ليست مجرد تجربة (3)

درس التوحيد

خطرت في بالي فكرة، الوسيلة التقليدية، لا أصفها بالتقليدية من باب الذم، درس شرعي في مسجد الجامعة! شرعت في تنفيذ الفكرة، بدأت بقراءة كتاب التوحيد في مسجد الجامعة يومي الأحد والثلاثاء بعد صلاة الظهر، مع إضافة بعض التعليقات والفوائد التي ألخصها قبل الدرس! كنت ألخص هذه التعليقات والفوائد من ثلاثة شروح للكتاب ليلة الدرس. وكتاب التوحيد كتاب مشهور في العقيدة للشيخ محمد بن عبدالوهاب، يتناول فيه مسائل هامة في علم التوحيد. 

بعد يومين فقط، ازدادت الحلقة اتساعاً لتحوي فيما يقارب العشرين طالباً. فرحت كثيراً بهذا الدرس، لأني أتعلم أموراً كنت أجهلها من خلال التحضير، وللقبول الذي لاقاه، فقد كان الأخوة حريصون على الجلوس والسماع، هل ذلك لقصر مدته، لا يتعدى خمسة عشرة دقيقة، أم هو تعطش لهذه النوعية من الدروس، أم أن فارق السن المعدوم بين مقدم الدرس وبينهم هو أبرز الأسباب التي تقف وراء هذا القبول، الله أعلم!

أرجو أن أكون صائباً إن قلت: لم تكن الثقة المفرطة في النفس التي جعلتني أقدم هذا الدرس، الذي كان من المفترض أن يقدمه طالب علم متمكن نوعاً ما. صحيح أني لم آتي بجديد، كان الدرس مجرد قراءة من كتاب إضافة لنقل تعليقات مختصرة من عدة شروح، إلا أن هذا الأمر أيضاً لا يقوم به إلا طلبة العلم، الذين على الأقل أنهوا دراسة الكتاب نفسه، ولا يتصدر له جاهل مثلي، يدرس المسألة الواحدة ويشرع في تعليم غيره إياها!

ما قمت به – في نظري – فيه خطأ وصواب، بغض النظر عن نسبة الخطأ ونسبة الصواب، فالخطأ هو الاستعجال، هذه الصفة الشديدة الملازمة لي، تدخلت من غير استئذان في أغلب قرارات حياتي، وأخدع نفسي وأخدعكم إن قلت أني اليوم تخلصت منها تماماً. أما الصواب فهو السعي لتبليغ "ولو آية" ودفع زكاة أي بضاعة من العلم حتى لو لم تبلغ النصاب، إن كانت هناك بضاعة أصلاً!

في الواقع لم أبدي أي محاولة لإخفاء الدرس لأني كنت أظن بأن الأمر عادي جداً، ومن سيمنع مجموعة من الطلبة تجتمع على تدارس مسائل شرعية في مسجد الجامعة؟! تبين لي لاحقاً أني لا أملك حينها الجهل المركب في ميدان العمل الطلابي فحسب، بل حتى في قوانين الجامعة، المكتوبة وغير المكتوبة! وما إن دخل الدرس أسبوعه الثاني أو الثالث، لا أذكر تحديداً، حتى انتبه له رئيس الجامعة الدكتور ماجد النعيمي، الذي كان حريصاً على أداء الصلاة في المسجد. بعد ربع ساعة من ملاحظته لتلك الحلقة التي اجتمعت بعد الصلاة في طرف المسجد، رن هاتفي النقال: ( معك سكرتيرة الدكتور محا الدين، عميد شئون الطلبة، العميد يرغب في رؤيتك هل بإمكانك الحضور الآن؟ ). قلت: ( نعم، أنا قادم ). لا أظن بأني كنت أحتاج لحدس خارق لتخمين الموضوع الذي طلبني العميد من أجله. وأنا في طريقي لمكتبه تيقنت بأن الدرس الذي انتهينا منه منذ قليل سيكون الأخير.

