منبري”

    “لن اطيل الكلام لكي لا يطول الجدال”

    أحلى شي 🙂

    وشاكر لك مرورك عزيزي..

    الله يوفق الجميع لخدمة هذا الوطن.. آميـن

  4. أم عبدالرحمن

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتـه

    شكــراً..

    الله يوفقنا وإياج 🙂

  5. بارك الله فيك اخوي احمد…

    واتمنى من اخوانه في الجمعيتين الاسلاميتين السياسيتين تخريج صف سياسي ديني قوي للانتخابات القادمه لتفادي هذه المصادمات التي لا يفهمها البعض..

    والله يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح

  6. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته..بداية .. لله وحده الحمد و المنة على الصلاح و الاستقامة في الفكر و المعتقد..أعتقد بأنني أتفق مع “خالد” في نقطة (أن نستفيد من قوة العلماني، بل الكافر أيضاً، في موطن لا يستطيع أن يضر فيه الإسلام أو المسلمين بوجود الأغلبية الإسلامية داخل المجلس)بشرط..توافر ضمان وجود الأغلبية الإسلامية في المجلس .. حتى لا تنقلب الموازين و تتضارب المقاصد بتعارض العقائد..فجمعياتنا السياسة قد تختلف في فروع العقيدة لكن تتفق في أصولها.. في حين أهدافها مناطة بعمل ما يحبه الله و يرضاه..قصة سعدت بقراءتها لما فيها من فن المقال.. لعرض طبيعة الحال..موفق إن شاء الله .. * همـــــ (الروح) ــــس*

  7. خالد وعرفناه

    أما الباقي شاك فيهم أنا

    المقال رائع أخوي أحمد , وأكيد أنت بستغرب ليش أنا راد عليك في هالموضوع بالذات !!!

    🙂

    تحياتي

  8. الأخ منبري مع انتمائي لنفس تيارك إلا أني أخالفك قليلا

    أحترم ناصر الفضالة جدا وقمت بالتصويت له فعلا ولعل الأخ أحمد الحربان لم يفهم حتى الآن أن قصة الانتخابات ستكون فوز وخسارة ومن الطبيعي أن يفوز من نؤيده نحن يوما ما.

    ولكني أعتبر عيدالله هاشم أيضا رمزا من رموز المحرق حتى لو لم أقم بالتصويت له، فهو إنسان فاهم ومثقف، ولا يقوم بمجرد الصراخ كما ذكرت.. كما أنني اود أن أنوه إلى أن الأستاذ عبدالله هاشم كان في حملته الانتخابية أقوى بكثير من الأخ ناصر الفضالة وذلك لما ألم بالأخ ناصر من مرض لا يخفى علينا جميعا، ولولا معرفتنا برسالة الأخ ناصر لما قمنا بالتصويت له.

    أخي منبري.. كتبت ردي هنا من أجلك لا من أجل الحربان، فالحربان نعرفه جميعا ونعرف سياساته وركضه نحو المصالح، لكن الخلاصة التي أحب أن أصل إليها، أننا يجب ألا نؤيد الطرف الذي نريد لمجرد أننا نريده، ولكننا يجب أن ننصف الأطراف الأخرى أيضا.

  9. ههههههه

    مشكور أخوي على التعليق والإضافة
    يات مؤدبة وحلوة 🙂

    “فالحربان نعرفه جميعا ونعرف سياساته وركضه نحو المصالح”

    اي ما تجوف سيارتي X5
    وطلعاتي مع أهل المصالح زايدة 🙂

    عيل واحد يبي مصالح يوقف مع عبدالله هاشم في الانتخابات!

    الله يساعدك بس 🙂

  10. ياليت كل الناس تفكر مثل خالد شان احنا بخير وشان تشوف برلمان متعادل سياسيا ومتوازن رقابيبا.

    البرلمان الحالي عبارة عن (( وزارة اوقاف اسلامية )) اسلاميين سنة واسلاميين شيعة .

    ما اعتقد ان هالبرلمان يقدر يضيف شي او حتى يكح في ويه الحكومة .

  11. يؤسفنني أنني من دائرة أحمد الإنتخابية.. و”جميع”.. أكررها: “جميع” مرشحي هذه الدائرة من السياسيين “المتلونين”: أحدهم يسرق مقالات وينشرها بإسمه ويقول أنه “توارد خواطر!”، وآخر يصلي صباحا ويفجر مساءً!، وثالث حوّله هوس المقعد “البيج” بمجلس النواب من قائد بتنظيم سياسي سري يؤيد الكفاح المسلح لإسلامي سني متشدد.. وقد ينقلب غدا (في إنتخابات 2010 تحديدا) لإسلامي شيعي.. ولنا أن “نتفاكر” حاليا عما إذا سيكون من أنصار “حركة حق” أو أنه العضو “الوفاقي” المرتقب!!.
    ملخص مداخلتي التي طالت أن الدفاع عن مرشح بهذه الدائرة التعيسة لا يعني تبرئة ساحة المرشح الآخر.. التعيس أيضا كبقية خصومه المرشحين!

  12. كلام جميل ومصطلحات أجمل
    غير إسلام – لا يجوز شرعا – الحق والباطل – الفاجر القوي – المؤمن الضعيف

    كان كلام سكرتير نهيان إلى خالد غريب جدا فكيف يكون إختيار صواب وهو مخالف للشرع ؟

    قمة التناقض أنا متأكد أن الرجل مصاب بالشوزيفرينيا

    معنا هذا الكلام إذا كان موقف خالد صحيح إن الخطأ في الشرع والعياذ بلله لأنه يخالف ما هو صواب .. تناقض ما بعده تناقض ونفاق على حساب النصوص الشرعية

    إذا كان الإمام أحمد بن حنبل رجح الفاجر القوي من أجل مصلحة المسلمين على حساب المؤمن الضعيف فماذا يقول عن الفاجر الضعيف ؟؟؟

اترك رد