كعادته حين يلقي كلمة عمادة شئون الطلبة في افتتاح البرامج والفعاليات، ألقى علي العميد محاضرة طويلة، حذرني فيها بأن هذا الدرس سيقود إلى تفرّق الطلبة كما تفرّق المسلمون إلى جماعات في زمن ما غابر، وصارت كل جماعة (أصحاب المذاهب) تصلي صلاة منفردة عن الأخرى في الحرم المكي!! لم أماطل، ولم أجادل، تعهدت فوراً أن الدرس الذي قدمته اليوم سيكون الأخير. وهكذا بفن بعض الإداريين المعهود، خاصة أولئك الذين يكبرون الطلبة كثيراً، تم احتواء الأزمة، ودفع الخطر المحدق الذي كاد يسببه درس صغير في مسجد الجامعة!

نُشرت بواسطة

alharban

Bahraini guy, working at Al Jazeera Media Netowrkin Doha. Triathlete, 2 IM in pocket. Founder of @weallread.

5 thoughts on “ليست مجرد تجربة (3)”

  1. لا إله إلا الله .. محمد رسول الله…

    اللهم يا مقلب القلوب.. ثبت قلب أخوي “الحـــربان” على دينك…

    حفظك الله أخي الكريم و في انتظار المزيد…

    أختك في الله..
    همس الروح…

  2. كثيرون هم من يثقون في أنفسهم وهم لا يستحقون الإحساس بتلك الثقة!

    كان من الأروع لو انك كللت عباراتك بتاج من الثقة منزوعة الغرور؛ على الأقل حضرتك تستحقها أكثر من غيرك!

    وأخيراً تمنيت حقاً لو أنك كللتها بمزيد من التأني وقليل من الحبور..!

    وفقك الله..

  3. إن الثقة بالنفس هي طريق النجاح في الحياة، وإن الوقوع تحت تأثير الشعور بالسلبية والتردد وعدم الاطمئنان للإمكانات والقدرات هو بدايةالطريق نحو الفشل، وكثير من الطاقات أهدرت وضاعت بسبب عدم إدراك أصحابها لما يتمتعون به من إمكانات أنعم الله بها عليهم لو استغلوها لاستطاعوا أن يفعلوا الكثير وينفعوا الكثير ، والناس لا تحترم ولا تنقاد إلى من لا يثق بنفسه وبما عنده من مبادئ وقيم وحق فكيف للناس ان تثق به ان كان لا يثق بنفسة ، كما أن الهزيمة النفسية الداخلية النابعة من الشخص نفسة هي بداية الفشل.

    يقول مونتغمري في كتابه ‘الحرب عبر التاريخ’: ‘أهم مميزات الجيوش الإسلامية لم تكن في المعدات أو التسليح أو التنظيم، بل كانت في الروح المعنوية العالية’.

    والثقة بالنفس لا تعني الغرور أو التعالي، وإنما هي نوع من الاطمئنان الداخلي إلى إمكانية تحقيق النجاح والحصول على ما يريده الإنسان من أهداف ورقبات يريد الحصول او الوصول اليها.
    جميل ان تتحلى بثقتك بنفسك والاجمل ان تجعل الاخرين بثقون بك

    شكرا اخي الكريم .. سدد الله خطاك وحفظك

    وبالتوفيق انشاء الله

    اختك ام ابراهيم

  4. دعني أحدثك عما يحدث عندنا في السعودية
    تجاه الدروس الشرعية في المسجد

    هي متاحة لكل ناشط له علاقة مع القائمين على المسجد
    ولو كنت متحمسا لزاد دفعهم لك كثيرا
    وتقديمك على غيرك

    بالمختصر لا توجد لدينا مشكلة في ذلك

    وقد يكون ذلك عائدا إلى الاختلاف الهيكلي
    في المجتمع والنظام بين المملكتين!

    ———–
    كتاب التوحيد لمحمد بن عبدالوهاب مرة وحده يا أحمد؟!

اترك رد